09...
مرحبًا بك، أيها القارئ العزيز..
ها أنت تقترب بخُطى مُثقلة من النهاية.
لقد بلغت الفصل التاسع — حيث تتوارى الضحكات خلف الستار، ويعلو صدى الحقيقة على وقع السرد.
هنا، لا مكان للمزاح ولا مهرب من الانكسار.
كل تفصيلة كُتبت بشيءٍ من الحزن، وشيءٍ من الوداع..
فلتستعد، فما تبقّى ليس مجرد فصل، بل مُنعطف.
وأي مُنعطفٍ هذا، حين تُطوى الصفحات على صوتٍ يشبه البُكاء.
حظًا موفقًا.
------
كانت الليلة أشبه بلوحة فخمة أُطلِق عليها العنان.
قاعة فسيحة، تتدلّى من سقفها ثريات تشبه النجوم المتجمدة، وموسيقى كلاسيكية تنساب كما لو أنها تُعزف من داخل الزجاج.
على الأرض، تناثرت خطى الرجال والنساء كأنها رقصة بلا نهاية، وبين الضحكات والمجاملات والمصافحات المُصطنعة، تمايلت الأحاديث حول المال والصفقات والنفوذ.
ماريسول، بجمالها المائل للحُزن، كانت تقف على طرف المشهد، ترتدي فستانًا أسود يُشبه ليلًا لم يُشرق بعد، من قماش ينسدل كأمنيةٍ تُقاوم السقوط.
وقفت بجوار لوسيان، وقد بدا كعادته كأنه خرج من نصّ مسرحيّ عن النبلاء المتحفظين، بذلة من الكتان الرمادي الغامق، وربطة عنق سوداء، ووجه لا يبتسم كثيرًا.
قالت ماريسول وهي ترشف من كأسٍ مملوء بنبيذ عنابي
"هل تظن أن العالم يتغيّر هنا؟ فِي مكانٍ كهذا؟"
أجابها لوسيان دون أن ينظر مباشرة إليها، بل إلى رجل يتحدث عن مشروع للطاقة الشمسية في المغرب
"العالم لا يتغيّر هنا. العالم هنا يُباع ويُشترى."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم تمتمت
"غريب...أنا لا أشعر أنني أنتمي."
التفت إليها ببطء، وقال بصوته الهادئ الذي يشبه الليل عندما يكون صافيًا
"أنتِ لا تنتمين. ولهذا تمامًا تبدين لافتة."
كانت ماريسول على وشك أن تُجيب، حين انزلقت نظراتُها نحو الطرف الآخر من القاعة.
وهناك، رأتها.
طفلة صغيرة، ذات ملامح ناعمة تشي بأصولٍ سويدية، خصلات شعرها الذهبية مجدولة بعناية كأنما نُسجت من خيوط الشمس، ترتدي فستانًا ورديًا بسيطًا، وتُمسك بكفِّ والدتها الصغيرة، بينما عيناها الواسعتان تنظران بدهشة إلى إحدى الطاولات المتلألئة بالحلوى.
لكنّها لم تكن غريبة على ماريسول.
كأنّ الزمن تراجع خطوة، وانفتح من خلاله شقٌ صغير على حُلمٍ قديم...رأته قبل أيام، في ليلٍ سكنه الغموض والسكينة، حين كانت ترتدي فستانًا أبيض وتلعب بين الأطفال، في حقلٍ من الضوء الطريّ كأنّه رُشح من الفجر.
رفعت ماريسول يدها، ولوّحت بخفّةٍ عفوية، لا تشبه أبدًا رصانة الأجواء من حولها.
نظرت إليها الطفلة، ثُم ابتسمت.
ابتسامة نقيّة، مدهشة، كأنّها تُفصح عمّا لا يُقال.
همس لوسيان، وهو يحدّق بدهشة
"هل تعرفينها؟"
قالت ماريسول، وهي لا تزال تُمعن النظر في وجه الطفلة
"لا… لكنني رأيتها من قبل… في حلم."
ضحك لوسيان بخفّة، لكنّ ضحكته خمدت شيئًا فشيئًا حين التفت إلى عينيها..
كان فيهما شيءٌ ساكن، غامض، لا يشبه المزاح.
فعرف أن الأمر ليس على سبيل الدعابة.
قال، بصوتٍ أقرب إلى التأمل
"أحلامكِ تُشبه الحاضر أكثر مما ينبغي، ماريسول."
لم تُجبه.
كانت عيناها ما تزالان معلقتين بالطفلة، كأنّ فيهما فضولٍ لا تعرفه.
