• وجهة نظر:الراوية (الكاتبة) •
كانت الليلة ساكنة…
هادئة بطريقة مزعجة.
لا أصوات… لا خطوات… لا همسات خلف الأبواب.
لكن داخلها؟ كان عاصفة.
وضعت رأسها على الوسادة الحريرية،
شمت رائحة عطر غريب… ليس كعطر ذلك المكان القديم…
لكن عقلها لم يميز... لم يقتنع.
أغمضت عينيها… وانزلقت نحو الهاوية.
في الحلم… لا، في الكابوس، كانت هناك.
في ذلك القبو البارد.
— "ألم نقول أن لا تخرجي من غرفتك؟!"
صوت ذلك الرجل… من اعتبر نفسه "أبيها".
ضربه كان دائمًا بنفس القوة… لكن صوته كان أقسى.
وهي، تلك المرأة التي كانت تمسك شعر الفتاة التي لا حول ولاقوة لها، وتدفع رأسها للحائط،
كانت المرأة تقول لها إنها "تحبنها".
أيّ حب هذا؟
أيّ نوع من المشاعر الملتوية يجعل امرأة تزرع الألم في فروة رأس طفلة بريئة، وتسمّي ذلك "حبًا"؟
هل الحب يعني أن تكسرها؟أن تزرع الخوف في نظراتها، وترجفها كلّما اقتربت منها؟
أهو الحب حين يُقال بصوتٍ مشوّه بينما تُمارَس أبشع صور القسوة؟
ذلك لم يكن حبًا...
كان حبلًا من شوك، يُلفّ حول عنق البراءة باسم العاطفة.
كان سُمًّا يُسكب في قلب الطفلة قطرة قطرة، حتى باتت تنظر في المرآة ولا تعرف من تكون.
حبٌّ مسموم، مشوّه، قاسٍ حدّ التدمير...
حبٌّ لا ينقذ، بل يطفئ نور الحياة من العيون الصغيرة التي لم تعرف من العالم سوى الجدران الباردة وصوت الركلات.
كانت تصرخ… و ترجوهم…أن يرحموها
تطلب هواءً…
فقط… هواء.
تشنّج جسدها،
بدأت تتعرق… تتسارع أنفاسها.
قدمايها ترتجفان تحت الغطاء،
ويديّها ترتفعان في الهواء كأننها تُقاوم أشباحًا لا يراها غيريها.
تصرخ:
— "لا… لا تلمسوني… أرجوكم… لا…!"
فجأة…
فُتح الباب بقوة.
كان برونو.
رآنها…
تجمّد في مكانه، وجهه شاحب،
ثم اندفع نحوها، جلس على طرف السرير، وبدأ يهزّنها بلطف:
— "آليثيا! استيقظي… أنتِ في أمان… آليثيا!!"
لكننها لم تسمعه.
كانت تصرخ، تتنفّس بسرعة و بصعوبة، كأننها تغرق.
— "أليثيا، أنا برونو... أنا هنا، ولستِ هناك... أنتِ هنا، في منزلكِ... معنا..."
مد يده، مسح العرق عن جبينها…
ثم وضع راحة كفه على خديها المرتجفة.
— "أنتِ بخير… أقسم إنك بخير."
ثم… فجأة…
شهقت شهقة حادة، فتحت عينيّها بانهيار، كأنها خرجت من الماء.
نظرت إليه… لم تفكر.
قامت فجأة، ورمت نفسها عليه.. في أحضانه،
إحتضنته بقوة كأنها تتمسك بالحياة نفسها.
ارتجف جسدها كله وهي تتشبث بقميصه، تبكي، تتنهد، ترتجف…
كان صوته منخفضًا…
صادقًا.
— "أنا هنا، آليثيا... أنا معك، ولن أتركك."
الباب ما زال مفتوحًا.
ووقف عنده رافاييل، ماتيو، أندرو، ولياندرو.
ينظرون إليهم…
كل واحد منهم في عينيه شيء مختلف.
حزن..
غضب..
انكسار..
لكن والدهم…
كان يحمل في عينيه دمعة… لم تسقط.
قال بصوت خافت:
— "لن أسامح من فعل بها هذا."
ثم أشار لأبنائه:
— "دعوهما… برونو يعرف الآن ما عليه فعله."
انسحبوا جميعًا…
وأُغلِق الباب بهدوء.
بقيا أنا وهو…
في الصمت.
بقيا، هي وأخوها... وحدهما في ذلك الفراغ المزدحم..
في الصمت.
لم تكن الكلمات ضرورية، فوجوده بقربها كان أعظم من أي وعد.
كان يحملها بنظراته، وكأنّه يحاول أن يُطفئ الخوف المتصاعد من عينيها،
يحميها بصمته، يرمم ما هدمته السنين بجسده الذي وقف بينها وبين ذاك الكابوس...
هي على صدره… تبكي.
وهو يضمها… يحرس قلبها من أشباح الليل.
لأول مرة منذ عدوتها…
لم تشعر بالخوف.
>(تحدثت في نفسها)
شعرتُ بأن لديّ أخًا…
لا يخاف حزني… بل يحتضنه.
• وجهة نظر: برونو ديلاغو •
لم أستطع النوم…
شيء داخلي دفعني أن أمرّ بجوار غرفتها،
لا أعلم إن كنت أبحث عن صوت… أم عن طمأنينة.
لكن ما سمعتُه…
كان كابوسًا حقيقيًا.
