وجهة نظر: آليثيا ديلاغو: ـ فرنسا ـ •
الخطوات تقترب...
الرجل الذي يدّعي أنه والدها المزيف، ذاك الذي يفرض على الآخرين أن ينادوه "بابا"، دخل المنزل كعاصفة، ورائحة الكحول تسبقه كعطرٍ ملوّث.
آليثيا سمعت صوت المفاتيح تُرمى على الطاولة، ثم ارتطام الباب الخشبي وراءه.
كل شيء فيه كان يصرخ غضبًا...
من حذائه الثقيل إلى أنفاسه المتقطعة.
"أين الفطور؟!"
صوته جهوري، لم يكن سؤالًا... كان تهديدًا معلّقًا في الهواء.
المرأة، زوجته، خرجت من الغرفة وهي تمسح يديها بمريول ملطخ:
"عملت شوربة، واسكتي بنتك، تنفست كثير اليوم."
ثم نظرت نحو آليثيا، ابتسامة مزيفة على شفتيها.
"ما دمتِ تحت هذا السقف، أنفاسك علينا محسوبة."
آليثيا خفضت رأسها. لا خوفًا... بل حتى لا يروا الشرارة التي بدأت تتوهج في عينيها.
"نعم... آسفة."
كذبة أخرى.
لأنها لم تكن آسفة.
كانت تحصي عدد الأكاذيب التي قالتها كي تعيش:
"أنا بخير."
"أحبكم."
"أنتم عائلتي."
كذب… كذب… كذب.
رفعت نظرها ببطء، وشعرت بشيء يتغير في داخلها… شيء يشبه التمرد.
لكنها كتمته كما اعتادت دائمًا.
ــــــــــــ
(ليلًا – بعد منتصف الليل)
هدوء مخيف.
آليثيا كانت مستلقية على فراشها النحيف، عيناها مفتوحتان تحدقان في السقف، والأفكار لا تهدأ.
فتحت مذكرتها، وأخرجت قلماً رفيعاً من غلافها المخفي.
كتبت:
> "كيف يمكن لقلب أن يتذكر شيئًا لم يره؟
وجه رجل... اسمه رافاييل.
حلم يتكرر... صوته يناديني: لارينا…
من هي لارينا؟"
أغلقت المذكرة بسرعة حين سمعت خشخشة في الخارج.
لكن هذه المرة… الصوت مختلف.
ليس خطوات الرجل أو المرأة.
بل… صوت فتح نافذة؟
نظرت نحو الزاوية حيث النافذة الصغيرة العالية، الموصدة دائمًا.
وفجأة… انكسر الزجاج بصوت مكتوم، وسقطت ورقة صغيرة، مطوية بعناية.
ركض قلبها، ليس بسبب المرض، بل بسبب ما قد يعنيه ذلك.
تقدمت ببطء، قدميها الحافيتين تلامسان الأرضية الباردة، ورفعت الورقة المرتجفة بين أصابعها.
أُضيء وجهها بضوء القمر، وعيناها التهمتا الكلمات الأولى بخوف وذهول:
> "نعلم من تكونين.
لا تصدقيهم.
راقبي الباب الخلفي عند منتصف الغد."
تجمدت..
كلمات قليلة… لكنها كسرت سجنًا بداخلها.
أرادت أن تصرخ. أن تبكي. أن تصدّق. أن تكذّب.
"هل... هل هذا فخ؟ هل أحد يعبث بي؟"
لكنها رأت في خط اليد شيء… مألوف.
كأن روحها تعرف الكاتب، دون أن تراه من قبل.
أغلقت الورقة سريعًا، ودفنتها داخل غلاف المذكرة بجانب صفحاتها المليئة بالشفرة والوجع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(اليوم التالي – الساعة 12:00 ظهرًا)
من خلف ستارة المطبخ المهترئة، عينا آليثيا تراقب الباب الخلفي.
قلبها يدق بطريقة غير مألوفة، وكأنّه يحذرها… أو يشجعها.
العجوزة خرجت إلى السوق. الرجل نائم من تعب الليلة الماضية.
والمنزل… لأول مرة في حياتها، يبدو بلا جدران.
الساعة تتحرك ببطء… وكل ثانية تمر، كانت تشعر أنها تقترب من شيء…
شيء قد يبدّل كل شيء.