ثم، بعد لحظة قصيرة، رأت الطفلة تهمس بشيءٍ إلى والدتها، قبل أن تستدير وتمضي نحو الممر المؤدي إلى دورة المياه.
مرّت دقائق...أو ربما أكثر.
انشغلت ماريسول بحديثٍ عابر مع أحد الحضور، لكن قلبها ظلّ عالقًا هناك، حيث اختفت الطفلة، كأن شيئًا فيها قد انفصل عنها وتبع الصغيرة.
وحين التفتت تبحث عنها بعينيها، لم تجدها.
جالت نظراتها بين الوجوه والطاولات، حتى وصلت إلى حيث كان يقف والدا الطفلة...
لكنّ الصغيرة لم تكن بجانبهما.
كانا يضحكان في هدوء، وكأنّ شيئًا لم يحدث، وكأنّ الطفلة لم تَغِب أصلًا.
لكنّ ساعةً كاملة قد انقضت، والطفلة ما تزال مفقودة.
لم ينتبها إلى غيابها، لم يسألا عنها، لــم يتلفتا خلفهما.
نظرت ماريسول بسرعة قلقة.
ليست مع والديها، ولا عند الطاولة، ولا بين الحضور..
بدا وكأنّ الأرض قد ابتلعتها، أو أنّ الزمن انزلق بها إلى شقٍّ خفيٍّ من الغياب.
تصلّبت ملامح ماريسول، وانكمشت قسمات وجهها تحت وطأة القلق.
استدارت نحو لوسيان، وهمست ببطء، وكأنّها تزن كلماتها بقلق
"لقد إختفَت..."
"مَـن؟"
"الطفلة. كانت هناك منذ لحظة..."
تراجع لوسيان خطوة، وقال بصوت منخفض
"هل أنتِ بخير؟"
ابتلعت ريقها ببطء، وشعورٌ خفيّ بدأ يتسلل إلى صدرها كدخانٍ رماديّ.
وفي لحظة، وسط الصخب والضحكات، وسط عزف الكمان والموكيت السميك، سمعت شيئًا.
صوتٌ غريب، لا يشبه الموسيقى.
أنينٌ خافت، مختنق، كأن أحدهم يحاول أن يصرخ ولا يُسمع.
كان الصوت يأتي من جهة الحمّامات، خلف الممر الطويل الذي تحرسه الأزهار الصناعية والمرآة الكبيرة.
سارت ماريسول بخطى ثابتة لكن متوترة، متجاهلةً لوسيان..
كل خطوة تُعمّق ذلك الصوت في أذنها.
وحين اقتربت، رأت رجلًا...
رجل، أنيق الملبس، يخرج من باب حمّام السيدات، يُعدّل قميصه وكأن شيئًا لم يكن. مرّ بجوارها دون أن ينظر، وترك خلفه رائحة كولونيا باهتة ممزوجة بشيءٍ لا يُوصف.
تجمّدت ماريسول في مكانها، وشحب وجهها دون أن تشعر.
كانت الدنيا تدور حولها، ببطءٍ مُرعب، كأنّها فقدت توازنها أمام مشهدٍ لم يكن ينبغي لها أن تراه.
ما الذي يفعله رجلٌ بالغ فِي حمّام النساء؟
كان السؤال كطعنةٍ باردة في وعيها، لا تزال تتردد في رأسها حتى بعدما اقتربت، ودون أن تفكّر... فتحت الباب.
وهناك رأتها.
الطفلة، جالسة على الأرض، منكفئة على نفسها كزهرةٍ قُطفت بعنف. عيناها غارقتان في دمعٍ لا ينضب، وساقاها منكمشتان كأنّهما تحاولان الاختباء من العالم.
فستانها الوردي، الذي كان قبل لحظات رمزًا للبراءة، قد تناثرت عليه بقعٌ دامية، تئنّ بالصمت.
"Nej... nej..." (لا...لا...)
كانت تهمس بصوتٍ مبحوح، خافت، كأنّها تنطق من حنجرةٍ فقدت القدرة على الصراخ.
توقّف الزمن.
تجمدت ماريسول، كأنّ الغرفة ضاقت، كأنّ الهواء انسحب فجأة، وكأنّ روحها انتزعت منها لترى ما لا يُحتمل.
في تلك اللحظة، لم تكن ترى فقط الطفلة...
كانت ترى نفسها.
ترى الماضي ينهض من مقبرته، ويزحف نحوها، يحمل ذات الوجع، وذات الدمعة، وذات الشعور بالعجز الفادح.
