تجوّل فِي القصر...أخٌ من الصمت

تجوّل فِي القصر...أخٌ من الصمت

10 0

• وجهة نظر: آليثيا •

استيقظت على صوت العصافير…

لأول مرة منذ أعوام، لم أستيقظ على صراخ، أو على صوت أقفال تُغلق، أو على خطوات تتجه نحوي بتهديد.

الستائر البيضاء كانت ترقص برقة مع نسمات صباحية دافئة، والضوء الذهبي يتسلل بهدوء عبر النوافذ.

جلستُ على السرير ببطء، شعري مبعثر، وعيناي لا تزالان نصف مغلقتين.

هل كان كل ما حدث حلمًا؟

نظرتُ حولي…

السرير الكبير، المرآة، المكتبة، الدفتر الجلدي الذي لم أفتحه بعد…

لا، هذا ليس حلمًا.

هذا… عالمي الجديد.

أو ربما عالمي القديم، الذي تُركتُ خارجه لسنوات طويلة.

مشيتُ حافية القدمين على الأرضية الخشبية، وفتحت باب الغرفة بحذر.

الرواق فارغ… هادئ.

خطواتي بطيئة، مترددة، وكأنني أدخل متحفًا لا أعرف كيف أتصرف داخله.

مررتُ بجانب لوحة ضخمة تجمع الأبناء الأربعة مع والدهم… قبل سنوات.

وقفت أمامها.

ــ "ما كنت هنا وقتها…"

همست لنفسي، ثم أكملت طريقي.

صوت خافت لآلة موسيقية جعلني أتبعه، حتى وصلت إلى صالة صغيرة…

وهناك، كان يجلس أمام البيانو.

أندرو.

الأخ المرح، الثرثار… الذي كانت عيناه تلمعان بالأمس، لكنه لم يتحدث كثيرًا.

لم يلاحظ وجودي حتى، كان غارقًا في عزفه…

نغمة ناعمة، حزينة… مثل قصةٍ لم تُكتمل.

اقتربت خطوة.

—" عزفك جميل."

توقّف فورًا، استدار ناحيتي، وعيناه اتسعتا بدهشة.

— "أوه! صباح الخير!"

ابتسمتُ بخجل:

— "صباح النور… آسفة إذَا أزعجتكِ. "

هزّ رأسه سريعًا وهو يقف:

— "لا، لا! أبدًا! فقط… لم أكن أتوقع أنكِ تستيقظين مبكرا.."

نظرت حولي:

— "كنت أريد… أن أعرف المكان أكثر."

اقترب بخطوات خفيفة، وقال بابتسامة دافئة:

— "تريدين أن أكون مرشدكِ؟"

ضحكتُ بخفة:

— "أما لديك ما يشغلك؟"

لوّح بيده بلا مبالاة:

— "أنا متخصص في الهروب من المسؤوليات... لا بأس،  لنبدأ."

أخذني في جولة قصيرة…

أراني الصالة الرياضية التي يتدرب فيها الإخوة، المكتبة التي فيها كتب بلغات كثيرة، المطبخ الذي قال إنه “يستخدمه فقط للبحث عن الشوكولاتة”، وحتى الغرفة السرية الصغيرة خلف رف الكتب، والتي يخبئ فيها جدّي السيجار الفاخر، رغم أن الجميع يعرف مكانه.

ضحكتُ كثيرًا…

ونسيت للحظة أنني كنتُ قبل يومين فقط أعيش في سجن مقنّع.

جلسنا في الشرفة الخلفية المطلة على الحديقة، وأندرو ناولني كوب عصير بارد:

— "صدقيني، رجعتكِ غيرت البيت كله… من أمس، الكل متوتر وفرحين، حتى برونو…"

توقفت عيناي عند اسمه.

سألني فجأة:

— "تزعجكِ نظرته الباردة؟"

أومأت بخفة.

تنهد أندرو:

— "هو طيب… لكن عنده ألم لا يعرف كيف يشرحه... وكيف يعبر عن مشاعره.. "

صمت لحظة، ثم قال بابتسامة حزينة:

— "كلنا كنا نعيش كأنكِ ميتة… والآن، نحتاج وقت لكي نصدق إنكِ هنا."

نظرت إليه… بعينين تغرقان في صمتٍ كثيف.

— "وأنا أحتاج وقت كي أصدق… إني صرت حرة."

أغمضت عينيّ للحظة…

تنفستُ رائحة الياسمين من الحديقة…

وسمعتُ في قلبي صوتًا خافتًا، يقول:

>"هذه ليست النهاية يا آليثيا…

بل بدايتكِ الحقيقية."

بعد جولتي مع أندرو، شعرت أن جزءًا صغيرًا من هذا القصر بدأ يتسلل إلى داخلي…

صوت ضحكته، تعليقاته العفوية، وكل الأماكن التي أراني إياها — جعلت الجدران الباردة أقل قسوة.

لكن رغم دفء اللحظة… بقي سؤالٌ واحد يزن قلبي:

"متى سيقبلني الجميع… كما أنا؟"

بعد مرور ساعة تقريبًا، أخبرني أندرو بابتسامة مريبة:

— "هيا، لقد حان وقت الفطور... لكن كوني على استعداد، فالمشهد القادم سيكون دراميًّا بعض الشيء."

توقفت في مكاني.

— "فطور؟ معهم كلهم؟"

أومأ برأسه، وكأن الأمر بسيط.

لكنه ليس كذلك… ليس لي.

خطواتي نحو غرفة الطعام كانت مترددة.

كل ما فيني كان يصرخ: "ارجعي للغرفة!"

لكنني واصلت السير.

وصلنا أمام باب ضخم من الخشب الثقيل…

صوت الضحكات يأتي من الداخل، أصوات صحون تُحرّك، وكأنهم… عائلة طبيعية.

أندرو فتح الباب ودخل أولًا، ثم التفت إليّ ومدّ يده:

— "أهلاً ببطلتنا."

كل العيون التفتت نحوي.

رأيت والدي يجلس على رأس الطاولة، بابتسامة هادئة لكن عينيه تلمعان بفخر.

ماتيو كان على يمينه، يرفع كوب العصير ليحييني.

لياندرو على اليسار، يلوّح لي بإيماءة صغيرة.

أندرو سحب لي الكرسي المجاور له وجلس بجانبي…

وبرونو… كان يجلس أبعد قليلاً، لا يتحدث، لكنه نظر نحوي للحظة قصيرة… نظرة لم أفهمها، لكنها لم تكن باردة هذه المرة.

جلست، وقلبي يخفق بعنف.

فوق الطاولة كانت أنواع الأطعمة التي لم أرها في حياتي: خبز طازج، فواكه مقطعة، جبن، مربيات، وحتى نوع من الكعك الإسباني المغطّى بالعسل.

هممت أن أمد يدي نحو قطعة خبز، لكن صوت أبي سبقني:

— "صباح الخير، أميرة عائلتنا."

رفعت رأسي إليه.

كان ينظر إلي وكأنني كنز ضائع… واستعيد للتو.

ابتسمتُ بخجل:

— "صباح النور…"

لياندرو قاطع اللحظة قائلاً بصوته الجاد لكن المرح:

— "إذا كانت آليثيا معنا، هذا يعني أننا نحتاج نبدأ تقليدًا جديدًا في العائلة."

أندرو ضحك:

— "مثل ماذا؟ حفلة شواء كل يوم سبت؟ أم نرسم لأنفسنا بورتريه جماعيًّا ونعلّقه على السقف؟"

ضحكتُ بصوت خافت، وتسلّلت راحة صغيرة إلى صدري.

ماتيو مال نحوي وسألني:

— "هل نمتِ..جيدًا؟"

أومأت، ثم همست:

— "أفضل من أي وقت سابق…"

صمتتُ لحظة، ثم قلت بهدوء:

— "شكراً… لأنكم لم تستسلموا في البحث عني."

