وها أنا ذا عالقةٌ معه من جديد..
كان هذا اليوم، بحقّ، كارثيًا منذ بدايته؛ اجتماعاتٌ لا تنتهي، رسائل إلكترونية تتراكم كأنها مؤامرة، وآخر ما أفقدني أعصابي؟ أنه، وبكل صفاقة، بدلًا من أن يأخذ العمل على محمل الجد، دائمًا ما يرتكب الأخطاء!. متأكدة من أنها حركة مقصودة لإزعاجِي...
وحين رأيتُه يدخل المصعد في اللحظة ذاتها التي هممتُ فيها بالدخول، أدركت أن الكون قد أعلن عليّ حربًا خفية.
"أتدري؟"
قلتُ ببرود، بينما انغلقت أبواب المصعد خلفنا،
"بعض المديرين يشكرون سكرتيرهــم الخاص بدلًا من ملاحقتهم بأنفاسهم المتغطرسة."
لم يُكلّف نفسه حتى عناء الالتفات إليّ. فقط قال، بصوته الذي يحمل نبرة التعالي المعتادة
"وبعض السكرتيرات لا يصرُخن فِي وجة مُديرهِن."
بالطبع كَعادته...سُخــــرية لا تلِين.
"واو،"
مددتُ الكلمة بسخريةٍ مقصودة، ثم تابعت
"يبدو أنك احتفظتَ بهذه الجَـوهرة خصيصًا لي، أليس كذلك؟"
أجاب بلهجة لا تخلو من التهكّم، وهو يُعدّل كمّ قميصه بعنايةٍ مدروسة
"أنا كريـــمٌ بطبعي."
اتكأتُ على جدار المصعد، وقد عقدت العزم على ألّا أمنحه لذّة استفزازي، وقلت بنبرة هادئة تحمل بين طيّاتها سُمًّا لطيفًا
"لا بدّ أن الأمر مُرهق، أن تعيش بهذا القدر من التوتر الدائم."
"ليس بقدر إرهاق ثرثرتك الدائمة."
فتحتُ فمي لأردّ عليه، لكن المصعد اهتز فجأة بقوة. أضاءت الأنوار وانطفأت، ثم... تـــــوقّف كل شيء.
لبِضع ثوانٍ، وقفنا في صمتٍ ثقيل، نحاول استيعاب ما حدث وكأن العطب أصاب اللحظة ذاتها.
بجنونٍ ممزوج بالذعر، ضغطتُ زرّ الطوارئ مرارًا… ولا مجيب.
أخرجت هاتفها لتطلــب النّجدة، لكن الشبكة اختفت كما يختفي الأمل في هذا اليوم البائس...لا إشارة...إطلاقًا.
وبجانب ماريسول، تنفّس بعمقٍ وكأن الكون بأسره قد أعلن الحرب عليه وحده.
"رائـــع"، قالها ببرود ساخر، كأنما يحاول تهدئة أعصابه.
وكأن هذا كله لا يكفي...إنكسر كعب حذائي أيضًا!.
يا له من يومٍ بائس!
نظرت إلى الأسفل، إلى الكعب الذي تخلى عنها في أسوأ توقيت، وتمتمت في غيظٍ مكتوم
'أتمزح معي؟!'
ثم تنهدتُ طويلًا، وكأنها تُزفر خيبة هذا اليوم كلها، واتكأت على الجدار، مستسلمةً لعبثيّة الموقف.
نظر إليّ فجأة حين سمع تأوّهي، وما إن وقعت عيناه على حذائي، حتى ارتسمت على وجهه تلك النظرة الناقدة التي اعتدتُها منه دومًا.
قال وهو يقترب بخطوة
"انتبهي، قد تؤذين نفسك."
كنتُ أتهيّأ لسماع تعليق ساخر، لكن نبرته كانت مختلفة. فيها مسحة من اللين لم أعهدها.
رفعتُ حاجبي بدهشة، ونظرت إليه بنظرة تحمل من الشكّ أكثر مما تحمل من الامتنان.
أشاح ببصره عني، وكأن شيئًا في ملامحي أزعجه، ثم أردف بنبرةٍ ممزوجة بشيء من الضيق
"أنا فقط أحاول أن أمنعكِ من التسبّب في مزيدٍ من المشاكل."
تنهّدت بملل ودحرجت عينيّ ببطء.
"طبعًا...لا بدّ من حماية المدير العزيز من كوارث مساعدته التي لا تنتهي، أليس كذلك؟"
رمقني بنظرة حادّة، ونفاد صبره بات جليًّا في نبرته.
"هل السخرية هي اللغة الوحيدة التي تجيدين التحدّث بها؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت بنبرة هادئة لكنها لا تخلو من المعنى
"أبدًا، أجيد التحدّث بالحقيقة أيضًا، بطلاقة مؤذية أحيانًا."
تنفّس بعمق، وزفر زفرة طويلة مرهقة، ثم مرّر يده في شعره كمن يحاول ضبط انفعاله.
"هل من الضروري أن تكوني بهذه الصعوبة دائمًا؟"
أجبت، وأنا أرفع حاجبًا بخفة
"فقط حين أكون في حضرة جلالة الملك...ملك ربطة العُنق الخضراء."
ظهر على وجهه ما يشبه ابتسامة مشدودة، مرّ إسبوع على حادثة الربطة بالفعل..، وهزّ رأسه بخفوت، كأنما يحاور نفسه ليبقى هادئًا.
"أنتِ حقًا تستمتعين بدفع أعصابي إلى أقصى حدودها، أليس كذلك؟"
هززتُ كتفي بلامبالاة مُصطَنِعة،
"ربما، لكنها هواية نبيلة. ثمّ، لا أحد غيري يبدو مؤهّلًا لمنعك من التحوّل إلى روبوت رسميّ بكامل المواصفات الحكومية."
ضحك بخفة مكتومة، وكأنّ جزءًا منه استسلم للعبتي الصغيرة، ثم قال وهو يومئ برأسه،
"أنتِ تجعلين من البساطة أمرًا مستحيلًا، هل تعلمين؟"
نظرت إليه بنظرة لا تخلو من مكر
"أعلم. لكنه مستحيل لطيف، أليس كذلك؟"
[[ المشهد الجاي بالمصري ]]
وصل ثلاثةٌ من العمّال؛ الأول يرتدي شبشبًا ومِئزرَ طلاء، والثاني يحمل مثقابًا يبدو أنّه يُفسد أكثر ممّا يُصلح، أمّا الثالث فيُمسك بكوب شاي وكأنّه جاء ليتفرّج لا ليعمل.
العـــامِل 1 'زين' :
"حد جوا؟"
العـــامِل 2 'جنجر' :
"هو إنتَ عبيط يبني؟ أمال إحنا جايين هنا لية؟ عشان نرقص؟؟."
زين بصلة من فوق لتحت بقرف وبعدين بص للمصعد تاني.
العـــامِل 1 'زين' :
"إنتُـم بخير؟ في أي إصابات؟."
لوسيان، يـنظر لماريسول، ثم يرد :
"جسديًا؟ لا.. نفسيًا؟ تقدّروا تقولوا دخلنا مرحلة قبول المصير."
العـــامِل 1 'زين' :
"طيب إحنا هنفتح الباب يــدوي. ممكن يا ريت تبعدوا من وراه عشان محدش يتأذي؟."
ماريسول وهي تنهض بتأوّه :
"لو خرجنا أحياء، سأطالب بإعادة تقييم مصاعد المبنى."
[لحظات صمت – ثم صوت الباب وهو يُفتح جزئيًا – رأس العامل الأول يطل من الفتحة]
العامل الثاني "جنجر" :
"حمداً لله على سلامتكم. لكن، فقط للتوضيح... إن سألنا أحد، فلن يعترف أيٌّ منّا بأنه توقّف لشرب الشاي قبل أن يصل، اتفقنا؟"
ماريسول :
"أقسم إن وُجد تقرير تقييم لهذه الحادثة، فأنتم ستكونون في أوّل السطر، بلا منازع!"
لوسيان :
"نحتاج إلى اجتماع عاجل مع قسم الصيانة...ولا أريد أن أسمع أحدكم يقول إن المصعد كان 'يـــمزح'."
العامل 3 'مارش' :
"لكنّه حقًا يفعل ذلك كل يومين تقريبًا...لقد اعتدنا على مزاجه!"
M.