• وجهة نظر: الكاتبة •
خرجت آليثيا من جناحها بخطوات هادئة.
الهدوء… سلاحها الأول.
لكن داخلها؟ لم يكن كذلك.
نبضها كان مرتفعًا، وأفكارها كعاصفة لا تهدأ… تدور، تصطدم، تتساءل، وتتخوف.
نزلت السلالم الكبرى المؤدية للطابق الأرضي. السجاد المخملي الممتد تحت قدميها لم يخفِ الصوت الآتي من الأسفل… ضجيج واضح… أصوات كثيرة… ضحكات… نساء يتحدثن بصخب ناعم، وكأن المكان امتلأ فجأة بالحياة.
شيء لم تعهده في القصر من قبل.
توقفت عند الدرجة الأخيرة.
رفعت عينيها نحو الممر الطويل المؤدي إلى غرفة المعيشة الكبرى، حيث تصاعدت الأصوات.
كانت نسمات الهواء محملة برائحة العطر، القهوة، وضجيج حديثٍ متداخل… حديث عائلة.
لكن رغم قلقها الذي بدأ يشتعل في صدرها، لم يتحرك شيء على وجهها.
حدّة البرود بقيت متماسكة، عيناها ثابتتان، شفتاها لا ترتجفان، وملامحها… كما هي.
خطت خطواتها ببطء.
صوت كعب حذائها الخفيف كان يتناغم مع دقات قلبها التي لا يسمعها سواها.
اقتربت…
ثم وصلت إلى الباب المفتوح.
توقفت.
ما رأته أمامها جعل الزمن يتباطأ فجأة.
غرفة معيشة ضخمة، ذات سقف عالٍ وثريات متلألئة… وكانت تعجّ بالبشر.
عائلتها.
رجال… طوال، ضخام، ملامحهم حادة كالسيوف. لم تكن قسوتهم خفية… بل واضحة على محياهم، وكأن كل واحدٍ منهم وُلد في ساحة معركة.
لكن… رغم ذلك، كانت الابتسامات تملأ وجوههم.
إلا واحدًا.
رجلا ذا وجه بارد كالثلج...حاد.
كان جالسًا مع الكبار بصمت، وجهه جامد كالصخر، عيناه لا ترمشان، وحدته وسط الحشود كانت أشبه بظلٍ لا يرحم.
عيناها انتقلت سريعًا.
ثمانية أولاد آخرون غير إخوتها الأربعة كانوا هناك.
اثنان منهما يجلسان بجانب إندرو، لهما ذات تقاسيم الوجه تقريبًا، وتبدوان عليهما الملامح المرحة، يضحكان كأن الحياة لعبة بسيطة.
ثلاثة آخرون كانوا مع ماتيو، يتحدثون بارتياح، تنسجم وجوههم بابتسامات لطيفة ونظرات فيها مودة.
أما الإثنان اللذان ظهرا أكبر سنًا، فقد كانا قرب لياندرو، يتبادلان الحديث عن الأعمال بنبرة جادة، برودة واضحة، وكأن العالم لا يهمهم سوى بلغة الأرقام والدم.
والأخير؟ كان مع برونو، يتشاركان ذات الحدة، ذات الحذر… وذات المزاج العاصف.
وعلى الجانب الآخر… كانت النساء.
نساء العائلة الممتدة، يجلسن متقابلات، بينهن الضحكات، أحاديث عن التسوق، شؤون النساء، وهمسات مليئة بالحيوية… زينتهن راقية، ملابسهن فاخرة، وكل واحدة منهن كانت تحمل في مظهرها ذلك العزّ الذي لا يُشترى.
أما هناك، قرب النافذة، وقريبًا من والدها رافاييل… كان يجلس الرجل الأكبر سنًا.
وبجانبه اثنان من كبار رجال العائلة، ملامحهم قاسية، صلبة، كلماتهم قليلة، وابتساماتهم خفيفة جدًا… كأنها تسخر من كل شيء.
وقف الزمن للحظة.
وهي واقفة على الباب، لا تزال في مكانها… تنظر إليهم جميعًا.
سعادة تغمر المكان.
ضحكات، أحاديث، دفء.