وعندما دقّت عقارب الساعة الثانية عشرة تمامًا...
حدث ذلك.
الباب الخلفي تحرك.
بهدوء.
ثم...
فتُح..
فتُح الباب الخلفي..
لم يكن أحدًا تعرفه…
ولا حتى أحدًا توقعته.
كانوا أربعة رجال بملابس سوداء، شعارات غريبة على أكتافهم، يحملون أسلحة ولكن بنظامٍ يُشبه الصقور المدربة.
تقدّم أحدهم للداخل بصوت آمر:
— "الشرطة الوطنية. لا أحد يتحرك."
تجمدت آليثيا.
الشرطة؟
لم تكن هذه اللحظة التي تخيّلتها… لا إنقاذ، ولا دراما بطولية… فقط فوضى منظمة، تقتلع جذورها من واقعٍ مُتصدّع.
ركضت المرأة من المطبخ، تصرخ:
— "ما اللي—؟! ما هذا؟! أنتم لا تملكون مذ—"
— "لدينا أوامر بتفتيش هذا العقار بخصوص تهريب المواد المحظورة واستغلال القاصرين."
ثم دخل اثنان آخران من الباب الأمامي، وكأن البيت صار فجأة مكشوفًا من كل الجهات.
آليثيا كانت تقف في الزاوية، بجسد نحيل وقلبٍ يضرب كجناح طائر مذعور.
رآها أحد الضباط… وتوقف.
— "أنتِ… كم عمرك؟"
لم تجب.
اقترب منها، لم يرَ في عينيها الخوف الطبيعي، بل شرارة مكسورة… حذرة.
— "هل تعيشين هنا؟"
ابتلعت ريقها..
— "منذ كنتُ طفلة."
قالت ذلك بجمود. لكنه كان كافٍ ليغيّر ملامح الضابط.
— "احضروها معنا. نحتاج لتحليل هوية هذه الفتاة."
ـــــــــــــ
(في سيارة الشرطة – بعد ساعة)
كانت تجلس خلف نافذة سوداء، يداها على حجرها، مذلتها لم تكن في الأصفاد، بل في نظرات الناس.
لكن للمرة الأولى… شعرت أن الهواء مختلف.
لا يوجد أحد يصرخ… لا أحد يراقبها من الكاميرات المخفية.
هي فقط…
حرة جزئيًا...
حين وصلوا للمركز، خضعت لفحص دم شامل، بصمت.
الطبيبة تمتمت شيئًا لم يُسمع بوضوح… ثم خرجت مسرعة.
ــــــــــــ
(بعد ثلاث ساعات – في مكتب التحقيق)
الضابط المسؤول ينظر في شاشة جهازه… وجهه يشحب تدريجيًا.
جاء أحد العملاء وهمس له بجملة واحدة.
همس… لكنه كان صدمة.
الضابط انتفض واقفًا، عيونه متوسعة، وصوته متوتر:
— "هل أنت متأكد؟"
— "نسبة التطابق 99.99%، إنها هي."
— "الابنة المفقودة لعائلة ديلاغو؟!"
الهمسات سرت كالصاعقة في أروقة المركز.
الضابط دخل غرفة التحقيق حيث تجلس آليثيا بهدوء، نظر إليها وكأنها كنز نُفض عنه الغبار.
جلس أمامها، نبرة صوته متغيّرة، أقرب للاحترام:
— "اسمكِ آليثيا… آليثيا ديلاغو. هل تعرفين هذا الاسم؟"
نظرت إليه دون رد.
أكمل بلطف هذه المرة:
— "أنتِ لستِ فتاة عادية يا آنسة… أنتِ الوريثة الوحيدة لعائلة ديلاغو الإسبانية… وأنتِ… مفقودة منذ 15 عامًا."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
••في مكان آخر:
إسبانيا
– قصر ديلاغو الرئيسي –
منتصف الليل••
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•وجهة نظر: رافاييل ديلاغو•
كان الليل قد بدأ يرخي أستاره فوق قصر ديلاغو، والهدوء يسيطر على المكان كأنّه سكون ما قبل العاصفة. جلس رافاييل في مكتبه، غارقًا في أوراقٍ استخباراتية، وفوق مكتبه الممتد بمرمر إيطالي، تناثرت صور، خرائط، تقارير، وقصاصات من أملٍ لم يُدفن بعد....