شهقاتها.
كانت تخترق الجدار… ثم صدري… ثم عقلي.
فتحت الباب بلا تفكير.
رأيتها…
تتلوّى في نومها، تتصبب عرقًا،
شفاهها تتحرك… تصرخ بلا صوت… ترجو، تبكي، ترجف.
قدماها ترتجفان كما لو أنها تهرب من شيء يطاردها،
ويديها معلقتان في الهواء، تحاربان أشباحًا لا أراها… لكنني أشعر بها.
كل شيء في جسدي تجمّد.
شعرتُ أن قلبي توقف عن النبض.
كيف يمكن لفتاة…
تلك التي يفترض أنها أختي، أميرتي الصغيرة، أن تكون بهذا الانكسار؟
اقتربتُ منها بخوف، وهززتها بلطف،
ناديت اسمها مرة، واثنتين، وعشرة…
لكنها كانت غارقة في عالم مظلم.
حين فتحت عينيها أخيرًا…
كان في نظرتها رعبٌ لا يمكن وصفه.
ثم فجأة…
ارتمت بين ذراعيّ،
وتعلّقت بي كأنني حبل النجاة الأخير في بحرٍ من الألم.
أنا… برونو ديلاغو.
من نشأ في العنف والدم،
من لم يرتجف أمام عدوّ أو موت.
وجدت نفسي عاجزًا… ضعيفًا.
كل شهقة منها كانت طعنة.
كل دمعة… كانت وصمة عار على قدرتي في حمايتها.
بكاؤها… هزّني.
هزّ قلبي، وأحرق شيئًا في صدري… لم أعلم أنه موجود.
لم أعرف ما أفعله… سوى أن أضمها.
أبقى هناك… كجدار، ككتف، كأخ.
وأقسمت في داخلي…
"لن أسمح لأحد… أبدًا… أن يلمس شعرة منها مجددًا."
• وجهة نظر: الراوية (الكاتبة) •
في تلك الليلة…
لم يكن هناك نوم في قصر آل ديلاغو.
بكاء آليثيا اخترق الجدران…
وتسلل إلى غرف الجميع.
الخدم انكمشوا في زواياهم،
والحراس شدّوا قبضاتهم.
رافاييل… وقف في شرفته،
يداه خلف ظهره، ونظره يحدّق في الظلام البعيد.
قال بهدوء مرّ:
— "غدًا… أريد أسماءهم جميعًا."
ماتيو أغلق قبضته،
أندرو سحب سلاحه من خزانته ووضعه قرب وسادته،
ولياندرو جلس عند باب غرفتها… كأنه حارس لروحها.
كان واضحًا…
أن شيئًا تغيّر في تلك الليلة.
القصر لم يعد كما كان.
بات كل من فيه يحمل نذرًا خفيًا:
> من جعل آليثيا تصل إلى تلك الحالة…
لن يجد ملجأ في أي أرض.
آليثيا… لم تكن فقط الأخت المفقودة.
أصبحت الآن الجرح الذي يوحّدهم،
والنار التي تحرق كل ما يقف أمام عودتها للحياة.
الصباح في قصر آل ديلاغو…
لم يكن كأي صباح.
عادةً، يملأه الهدوء المترف… أصوات الخطى الناعمة، همسات الخدم، وخرير النافورة في الحديقة الداخلية.
لكن هذا الصباح… بدا كأنه يمشي على أطراف أصابعه.
كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه احترامًا لألمٍ لم ينتهِ بعد.
في جناحها الخاص، كانت آليثيا تجلس بصمت على حافة السرير…
شعرها متناثر بعشوائية، وملامحها هادئة بشكل مريب.
لكن… من ينظر جيدًا،
سيرى أن السكينة التي على وجهها ليست سلامًا، بل إنها… تعب.
تعب الروح، لا الجسد.
لم تكن تتحدث..
لم تطلب شيئًا..
ولم تشتكِ..
لكن عينيها… لم تكفّا عن مراقبة النافذة،
كأنها تنتظر شيئًا ما.
أو ربما… تخاف عودة شيءٍ كانت تظنه انتهى في الأمس.
الخادمة التي دخلت لتنظيف الغرفة، توقفت عند الباب،
لم تجرؤ على إصدار أي صوت.
فالحزن كان يملأ المكان…
حزن ثقيل، ناعم، خفي، لكن محسوس.
قرب السرير، لا تزال آثار ذراعٍ واحدة احتضنتها طوال الليل.
برونو غادر بهدوء عند الفجر،
لكن لم يكن هناك شك… أن وجوده كان حبل الأمان الذي أنقذها من الغرق.
آليثيا، تلك الفتاة التي تمزقت أعوامها في الظلام…
استيقظت في قصرها، في سريرها، بين عائلتها،
لكن لا شيء من هذا استطاع أن يوقظ روحها بعد.
كأنها لا تزال… في منتصف الطريق.
نصفها هنا…
ونصفها الآخر، لا يزال عالقًا خلف أبوابٍ موصدة…
في مكان لم يعرف سوى الصراخ.
لكن رغم كل ذلك…
في عينيها نظرة صغيرة… خافتة… لكنها موجودة.
لم تكن أملًا.
بل كانت رغبة.
رغبة بأن تصدق أن هذا… قد يكون بداية حقيقية.
وذلك وحده،
كفيل بأن يجعل الشمس في ذلك اليوم أكثر دفئًا… رغم صقيع الداخل.
✧Serelith✧