إجتمع كبار الرؤساء حول طاولةٍ بيضـــاويةٍ مصقولة، لا تحتمل زلّة، ولا تغفر عندها العثرات. وفي الركن الأيمن من الطاولة، جلس لوسيان بكامل سكونه وهيبته.
إلى يساره، كانت سكرتيرته، ماريسول، تحمل دفتراً جلدياً أسود وقلمًا تثبته بين أناملها بتركيز.
قال أحد الشركاء، وهو يُقلب عرضًا مرئيًّا على الشاشة
"لو خفّفنا القيود المفروضة على البيانات، سنضاعف أرباحنا في الربع القادم. الخصوصية؟ لا تهم المستخدم ما دمنا نمنحه تجربة ذكية."
لم يطرأ أي تغيير على ملامح لوسيان، ظلّ وجهه كمرآة ساكنة.
أما ماريسول، فلم تنتظر إذنًا. أسندت ذقنها إلى راحة يدها، ونطقت بصوتٍ خافت، رخيم، يجمع بين التسلية والازدراء.
"تجربة ذكية على حساب خصــوصية العميل؟ بديع. أُسمّي هذا اختراقًا، لا تقدُّمًا."
ابتسم أحدهم ابتسامة ماكرة، ثقيلة الوَقع.
"الجميلة تتحدث، والرئيس يلوذ بالصمت. أهي السكرتيرة من تُملِي قرارات الشركة اليوم؟"
عندها فقط، تحرّك لوسيان للمرة الأولى. حركة بطيئة، محسوبة، لا تخلو من تهديدٍ صامت. رفع ناظريه، وحدّق بالمتحدّث نظرةً حادّة، كأنّها مشرطُ جرّاحٍ يُجيد تمزيق الغرور.
قال بصوتٍ منخفض،
"الجميلة، كما أسميتها، تحفظ خطوط الحماية في هذه الشركة أكثر ممّا تحفظه ذاكرتك المالية، سيد لارسون."
"أمَّا قراراتي؟ فلا يُملِيها أحد. لكنها، قطعًا، لا تُبنى على منطق السوق القذر."
ساد صمتٌ ثقيل، كأن الهواء ذاته امتنع عن المرور.
وفي هدوءٍ ناعم، كانت ماريسول تكتب شيئًا في دفترها الجلدي، ثم، دون أن ترفع رأسها، تمتمت بصوتٍ لا يخلو من لذعة.
"وأضيف أن الأوغاد لا يستحقون إلا الحرق، أو الإقالة. أيّهما أسرع."
انطلقت ضحكة مكتومة من أحد الحضور، لكنها ما لبثت أن اختنقت في حلقه حين وقعت عليه نظرة لوسيان، تِلك النظرة التي لا تحتاج إلى كلمات.
ثم تكلّم، بصوتٍ لا يعلو لكنه لا يُعارَض، فيه من الحسم ما يُغني عن الصراخ.
"إلغاء الشراكة مع شركة ڤي، اليوم قبل الغــد."
قالها وكأنّه ينطق بحُكمٍ نهائي، لا استئناف فيه.
ماريسول لم تُعلّق، بل فتحت الحاسوب أمامها بهدوءٍ مُعتاد، وبدأت في تسجيل الإجراء دون تردّد.
وفيما كانت تكتب، مال أحد الحاضرين من الجهة المقابلة، وهمس بنبرةٍ مشفقة.
"رجلٌ حادّ الطباع، أليس كذلك؟ كيف تحتملين العمل معه كلّ يوم؟"
عندها، أغلقت الحاسوب بهدوء، ورفعت عينيها إليه، ثم ابتسمت تلك الابتسامة التي تُشبه السكون الذي يسبق العاصفة.
"لأنه الرَّجُــل الوحيد هُنا الذي لم يُجرّدني بنظراته."
تساقط الصمت على الطاولة كما يتساقط الزجاج عند انكساره؛ حادًّا، مباغتًا، ومُربكًا، تناثرت معه الكلمات واحترقت النظرات في وهج الإحراج.
أما لوسيان، فلم ينبس ببنت شفة، بل أدار وجهه نحو النافذة، وعيناه تتابعان الأفق دون التفات، ثم سأل بنبرةٍ هادئة تُخفي خلفها كل شيء.
"مارِي، هل لدينا موعد عند الظهيرة؟"
"لا، ألغيتُة لأنني كرهتُ نبرة المتحدّث."
"أحسنتِ."
فردّت، وهي تعيد ترتيب أوراقها.
"أعلم."
ساد السكون من جديد، لكنه هذه المرة لم يكن كسابقه. بل كان سكونًا مثقلًا بالهيبة، يُشبه ما يسبق العاصفة لا ما يليها.
أحد الحاضرين بلع ريقه بصعوبة، ومال إلى الشاشة متظاهرًا بالتركيز، وكأنّه يحتمي بالأرقام من وقع الكلمات.
أما سيد لارسون، فكان يُصلح أزرار سترته بهدوءٍ مُصطنع، يتجنّب النظر نحو الطرف الآخر من الطاولة، حيث جلست ماريسول تُقلّب صفحات دفترها.
قال أحد التنفيذيين، محاولًا كسر التوتر.
"حسنًا...أظُــن أنّنا نحتاج مراجعة الاستراتيجية من منظورٍ مختلف..."
لوسيان، دون أن يغيّر نبرته أو يُظهر انفعالًا،
"بل أنتم تحتاجون مراجعة أدمغتكم أولًا، قبل الحديث عن الاستراتيجيات."
ثم نهض من مقعده، وسوى أزرار سترته بدقة.
"انتهى الاجتماع."
نهض الجميع على الفور، وكأن أحدًا فكّ عنهم قيد الصمت، بينما ماريسول كانت آخر من وقفت، جمعت أوراقها ببطء.
ثم نظرت إلى الشاشة التي لا زالت تعرض أرباحًا مستقبلية مبنية على خيانة ثقة العملاء، وقالت همسًا وهي تطفئها.
"لا أرباح تأتي من رماد الثقة."
ثم لحقت بلوسيان، خطواتها واثقة، وصوت كعبها يُدوّي كتصفيقٍ لا يُمنَح إلا للمنتصرين.
----
في الرواق المؤدي إلى المصعد، سارت ماريسول خلف لوسيان بخطوات متزنة، تحفظ توازن الكعبين العاليين، حتى لحقت به وقالت بتهكمٍ خافت.
"أتعلم؟ لو كنتُ ألقيتُ كوب قهوة في وجه لارِسون، لكانت رسالتي أوضح."
لم يلتفت، لكن زاوية فمه ارتفعت بخفة.
"وهل كان ذلك سيُرضيكِ؟"
"ليس تمامًا. لكنّي كنت سأشعر بالرضا مؤقتًا. إلى أن يُمنع دخول القهوة إلى مقر الشركة، بسببي طبعًا."
عندها، توقف فجأة أمام المصعد، والتفت إليها بملامح جادة للغاية.
"هذا لن يحدث."
اتسعت عيناها، مأخوذة بلحظة الجد الكاذبة، قبل أن يدير وجهه نحو زر المصعد ويقول، بنبرة خافتة تحمل أثر ابتسامة خفية.
"لستُ مستعدًا لمواجهة ماريسول بلا قهوتها."
ضحكت، ثُم أخفت ضحكتها خلف دفترها الجلدي،
"اعتراف نادر من السيد لوسيان، سأدوّنه في خانة المعجزات."
"دوّنيه كما تشائين، لكن تذكّري، إن حاولتِ سكب القهوة على أحدهم فعلًا..."
"ماذا؟ ستُقيّمني في تقرير الأداء السنوي؟"
أجاب بهدوء قاتل،
"لا، سأرسِل لكِ فاتورة تنظيف السجادة."
ضَحِكت ماريسول دون خجل، أما الباب فانفتح بصوتٍ ناعم، كأن المصعد نفسه يسترق السمع لهذه المبارزات الكلامية، التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.
M.