الأنفاس التي لا تُسمع...

الأنفاس التي لا تُسمع...

18 0

الظلال تتمدد على جدران الغرفة الباردة كأنها تحاول خنق الضوء الخافت المتسلل من النافذة الوحيدة.

جلست آليثيا في الزاوية، ساقاها تحت جسدها، ظهرها مستند إلى الجدار المتشقق، وعيناها تحدقان في اللاشيء.

كأن كل شيء هنا مصمم ليُشعرها بأنها لا تستحق الحياة.

الساعة تشير إلى الثالثة فجراً... التوقيت الذي يُسمى "وقت الأرواح"، لكنها لم تعد تخاف من الأشباح.

الأشباح لا تضرب. لا تسحب شعرها حين تخطئ. لا تغمس رأسها في الحوض المليء بالماء إذا تأخرت في ترتيب البيت.

هي لم تكن تخطئ... لكنها كانت دائمًا السبب.

> (من دفترها السرّي)

"كل شيء في هذا المكان يجعلني أختنق. حتى الهواء.

كل كلمة أسمعها منهم ليست سوى سكين جديدة تُغرس في قلبي.

لا أدري إن كنت أستحق النجاة... لكنني أعلم أنني لن أموت هنا.

فوضعت توقيعيها 𝐷𝒓𝒂𝒄𝒂𝒏𝒛𝒐ᝰ‌  "

باب الغرفة انفتح بعنف.

دخلت المرأة التي تُسمي نفسها "أمي"، رغم أن لا شيء فيها يذكّر بالحنان.

"قومي، لا وقت للنوم! نظّفي المطبخ قبل أن يعود والدك!"

صوتها كان كالسياط، ونظرتها كالمسمار في القلب.

آليثيا لم تُجادل. نهضت، وجسدها النحيل يرتجف من الإرهاق... ومن الألم في صدرها.

كل مرة تتسارع فيها نبضات قلبها، تشعر بشيء غريب... كأن أحدهم يُغلق صمام الحياة من الداخل.

لكنها اعتادت الألم.

اعتادت أن تتظاهر بأنها لا تشعر.

وهي تنظّف أرضية المطبخ، تسرح عيناها نحو الراديو الصغير المُعلّق بجانب الثلاجة، والذي يصدر منه صوت مذيع يتحدث بالإسبانية عن "زعيم المافيا رافاييل ديلاغو" الذي ما زال يبحث عن ابنته المفقودة منذ 15 سنة.

لحظة... هل ارتجف قلبها بسبب المرض؟

أم بسبب الاسم الذي دوى في أذنيها كالهمس الذي سمعته في كوابيسها مرارًا؟

رافاييل... ديلاغو؟ لماذا شعرت بأن هذا الاسم يخصها؟!

"لا تنظري إلى الفراغ!"

صفعة.

كل شيء عاد للصمت...

لكن داخله... شيء بدأ يشتعل.

صفعة..

الصوت ظلّ يتردد في عقلها كصدى من بئر عميق.

لكنها لم تذرف دمعة. لم ترفع رأسها.

الدموع لم تعد تُجدي. والكرامة تُسحق كل يوم على أرض هذا المطبخ.

تراجعت للخلف، سحبَت خصلات شعرها المتساقطة على وجهها، وتنهدت بصوت بالكاد سمعته.

"آسفة..."

قالتها، رغم أنها لم تكن آسفة. قالتها فقط لأنها تعلم أن عدم قولها يجلب لها مزيدًا من الألم.

المرأة خرجت من المطبخ، تاركة وراءها رائحة عطر زهيد وثقيل، وصوت كعب حذائها يطعن الأرض.

هدوء.

آليثيا بقيت على ركبتيها، يدها تمسح الأرض دون وعي، وعقلها انسحب للخلف...

لذكرى لم ترغب بها، لكنها عادت دون استئذان.

ــــــــ•✦•ــــــــ

(فلاش باك – قبل خمس سنوات)

ضوء مصباح خافت كان يعلو سقف غرفة ضيقة، على جدرانها صور ممزقة لأطفال لا تعرفهم.

الطفلة ذات الأحد عشر عامًا كانت تجلس على السرير الخشبي، يداها مكبلتان بالحبال.

صوت الباب يُفتح...

رجل طويل، ذو صوت خشن، يقترب منها.

"كيف علمتِ كلمة السر؟"

سألها، وهي تحدّق به بعينين واسعتين، رغم الدموع الجافة عليهما.

"أنا... فقط خمنت."

صوتها كان أقرب للهمس.

ضحك، لكن ضحكته لم تكن مرحة.

"أنتِ لستِ طبيعية. سنجعلك مفيدة على الأقل."

ثم ألقى بجهاز لابتوب قديم أمامها.

"ارفعي الحماية عن هذا السيرفر... أو لا عشاء لك الليلة."

ــــــــ•✦•ــــــــ

(عودة للحاضر)

يد آليثيا توقفت عن التنظيف.

تأملت راحة يدها... الندبة الصغيرة ما تزال هناك. أثر الحبل الذي ربطوها به في أول تجربة اختراق.

ابتسمت بسخرية.

منذ ذلك اليوم، بدأوا يطلقون عليها لقبًا: "الظلام الصامت."

لكنها لم تحبه.

اخترعت لنفسها اسمًا آخر في عالمها السري حين كبرت.

اسمًا يجمع بين العتمة التي تحيط بها، والقوة التي تخبئها في داخلها: دراكانزا.

وهي تمسك مذكرتها تعود لكتابة مشاعرها.. لا بل اوجاعها.. حزنها الذي صار يكسر ما تبقى في داخلها...

> (تكتب في مذكرتها..)

"لم أعد أحتاج وجهًا...

في الظلام، اسمي يكفي ليرتعدوا.

أنا الهُوية التي لا يراها أحد،

ودمعتي التي لا يُسمح لها بالسقوط."

جلست على الأرض، وعيناها تعانقان السقف المتشقق.

هل هم حقًا والداي؟

لماذا لا أشبههم؟

لماذا حين أسمع اسم (رافاييل.. ديلاغو)...

قلبي ينقبض وكأنه في عاصفة عارمة..

وكأنني أملكه؟

أمسكت قلماً صغيراً من جيب بنطالها، وسحبت مذكرة جلدية ممزقة الحواف من تحت بلاطة مكسورة في زاوية المطبخ.

وبين السطور التي كتبتها الليلة الماضية، أضافت:

> "الألم يُدرّب القلب.

لكنّي خائفة أن ينهكني قبل أن أجد نفسي."

وبينما أنهت الجملة، صدرها بدأ يضيق...

أنفاسها تتسارع...

نوبات التنفس بدأت تهاجمها..

تحاملت على نفسها، زحفت حتى درج صغير، وسحبت علبة دواء مخبأة خلف أكياس الطحين.

بلعت الحبة بصعوبة، وارتجفت قليلاً.

صوت باب المنزل يُفتح بعنف.

"أبوكِ عاد!"

صوت المرأة صاح بالخارج.

آليثيا قامت ببطء، أعادت مذكرتها إلى مكانها، وارتدت قناع اللامبالاة.

الفتاة التي ستدخل الآن المطبخ، ليست هي...

إنها "الابنة المزيفة"...

لكن خلف عينيها، هناك دراكانزا... تنتظر لحظة الهروب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝐷𝒓𝒂𝒏𝒉𝒂𝒏𝒛𝒐: 𝐴𝒍𝒊𝒕𝒉𝒊𝒂 𝐷𝒆𝒍𝒂𝒈𝒐

المؤلف ✧Serelith✧
2025/08/04 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة