• وجهة نظر: آليثيا •
السماء الإسبانية كانت دافئة... رغم الغيوم.
الطائرة بدأت تهبط، ومع كل متر يقترب من الأرض، كان قلبي يزداد خفقانًا.
لا أعلم هل هو بسبب المرض... أم الخوف... أم هذا الشعور الذي لا يمكن وصفه.
خرجتُ من الطائرة بصمت، والريح تداعب خصلات شعري المتشابكة.
بجانبي كان والدي... خطواته ثابتة، عيناه عليّ فقط، كأنه لا يرى شيئًا غيري.
سار معي نحو سيارة سوداء فاخرة، ذات نوافذ عاكسة، وتحت أنظار عشرات الرجال بملامح حجرية.
صعدتُ... وجلست على المقعد الجلدي الناعم، أغمضتُ عينيّ للحظة.
ثم فتحتها... ورأيت إسبانيا.
يا للدهشة...
الشوارع، الألوان، الأزهار المعلقة على الشرفات، رائحة الخبز من المخابز القديمة، وأصوات الباعة من بعيد...
كل شيء بدا مألوفًا... ومجهولًا في آن واحد.
التفتُ إلى والدي وسألت بهدوء:
- "هل يعيشون جميعًا في نفس المنزل؟"
أومأ برأسه.
- "هل... هل سيحبونني؟"
طأطأ رأسه، صوته خافت:
- "إن لم يفعلوا... فليسوا أبنائي."
كل دقيقة تمر كانت تأكلني من الداخل.
كنت أضع يدي على صدري أحيانًا أكتم ارتجاف قلبي،
وأتخيل وجوههم...
هل سيتجاهلونني؟
هل سيشكون فيّ؟
هل سأكون دخيلة؟ أم "أليثيا" حقًا؟
أختهم التي انتزعها القدر منهم؟
اقتربت السيارة من منزل واسع على طراز كلاسيكي فاخر، تحيط به حديقة خضراء وسياج من الورود الحمراء.
البوابة الحديدية فُتحت تلقائيًا، دخلنا ببطء...
وهناك، على درجات السلم الحجري...
كانوا يقفون.
أربعة وجوه. أربعة رجال. أعمار مختلفة... لكنهم يشبهونني.
كان لياندرو في الأمام، عينيه ثاقبتين كأنهما تحاولان فكّ شيفرتي.
ماتيو... ملامحه مرتجفة، وعيناه ممتلئتان بالدموع.
أندرو... يبتسم كطفل رأى لعبته المفضلة تُعاد إليه.
لكن...
برونو...
كان يقف في الزاوية... بعيدًا قليلًا...
يداه متشابكتان، وجهه صارم... بل متجمد.
خرجتُ من السيارة بخطوات بطيئة.
اقترب مني لياندرو أولًا.
وقف أمامي لحظة...
ثم فتح ذراعيه، واحتواني بقوة.
شعرت بأمان لم أعرفه من قبل.
ماتيو بعده... صوته مبحوح وهو يقول:
- "أخيرًا... أخيرًا..."
احتضنني كما لو كان يريد إصلاح كل سنين الفقد في لمسة واحدة.
أندرو كان الأخير... دموعه سبقت كلامه، قبل جبيني وهمس:
- "كنتي في قلبي دومًا..."
نظرت إلى برونو...
لكنه...
لم يتحرك..
عيونه كانت كالثلج.
ثم استدار... ودخل المنزل دون أن ينطق بكلمة.
تركتُ ذراعيّ تسقطان بجانبي.
كنت...
محطّمة قليلاً..
• وجهة نظر: رافاييل ديلاغو •
راقبت أبنائي يحتضنونها واحدًا تلو الآخر.
قلبي الذي صمد في وجه الحروب... خذلني الآن.
عيناي ابتلتا.
لكنني لم أذرف دمعة.
رأيتها واقفة هناك، صغيرة، هشة، والهواء يدور حولها كأنها زهرة على حافة الانكسار.
ثم رأيت برونو...
صديّ.
ابني الثالث، الذي غاص أكثر من الجميع في العنف منذ رحيلها.
كنت أتمنى أن يكون أول من يركض نحوها...
لكنه بدلًا من ذلك، أدار ظهره.
دخل إلى المنزل، كأنها ليست شيئًا يعنيه.
رأيتها تحدّق فيه...
ووجهها ينكسر ببطء، رغم صمتها.
أغمضتُ عينيّ...
وقلت لنفسي:
"أعدتكِ لي... لكن هل سأستطيع إعادة إخوتك إليك؟"
• وجهة نظر: آليثيا •
دخلتُ المنزل...
لا، لا يمكنني تسميته منزلًا...
بَل، قصر...
هذا المكان... يشبه تلك الصور التي كنت أحفظها من الإنترنت، عن القصور القديمة المترفة، التي يختبئ فيها الزمن.
