في صباحٍ ناعمٍ كقطعة قطن، دخلت ماريسول إلى الشركة، حاملةً كوب قهوتها. رفعت حاجبيها للحارس بابتسامةٍ نصفها حياء ونصفها تهكم، ثم تابعت سيرها نحو مكتَبها.
كان في البهو ضجة خفيفة؛ أحد العملاء صرخ من الطابق العلوي، فرفعت ماريسول نظرها وقالت دون أن تتوقف.
"إن لم يكن هذا صوت صفقة ناجحة، فهو بالتأكيد صوت قهوة مسكوبة على اللابتوب."
ضحك خلفها رافائيل، موظف التسويق
"أتُّراهنين؟ أنا أقول إنها زوجة تتصل لتتأكد أنه فعلاً في المكتب."
أجابته بِسُــخرية
"وهل نلومها؟ هذا المكان فيه من الذكاء ما يكفي لخداع الـ Ai نفسه."
دخلت المصعد، وما إن أغلق الباب حتى ظهر لوسيان، بهدوئه المعتاد، كأن حضوره نُسج من صمتٍ مرمري. حدّق في كوبها، ثم قال بلا مقدمات
"ألم نتفق أن تقلّلي من الكافيين؟"
أجابت وهي تحتسي رشفة
"نعم، وها أنا أُقلّل من إحترام الاتفاق."
رفع حاجبه، ابتسم كعادته ابتسامة شبه خفيّة
"جميل. سيكون اجتماع اليوم مع عملاء الشركة الإيطالية، فكوني..."
قاطعته
"ودودة؟ ناعمة؟ أو أنك ترغب منِي أنا أُقصر من لسانِي الطويل؟."
"اختاري واحدة فقط، لا أطمح للكمال."
قَال لوسيان بإبتسامة مُشرقة.
----
في قاعة الاجتماعات، كان العملاء الإيطاليّون يتبادلون النكات والإيماءات وكأن الصفقة تُعقد على طاولة مطعم لا على أوراق رسمية. جلسوا متراصّين، بأناقتهم المعتادة وابتساماتهم التي تسبق كلماتهم.
قال أحدهم وهو يومئ بيده في حركة درامية
"Sei come un espresso: intensa, ma risvegli la mente."
"أنتِ مثل الإسبريسو. مُركّزة، لكن توقظ الدماغ."
رفعت ماريسول حاجبًا ونظرت إليه نظرة فيها من الجدية ما يكفي ليثير الشك، ثم قالت بنبرة ثقيلة.
"E vi ho forse detto che vengo preparata a fuoco lento?"
"وهل قلتُ لكم إنني أُحضَّر على نارٍ هادئة؟"
قهقه الجميع، حتى لوسيان الذي لم يضحك في الاجتماعات منذ أزمة 2019، مالت شفتاه إلى ابتسامة نادرة، كأنها انزلقت منه رغماً عنه.
لكن ماريسول لم تتوقف، ورفعت فنجان القهوة وقالت ساخرة.
"Ma attenti... se mi lasciate troppo sul fuoco, divento amara."
"حذاري، فإن تركتموني طويلًا على النار، أصبحتُ مُرَّة."
رد الآخر ضاحكًا.
"Allora sei proprio italiana dentro!"
"إذًا فأنتِ إيطالية من الداخل!"
أجابت بابتسامة جانبية.
"No, peggio. Sono donna."
"بل أسوأ. أنا امرأة."
وهنا لم يملك حتى الحارس عند الباب إلا أن يكتم ضحكة، بينما همس أحدهُم لـ لوسيان.
"يبدو أننا في عرض مسرحي، لا اجتماع عمل."
فردّ لوسيَان همسًا.
"على الأقل المسرح ممتع أكثر من جدول الأعمال."
---
بعد الاجتماع، جلسوا جميعًا في المكتب المفتوح، وبدأت ماريسول تقلّد أحد العملاء وهو يشرح عرضهم بلهجته الثقيلة وحركات يديه العنيفة، فقالت
"يبدو أننا في عرض مسرحي، لا اجتماع عمل! بلا بلا بلا!"
راحت تقلّد، حتى أن صديقتها ليلى كانت على وشك أن تسقط من على الكرسي وهي تضحك.
همس لوسيان، وقد اقترب منها قليلًا
"أتعلمين، إنهم أحبّوك أكثر من العرض ذاته."
نظرت إلية ماريسول بإشمئزاز.
"وبماذا سأستفاد بحبِهم؟"
---
بينما انشغل الجميع بمراجعة بنود الاتفاق، جلست ماريسول لدقائق قصيرة على مكتبها، وحدّقت دون تركيز في نقطةٍ ما بين الأوراق وكوب القهوة.
تسرّب إلى ذهنها حُلمها من الليلة الماضية، كانت ترتدي ثوبًا أبيض، تلعب وتضحك مع مجموعة من الفتيات الصّغيرات، يركضون في حديقةٍ لا تُشبه الحدائق التي تعرفها، بل كأنها نُسجت من دفءٍ لا يشيخ.
همست ماريسول بفضول لنفسِها.
"يا تُـــرى، لما قد أحلم بحلمٍ كهذا؟ ومن تكُن الصغيرات الجميلات؟"
لكن قبل أن تغرق أكثر في التفكير، جاءها صوت لوسيان من خلفها، هادئًا كعادته، لكنه مغموسٌ بسخريةٍ يعرف جيدًا كيف يصوغها
"صغيــرات؟ أتُحضّرين عذرًا جديدًا تُرفقينه مع ملف استقالتك القادم؟"
استدارت إليه كمن ضُبط متلبسًا بالتفكير، ثم ردّت بخفةٍ لاذعة لا تخلو من دلال
"أفكر في افتتاح حضانة، ستكون مكانًا مثاليًا لك، سيدي."
ابتسم لوسيان، ضاحكًا من أسلوبها المعتاد في السُّخرية مِنه.
"لا أظنها فكرة موفقة. ستُرعبين الأطفال، كما فعلتِ لَيلى. لم تعد صغيرة الآن، ومع ذلك، لا تزال ترتجف حين تراكِ."
تغيّرت ملامح ماريسول، رفعت حاجبيها ونظرت إليه نظرة مشتعلة، كأنها سهمٌ يوشك أن يُطلَق.
لكن ردة فعلها لم تزده إلا مرحًا، فانفجر ضاحكًا، كشخصٍ يعرف أن العبث معها أشبه بالسير على حافة نصل، لكنه يجد متعة غريبة في تلك المجازفة.
أما هي، فاكتفت بتنهيدةٍ طويلة، وقالت بصوتٍ خافتٍ يُشبه التهديد المغلف بالسكر.
"يبدو بأنني سأبدأ بلإغتيال أولًا قبل رعاية الأطفال..."
M.