تسارعت أنفاسها، وارتجف قلبها بعنف، كطبولٍ بدائية تعلن عن قرب انهيارٍ داخليٍّ.
كل خلية في جسدها ارتعدت، كُل جدارٍ شيّدته بداخله لحماية ما تبقّى من إنسانيتها..تصدّع بصمتٍ مدوٍّ، كأنّ العالم بأكمله انكسر في عينيها.
ذلك المشهد... تلك الطفلة... الدم... البكاء...
كان مرآةً قاتمة لذاكرةٍ بعيدة، حُفرت في أعماقها كجُرحٍ لا يلتئم، وإن غطّته السنوات.
رأت نفسها..
طفلةً صغيرة، في العمر ذاته تقريبًا، ترتجف في زاويةٍ باردة، يتكاثف فيها الخوف، وتتشظّى فيها الثقة.
شهقت ماريسول، وتراجعت خطوة، كأنّ جسدها يرفض الاقتراب من مرآة ماضيها.
كأنّ الألم القديم خرج من قبره، وقف أمامها حيًّا، بلحمٍ ودم، يسألها:
'أتذكّرتِني؟'
ولهذا كرهت الرجال.
لأنّ أحدهم، في لحظة شهوة، قتل شيئًا طاهرًا فيها، ولم يلتفت.
لكنها لم تتراجع طويلًا.
تقدّمت، رغم رجفة ساقيها، وجلست على ركبتيها أمام الطفلة، وضمّتها إلى صدرها، كما لو أنها تحاول إنقاذ نفسها...مرةً أخرى.
احتضنتها بقوة، بعزمٍ هشّ، وكأنّ ذراعيها صارتا سفينة نجاةٍ واحدة وسط بحرٍ من الغرقى.
انحنت فوقها، وهمست بلغةٍ لا تدري إن كانت الطفلة ستفهمها، لكنها قالتها بقلبٍ يعرف تمامًا ما تعنيه
"أنتِ لستِ وحدكِ...ان أترككِ وحدكِ، أبدًا..."
كانت ماريسول ترتجف.
لكنّ ذراعيها ظلّتا مشدودتين حول الصغيرة، كأنها تتشبّث بالحياة.
عيناها أخذتا تطوفان حول المكان...بدت القاعة فجأة ضيّقة، خانقة، لا هواء فيها ولا أمان. وجوهٌ كثيرة، باردة، يختبئ خلف لمعانها صمتٌ مشبوه، ونوايا مموّهة...
كل شيءٍ فيها يلمع...إلا البراءة.
وماريسول...
في حضنها الطفلة، زفي قلبها نفسها الصغيرة التي لم تجد أحدًا يقول لها ذات الجملة.
نظرت حولهَا...لَم تجد لوسيان.
لم تجد إلا الفراغ.
ضغطت على أسنانها، واستجمعت ما تبقى من قوتها، وبدأت تسير وسط الجموع، حاملة الطفلة التي هدأ بكاؤها قليلًا، لكنها لا تزال تئن، وعيناها غائبتان عن العالم.
خطت ماريسول خطواتها نحو وسط القاعة، وهي تلهث، تبحث بعينيها عن والدي الطفلة..
حتى رأت الأم.
امرأةٌ شقراء، أنيقة، ترتدي ثوبًا أخضرَ زمرديًّا، تضحك بخفّة وهي تميل نحو زوجها، تحتسي شيئًا فاخرًا من كأسٍ بلّوري، كأنّ العالم يدور حول نغمة ضحكتها فقط.
إلى جوارها، يقف والد الطفلة، رجلٌ طويل، أشيب الشعر، جامد القسمات، يحدّق في ساعة يده بفتورٍ مُريـب.
ركضت ماريسول نحوهما، والطفلة معلّقة بين ذراعيها،
الدم لا يزال يلوّث الفستان الوردي، واضحًا، فاضحًا، كجريمةٍ في ضوء النهار.
لكن قبل أن تصل...،
ظهر هو.
الرجـــل.
كأنّه ظلّها القذر، ماضٍ داكنٌ يُلاحـــقها متخفيًا في هيئة بشر.
تقدّم بخطواتٍ هادئة كمن اعتاد إخفاء الكارثة خلف ابتسامة.
رفع يده.
وأشار إليها أمام الجميع، دون ارتباك، دون تردّد،
ثم قال بصوتٍ حادٍّ، واضحٍ، كأنّه يُفرغ قذيفة من فمه
"أوقفوها! تلك المرأة اغتصبت الطفلة!!"
سقط صوته في القاعة كطلقة.
