• وجهة نظر: آليثيا •
الضوء الأبيض فوق رأسي لا يتوقف عن الوميض.
كان سقف الغرفة يعاني من خلل كهربائي بسيط، وذاك الوميض البطيء المنتظم يُشبه نبض قلبي… غير المنتظم.
أجلس على كرسي معدني بارد، أمام طاولة معدنية أبرد، في غرفة صغيرة باردة جدًا.
إنها المرة الأولى التي أشعر فيها أن السجن...
واسع..
لأن البيت الذي عشت فيه عمري كله، كان زنزانة أكثر إحكامًا من هذا المكان.
شخص ما دخل منذ دقائق، قال اسمه، وضع قارورة صغيرة على الطاولة.
— "تحليل دم. روتيني فقط."
نظرت إليه ببرود لم أتعمده، وأدرته وجهي.
أنا لست خائفة… أنا فقط لا أعرف من أكون الآن.
كنت أراقب انعكاس صورتي على سطح الطاولة.
أين هي "آليثيا" التي يتحدثون عنها؟
أنا…
دراكانزا، الهاكر الملعونة...
الظل الذي يعيش خلف الشاشات...
صاحبة الأصابع التي أسقطت جدار بنكي في سويسرا في ليلة واحدة...
الفتاة التي كانت تكتب كل شيء...
وتكتم كل شيء...
الضابط الفرنسي دخل مجددًا، هذه المرة... عيونه تغيرت.
جلس أمامي، ووضع يديه فوق الطاولة ببطء، كمن يحاول امتصاص صدمة.
قال:
— "فتاتنا… هل تسمحين لي أن أخبرك بشيء غريب؟"
لم أرد.
تابع، صوته منخفض جدًا كأن من حوله لا يجب أن يسمع:
— "اسمك… ليس كما ظننتِ. لدينا تطابق تام للحمض النووي. لقد عرفنا من أنتِ."
صمت.
عينيه اتسعتا، وكأنّه يخشى أن يجرحني بالحقيقة.
— "أنتِ آليثيا ديلاغو... الابنة المفقودة لعائلة ديلاغو الإسبانية. منذ خمسة عشر عامًا."
ديلاغو؟
الكلمة ضربتني في رأسي كرصاصة..
كم مرة قرأتها في ملفات المافيا؟
كم مرة اخترقتُ حسابات بأسمائهم؟
كم مرة شعرت أن شيئًا فيهم... يشبهني؟
وكم مرة سمعت عنهم في الراديو؟
شعرت بانقباض قلبي..
النفس ضاق، الصوت اختنق، أضواء الغرفة أصبحت حادة كالسكاكين.
همس قلبي: لا... لا يمكن..
لم أقل شيئًا..
لكن الدمعة سقطت بصمت، رغمًا عني..
قال الضابط مجددًا، هذه المرة بصوتٍ أكثر حذرًا :
— "والدك... قادم إلى هنا. بالطائرة الخاصة. لقد أُبلغ للتو."
بعد ما اردف بهذه الكلمات.. التي جعلت آليثيا تصارع افكارها...
والدي…؟
أمسكت قلمي، فتحت دفتري، وكتبت بخط صغير مرتجف:
> "يقولون إن لي أبًا... وأنه حيّ."
> "يقولون إنني لست أنا."
> "هل هذا يعني… أنني كنت ميتة؟"
مرّت ساعات. أو دقائق؟ لا أعلم...
الزمن يتوقف في غرف الاستجواب..
حتى فتح الباب..
شخصٌ دخل، ليس من الشرطة..
بدلة سوداء. عيون قاتلة. ووجهٌ يعرف كيف يقتلك دون أن يتحرك.
همس للضابط بكلمات إسبانية سريعة.
ثم نظر إليّ.
— "آنسة آليثيا... والدك وصل."
اللحظة التي مشيت فيها في ممر طويل باتجاه القاعة الخاصة، كنت أشعر أن الأرض تنسحب من تحتي.
كأنني أمشي في حلم ليس لي..
ثم...
فتحوا الباب.
وفي الداخل...
وقف رجلٌ أطول من كل الأحلام.
أقوى من كل الصور التي نسجها عقلي عن "الآباء".
وجهه كان يحترق شوقًا.
عيناه تحملان سنينًا من الحرب والدموع.
لكن حين وقعت عيناه عليّ...
ذابت الحرب.
همس... بصوتٍ لم أسمعه في حياتي، لكنني عرفته:
— "لارينا..."
توقفت.
تلك الكلمة… لماذا تعرف طريقي إلى روحي؟
لماذا فجرت دمعتي التي لم أبكها منذ كنت طفلة؟
اقترب مني.
ببطء، خشية أن أهرب، أن أختفي، أن أكون سرابًا آخر.
مدّ يده… لم يلمسني. فقط انتظر.
— "هل تسمحين لي… أن أعانقك، يا أميرتي؟"
سقطت الدفتر من يدي.
ولأول مرة منذ سنوات...
ركضت.
أحضن قلبًا… لطالما انتظرني.
بين ذراعيه… شعرت أن اسمي ليس كذبة.
أنني كنت ضائعة… وعدت.
"اسمي آليثيا ديلاغو… ابنة رافاييل. وللمرة الأولى… أصدق ذلك."
• وجهة نظر: لياندرو ديلاغو •
كان الصباح هادئًا على غير العادة في منزل آل ديلاغو.
كنت جالسًا في صالة الاجتماعات حيث نجتمع فيها جميعا، أراجع ملفات تتعلق بعملية الأسبوع المقبل، حين دخل فجأة…
رافاييل ديلاغو، زعيم العائلة…والدي.. وشيء ما في وجهه جعلني أضع الأوراق فورًا.
وقف وسط الغرفة، نظر إليّ، ثم نظر إلى إخوتي الذين دخلوا واحدًا تلو الآخر، دون أن يتكلم.
كان صمت أبي مقدسًا… لكن هذه المرة كان يختنق بشيء ما.
تكلم أخيرًا:
— "لقد… وجدتها."
ماتيو توقف عن الحركة.
برونو شهق رغمًا عنه، مع شحوب وجهه..
أندرو… ابتسم قبل أن يفهم.
أنا فقط… شعرت أن الزمن انكمش.
— "من؟" سألت.
أبي تنفس ببطء. نظر في أعيننا جميعًا، ثم نطق الكلمة التي محاها الزمن من قاموسنا:
— "آليثيا."
تجمّدت.
كأن شريط حياتي بأكمله عاد للوراء، إلى يوم اختفائها.
إلى تلك الليلة التي تغيّر فيها كل شيء.
همس ماتيو:
— "أين؟ كيف؟ هل أنت متأكد؟"
— "في فرنسا."
— "فرنسا؟!" صاح أندرو.
— "الشرطة هناك وجدوها… بعدما اقتحموا منزلًا لعصابة، وهناك… كانت هي."
بعد كم ساعة، اتصلت بوالدي وأنا في غرفتي.
كان صوته غريبًا… وكأن شخصًا انتزعه من عالمنا وزرعه في حلم.
— "نريد أن نراها، أبي. أرسل لي صورة… فقط..."
لحظة صمت... قبل ان اكمل حديث.. وردتني رسالة من والدي..
فتحتها...
انحبس نفسي.
تلك العيون... عيوني.
ذلك الأنف… شفتيها… وجنتاها… لون بشرتها… طريقة وقوفها.
إنها… أنا.
لكن بنسخة أرقّ. أهدأ. أكثر وجعًا.
أغمضت عينيّ، وابتلعت الصدمة.
همست لنفسي:
— "أختي… كانت هناك كل هذا الوقت؟"
• وجهة نظر: آليثيا •
كنت لا أزال أرتجف وأنا أتمسّك بكفّه.
رافاييل ديلاغو... والدي.
الرجل الذي كتب اسمه في ملفات الأمن الأوروبي عشرات المرات.
الرجل الذي... ينظر إليّ وكأنني الهواء الذي حُرم منه عمرًا كاملًا.
خرجنا من قسم الشرطة، والريح الفرنسية تلفح وجهي.
لكنها لم تكن أقوى من المشهد الذي رأيته أمامي.
أكثر من عشر سيارات سوداء مصطفّة، تحمل شعارًا واحدًا: D
رجال ببدلات فاخرة، سماعات في آذانهم، أعين تراقب الشارع، أيدٍ على الأسلحة.
وقفتُ مذهولة...
لم أتكلم..
لم أتحرك..
حتى لمس والدي كتفي برفق..
— "عائلتي لا تتحرك دون حماية أميرتهم."
داخل السيارة، صمتنا طويلًا.
لم أكن أعرف ماذا أقول.
وهو لم يكن يريد كسر ما بيننا من تردد… بل انتظرني.
في الطائرة الخاصة، كان كل شيء هادئًا بشكل مخيف.
جلستُ قرب النافذة، أراقب الأرض تتلاشى تحتنا، وأشعر أن عالمي القديم يغادرني أخيرًا.
التفت إليّ، صوته عميق ودافئ بشكل مفاجئ:
— "هل ترغبين بسماع شيء عن إخوتك؟"
أومأت برأسي دون كلام.
— "لديكِ أربعة إخوة، يا لارينا."
همس الاسم مجددًا، وكان في صوته موسيقى.
— "لياندرو… أكبرهم. قوي، لا يظهر مشاعره كثيرًا. لكنه أول من رفع السلاح بحثًا عنك."
— "ماتيو… القلب. كان يبكي صورتك كل عام في نفس التاريخ."
— "برونو… يتظاهر بالقسوة، لكنه لم يتوقف عن كتابة رسائل إليك لم يرسلها."
— "أندرو… الطفل الذي كان يسألنا كل أسبوع إن كنتِ ستعودين."
أغمضتُ عينيّ.
كلمات جديدة تتكسر بداخلي… "إخوتي"
قال بعدها بابتسامة هادئة:
— "إنهم... ينتظرونك."
نظرت إليه..
لم أبتسم..
لكن دمعة صغيرة سقطت من عينيّ بصمت...
نظرت من النافذة مجددًا.
وهناك، وسط السحاب، كتبت على زجاج النافذة بأصبعي:
|"هل يمكن للمنفى أن يتحول إلى وطن؟"|
"أنا آليثيا... ولي عائلة تنتظرني."
✧Serelith✧