عائلة.
حقيقية.
وأدركت… أنها عائلتها.
العائلة التي بحثت عنها طويلًا.
عائلة ديلاغو الممتدة.
كان والدها قد قال إنهم سيأتون غدًا.
لكنهم جاؤوا الآن.
مفاجأة.
وفجأة… تسللت إليها الذكريات.
صورة والدة وهمية، بيت من خوف، صراخ، ضرب… سنين مرت دون معنى.
ثم الآن… تقف أمام هؤلاء… الذين يشبهونها.
لكنها لم تلحظ أنظارهم.
أو هكذا ظنّت.
أنظارهم كلها كانت عليها.
مذهولة… صامتة… مشدوهة.
رجال العائلة، بكل جبروتهم، كانوا ينظرون إليها بدهشة.
وحزن.
حزنٌ واضح، ليس في ملامحهم، بل في أعينهم.
أما النساء؟
فقد تجمّدت أعينهن.
الدموع انهمرت بصمت… كنهرٍ جارف، دون شهقات، دون أصوات.
كأن الجمال الذي رأينه كان أكبر من أن يُوصف.
شعرها… أشقر، بلون سنابل قمحٍ نضجت تحت شمس المساء، ينسدل بانسيابية على كتفيها كأن الريح صاغته لتدلّل النور.
أما عيناها… فكانت تحفة نادرة.
لونٌ لا اسم له.
مزيجٌ غريب بين زرقة صافية وعمقٍ حالك… بين لون القمح في موسم الذبول، وسواد الحبر حين يلتقي بورقٍ أبيض ناصع.
نظرتها… لا تشبه نظرة مراهقة عادية، بل كأن الزمن نفسه انعكس فيها، وكأن كل ما رأته… نُقش على سطح هاتين العينين دون أن يُمحى.
كانت… أميرة.
لكن بعد لحظةٍ من التأمل، رأوا شيئًا آخر.
ضعف جسدها.
نحولها الخفي.
رقةٌ ما في وقفتها… خافتة جدًا.
وغضبٌ اجتاح قلوبهم… لكنه لم يظهر على وجوههم.
لم يريدوا أن تراه.
مرت لحظات… أو ربما دقائق… أو حتى نصف ساعة.
هكذا شعرت.
كانت شاردة تمامًا.
وفي لحظة… عادت لواقعها.
ورأتهم.
كل العيون عليها.
كل المشاعر تتدفق من عيونهم… حب، صدمة، شوق، ألم، حنين.
توترت.
في داخلها فقط.
لكن وجهها؟ بقي كما هو.
هادئًا… جامدًا… خاليًا من أي تعبير.
ثم… سمعته.
رافاييل.
بصوته العميق، الأبوي:
— "آليثيا… تعالي. سأعرّفك عليهم."
لم تتحرك للحظات.
وفي داخلها، همست:
> "أنا أعرفهم. لكن لا بأس… لا بأس أن أتعرف عليهم من جديد."
ثم تقدّمت.
وهكذا… انتهى أول لقاء لها مع العائلة الكبرى.
لكن لا أحد علم…
أن قلبها، في تلك اللحظة، كان يخوض معركة لا تشبه أي معركة خاضتها من قبل.
• وجهة نظر: آليثيا •
لم أكن أتخيل أن الضوضاء قد تحمل هذا القدر من التوتر.
الخطوات التي خطوتها وأنا أنزل الدرج، كانت ثابتة كما تعوّدت أن أُريهم… حازمة، واثقة، لا تخاف، لا تتردد. ولكن الحقيقة؟ الحقيقة أن كل خلية في جسدي كانت تصرخ.
ما هذا؟ من هؤلاء؟ لماذا جاءت المفاجأة الآن، وليس "غدًا" كما قال والدي؟
أصوات مختلطة… ضحكات… حديث نسائي خفيف… نغمات ذكورية فيها ثقة وسطوة وقوة… الجو لم يكن فقط حيويًا، بل كان مشحونًا بشكل خنق أنفاسي. كأنني أقف في وسط عاصفة من المشاعر التي لا أمتلك خارطة لفك رموزها.
حين وصلت إلى الدرجة الأخيرة من السلم، توقفت للحظة. نظرت إلى المكان الذي تتجه نحوه خطواتي، وترددت لثانية.
أكان عليّ أن أعود؟
لكن لا… دراكانزا لا تعود.
أنا… لا أعود.
تقدّمت.
رأيتهم.
العائلة التي لم أرها يومًا… والتي حلمت بها، ولعنتها، واشتقت لها، وخفت منها في آنٍ واحد.
رجال يقفون كأنهم صُنِعوا من صخر… وسامة فادحة… أجسادهم تتحدث عن القوة والانضباط… ملامحهم لم ترحم، لكن بين الضحكات التي ارتسمت على وجوههم، كانت هناك مشاعر… دفء… لا أعرفه.
كان يقف كأنه عملاق جليدي.
ذلك الذي لمحته اول ما دخلت للغرفة...
عمي… كما أظن.
عيناه لم تضحكا. لم تبتسما. لم تتحركا حتى. كان يحدّق بي كما لو أنني شيء جاء من ماضٍ لا يريد تذكره… أو ربما كأنه يرى شبحًا كان يظنه قد مات.
وفي الزوايا الأخرى… كل شيء بدا مغايرًا تمامًا.
النساء… يا الله…
كنّ جميلات، أنيقات، في حديث ضاحك عن التسوق والعطور، عن الطهو والموضة… كأن الحياة لم تُصمم إلا لتجعل وجوههن تبتسم.
لكن حين وقعت أنظارهن عليّ… تحطّمت تلك الصورة.
أحداهن شهقت بصمت، وبدأت دموعها تسيل كأن قلبها انفجر دون صوت. وأخرى وضعت يدها على فمها، تحاول أن تحبس شيئًا أكبر من مجرد دمعة.
لم يتكلم أحد.
لكن كلهم… كانوا يرونني.
وأنا… رأيت نفسي من خلالهم.
كم كنت ضعيفة.
هزيلة.
خلف ذلك الوجه البارد، هناك مراهقة عاشت بين الشوك، وعادت تحمل آثار الجراح دون أن تشتكي.
شعري؟ أشقر. عيوني؟ بين الأزرق القامح والأسود.
بشرتي البيضاء؟ اكتسبت لون الثلج من شحوب العزلة… كل شيء فيني، وكأنه صُنع ليتحداهم.
لكن حين ركّزوا، حين دقّقوا…
رأوا أكثر من الجمال.
رأوا هشاشة.
نحافة جسد لا ينتمي لبيئة الرفاهية.
وهذا… أغضبهم.
رأيت الغضب في أعين الرجال. لا، ليس نحوي. بل على من جعلوني أبدو هكذا. لكنهم أخفوه… كما أخفيت أنا رعشتي.
كنت أشعر أن أنفاسي بدأت تثقل، ولكن وجهي بقي صلبًا. لا مشاعر، لا حركة، لا ارتباك.
أنا آليثيا… الفتاة التي نجت.
أنا لست ضحية. حتى إن ظنّوني كذلك.
مرّت الدقائق كأنها دهور.
كل الأحاديث توقفت.
حتى النساء لم يعدن يتحدثن.
والضحكات… انطفأت واحدة تلو الأخرى، كأن حضوري كان الصفعة التي توقظ الجميع من غفوة دامت خمس عشرة سنة.
ورغم أنني كنت واقفة على عتبة الباب فقط… شعرت وكأنني عارية أمامهم. لا ملابس تخفي، ولا وجوه تحمي. فقط حقيقتي. بجسدي، بملامحي، بنظراتي الجامدة التي تخفي خلفها آلاف الصرخات التي لم يُسمح لها بالخروج.
وفجأة…
ناداني صوت والدي.
هادئ… ثابت… كما لو أنه يعلم تمامًا ما أمر به.
قال فقط:
— "تعالي، آليثيا… أعرّفك على العائلة."
ابتلعت ريقي.
أردت أن أقول "أنا أعرفهم."
لكنني فقط مشيت.
ليس لأنني أرغب بذلك.
بل لأنني… أنا وريثة العرش.
ولا وريثة… تتراجع.
✧Serelith✧