الرخام الأبيض اللامع يمتد من تحت قدميّ كأنني أمشي فوق مرآة.
الجداريات على السقف ترسم قصصًا لا أفهمها...
لكنها فخمة، مهيبة، مرعبة... وجميلة.
الضوء الذهبي المنبعث من الثريات المتدلية يُضيء المكان،
وأصوات خطواتي تتردد في المساحات الواسعة، كأنني لست موجودة.
نظرتُ حولي... كل زاوية... كل قطعة أثاث... كل لوحة على الجدار
تحكي تاريخًا لم أكن جزءًا منه.
> "هل حقًا أنتمي لهذا المكان؟"
صوت والدي قطع شرودي:
- "ماتيو، خذ أختك إلى غرفتها."
تقدّم نحوي أخي الثاني، ماتيو...
مبتسمًا، هادئًا.
- "تفضلي يا أميرة."
لم أجاوبه، فقط اتبعت خطواته.
مررنا على رواق طويل، على يسارنا نوافذ ضخمة تطل على حديقة داخلية،
تتدلّى منها نباتات خضراء، وفي وسطها نافورة مياه تُصدر صوتًا خفيفًا، كأنها تهمس.
لوحات قديمة لعائلة ديلاغو تملأ الجدران...
صورة لوالدي وهو أصغر، صورة لعجوز بعيونٍ مخيفة..أظنه جدّي..، صور لكل الإخوة...
لكن... لم تكن هناك صورة لي.
وقف ماتيو عند باب خشبي بديع منقوش عليه وردات صغيرة.
فتح الباب بهدوء وقال:
- "غرفتكِ... أعدّوها لك منذ سنوات."
دخلت.
توقّفت في مكاني.
الغرفة كانت كبيرة، بأرضية خشبية دافئة وسرير أبيض ضخم مغطّى بوسائد وردية وذهبية.
ستائر من قماش شفاف تهتز مع النسيم،
مكتبة صغيرة، مرآة بزاوية منحوتة، ومكتبٌ فيه دفتر جلدي مغلق.
أشعر أني دخلت حلمًا... ليس غرفتي، بل أمنيةُ طفلةٍ ضاعت منها كل الأحلام.
جلست على حافة السرير...
وسألت نفسي بصوت خافت:
- "لماذا لم ينظر إلي؟ برونو..."
ذلك الأخ الغريب، الذي حمل في عينيه شيئًا من الألم... أو الغضب.
ربما... لا يريدني بينهم.
ربما... يراني دخيلة.
ماتيو اقترب مني، جلس على ركبته أمامي:
- "أنا أعرف أن الأمر غريب عليكِ... لكن صدقيني، انتِ لم تختفي من قلوبنا لحظة.
أنا... كنت أحلم فيكِ دائما.. "
لم أجب... فقط نظرت في عينيه، وابتسمت ابتسامة شاحبة.
تركني بعدها، وقال إنه سيكون بالخارج إن أردت شيئًا.
وبقيت وحدي.
في غرفتي... في بيتي... مع قلبي الذي لا يعرف إن كان مطمئنًا... أم خائفًا.
• وجهة نظر: برونو ديلاغو •
الغرفة كانت مظلمة، لكنني لم أضئ المصباح.
جلست على الكرسي الجلدي، أنظر من الشباك إلى الحديقة.
يدي مضمومة بشدة، كأنني أمسك بشيء سيفلت إن ارتخيتُ قليلًا.
طرقات على الباب.
- "ادخل."
دخل والدي... عيناه عليّ، ملامحه هادئة، لكن صارمة.
- "لمَ تجاهلت أختك؟"
صمتّ.
- "برونو، أتكلم معك."
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت بصوت أجش:
- "أنا... لم اجاهلها. أنا فقط... خفت."
رفع حاجبه.
- "خفت؟ من ماذا؟"
نظرت إليه... ولأول مرة، تكسّرت قناعي:
- "خفت أن اضعف...خفت أن ألمسها، وتكون حلم... وتختفي مرة ثانية."
صمته كان قاتلًا.
تابعت:
- "أنا الذي رأيت أمي وهي تنهار سنة كاملة...
أنا الذي سمعت بكاءها بالليل وهي تصرخ اسم آليثيا،أنا الذي رأيتكَ تتحول من أب لعاصفة."
ثم همست:
- "أنا الذي كنت أعد الأيام، وأسأل نفسي: لماذا لم أكن معها؟"
اقترب منّي، وضع يده على كتفي، ثم قال:
- "هي عادت، برونو... وهذا أهم من كل شيء."
رمقته بنظرة مكسورة:
- "لكن أنا... أنا لست جاهز."
- "لا أحد طلب منك أن تكون جاهز.. فقط لا تكسر قلبها مرة ثانية."
أومأت برأسي ببطء...
ثم، ولأول مرة منذ سنين، تركت دمعة تسقط من عيني.
✧Serelith✧