الجو مشحون، الهواء ثقيل، ورافاييل جالس في مكتبه،والتعب ظاهر في عينيه الحادة التي تظهر و كأنها سيف حاد...
اخرج محفظته التي تحمل فيه كنزه الصغير.. والذي سرق منه.. و حُرِمَ من رأيتها... نعم انها هي.. أميرته الوحيدة.. يحدق في صورة صغيرة الموجودة داخل محفظته الجلدية..
رنّ الهاتف الأرضي القديم الموضوع على الزاوية مكتبه، ذاك الذي لا يرنّ إلا حين تأتي أخبار لا تحتمل التأجيل.
أجاب بصوته العميق الجاف، دون مقدمات:
— "من معي.. "
جاءه الصوت من الطرف الآخر، فرنسيًا رسميًا، لكنه مهزوز، كأن الرجل لم يصدق هو نفسه ما سيقوله.
— "سينيور ديلاغو... نحن من الشرطة الوطنية الفرنسية... لدينا فتاة... فتاة تُدعى آليثيا، أُخذت في مداهمة أمنية صباح اليوم..."
توقف الرجل لحظة، ثم أضاف وكأنه يسقط قنبلة في هدوء القصر:
— "...التحاليل أثبتت أنها ابنتك، سينيور... إنها هي."
في لحظة..
لم يرمش..
لم يتنفس..
لم يتحرك.
و كأن العالم توقّف.
أغلق الهاتف ببطء. وقف بصمت، كأن صوته خُدر،فتحرك الى خارج مكتبه.. ثم انفجر صوته لأول مرة منذ سنوات بنبرة هزّت جدران القصر:
— "ليـــوناردو! أندريس! جهزوا الطائرة! فورًا!"
— "اتصلوا بطبيب العائلة... آليثيا وُجدت! وُجدت!"
ركض الحرس في كل الاتجاهات، وتحوّل القصر إلى خلية نحل.
لكنه لم يتحرك نحو الطائرة بعد.
بل استدار، واتجه إلى جناح أبناءه.
ـــــــــــــــ
دخل صالة الاجتماعات الكبيرة، حيث كان الأبناء الأربعة يجلسون بصمت قاتم.حيث كان لياندرو في صمته المعتاد يقلب ملفات العمل... اما ماتيو يحمل فنجان قهوته بهدوء..، برونو يحدق في لا شيء، وأندرو كعادته يتحرك ويتحدث بلا توقف... حتى دخل والدهم، فانقطع كل صوت.
وقفوا فورًا، التوتر يتصاعد، فهم لا يعرفون سبب دخوله المفاجئ... حتى قالها:
— "وجدتها."
همس كصاعقة.
— "ماذا؟!"، قال أندرو أول من تحدث، وجهه شاحب، وصوته يرتجف.
— "آليثيا... أُخذت صباح اليوم في مداهمة في فرنسا. كانوا يخبئونها هناك."
تجمد ماتيو في مكانه، الكوب سقط من يده وتهشم على الأرض.
برونو شحب وجهه، قبض على طرف الطاولة بقوة كأنه لا يصدق أذنيه.
لياندرو لم يتحرك، لكن عينيه امتلأتا... لم يكن يعرف إن كان يبكي أم يحترق.
رافاييل نظر إليهم، ثم قال بحزم:
— "سأسافر الليلة. سأجلبها بنفسي." ثم لحظة توقف واردف: ".. هذه ابنتي، ولن تسلمها لي دولة أو قانون أو أحد. من اقترب منها بدون إذني، يموت."
اقترب منه لياندرو ، وقال بهدوء مريب:
— "سأتي معك، أبي."
لكن رافاييل رفع يده بإشارة نهائية:
— "ليس الآن. إن عادت، سأدعوكم لتلقوا التحية على أميرة هذا القصر."
ثم أدار ظهره وغادر، مع كل خطوة منه، كانت الأرض تهتز.
في تلك الليلة، ارتجّ العالم السفلي على صوتٍ واحد فقط:
الوريثة المفقودة لعائلة ديلاغو…
قد عادت...
✧Serelith✧