توقف كُل شئ. الهواء، الضوء، الأصوات، وحتى الزمن نفسه...
الوالدة تجمّدت في مكانها، وجهها شحب، وعيناها اتسعتا كأنّ شبحًا خرج من أعماقها ليتجلّى أمامها.
والد الطفلة اندفع للأمام كذئبٍ استيقظ فيه الهياج.
انتزع إيما من ذراعي ماريسول بعنفٍ موجع، كأنّه ينتزع منها قلبها، وهو يصرخ
"ابتعدي عنها، أيتها المريضة!"
صوته كان سكينًا، ويداه كانتا قيدًا، والدم لا يزال واضحًا، لكن لا أحد نظر إليه...الجميع نظر إلى ماريسول، كمَا لو أنها الوحش.
وماريسول...
وقفت هناك، تحمل صمتًا لا يُفسَّر، ووجعًا لا يُبرَّر،
طفلتها اختُطِفت مجددًا...
هذه المرّة من بين ذراعيها.
صرخ الحاضرون، وتراجع البعض برعب، بينما اقترب رجال الأمن، والهمسات تحوّلت إلى جُمل، والجمل إلى إدانات.
"هل قال إغتصاب؟!..."
"مستحيل!! ماريسول ليست من أولئك الذين قد يرتكبون أمرًا كهذا!"
"لكن الطفلة تنزف بالفعل...هذا ليس مجرّد سوء فهم."
"ومع ذلك...لِماذا؟ لماذا تفعل امرأة كهذه شيئًا كهذا؟"
"امرأة متعلّمة، أنيقة، وذكية...ما الذي قد يدفعها؟"
"ربما كانت تُخفي وجهًا آخر...نحن لا نعرف أحدًا حقًّا."
ماريسول وقفت في وسط الدائرة، بلا صوت، بلا قدرة على الحركة.
كأنها تمثالٌ في متحفٍ للأكاذيب.
الحقيقة كانت تصرخ في داخلها، لكن فمها ظلّ مغلقًا، كأن الخوف قد خيّط شفتيها.
كل ما فعلته هو أن نظرت إلى الطفلة، إيما، ووجدت عينيها تبحثان عنها، في ارتباك، في خوف، لكنها لم تقل شيئًا.
هل كانت الطفلة خائفة لدرجة أنها لا تستطيع النُطق؟
هل أدركت أن الوحش الحقيقِـــــــــــي لا يزال قريبًا؟
وماريسُول...المرأة التي واجهت الرجال بنُكاتها وسُخريتها، التي سارت في الاجتماعات بجُرأة من لا يخشى شيئًا...
وقفت الآن أمام جريمة لم ترتكبها، لكن وُضعت على كتفيها كقيود.
رأت الدم على يديها، والشكّ في أعين الجميع،
وسمعت صوته، صوت ذلك الرجل القذر، يقول مرةً أخرى
"ألم ترَوا الدم بين ساقي الطفلة؟ هي من فعلت هذا…! وجدتُها هناك، في الحمام، تُمسك بها..كأنها..كأنها تنفّس وحشًا داخلها! كل ذلك لأجل شهواتها!."
في تلك اللحظة، لم تكن ماريسول فقط ضحية كذبة.
بل كانت على وشك أن تُدفــــــن حيّة، باسم الفضيلة.
ووسط كل ذلك، لم يخرج أحد لينطق بالحقيقة.
لم يُوقف أحد ذلك الكذب الصارخ.
ولم يظهر لوسيان...
الوحيد الذي كان بإمكانه أن يقول شيئًا، أن يرى ما لا يراه الآخرون.
لكن الصمت... كان هو السيّد.
تراكمت الهمسات من حولها حتى أصبحت جدرانًا تُطوِّقها، تخنقها، تدفع بها نحو الحافة.
كانت الوجوه مألوفة في ظاهرها، لكنها الآن صارت غريبة، قاسية، بلا ملامح، بلا ذاكرة. وقفت في مركز الدائرة، وحيدة، متّهمة، والطفلة التي أنقذتها بين ذراعي والديها، ترتجف ولا تتكلّم.
نظرت ماريسول حولها، شفتاها ترتعشان، وعيناها تحاولان الإمساك بأي خيط من الحقيقة في وجوه الناس.
"أنا... لم أفعل شيئًا..."
قالتها بصوتٍ مهزوز، لم يخرج كما اعتادت: قويًا، ساخرًا، متحديًا...
بل خرج مُنكسِرًا، حزينًا، كأنه صوت من قبرٍ مفتوح.
"لقد سمعتُ الصوت وذهبتُ فقط لأرى...رأيتها هناك، تنزف، تبكي، وحدها... أقسم أنني لم أؤذِ أحدًا!"
لكن كلماتها ذهبت في الهواء، لم تجد من يُمسك بها، من يُصدّقها، من يمنحها فرصة حتى لتُكمل.
نظرات الاتهام كانت كفيلة بهدم جبل.
لمعت عيناها بالدموع...لكنها قاومت.
"أنا من حملتهَا إلى أمها!"
"أنا من أنقذتُها!"
"من يتّهمني هو من خرج من الحمّام قبل لحظات...لماذا لا يسأله أحد؟!"
لكن الأصابع لم تتّجه إليه، بل كانت كلها مُشهرة نحوها.
بدأت ماريسول تبكي...لأول مرة أمام الجميع، أمام هذا العالم الذي كانت تهاجمه دومًا وحدها...
بكت بمرارةٍ من يُطعَن في جوهره، لا في سمعته فقط؛ كأنّ الطعنة قد وصلت إلى قلب روحِها. كانت دموعها تنهمر بلا إذنٍ، بلا كبرياء، تنسال على وجنتيها كأنها تعترف عن لسانها بما لم تفعله.
انكمش جسدها من الداخل، كأن قلبها التَفَّ على نفسه، وارتعد صوتها وهي تهمس برجاءٍ خافت، بالكاد سُمِع بين الجموع
"أرجوكم... لا تفعلوا بي هذا...صدّقوني، أقسم أنني لم أمسّها بسوء..! لقد كان ذلك الأخرق"
لكن لم يُجِب أحد.
الوجوه التي كانت تراقبها بشغفٍ لحظاتٍ من قبل، صارت فجأة كأنها مذابة، بلا ملامح. وجوهٌ جامدة، خالية من الحياة، كأنهم ارتدوا أقنعةً من شمع، وبدأت تذوب تحت ضوء الاتهام.
كل شيء بدا مزيّفًا...الأصوات، النظرات، حتى الجدران من حولها...إلا شيء واحد ظلّ صادقًا حتى النهاية: مشاعرها.
ثم، ومن خلف الجموع المتجمّعة، ظهر رجُلان من رجال الأمن، ببدلاتٍ سوداء أنيقة، ونظراتٍ باردة كليلة، خالية من أيّ تعاطف.
اقتربا منها بخُطى ثابتة، وبنبرةٍ خفيضة، قال أحدهم بصوتٍ خالٍ من التهديد، لكنه لا يترك مجالًا للرفض.
"آنسة، نرجو منكِ مرافقتنا بهدوء...الإجراءات تتطلّب ذلك."
اهتزّ كتفها، وارتعش قلبها كأنّه يلفظ صرخةً أخيرة. التفتت برأسها ببطء، لتُحدّق في الطفلة إيما، التي كانت تقف هناك، ساكنةً، صامتةً، تحدّق بها بعينين واسعتين مليئتين بالذهول والخوف..
ثم نظرت ماريسول إلى الحشد، إلى العيون التي تُدين، والأفواه التي تتمتم بأحكامٍ لم تُعلَن بعد،
قالت بصوتٍ مكسور، ممتزجٍ بالخذلان والاحتراق..
"أنتم لا تعرفون شيئًا... لم تكونوا هنا...لم تروا شيئًا... لكنكم تحكمون وكأنكم شهودُ الحقيقة..."
مدّ أحد رجلي الأمن يده نحوها، بلُطفٍ ظاهري، كأنّه يواسيها، لكن برودة عينيه كانت تقول شيئًا آخر تمامًا. لم تُقاوِم.
سمحت ليدها أن تستقرّ في يده، كأنها تُسلّم نفسها للقدر، لا للقانون.
وغادرت معهم.
صوتُ خُطاهم وهم يبتعدون كان أثقل من الضجيج...كأنّ كل خطوةٍ تُدوّي فوق ضلوعها، تُسحق فيها ما تبقّى من كرامةٍ، من ثقةٍ، من ذاكرةٍ طاهرة.
كل شيءٍ أصبح أبكم، كأنّ الزمن نفسه احتبس في رئتيها. حتى الهواء صار كثيفًا، لا يُستنشق، بل يُؤذي.
في الخارج، كانت السماء ملبدةً، لا شمس، لا مطر...فقط رمادٌ معلق في الهواء، يُشبه حالها.
ورغم أنّ القيود لم تُوضع في يديها، إلا أنها شعرت بها تحاصر عقلها، وقلبها، وكلّ احتمالٍ جميل كان يمكن أن يكون..
M.