أبي قال بصوت متهدج:

— "كنا نحارب العالم من أجل أن نلقاكِ، آليثيا… والآن، سنحميكِ ولن نتركك."

فجأة، شعرت بأن قلبي يريد البكاء… لا من الحزن، بل من الثقل الذي بدأ يُزاح عنه.

نظرتُ إليهم واحدًا تلو الآخر.

هؤلاء… عائلتي.

مهما كانت الفجوة بيني وبينهم، فإن شيئًا لا يمكن إنكاره بدأ يتشكل…

> اسمي آليثيا ديلاغو.

وللمرة الأولى منذ ستة عشر عامًا… أتناول فطوري كأميرة حقيقية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضحكتُ معهم، تحدثت قليلًا، وتظاهرت أنني مرتاحة…

لكن في داخلي، شيء ما بقي معقودًا.

كلّ واحد من إخوتي نظر إلي بنوع من الدفء… إلا هو.

برونو..

لم يكن يبتسم.

لم يتكلم معي.

وعندما نظرت إليه أثناء الفطور، كان يشيح ببصره وكأن وجودي يُثقل عليه.

انتهى الفطور، وانصرفوا واحدًا تلو الآخر.

رافقتني أندرو وماتيو قليلًا، ثم قالا إنهما سيلتقيان بي لاحقًا.

وأُبقيتُ وحدي في الرواق الطويل، قرب نافذة تطل على حديقة القصر الخلفية.

كنت أرتدي فستانًا بسيطًا اختارته لي المربية، لون الخزامى الباهت.

وقفتُ أمام النافذة… أراقب انعكاسي.

أميرة؟

هكذا يقولون.

لكن الأميرات لا يُتجاهلن.

سمعت خطوات في الممر.

برونو.

كان يسير بسرعة، يهمّ بالصعود إلى الطابق العلوي.

ناديت بصوت خافت:

— "برونو…"

توقف لحظة… لكنه لم يلتفت.

— "هل… هل يمكن أن نتحدث؟"

تحرك جسده، وكأنه يفكّر، ثم دون أن يلتفت، قال بصوت خافت:

— "ما الوقت المناسب للكلام بعد ستة عشر سنة صمت؟"

وغادر.

أحسستُ بأن كل الهواء في القصر تبخر فجأة.

شيء ما انكسر بداخلي.

لكنني رفعت رأسي. لم أسمح لدمعة واحدة أن تنزل.

"لن أبكي أمامهم… لن أكون تلك الفتاة الضعيفة."

عدت إلى غرفتي، أغلقت الباب بهدوء، وجثوت قرب السرير.

أخذت نفسًا عميقًا… وأخرجت دفترًا صغيرًا من الدرج.

كنت قد بدأت أكتب فيه منذ وصولي.

فتحت الصفحة وكتبت:

> "إلى أخي البعيد القريب…

لا أعرف ما الذي فقدته أكثر، أنت… أم ما كان من الممكن أن نكونه معًا."

أغلقت الدفتر، وألقيت نظرة على الغرفة من حولي.

لم تكن زنزانة مثل التي كنت أعيش فيها…

لكن الألم يمكنه أن يعيش في أجمل الأماكن.

طرقات خفيفة على الباب.

— "آليثيا؟"

كان صوت ماتيو.

— "نحن بالخارج، سنذهب إلى المدينة. هل ترغبين بالانضمام؟"

أجبت بعد تردد:

— "لا… أعتقد أنني بحاجة للبقاء قليلاً… هنا."

ابتعد صوت خطواته.

وعدت إلى السرير…

أغمضت عيني.

ربما…

في نومي فقط، أراه ينظر إلي كما يتمنى قلبي..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝐷𝒓𝒂𝒏𝒉𝒂𝒏𝒛𝒐: 𝐴𝒍𝒊𝒕𝒉𝒊𝒂 𝐷𝒆𝒍𝒂𝒈𝒐

المؤلف ✧Serelith✧
2025/08/04 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة