على مائدة الافطار... دم بدم، ونار في دفاتر لا تبكي

على مائدة الافطار... دم بدم، ونار في دفاتر لا تبكي

12 0

• وجهة نظر: الكاتبة •

كان الصباح في قصر ديلاغو مختلفًا هذه المرة.

ليست أصوات الخدم وحدها التي عادت تدب في الأرجاء، ولا رنين الصحون الهادئ الذي عاد يتردد في أروقة المطبخ القديم… بل حتى الجدران نفسها، بدت وكأنها تراقب، تتنصت، تتحسس وقع خطواتها وهي تتجه لأول مرة، برأس مرفوع، إلى قاعة الطعام الرئيسية.

قلب القصر.

هناك… حيث اعتادت العائلة أن تجتمع. لكنها اليوم ستجتمع من جديد… معها.

آليثيا.

كانت خطواتها هادئة… مرتبة… تحمل من الهيبة أكثر مما تحمله من العفوية. شعرها الأسود يتراقص على كتفيها برقة، وعيناها، وإن بدتا ساكنتين، كانتا تشتعلان بتيارٍ خفي… لا يُقرأ بسهولة.

فتحت أبواب القاعة.

ارتفعت أنظار الجميع. كأن الزمن توقف للحظة.

هناك عند رأس الطاولة، وقف رافاييل، والدها، وبجانبه أولاده الأربعة. الطاولة مُعدة… الإفطار موضوع بدقة… العصائر، الخبز الإسباني الساخن، الزبدة، الفواكه، والقهوة.

لكن لا شيء كان يشغلهم عن حضورها.

تقدّمت، دون أن تبتسم. جلست على الكرسي المخصص لها، والذي وُضع بجانب والدها مباشرة.

وبكلمات ناعمة، قال رافاييل:

— "صباح الخير، آليثيا."

نظرت إليه، للحظة… صمتت.

ثم ردّت:

— "صباح الخير... أبي"

تجمّد الوقت مرة أخرى.

الكلمة خرجت منها بصعوبة، لكن بدفءٍ خافت. والدهشة لم تكن فقط في قلوب الإخوة… بل حتى عينا رافاييل رمشتا مرتين، كأنه لم يتوقع أن يسمعها بهذه الطريقة.

قال برقة:

— "يسعدني أنك هنا."

ردت بنظرة ثابتة، لم تهتز:

— "وأنا أيضًا… رغم كل شيء."

بقيت نظرات الإخوة ترصد كل حركة منها. لكن لم يتجرأ أحد على كسر السكون. فحتى أثناء شربها للقهوة، كانت آليثيا مثل أنشودة من زمن بعيد… تعود ولكنها لا تزال تحمل أصداء الغياب.

وبعد لحظات من الهدوء، تكلم رافاييل بصوتٍ خافت:

— "بعد الإفطار… هل تسمحين لي ببعض الوقت؟"

أومأت برأسها فقط. لا موافقة ولا رفض.

جلسا وحدهما بعد دقائق، في غرفة المكتب الخاصة به.

كانت آليثيا تنظر حولها. كل زاوية فيها تحكي عن الرجل الذي فقد ابنته، وانتظر، وخطط، وبحث.

قال بهدوء:

— "كنت أريد أن أسمعك… ما حدث، كل شيء…"

لكنها قاطعته بلطف حازم:

— "لا… ليس الآن."

كانت عيناها هادئتين، لكنها قطعت الحديث بقوة امرأة لا تخاف الذاكرة، بل ترفض فتح بوابتها.

أومأ رافاييل، تفهم.

— "كما تشائين… لن أضغط عليكِ."

صمت للحظة، ثم تنحنح:

— "لكن… هناك شيء آخر."

رفعت حاجبها بصمت، كأنها تستمع بدقة.

قال:

— "العائلة الممتدة… أعمامك، خالاتك، أجدادك… كلهم ينتظرون رؤيتك."

لم تنطق.

ولكن عينيها… تسارعتا في رمشةٍ لا تُرى.

توتر.

خفيف.

لكن والدها لاحظه.

نظر إليها بتعجب.

قال في نفسه:

> "كيف؟ كيف تخفي توترها بهذا الشكل؟ هذه الطفلة، التي لم أرها منذ خمس عشرة سنة… تُجيد إخفاء مشاعرها كأنها ولدت في لعبة الخداع."

لكن ابتسامته لم تختفِ.

— "هُم يحبونك… وكلهم قاتلوا بطريقتهم من أجلك."

همست:

— "متى؟"

قال:

— "غدًا… سيأتون إلى هنا."

أومأت فقط.

ولم تقل كلمة.

خرج رافاييل من المكتب، متجهًا إلى جناح العمليات… غرفة لا يدخلها غيره.

وأما هي…

آليثيا…

توجهت نحو الإخوة الأربعة.

كانوا مجتمعين في الحديقة الداخلية، قرب النافورة، يتحادثون عن أعمال متفرقة، وكأنهم يخفون قلقهم بالحديث العابر.

ظهرت بينهم بهدوء، وجلست دون أن تطلب إذنًا.

قالت:

— "جئت فقط… لأطمئن."

قال إندرو بنبرة مازحة وهو يرفع حاجبه قليلًا:

— "تطمئنين علينا؟ أم أنكِ جئتِ لتقدّمي تقريرًا سريًا ثم تختفي؟"

نظرت إليه نظرة باردة، جعلت الثلاثة الآخرين يكتمون ضحكاتهم بصعوبة.

ثم قالت دون أي تعبير:

— "سأعود إلى غرفتي."

نهضت. ومشت.

وكلهم تابعوا خطواتها كأنها لغز يمشي على الأرض.

عادت إلى جناحها، لكنها لم تنم… لم تسترخِ.

جلست خلف المكتب، فتحت الحاسوب المحمول.

بدأت البحث.

"العائلة الممتدة لعائلة ديلاغو…"

ملفات خاصة. صور. معلومات لا تخرج للعامة.

لكنها كانت تعرف كيف تصل إليها.

منذ أن كانت تحت رحمة مختطفيها، كانت تراقب… تحفظ… تفتح أقفال الأسرار عبر الشاشات، حتى باتت الهاكر التي تفتح أبوابًا لا يجرؤ غيرها على طرقها.

نقرت بسرعة.

بدأت الصور تظهر…

أعمامها: كلهم رجال. خالاتها… كذلك رجال، إذ تزوجن من أمراء مافيا وتوارين خلف الظلال.

عدد الأبناء؟ كثير… لكن لم تجد فتاة واحدة.

همست لنفسها:

— "أنا الوحيدة…"

ثم… وجدتهم.

الملفات السوداء.

كانوا كثيرين…

لكل واحد منهم سجلّ خاص.

لكن اثنين منهم تحديدًا، لفتا انتباهها.

أحدهم، من جهة الأعمال غير القانونية، كان الزعيم الأقدم للمافيا الإسبانية قبل أن يورث سلطته لأبنائه. صعب المراس، لا أحد يجرؤ على مواجهته، تاريخه مملوء بصفقات الدم والولاء المطلق. أما من الجهة القانونية، فله شركات ضخمة معروفة بأحدث أعمالها التجارية، ويمتلك حضورًا لا يقل قوة عن حضوره في العالم السفلي.

أما الآخر، فهو الأكبر سنًا بين الجميع… من جهة غير القانونية، هو زعيم المافيا الإيطالية، والتي ورثها عن والده بعد أن سيطر عليها. رجل لا يبتسم، وجهه بلا مشاعر، لا يتحدث إلا في الأمور التي يراها ضرورية. وفي الجهة القانونية؟ هو أكبر رجل أعمال في إيطاليا، معروف بحدّته وقسوته وشراسته في صفقات السوق… لا يرحم.

اسماء… معلومات… تواريخ.

ابتسمت.

ابتسامة… ليست حنونة.

بل ممتنة.

امتنان من وجد نفسه بين ذئابٍ تشبهه.

ولأول مرة، شعرت أن وجودها لم يكن خللًا. بل ضرورة.

ومع آخر سطر قرأته، تحدثت في سِرها(مع نفسها) مردفتً مع وجهٍ خالٍ من مشاعر:

"لكل اسم منكم… أنا أراكم.

ولن أكون ظلًّا خلفكم… بل اسمي سيعلو معكم، أو فوقكم.

الغد؟ سيكون اللقاء.

والفتاة الوحيدة في عائلة ديلاغو… لن تكون مجرد ضيفة.

بل… وريثة العرش."

لكن…

بينما أغلقت الحاسوب، وعيناها تحدقان في فراغٍ لا يرى.

اجتاحها شيء آخر…

أفكار تسلّلت بهدوء قاتل.

"هل سيتقبلونني؟

أم سيكرهونني؟

هل سيرونني ابنةً… أم دخيلة؟"

ضغطت على شفتها السفلى بأسنانها دون وعي،

صراع داخلي كان يحتدم دون ضجيج.

"كيف ستكون ردّة فعلهم؟

ماذا لو كنت مجرّد خيبة أمل أخرى؟

هل سأصبح واحدة منهم فعلًا… أم سيُبقيهم الحذر بعيدين؟"

نظرتها تلك اللحظة كانت كمن يحارب ظلاله الخاصة.

ثم نهضت ببطء،

وتوجهت نحو الطاولة الصغيرة الملاصقة لجدار غرفتها الفاخرة.

كانت غرفة مترفة بكل معنى الكلمة،

بسجاد إسباني فاخر، أثاث أنيق، ستائر حريرية بلون الخمر،

لكن رغم ذلك… لم تكن تشعر أنها تنتمي للمكان بعد.

سحبت الدرج السفلي بهدوء، وأخرجت منه مذكرة سوداء جلدية قديمة الطراز، بحواف ممزقة قليلًا، لكن غلافها لا يزال يحميها كدرعٍ لصاحبته.

جلست على الأريكة القريبة من النافذة.

فتحت المذكرة…

و… كتبت.

دون توقف.

كأن القلم ليس في يدها، بل في قلبها.

كل ما تخشاه…

كل ما تتمنى ألا يحدث…

كل سؤال لم تجرؤ على نطقه…

«ماذا لو طردوني؟

ماذا لو رمقوني بذات النظرة التي كانت تقتلني وأنا طفلة؟

ماذا لو اكتشفوا أني… لست كما يتمنون؟»

كتبت وكتبت وكتبت…

حتى شعرت أن الهواء من حولها تغيّر،

لحظةٌ صامتة من ذلك النوع الذي يسبق النداء.

وفعلًا…

قُطع الصمت بصوت مألوف، خفيف الظل، مليء بالحياة:

— "آلييييثيااااااا! تعاليييي! بسرعة قبل ما نأكلك لحالنا!"

اندرو.

المرح كعادته.

توقف قلمها.

رفعت رأسها بسرعة، وبدقة بالغة أعادت المذكرة إلى درجها وأغلقته بقفل صغير مخفي، كما لو أنها تخبئ كنزًا من نوعٍ خاص.

بل لم يكن كنزًا…

بل كان ملجأها.

مخبأها من العالم.

سجلّ حياتها، ألمها، أسئلتها… أسرارها التي لا تعلمها لا عائلتها، ولا والدها، ولا حتى نفسها أحيانًا.

وقبل أن تتحرك،

وقفت، واستدارت ببطء، وتوقفت للحظة عند طرف السرير.

وهناك…

عادت إليها تلك الذكرى.

ـــــــــــــــ°°°ـــــــــــــ

قبل سنوات…

كانت في الحادية عشرة.

جالسة في زاوية غرفة باردة…

تحت نور مصباح خافت، اقترب منها العجوز "إيفا"، المرأة الوحيدة التي أظهرت لها بعض الحنان في بيت الخاطفين.

قدّمت لها تلك المذكرة بهدوء.

— "اكتبي… كل شيء.

إن لم تستطيعي الصراخ، فاكتبي.

وإن لم تجدي من يسمعك، فاكتبي.

اكتبي، يا ليتشا… قبل أن تموت الكلمات فيك."

كانت تلك الهدية…

بمثابة أنفاس للروح.

ـــــــــــــــ°°°ـــــــــــــ

وعادت للواقع.

أغمضت عينيها،

أخذت نفسًا عميقًا،

ثم فتحت الباب، وهمّت بالخروج.

وجهها؟

لا مشاعر...

لا ابتسامة... لا فرحة.... لا ضحكة...

لا شيء...

وكأن الحياة نزعت منها ألوانها،

وغُرِس في أعماقها أن اللامشاعر… هي نوعٌ من القوة.

ثم…

أغلق الباب خلفها.

ولم تعلم… أن أول لقاء حقيقي لها مع العائلة الكبرى…

قد كان....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝐷𝒓𝒂𝒏𝒉𝒂𝒏𝒛𝒐: 𝐴𝒍𝒊𝒕𝒉𝒊𝒂 𝐷𝒆𝒍𝒂𝒈𝒐

المؤلف ✧Serelith✧
2025/08/04 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة