الرَفِيق الدائِم

الرَفِيق الدائِم

26 0

‏”إما يغلبنّك الكلامُ فتفيض أو يغلبُك الشعور وتنخرسْ“ " لا تبدينَ بخير " قالت كارولين وهي تمشي بجانبي، تجاهلتُ سؤالها لأنِي لستُ بخير حقًا ولا أملكُ الطاقة للتحدث اليوم ... أني خائرة القِوى بالفعل . امسكتُ بعضدها ثُم اشرتُ الى الطابق الثانِي بينما أردف : ألا تعتقدينَ أن النافذة مائِلة؟ رفعت حاجبها وهي تنظرُ نحو المكان الذي أشير له، لكن يدي هبِطتْ إلى الأسفلِ قبلَ أن تُدرك هِي المكان لأنظر نحو ايثان حالما وقف امامي ؛ " لا تُشيرِي بيدكِ مُجددًا هكذا، لا تتحدثِي دُون حذَر أيضًا! أنكِ بارعة للغاية فِي هذا الأمر . " تنهدت كارولين و زمَمت شفتِي أنا الأخرى، لأنه مُحق، اومأت له بخضوع ليبتعدَ قِبالتِي " لا أصدقُ أنني مازلتُ أعمل مع شخصِ مثله " ذكرت كارولين بصوت عصبي منخفض..تهكمتُ من جملتها، اليوم لا أملك الطاقة للمناقشة أو حتى رفع يدِي للسؤال ... تمَ استدعاء فرِيقنا إلى مجلس الأمن الدُولي...هل تعرفون لماذا؟ أنا لا أعرف ولكننِي في طريقِي إليه . ان نلتقِي في مجلس الأمن الدولي، لا يعنِي شيئًا تافهًا او يمرُ مرور الكرام، أنا حتى لم اتخرج لكننِي سأكون في اجتماع يُعقد سِرًا. وكنت اتأمله من الخارج قبلَ الداخل، املء بصرِي به و لاحظت أن أحد النافذات مائلة، وربما هي ليستْ كذلك كل ما فِي الأمر أنني بحاجة إلى عدساتِي اللاصقة أو نظارتِي الطبية ... وكلاهُما لا أملكُهم الأن. تنهدتُ أدخل البوابة المُزخرفة طريقًا إلى غرفة الإجتماع، نظرتُ للمكانِ في انبهار شديد بينما اقفُ متصنمةَ أثر ذلك . " ماذا، هل انتِ منبهرة لتلك الدرجة؟" قال جيفري بسخرية فِي حينْ ضربَ كتفي، شغرَ فاهي دون أن اشعُر معَ اقترابِي مِن اللوحة المرسُومة و اهمس نحو كارولين التي تقدمتْ هِي الأخرى تنظرُ لها : ربما تكون أكبر لوحة شاهدتها في حياتِي. ابتسمت وَهِي تتأملُها : إن الفنون دائما ما تملكُ الأسرار فِي داخلها، إنهَا العُنوان الثانِي للألغاز . ” الفُنون الوجه الثانِي للألغاز “ نظرتُ لها بغموض لأنني لم افهم ما ترمي اليه، ولكنني لستُ مهتمة بما ردفت به حاليًا لأن انظارِي كلها مثبتة على اللوحة الجميلة و الكبيرة ايضًا! لقد كانت قاعة خارجَة عن خيالِي الذي تخيلته، أشعرُ بالحماس الأن! " دعينا نتجه الى مقاعدنا قبل أن يأتِ المسؤولون ." همست نحوي ثم قبضت يدي وبدأت تجرنِي بعيدًا عن محل وقوفي، زممت شفتي قليلاً ثم استدرتُ وَ واكبتُها السُرعة، لقد كنت أحب الرسم ومازلتُ فِي واقعِ الأمر، أنه العالمِ الذي هربت إليه في فترة ما من حياتي ... و لكن لقد حرقت لوحاتي في فترة ما أيضًا. إنها ذكرى عابرة . فور ان جلسنا في المقاعد الخلفية، دخل العديدُ من الأشخاص من البوابة الأخرى، قام هاربر بمصافحة جميعهم و كانو يتحدثون عن اشياء لم افهمها لأنهم بعيدون بما فيه الكفاية ايضا، حتى شاهدتُ صاحب البطن المنتفخة، رفعت يدي نحوه دون أن اعِي ثم يدي نزلت سريعًا لأن كَفَ إيثان كانت بالمرصاد. " الا يُمكنك أن تضرب بلطف قليلاً؟" همستُ نحوه لينظرَ لي ببرود معتدلاً في جلسته، رمقته كارولين بحدة كما فعلت بينما جلستُ احاول تخفيفَ الم صفعته. " ذلك الرجل، صاحب البطن المُنتف-أقصد-" " الجنرال جورج؟ قائد القوات؟" اومأت لها بينما اكمل : هل هو و السيد هاربر أصدقاء قدامى؟ لقد قال ان هاربر ينتظرُ شيئا من طالبه ولعلني الطالبة المنتظرة..؟" ابتسمت بحنان بينما تُمسك بيدي : من يدرِي ربما تكونين ذلك الطالب حقًا. هذا يعنِي ان كارولين تعرف القصة المُبهمة، ظننتُها فُرصتِي لذلك استفسرتُ عما يقصد بتِلك الجُملة… لكنها اكتفت بالنظر للأمام و التزام الهدوء كما فعل البقية عندما اتخذو مقاعدًا ثم ارتخت الأضواء و عم السكون المكان، نظرتُ للواجِهةَ من الجانب الأيمن عندما سمعتُ صوتَ خطوات كعب حذاء متوازية، دخلَ بهيئة رسمية وملابس سوداء ... منذ ان التقيتهُ وأنا المحُ السواد . ابتلعتُ ريقي وهو يقتربُ ببطء، عيناي تُشاهده حتى وقفَ في المنتصف، اخذَ مقعدًا بعد ان ارسل اشارة ترحيب للجميع بملامح ساكنةَ. وقفنا احترامًا له ولم افهم ما يحدث بعد ولكنني نصفُ مدركة للموضوعِ الأن. عندما عُدنا للجلوس بعد ان قَعُد اولاً ثم حمحم و بدأ يتحدثُ عن الموضوع، اردتُ التركيز فيما يردفُ به ولكن عقلِي كان فِي عالمِ أخر عندما جُل أنظاره كانت تبحث في القاعة المُظلمة نسبيًا...وقعت عينيه و وقعَ قلبِي بعدها . اخفضتُ نظري سريعًا بتوتر لأن عينيهِ ... لا يُمكنني وصفها حاليًا، كما لو أنها بحثت طويلاً حتى وصلت الى انظارِي. نظرتُ للمكتب، وإلى الدفتر، إلى رجلي وإلى جميع الأشخاص أحاول عدم النظرِ اليه ... هل أنتِ خائفة منه يا أنا؟ لكنه على عكس الأيامِ الفارطة، افهم لماذا المركز كان في فوضى، افهم لمَ أماليا انتفضت في حضوره... أنه يملك تِلك الهالة المُنفرة، تُجبر كل شخصِ على الإبتعادِ عنه خمس امتارِ على الأقل ... عينيه الخضراء كانت سكين حاد يفصلُ بينك وبين الموت لمحةَ واحدة. ربما هو لا يقصدُ شيئا بنظراته، ليس له ذنب في شكله أو هالتهِ وشكلهِ المُخيف .. " أول حالة اختفاء مُشابهة حدثت منذ أكثر من خمسونَ سنة، ولهذا اليومِ لم يكتشفْ اثرُ على إختفاء السيدتين ." رفعَ الملف في يده يُظهر صورة فتاتَين في مُقتبلِ العمر، ملامح سعيدة ملؤها التفاؤل ... الجودة المنخفضة للصورة تثبت أن ما يقوله صحيح، نظر الجميع الى الملف الموضوع إزاءَ  أعينهم وشرعوا سريعًا لفتحه . وكذلك فعلت، الصورة كانت من الخلف تعود الى عام ألفُ وتسعُ مائة وسِتة وسبعون. قرأت المحتوى والذي تحدث عن اختفاء سيدتين بشكل غريب، لا حقيبة للهرب، ولا اثر على الخطف . جعدتُ حواجبي في تفكير، إذا كان الأمر لا يتعلقُ بِـ الخطف او الهرب ماذا قد يعني فِي هذهِ الحالةَ ؟. " سيد ادمانز، هناك الكثير من القضايا المشابهة بِجانبِ قضية هذين السيدتين، من المرجح أنهما ميتانِ الأن " صوت ثخين مثل صاحبه لم اعرفه بعد، كان يُعطيني ظهره، عندما عادت انظاري نحو السيد ادمانز، اي الكُولونيل الذي يترأس اجتماع اليوم، كان ينظرُ نحوي . لماذا يفعل ذلك؟ أليس عليه التركيزُ على الاجتماع و النظر الى الأطراف بدلاً مني التي تجلس في مؤخرة الحدث؟ لماذا يُواصلُ النظر نحوي بهذا الشكلِ ؟. " اوافقُك الرأي سيادةَ الجِنرال، لكن قضايا مثل هذه قد تتشابه وقد تختلف، سيتم غلق القضية بعد اربعة وعشرين ساعة، أو بعد أربع أشهر و الى آخره ... لكن نوع القضايا الذِي كُنت تقصده لا يتشابه، وقد تكون في النهاية محاولات فاشلة لإثارة الريبة في قلوب الأقارب." قال الكلام وهو ينظرُ لكل فرد، يبعد أنظاره تارة ثم يغرسها من جديد فِي، كُلما توقف عن الحديث ينظرُ صوبي ... شعرتُ بالاختناق لذلك مسحت العرق البارد و سألت كارولين : لماذا يستمر بالنظر نحونا؟ نظرت لي مستغربة ثم قالت : انه يفعل ذلك مع الجميع!، عزيزتِي انتِ بحاجة الى نظارتكِ. هل يعني انني ابالغ في رد فعلي؟ " ماذا تقصد؟" " أقصد أن قضية السيدتين تتشابه كثيرا مع ما يحدثُ مؤخرا في بعض بُلدان العالم، لكن البلدُ الغالب حيث تضعُ قدمك ." على ما يبدو سيادة الكولونيل لم يتحمل المكوث وهو جالس اكثر، لذلك ارتفع جسده من الكرسي مبتعدًا ويقف في المنتصف ... هكذا اصبحَ يمكنه رؤيتي بشكلِ واضح . " ما الأمر الذي يجعلهم متشابهين لهذا الحد؟" " رِسالة بنفسِ اللُغة، نفس الحجم و الشكل، حادثتينِ فقط بظهور قرص صوتي على شكل عُملة نقدية، ولكن..." صمتَ يُثير الفضول اكثر وهو يتحرك الى الجانب الأيسر : حجرُ أحمر. أتَسعتْ مقلتاي وهو يُحدقُ صَوبِي ويقول تِلك الجُملة، الهمسات تعالت لمدة من الوقت بينما نصنعُ تواصلاً بصريًا...حينها نظرتْ لِي كارولين وتقطيبة عِند حاجبيهَا وعادت تنظر شَطرهْ، ما فكرتُ به صحيح، أنه يركزُ إنتباهَهُ فِيْ بشكلِ مبالغ فيه، ربما يتعلقُ الأمر بالحجر الأحمر؟ على ذكر الموضوع لم اخبرهم بشأن الإتصال! يا تُرى هل سيكون الأمر بهذا السوء مادام طي النسيانِ حاليًا؟. " سيد ادمانز، لابد أنك تسخرُ منا !" " ابدًا، اجتماع في مجلس الأمن الدولي محض سخرية؟ التزم حدودك!" ابتلعتُ ريقي للجو المشحون بألفاظِ بذيئة من مرؤوسي العدالة في البلاد التي أعيش فيها، أو البلدة على ما اقول ... حتى رجال العدالة الشُرفاء يمكنهم ان يضحَو بهذا السوء فقط في حالة الغضب بسبب واحد فقط قد لا يدعو اطلاقا الى حالة الهيجان هذه. " صمتًا " ضرب الطاولة ثم عاد لمكانه و صرح : الوضعُ ليس مطمئنًا بينما هناك شباك سوداء تحاول التخطيط لحدثِ سيء، سيَادتُكم هنا تستمرُون في إلقاء التذمرات التافهة و الشك في عمل العدالة . عمَ السكوت مجددًا و عاد لسردِ الأمور المتعلقة بالقضية، و أنا احاول التفكير بها و موازنة كل المعلومات الثقيلة التِي يردفُ بها . " اللُعبة تبدأُ الأن بالنسبة لهم!" لم اشعر بنفسِي وانا ارفعُ يدِي نحو الأفق، نظرَ لي وعينيه تلمعُ بمتعة في السِر، وربما فضول او استغراب من الشجاعة التِي اضيفها... لينظرَ لِي بهدوء ويُومئ ، امسكتُ مكبر الصوت امامي و وقفت وسط أنظار الجميع عندما تَحولتْ شطرِي، تجاهلت إيثان الذي يتأملُنِي متعصبًا، أو هاربر الذي ينظر لي مندهشًا لم يتحدث أحد عن هذا الأمر لكننِي سأفعل ورُغم وضوحِه أشدَ الوُضوح، و توفرِ الإجابة : هل القضية ستكون تحت الستار ام ستشاركُ في المسرحية؟ زاوية شفته ارتفعت قليلاً قبل أن يقهقهَ احدُ الرِجال من الأمام، نظرتُ له منزعجة عندما اجابنِي بقلة ادب ؛ وماذا تعتقدين؟ لماذا نقيم لقاءً هُنا ... لابُد انكِ مبتدئة . انهى كلامَه لأجلسَ بهدوء بينمَا في داخلي اشتاطُ من الغضب ؛ كان يمكنكِ سؤالي ! همست كارولين بتوبيخ بينما اشيح انظاري عنها، و اعود للنظر له كذلك، اتصنعُ القوة امامه ... وفي الواقع داخلي ينبضُ هلعًا. سؤالي كان تافها وليس له قيمة، من الواضح إجابته لطفلِ صغير لكنني اردتُ التأكد فقط ... كانت يدي مُختبئة خلف ظهرِ أحدهم بالنسبة له، لكنه شاهدها حتى لو رفعت اليد اليُسرى ناحية الظلام، لقد كان يتبعُ تحركاتي و هُنا فهمت ... اوجستُ شرًا من مراقبته لي ،وكل ما اخبرنِي به دِماغِي أنه عليَ الحذرُ منه . ولكن، حتى مع خِتام الحدث ... مازالت عينيه تتبعنِي، عندما اعطى الجميعُ ظهره  لِي، نظرَ لِي هو مُبتسمًا بشكلِ غريب ... شفتيه تفرقت بكلمتينِ سهلتينِ على اللسان، تصنمتُ أثر ذلك، لقد حركها بسهولة بينما ترتفعُ هِي ببساطة ويضعُ يده على جيب سِرواله لقد كانت : أنتِ لِي. . . . . . . . . . ” أنتِ لي “ نهاية الأسبوع كنت غارقة في التفكير بما يقصده جوناثان في جملته التي اخبرني أنه يمكننا البقاء أصدقاء، و اليوم مع ذلك الرجلِ الغريب عندما فرق شفتيه وقال تِلك العبارة هل ربما قرأت شفتيه خطأ؟ لكنه حركها بوضوح شديد وكأنه يخبرني بالأمر مباشرة ويرفض اللعب و اللف بالنار؟. لكن إذا كان صادقًا بشأن ما تحركتْ به شفاهُه...ماذا يعني بذلك؟ ماذا يعني بأنني ملكه؟ . رميتُ الوسادة على الأرض و الساعة السادسة فجرًا، تحركت لورين بسرعة تنظرُ لوسادتي التي صدمت سياج سريرها ثم تعود للنوم من جديد. كان المنظر مثيرا للضحك لكنني لم اضحك، كيف افعل واليوم عقلي مليء بالأسئلة و لم أنم سوى أربع ساعات فقط؟. اعدتُ وسادتي إلى سريري ثم حملت نفسي اغتسل و ينتهي الأمر بي بتناول الإفطار وضعتُ الطبق على الطاولة و جلستُ اهضم ما حضرته، مرت والدتِي من أمامي وسحبت كأس مياه، لم اتحدث وهي لم تفعل ايضًا. أعرف أنني لو حاولت مصالحتها ستقول كلامًا جارحًا مثل العادة، لذلك نحن لا نتحدث. " كيف تجري تحضيرات رسالة تخرجك؟" شهقتُ أعيد ما بلعته و اختنق اثر ذلك، لأنني لم ابدأ حتى ! . وقد صدمتنِي عندما سألتني، كانت تشاهدنِي وانا اختنق بعينينِ باردتين، هل هي غاضبة ولا تجد شيء تُفرغ غضبها عليه لذلك تفعل هذا بي؟. تسألت بينما اجيبها بصوت منخفض و انا انظر الى طبقِي : الامور جيدة " كاذبة " رفعت بصري نحوها ولم تتغير ملامحها : لا اراكِ تدرسين في غرفتكِ حتى، اصبحتِ تعودين متأخرة وهذا لا يَسرُ والدك وتعرفينَ ما اعنيه جيدًا!. شَرعتْ في حشر ثغرها بالخبز عندما صرخت بالعباراتِ على وجهي، تنهدتُ اعود للوراء بينما اتحدث : حسنًا لم اجد السؤال المناسب في رسالة تخرجي، لا أريد ان أكتب شيئا عاديا مثل قضية قتل شنيعة أو حادثة اختطاف بلا إجابة! أريد أن أكتب عن شيء لم يسبق له مثيل في عالم الجريمة لهذا السببِ لم ابدأ بعد! نظرت لي و تقطيبة حادة ، لا اريد ان ارفع صوتي ولا أريد أن ينتهي الأمر بشكل شيء بيننَا كذلك، يكفِي أنني أشعر بالضيق هذه الأيام. " استمرِي في التأجيل بهذه الأفكار الغيبة وينتهِي الأمر بكِ راسبة و مُعيدة، حينها اقنعي والدكِ بهذه الوظيفة." خبطت الطاولة بعنف ثم خرجت من البيت دون أن يقلها أبِي، تركتُه ينزل الدرج وينظر لي يبحث عن اجابة ... لو أخبرته بما ذكرته هو الأخر سيشتعلُ، لذلك صرحت بعدم معرفتِي للأمر وأرسل نحوي نظرة شكِ واضحة لكننِي رحلت. كنت امشي قرب الحديقة التي قضيت معظم طفولتي بها، البحيرة القريبة و العاب الأطفال، زفرت الهواء لتتشكل كومة من الضباب الأبيض وشعرتُ بلسعة في عيوني تنبأ بالرذاذ الذي سينزلُ منهما قريبًا. اقتربتُ من الأرجوحة وجلست عليها، ارخيتُ رأسي على السكَة الحديدية وجررتُ اقدامي احفرها على التراب البني لعلها تتحركُ قليلاً و تدفعني الرياح و تحاول الجاذبية السيئة إيقافها . نظرتُ للأشجار ثم للغيوم، السماء صافية اليوم هل ربما سيتوقف حزني هذا الشهر؟ . امي محقَة ... إذا استمريتُ في التأجيل قدْ ينتهي الأمر بي فِي ضيق الوقت الشديد، وربما أفشل في إنهاء الرسالة لأنها تتطلب دراسة وجهد كبير ومع عملي في المركز لن أستطيع تحقيق ذلك بثبات و مواكبة إنجازها. " ادفعِي ارجوكِ " قلت بيأس عندما شعرتُ بها تتوقف ببطء وكدتُ النهوض حتى شعرتُ بيد تلمس ظهري و تدفعنِي للأمام، توقفت للحظة احاول الاستيعاب ثم نظرت خلفي لأجد أبي هو من قام بدفعي، ابتلعت ريقي ريثما اتحدثُ مستغربة : ماذا تفعل؟ هكذا تتأخر عن عملك . " لا بأس اذا كان الأمر يعني اضافة البهجة على وجهكِ الحزين " بشكل لا ارادي وجدت نفسي ابتسم ابتسامة مقلوبة و أعود للنظر للأمام بينما أشعر بالرياح وهي تداعب أنفي و خصلات شعري " اعتقدُ إن ما دار بينكما صباح اليوم يتعلقُ برسالة تخرجك ." قال بصوت مؤكد عندما توقفت الأرجوحة ليقف أمامي، حاولت إخفاء عيناي الزاخرتين عبر غرة شعري لكن ذلك كان واضحا دائما للأباء . " انظرِي سولين، لا تغضبِ من والدتك " " انا لست غاضبة منها، لماذا يستمر الجميع في تأكيد اني غاضبة؟ أنا فقط..." ولم اتحمل اكثر و وجدت نفسي اصمت طوعًا بحيثُ شهقاتي اندفعت، سمعتُ تنهدهُ ثم حاول التربيت على ظهري : " إنها قلقة من أجلك لأنكِ تعرفين أني معارض هذا التخصص منذ خمس سنوات ،ومازلت كذلك." اومأت له بهدوء، اعرف هذه الحقيقة والتي لن تتغير رُبما : " اضافة الى الأمر ، لو رسبتِ حقًا لن اسمح لك بالعودة اليه." رفعتُ مقلتاي بعد أن حاولت جعلهما يجفان و نظرة الأمل فيهما، لكنه نفى من جديد قائلا : حتى لو حان الوقت لـ يطير العصفور من عشه. تنهدتُ بأسى ابعد مقلتاي عنه ثم قلت : لست غاضبة منها، انا فقط حزينة لأنها تتعامل معي ببرود كثيرا في أخر فترة . صمتَ هو ايضًا عندما لم يجد ما يقوله، أمي دائما ما تتصرف ببرود لكن احيانًا كما لو أنها تنفينِي من الوجود، وفعل ذلك كان قاسيًا علي. " سأترُككِ هنا، اذهبِ لزيارة جدكِ إذا كنت ستجلسينَ فقط " قال ثم ابتعدَ عن ناظرِي، نظرتُ لظهره الذي اختفى مع الشجيرات لأزفرَ الهواء امسك بالسكة و اجعل من نفسي شبه نائمة . صباح اليوم كان منعشا و باردا في ذات الوقت، لا امطار ولا ثلوج كثيفة ... أنه يوم يستحقُ مُناقشةَ فلسفية. وما قاله بخصوص جدي هو محق، على الأقل هو من يخبرني بأشياء فلسفيةَ، ربما يجدرُ بي زيارتُه بعد الظهيرة . فتحتُ ابصاري ثم توجهت للمنزل مُجددًا اجرُ اقدامي اليه، أريد أن أغفو ولو لنصف ساعة ثم يمكنني مزاولة بقية اليوم كما هو معتاد . . . . أكره رائحة المستشفيات، لا أعرف كم مرة أقول هذا في كل خطوة اخطوها نحوه، صعدتُ إلى الطابق الذي يجلسُ فيه جدي، انه اليوم اخر لمزاولته العلاج بالأشعة السينية، تنهدتُ بينما امسك حقيبتي، اخبرتنِي ناري أن خالي تركه في المستشفى وحيدا لذلك أنا هنا لأخذه بعدَ عِلاجه، لكن وبشكل غير مسبوق تأخر وقت خروجه، بل وقد تأخر وقت دخوله كذلك... بحثتُ عنه في الإرجاء، من المفترض أنه كان ينتظرني في الأسفل و اتي فقط لمقابلته، لكن لا أثر له حتى عندما سألت الممرضة اخبرتنِي أنها قامت بمناداته ولم يرد عليها، حينها انتابني القلق إن قد اصابه شيءُ ما، أو ربما يرفضُ العلاج مرة أخرى ويبتغي العودة إلى منزلِه في الريف . ركضتُ في الأروقة و حاولت الاتصال به عبر هاتفه، شعرتُ بنفسي ترتعد عندما لم أجده في قاعة الانتظار، لذلك كان مني فقط رؤية حديقة المشفى ثم يمكنني طلب الشرطة و الإتصال بخالي . لكنني وجدتُه يجلسُ القرفصاء وينظرُ إلى الزهور أمامه، بجانبه شخصُ مشلول وبدا كأنهما يتحدثانِ عن موضوع اسرهما و جعلهُما في عالمِ آخر، شاهدته من الخلف و كيف يبتسمُ للرجل أمامه، حينها تنهدت براحة. وجلستُ بعيدًا، لا أريد ان اثقل كاهله بالتدخل بينه وبين صديقه الذي يحاوره، يكفي أنه في المدينة كرهًا وترك البيئة التي ترعرع عليها منذ نعومة اظافره، كل الأشخاص الذين في عالمه كانوا في تلك البقعة، وعندما حاولنا تغيير عالمه من اجل ان يعيش ... كان منه سوى أن يتقبل الأمر بصعوبة، وهو يرى رفاقه أثناء زيارته للمشفى بهذا الشكل فقط. مِلتُ برأسِي للجانب حينها وقف من مكانه و استدار نحوي، نظر لي بابتسامة يخبرني بقدومه لأمشي بخطوات بطيئة ... لقد نسيَ حقًا ميعاد عِلاجه . ابتسمتُ له وهو يعرفنِي بصديقه العجوز هو الأخر، رحبت به برسمية ثُم صرحت : جدي، يبدوا انك نسيت حصتك من العِلاج . " عِلاج؟" سأل مُستغربًا وبكل جدية، شعرتُ بنفسي اغرق : جدي، عِلاجُك..الأشعة السينية. " آه صحيح، لقد نسيت ." تحدث بضجر مسترجعًا الذاكرة، حينها تنفستُ براحة بينما امسك بعضده ونسيرُ جنبًا الى جنب بعد أن ودع صديقه ذاك . " من ذلك الرجل؟" سألته بصوتِ مرح لينظرَ لي قائلا : صديقُ قديم . ثُم نظر نحوه قاطب الحاجبين، كأنه يتحدث عن شخص غريب، لكنني لم اهتم ... هذه التقطيبة رأيتها فيه بالكثير من الأحيان . بعد تلقيه للعلاج عدتُ به إلى منزل خالي، ناري تُدرس في هذه الأوقات لأنها تعمل كمعلمة في مدرسة ابتدائية، وشقيقُها يستعدُ للإختبارات النهائية للمرحلة الإعدادية منتقلاً إلى الثانوية، بينما خالي وزوجته يعملان. نظرتُ له بتفكير وهو يُجر الحشائِش الضارة بالحديقة : هل تود شُرب الشاي جدي؟. " من فضلكِ " أخبرني ثم اتجهتُ للمطبخ سريعًا، اذا كانتْ عائلة خالي لا تتواجد أغلب الوقت في المنزل، من يعتنِي به؟ ولا اعرف متى يتطور مرضه المسمى بالتصلب اللويحي، احيانًا تتصلبُ يده و رجله لكنه يستخدم العضو المقابل ولكن ... لا اعتبرها إشارة جيدة في ظِل غياب بقية الأفراد و تواجدهم مساءً فقط . وضعت الماء على النار و نظرتُ للثلاجة، زوجة خالي تقوم بالواجب حقًا فهي تُحضر الغداء و تتركه له لحين ميعاده لكن... جدي وحيد بهذا النمط . زممت شفتي للأسفل بينما اضعُ الطبق على الطاولة و اسكبُ الشاي في الأكواب، انتقلتُ له للحديقة بينما في يدِي بطانية : يكفِي جدي، ظهرُك سيؤلمك بهذا الشكل إذا استمررت فِي فعل ذلك . وقف بصعوبة و قمتُ بمساعدته في المقابل ثم لففت البطانية على كتفيه ومشيتُ بجانبه، عندما جلسنا لشرب الشاي سألته ؛ فِي المرة السابقة اخبرتنِي ان هناك اسئلة لا تحمل اجابات . نظر لي و ترك لي المساحة لأُكمل : الإنسان يستمرُ في الارتقاء عبر طرحه للسؤال. " يستمرُ في الارتقاء اذا كان سؤاله يستحقُ الاستماع، اذا كان سؤالاً لا معنى له لماذا قد يرتقي بسببِ ذلك؟" ابتلعتُ ريقي بينما اكمل : اعطنِي مثالاً عن الاسئلة التِي ليسَ لها معنى . " سُؤالِي ان كُنت بخير في حين كُل ليلة الموت يقتربُ مني ." سكتُ ثم رفعت وجهي ارد : لا تَقُل ذلك. " وهل اكذب؟ انه بالفعل يطرقُ بابِي، رسالتِي في الحياة تقتربُ نهايتُها ." " إذًا ، تقول أنك وجدت رسالتكَ في هذه الحياة، والآن أنتَ مُغادر؟" " بالضبط، كل شخص في هذه الحياة يملك هدف و غاية من أجلها، لا يمكنكِ أن تعيشِ دون هدفٍ يُذكر و غاية تستيقظين كل صباح لتحقيقيها وتكونَ واقعًا يُعاش " " لكن، الكثير تنتهي حياته ولم يُدركها " " الأمر ليس كذلك، بعض الرسالات تبقى مجهولة بينهَا وبينَ صاحِبها ، لذلك نعتقد ان غيرنا قد عاش حياةً قصيرة ولا يستحق تلك النهاية المأساوية " " واذا تأخرت؟" " تتأخر لتظهر في الوقت و الزمان المُناسب لها، لأن الإنسان ليسَ ذاتَهُ من الأمس " تنهدتُ مع آخر رشفة من الكأس، وجدتُ نفسِ انظرُ له وفي رأسي فكرة، لعلها مجنونة قليلاً : هذا البيت كبير للغاية صحيح؟، فيه الكثير من الغُرف الشاغرة . قلتُ بهدوء و انظاري تتجه لكل شبر فيه، همهم بينما يقول : وماذا في ذلك ؟ " ما رأيك أن نأتي للعيش هنا ؟ ومعك؟" رفعَ حاجبه ثم ضحك بسعادة : حتى استمع لأسألتكِ التي لا تنتهي؟ . واكبته في الضحك أنهض من مكاني و أعانقه من الخلف بينما أقول بنبرة مرحة : إن الأمر هكذا ما دام الشخص الوحيد الذي يُجيب على اسئلتِي هو انت! لكن لا تذكر الموت مُجددًا!. وبخته ببساطة ثُم اومأ مستسلمًا لأبتعد عنه، غسلتُ الأغراض بعد تناول غداءه وساعدته فِي الذهابِ إلى الشرفة من جديد، لحقته بينما اتحدث بصوتِ مرتفع : اياك ان تلمس الأدوات الحادة مثل تلك مُجددًا. نظرَ لي وهو لا يُرحب بالأمر، ربما لم يلاحظ خالي ما يقوم بفعله الآن بما أنه يغيب عن البيت لوقت طويل، لكنني متأكدة لو أخبرته قد يقتلعُ كل هذه الاغصان و الحشائش فقط ليجلسَ جدي ويرتاح . " ارحميني يا سولين، لا يمكنني تركُ هذه الأعشاب تموت هكذا " و اشار نحو الاغصان المتيبسة و التي على نحو واضح هي متشعبة كثيرًا بشكل ليس مريحْ مما يدل على أنها ضارة و تقتلُ النباتات ببطء . املتُ جانبًا امسك يده ابعده عن تلك الالات و اردف : عليك ان ترتاح! " راحتي في العمل!" " إذا كان الأمر كذلك دعني أفعل هذا عنك " لحظة صمت بيننا ولم اجد نفسي سوى و انا مرتدية حذاء كبيرًا وقفازات سميكة بينما امسكُ بمقص كبير للغاية " امسكيه جيدًا حتى لا يقع على رجلك او ينتهي بكِ عمياءً " سمعت صوته من خلفي، كان يجلسُ على أحد الكراسي التي ملأتُها بالوسائد حتى يستلقي، رفض النوم في غرفته لذلك اشعلتُ الحطب لأنه كان عنيدًا أكثر من عُلبة التونة . " سأفعل سأفعل، أنا جيدة للغاية في تقليم الأشجار لم تخبرك والدتي بهذا من قبل " ايُّ هراء يخرج من ثغري الأن؟ حاولت السيطرة على ثِقل المقص الغريب و بدأت في تقليم الأشجار أولا، كان يشاهدني من بعيد ويلقي بعض التذمرات. جدِي الجد المتفهم الحنون والطيب، المليء بالأخلاق الحسنة و صفات الهدوء و الرزانة ينقلبُ تمامًا عِندمَا يتعلق الأمر بحياة المزارعين و الطبيعة خاصته . استمر في إلقاء التعليمات و التذمرات والصراخ احيانًا في وجهي لينتهي به الأمر يسعل بشدة و اركضُ له أثناء ذلك، ثُم يحاول تلطيف الوضع و تجاهلِي قليلاً ... عبستُ لأنه من الواضح انه غاضب مني، هو لم يغضب مني ابدًا من قبل! حتى انه كان يبكي عندما كنت ابكي و انا طفلة ! . . . . . " آه يا ظهرِي " قلتُ بينما احاول تمديد عظام جسدي بعد فترة من الوقت، كدتُ السقوط حتى وقف خلفي ابن خالي، لوش وهو يحاول امساكِ من كتفي حتى لا أسقط نظرتُ له للحظة قبل ان اقف باعتدال : إلهي، مُنذ متى أصبحت طويلاً هكذا؟ صرحتُ بإعجاب ليظهر على وجهه الحياء والخجل بينما يعيد خصلات شعري للخلف : هل سنقيم حفلة شواء اليوم؟ وأشار نحو الحطب الذي يكادُ أن ينطفِي، بينما جدُنا ادوارد كان غارقًا في النوم . تجاهلتُ سؤاله لأمسك بطانية اخرى اضعها فوقه، أنا اخنقه على هذا المِناول للحيطة فقط، عدتُ ادراجِي نحوَ لوش بينما أجره بعيدًا " اسرع غير هندامك احتاجُك!" دخلَ البيت مُجددًا بينما كنستُ الأغصان المتناثرة اضعُها بعيدًا. اتصلتُ بعائلتي لأنها كانت فكرة جيدة أن نتناول الشواء بعد فترة من الزمن، ربما بهذا الشكل اشحن طاقتِي أنا الأخرى. . . . . . " اه يا ظهري، اه يا مفاصلِي، اه يا بطني " "" ابعدِي وجهك عن وسادتِي! ، لا اريدُ أن ينتهِي بِها مَملُوءة بِلُعابِك ! " قالت ناري مُغتاضة وهِي تسحب الوسادة بعيدًا عن رأسي، سمعتُ صوت لورين وهيَ تتحدث بمرح : " كَيف انتهى الأمر بكِ بتقليم كل تلك الأشجار بجدية؟ ظننتُ انه احد العمال فعل ذلك، ليس شقيقتي التي لا تجيد أي شيء!." " لورين توقفي عن ازعاجي إلا و سأحطم رأسك!" " احترمِي الأكبرَ منكِ سنًا " نظرتُ لها مشمئزة ولكن لم يدم كثيرًا و وجدتُ نفسي غارقة في النوم، ليس نومًا بالمعنى الحرفي لأنني استمع و احس بكل حركة في هذه الغرفة، لكن كنت غائبة عن الوعي تمامًا. . ” انتِ لي “ ظهرت عبارته و شكله في ذاكرتي لأنتفضَ من السرير، حاولت الهرب فِي النهار من هذه الواقعة الغريبةَ بشأنه لكنه لحقنِي في الأمسية يُخرب عني قيلولتي البسيطة؟. " ما خطبك؟" " ربما تذكرت شيئًا " تحدثتا امامي، بينما جلستُ ببطء ثُم وضعتُ يدي على ثغري بتفكير، نظرتُ نحوهما قبل أن اسأل : " ماذا لو شاهدتم من بعيد رجلا يحرك شفتيه بِـ ” انت لي “ مالذي تظنان أنه يقصدُ بذلك؟" هم تأملُوني لبعضِ الوقت قبل أن يزفر كلتاهما ويبعدا أنظارهم عني، يظنانِ انني مجنونة!. " منذ أيام فقط كُنت منكسرة، ولكن انظرِي لنفسكِ الأن " ذكرت لورين بجانبية وهي تجلس قُربِي، بحلقت فيها قليلا قبل ان ارد : "فترةُ الانكسار قد تلازمُني لوقت طويل هذه السنة " " ينبغي عليكِ عدمُ قول ذلك بما أنها سنةُ تخرجِك" قالت ناري دون النظر لي، اعينها منصبة على أوراق تلاميذها وهي تصححها . صحيح، انها سنة تخرجي، ولم ابحث بعد عن عنوان المذكرة ... اتسائل فقط… بعد كل هذا الوقت من أجل إيجاد سؤال واحد، ماهو السُؤال الذي سيتواجد على ملف مذكرتي يا تُرى. لكن، السُؤال كان أمامي دائمًا، اسمعه في حواراتِ جانبية، التقطه في ألف حبكة، منذ بداية الحياة وحتى فِي ختامها هُو موجود. أنهُ سؤال، نطرحهُ حتى على الأشخاص الموجودينَ في حياتنا، عندما نريدُ صنع ضجة و الإنتقام من أحدهم . لقد كانَ امامِي لكنِي لم اصغه بالطريقة التي يستحقها . كنتُ دائما ابحثُ عن الفاعل : من المُخطأ هُنا؟ من ارتكبَ الجريمة؟ من المُسبب؟ ولكن تبرير جميع هذه الأسئلة، كان يُمكن صياغتها فِي لقبِ واحد، يرفضه الجميع ويرتدِي ثوب البراءة، يبعده عنه كما لو أنه هاجسُ او كلبُ مسعور يلحقُه بإستمرار . لقد كان و بِكُل بساطة : من الشرير؟. . . . _ توقفِ عن التصرف بتكبر . رِسالة من رقمِ مجهول، لكننِي أعرفُ صاحبهُ بالضبط . " يمكنكِ العودة في نهاية الأسبوع لأخذها ." نظرتُ لعاملِ الميكانيك امامي، فتحت ثغري مستغربة : اسبوع فقط؟ هل تستطيع اصلاحها في هذه المدة الصغيرة؟. " اجل، لأنه كما ترين لا يوجد زبائن ." نبرته المستكينة التي تتحدث عن وضعه الاجتماعي جعلتني اومئ نحوه ببطء و استديرُ مغادرة، إلهي ربما احرجه سؤالي !. زفرتُ أعيد خصلات شعرِي للخلف و ابحثُ عن حافلة قد تتوقف في هذه الساعة، الحافلات لا تتوقف انا من تريدها أن تفعلْ. بعد فترة انتظار بسيطة دخلتها و عاد خفقان قلبِي، لكنني جلستُ بكل طبيعية وذلك ليس باديًا على وجهي... عندما يكون هناك اشخاصُ كُثر حولي في نفس المكان المُغلق وخاصةً مُتحرك أشعر بالراحة قليلاً لأنني افكر بكوني لستُ وحيدة. توقفتُ لأنزلَ و اتجه نحو الجامعة، لقد عادت لي طاقتِي بعدَ التحدث مع جدي، انه شخص مريح اتمنى فقط...لو كان يملكُ وقتًا أطول مما اعتقده ومما يعتقده هو ايضًا. دخلتُ القاعة الكبيرة و جلستُ في احد المقاعد الأولية، رغم مَعرفتِي أني سأراها اليوم لكني أحاول التصرف بطبيعية حتى انا شككتُ في نفسِي منها . كِلانا يعرفُ أنها من أرسلت الرسالة، ولكنها خطوة متهورة عندما فعلت ذلك، هاهيَ ذا ... دائمًا ما تكون في كاملِ اناقتِها و بأبهَى حُلة . رمقتُها بجانبية بينما تصعدُ إلى أحد المقاعد وهِي تجاهلتنِي بالكامل، أليس من المفترض ان افعل ذلك؟ تنفستُ بعُمق حالمَا بدأت المُحاضرات، وزفرتُ بقوةَ كذلك عندما انتهت وكان الوقتُ عصرًا...حملتُ حقيبتِي وتوجهتُ للخارج، شعرتُ بنفسِي وهي تمشي نحو ذلك المقهى ... لم أزره منذ فترة طويلة، هل هو على خيرُ مَا يُرام؟ كان يعطينِي ظهره، ثم استدار فابتسمتُ ببساطة بينما اجلسُ أمامه : حليب الشوكولا؟ اومات حينما ظهرت اسناني و انا انتظرُ طلبي، نحن لا نتحدث و لا نتواصل، ليس هناك شيء بيننا لكنه بديعُ حينما يحاول السخرية مني، يغيرُ مزاجِي بطريقتِه تلك ... وفي وسط احتسائِي للكوب الذي يُقابلنِي طرقتْ فكرة فِي دماغِي، او ليست فكرة بل واقعة استوعبتُها الأن!. ” يدخلُ الكثيرُ من الرِجال الى حياتِي مؤخرا “ و انا بصراحة لا افضلُ هذا . " لن تبكِي اليوم، صحيح؟" سأل وهو يمسحُ المنضدة، نفيتُ سريعًا بينما أردف : ابدًا، إلهي لا تُذكرني...أننِي مُحرجة بما فيه الكفاية!. انخفضَ صوتِي عندما تذكرتُ اليوم الذي بكيت فيه، لا اعرف ان كان شيئا لا بأس به لفتاة ان تبكِي بسببِ التراكمات و التعرض لكلامِ تعتقدُ أنه مهين بينما هو لاشيء! ربما جدِي مُحق، أننِي مُرهفة المشاعِر وللغاية، رُبما أكثرُ من لورين حتى!. " هل يُمكنُني طرحُ سؤَال؟ كنتِ تبكينَ كمن نزلتْ عليهِ غمامَة تبعدُه عن المجتمع، ألا بأس بهذا حقًا؟ " " وصفُك بالغُمامة مبالغُ فيه، ربَما نكتفِي بجدارِ شفاف ولكنهُ ذكي ليُظهرنِي بصورة زائِفة تحت الحقيقةَ " " انتِ لا تملكينَ ذَلك الجِدار، ما علىَ وجهكِ يشرحُ دواخلك " نظرتُ له بعمق، هو لم يكن يمزح منذ بداية الحديث بل كان جادًا و انا ظننتُ العكس. " لذلك لا تعتقدِي انكِ لستِ مرئية ." قال مُجددًا و ابتعد لإستقبال طلب الزبائِن الجُدد، هُو مُحق. اعتقدُ دومًا انني لستُ مرئية، أني لستُ محبوبة، خاصةً مِنهُما...كُنت أبحثُ عن الحُب من أشهرِ فتاة لامِعة، و أبحثُ عنِ الإهتمام مِن الشابِ الذِي سرقَ قلبِي. كيفَ لك ايُها المَجهُول...أن تفهمَ ما فِي قلبِي، انا صَاحبتُه عجزتُ عنِ التفسير ، أنهُ لمنَ المُثير للريبةَ كيفَ نرتاحُ للغرباءِ عنا ... نُزاولُهم الحديثَ وكأن سنينَ طَويلة جمعتنَا بِهم ولكنْ حتى أسمائُهم لا نحفظُها. . خرجتْ سيدةَ فِي تقتربُ إلى الثلاثِين مِن عُمرها، صاحبَةُ شعرِ أسود وعينينِ مُمتزجتَين باللَونِ الأخضر الزُمُردِي و الرَمادِي الأسود، شامةَ فَوقَ عينِها اليُسرى و سُمرة طفيفةَ، نظرتْ لي بهدوء ثم قالت ؛ اين النادل بلايك، هل رأيته؟. سألت وكانت غاضبةَ للغاية، وهذا واضحُ من نبرتها ... لكننِي لم اكن معها حتَى اجيبها، انا كُنت غارقة في التفكيرِ حقًا! " بلايك؟" تسائلت، ثم نظرتُ خلفِي لقد كان يُعطينَا ظهره ويتحدثُ مع أحد الزبائن الذي يبتسمُ له ببشاشةَ، بحلقتْ هي فيه ثم قالت اسمه بصوتِ عالي، جعلتنِي اجفل وكذلك البقية وخاصةََ هو عندما حدقَ فيها يُوسعُ مقلتِيه في رعبِ ثم ابتلع ريقَه يمشِي سريعًا الى بابِ الخُروج وهرولتْ هِي تلحقه. الكثيرُ من الهمسات لكن شُعوري بالاضطراب لم يختفِ ابدَا، عادت للداخل وهِي تُمسكه من خصلاتِ شعره اثناء نكدِه بألمِ : أين وضعتَ المِلفات الأن! قالت بغيض وهي تدفعه للداخل، ابتلعتُ ريقي بينما اقفُ وهما يمُرانِ بجانبي : زوجكِ من أضاعها لماذا تُعاقبيني! قال مُدافعًا عن نفسه، هل هي والدته؟ كلا هذا مُستحيل انها اكبر منه بعشر سنوات مثلي حسبَ ما ارى، لكن اي ملفات ثم زوجك...هل يكون والده؟ توقفْ عن طرح الاسئلة أيها الدماغ!. "حقًا وهل سأشفعُ لك من حصتكَ بالعقاب؟ أحلم بذلك " ثم تركته تشربُ كأس المياه، بعض الزبائن قد فرَ مُغادرًا بالفعل ولكننِي من البعض الذي ابى الذهاب و اراد سماع القِصة بينهما، تنهدت وذهب احمرارُ وجهها الغاضب لتنظُر الى الوَاجهَة وتقول بِـ بشاشةَ : اسفة على ما حدث قبل قليل، صديق زوجي هذا اضاع بعض الملفات لذلك يستحق العقاب أليس كذلك؟ وأشارت نحوه بمزاح ليبتسمَ البعض ومنهم أنا التي تنهدت براحة، انها مخيفة للغاية عندما تغضب!. " توقفِ عن التصرف معِي كطفل أنا صديقُ زوجكِ كما تقولين!" " طفل، تشه " سخرت منه بينما تبتعد و نظرت نحوي و اقتربت وملامحها حملت بعض الحياء : لقد اخفتكِ قبل قليل، أليس كذلك؟ نفيتُ سريعًا لكنني سكتت، انني سيئة في الكذب ولا اريد ان اكذب، سِجلُ أثامِي أراه يرتفعُ هذه الأيام... " توقفِ عن اغاضتِها، انها قِطة مُبللة " لم أشعر بنفسي وأنا انظرُ نحوه، قِطة مُبللة؟ ايُ وصفِ يكون هذا؟ " قِطة مُبللة؟ لا إنها تبدوا مِثل دُمية بنية وردية جميلة " و ابتسمت ثم اكملت : أُدعى لارسِي و انا صاحبةُ المقهى، وهذا أمامكِ يُدعى بلايك لابد انكِ تعرفينه . أنهت كلامها لتقفَ بعيدََا عن المنضدة، نظرت أنا والشاب المراهق كما أدعوه لبعضنا البعض لثواني، لقد بُت اعرف اسمه و هذا يعنِي ان العلاقة من شأنها قد تكبُر وربما تصبح فيها مسؤوليات... هذا التفكير الذي لا ينتهِي لكن حقيقة أننِي وهو ننظرُ لبعضنا البعض وكأننا نتعرفُ الأن، لا يُمكننِي اخفاءها . " سُررتُ بكِ لارسِي، اننِي سولين و ادرسُ في الجامعة المُقابلة للمحل ، انا وبلايك... مُجرد زبونة و نادل " ما قلته جعل الصمت يعوم لثواني مزعجة عندما شاهدته يقطع التواصل البصري ويُعطينا ظهره، هِي نظرتْ له بهدوء ثم اخبرتنِي إن استمتعَ بكأسي . " بلايك.." قلتُ له بإحراج لكنه تجاهل صوتي ولم يرفع عينيه لي، تنهدتُ بينمَا ادفعّ كأسي نحوه ليمسكهُ ويُعطينِي ظهره ... هل ربما ظنَ ان علاقتنا تملكُ عنونًا أشد من كونه زبونة ونادل؟ " شُكرًا لك على كلماتكَ المريحةَ قبلَ قليل، لقد ساعدتنِي دون أن تُدرك...بحثتُ عن اجابة لمشاعرِي اليائسة صيفًا كاملاً ، لكنكَ اختصرتَ كُل صيفِي في جُملة ” لا تعتقدِ انكِ لستِ مرئية “ "  الأن رفعَ مقلتيه مع تقطيبة وبصوتِ بارد قال : ما قصدته حقيقة، تبدينَ كشخصِ يحاول حشرَ نفسِه في غُرفة موصدة كُل ليل ،لكنه في النَهار يفتَحُها بحثًا عن الهواءِ و الطعام . بحثُكِ عن الأنظار ليسَ عيبًا، لا يُمكن للإنسان أن يعيشَ وحيدًا، سيبحثُ دائمًا عن نِصف يُكمله ، زوج، صديق وربُما حيوان أو حتَى فردًا آخر من العلائِق الإجتماعية...يكفيهِ حياةً كاملة، وعِندما نظرتُ لكِ ذلك اليوم...كُنت تبحثينَ عن ذلكَ الشخصِ مِثل مُحاربة وحيدةَ أمامَ جيوشِ وافدة " نظرتُ نحوَ الأسفل وشعرتُ بشفاهِي تنقلب : رُبما أنا من الأشخاصِ الذين ينتهِي بِهم الأمرُ وحيدُون للأبد. زفرَ عندما سمعَ صوتِي المُتحشرج، ثُم وضعَ كفيه على المنضدة فشاهدتُ عروق يده الزرقَاء والسِوار الأسود المَحفور عليه ” كادُوغان “. " هُناك أشخاصُ هكذا في العالم، أن ينتهِي الأمر بالأشخاصِ وحيدُون هو قرارهم لِوحدهم... لا يُمكنكِ البقاءُ مكتوفة اليدين و تنتظرين شخصًا يأتي ويُخبركِ ” مرحبًا أنا نصفكِ الأخر، معي لن تشعرِي بالألم تحدثِ معي براحة ولن الومك ... انا النصفُ اللامع الذي تستندينَ عليه في هذه الحياة “ إذا كانَ قلبُك مُوصدًا فلا تنتظرِي الكاسرَ لِأقْفَالِه، لن يأتيكِ بطريقِ من الورود ولن تُدركيه في لقاءِ أول، الشخصُ الذِي تتقاطعُ الطرق بينكُما لابُد أن تُحيط الأشواكُ مِن كُل جانب " أنهُ الرَفيقُ الدَائِم . . . رُبما ما قاله ذلك بلايك صحيح، ورُبما اليَوم فهمتُ ما قاله جدي ” كيف تسمحين لقلبكِ أن يعيش؟ “ لم أجد نفسي سوى أنني أحاول النومَ باكرًا من أجلِ الغد ، حمدًا لله أنه أسبوع ليس فيه ضغط فيما يتعلقُ بتخصصِي الجامعي . فورَ أن بزغتِ الشمس وجدتُ نفسي اركضُ في الشوارع وصولاً إلى الحي الذي يقطنُ فيه حاليا، تنفستُ بعمق عندما شعرتُ بالتعب و حُنجرتِي تحرقنِي، سأمرض . طرقتُ الباب ليفتحَ لوش فاندفع للداخل دون أن استمع لما كاد قوله حتى، وجدتُ نفسي اتجه الى المطبخ، الردهة و غرفته...لكنه كان في الحديقة يشربُ الشاي وينظرُ للسماء حتى لو كان الصباحُ كالجليد. " جدِي " ناديتُه بخفوت، نظرَ نحوي ليعتدلَ بينما يردف : سُولين؟ لماذا انتِ هنا في الصباح الباكر . اقتربتُ منه اثناء قولي : لقد قلت لي يومًا منذ سنواتِ طويلة عبارة لم انساها منذ ذلك اليوم . جلستُ أمامهُ وهو يستمعُ لِي ؛ " عندما تعاركتُ مع أبي بشأن وظيفة احلامي، انتهى الأمر بتوبيخه وصفعه لوجهي، كنتُ غاضبة ويائسة للغاية لكنك اتيتَ و حاولتَ مُواساتِي، ذكرتَ أن أبِي يفعلُ ذلك لمصلحتِي الشخصية و أنه يجبُ أن أنظر للأمر بشكلِ مُختلف وفِي ختام حديثنا صرحتُ أنه لا يُمكنني تجاهل الصفعة، او التصرفُ وكأنه لم يحدث شيء عِندها قُلت لِي ” سُولين، كيفَ تسمحينَ لقلبكِ أن يعيش؟“. " تنفستُ الصعداء وعينيه لم تنفصل عن عينِي، عندما اكملت الحوار كُنت اشعرُ بالجفافِ كثيرًا...شعرتُ بنظرات لوش و ناري نحونا لكنهما تجاهلا الأمر وعادا للداخل، همهمَ جدِي مسترجعًا الموقف وعلّه تذكره، مد يده ليُمسكَ بإبريق الشَاي ويَصبهُ نحوي ... لم أكُن من مُحبي الشاي المَهوُوسين، لكننِي أصبحُ مهتمةً به عندما أقابلُ إدوارد، جدِي. " هل وجدتِ إجابة ذلك؟" سمعتُ كلمته بينما انظرُ إلى انعكاسي الذي يتمايلُ في كأسِ الشاي ثُم نفيت " رُبما و رُبما لا، لكن التقيت بشخصِ أجدهُ ساقَ لِي كلامك ولكن بشكلِ أكثرَ وضوحًا " عندما رفعت بصري و قلت كلامي، بدى مُركزًا حينها ابتلعتُ رِيقي ادخلُ قدرًا كبيرًا من الهواء إلى رئتي و اتحدث : "  أن ينتهِي الأمر بالأشخاصِ وحيدُون هو قرارهم لِوحدهم... لايُمكنكِ البقاءُ مكتوفة اليدين و تنتظرين شخصًا يأتي ويُخبركِ ” مرحبًا أنا نصفكِ الأخر، معي لن تشعرِي بالألم تحدثِ معي براحة ولن الومك ... انا النصفُ اللامع الذي تستندينَ عليه في هذه الحياة “ إذا كانَ قلبُك مُوصدًا فلا تنتظرِي الكاسرَ لِأقْفَالِه، لن يأتيكِ بطريقِ من الورود ولن تُدركيه في لقاءِ أول، الشخصُ الذِي تتقاطعُ الطرق بينكُما لابُد أن تُحيط الأشواكُ مِن كُل جانب " ارتفعت زاوية شفتيه لتظهر اسنانُه العرجاء، رُغم منظرها ذلك لكنني كُنت سعيدة لابتسامته، لرؤية تجاعيده الواضحة، لعينيه البُنية و صوتِ ضحكته الكبير. " ارىَ انكِ تجيدينَ حل الألغاز ولكنكِ تلقينَ صعوبة بما يتعلقُ الأمرُ بالحياة؟ ما يَقوله إشارة لتحدِي الإنتظار لكلِ إنسان، العيشُ وحيدًا دون رفيق لا يُحتمل " أنهُ الرَفيقُ الدائِم " لا تُحاول إغاضتِي يا جدِي، الحياةُ لغز لن يواكبهُ الإنسانُ يومًا " توقفَ عن التحدث ثُم قال : ارى أنه لاحظ عينيكِ الحزينة، التي تحاول أن تبدوا قوية . املتُ رأسي بينما أقول : فِي العادة نعم، أننِي قوية و مندفعة ولا أخاف...لكن عِندما يتعلقُ هو الأمر بالعلائق الإجتماعية و النفسية التِي أعيشُ فِيها ولا يُمكننِي كسرُها أجدُ نفسِي غارقة " صارحته ارتشفُ من جديد حتى لا يَبرُد. " الإجابة واضحة ولكنكِ لن تعثرِي عليها بسهولة لأنكِ صاحبة القصة " " سأكُون مُتأخرة عن القِطار، كالعادة ... مِثل البقيةَ " اعتقدتُ أنه أخر الحِوار حتىَ سمعتُه ؛ تعرفينَ أنه من الأحسنِ أن تصلِ متأخرة ولا أن تتأخرِي للأبد...الأمرُ سيانُ على ذلك، لا أحد يتأخر عن قِطار حياته، الجميعُ لديه التذكرة و الوقت الخاص به لذلك توقفِ عن التفكير بهذه الطريقة و استمرِي في محاولة حلِ اللُغز الذي يُرهق كاهلك. اعظمُ لغزِ واجهتهُ فِي حياتي مُنذ البِداية كَان أنا ، نَفسي، كُل شخصِ هُو لُغزُ نفسه و الإجابة تنتظرُه مع القناعة." " لماذا الإجابة مع القناعة؟ أليس القناعة شيء ولغز وجود الإنسان شيء؟ " " عِندما تعثُرين على إجابتكِ ترفضينها و تجدينَ صُعوبةً فِي تقَبلِها و السيرِ على خِطاهَا ... لذلك ستكُون القناعة فِي الجِوار تنتظرُكِ دومًا لأنها الرَفيقُ الدائِم للحلْ ". و انتهى حوارُنا الفلسفِي بهذه الطريقة، اغرقُ في التفكير بينما اقطعُ الطُرقات و امشي قدمًا تَليهَا قدم . جلستُ على الرصيف انظرُ للأفقِ البعيد، حيثُ الجِبال و الغيوم، أشعةُ الشمس الذهبية، وبشكلِ ما اشتقتُ للثلوج. القناعةَ ليستْ شيئا سهلا، قد يكتفِي الأنسان اليوم ولكنه فِي الغدِ سيطلبُ المزيد، يعجبهّ حاله للحظة وفورًا ينفرُ منه لأنه إعتاد الإنسان لا يُمكنه الشبع، لا يُمكنهُ الإكتفاء . يُحب التغيير ويُطالبُ بالتجديد. ولستُ حالةً خاصة! أننِي أواجهُ صعوبة في إقتناعْ أني الأبنة الاخيرة في عائلة ليونارد، اواجه صعوبة في تقبلُ كوني طرفًا ثالثا بين أصدقائِي، أواجه صعوبة فِي تقبلِ وفاة جدتي، أواجه صُعوبة في الاستمرار في الحياة تحت الضُغوطات…! لكنها حقًا اشياءُ خفيفة، فلماذَا استمرُ في النفور منها ورفضها؟ بينما غيرِي يتمناها؟. ثُم ربطَ القناعة بالإجابة، ربما عندما اعرف الحكمة من كونِي الأخيرة في عائلتي، عندما اتقبل حقيقة كوني الطرف الثالث بينهما، عندما اتقبل وفاة جدتي و اعرفُ الحكمة من كُل شيء يُمكننِي إيجاد إجابة السُؤال المُنتظر. كما قالَ جدِي، إن أعظم لغزِ يواجهه الإنسانُ في حياته ليسَ جريمة قتل، او لُعبة للأذكياء والعباقرة، ليسَ لغزًا بحبكةَ قوية، وليسَ احجية يقضي الليالي فِي فتحها. أكبر لغز يواجهه فِي الحياة هُو نفسه، مايريد وما يكره ما ينبغي عليه فعله وكيف يتحكم بنفسه، بماذا يشعر وبماذا يفكر ،وتلك التغيرات العميقة فِي داخله…إن كان يستطيعُ تفسيرها أم تركَ الوقتِ حتىَ يُفسر له. اخرجتُ قلما و دفتر مُذكراتِي لم اكتب فيه منذ فترة تُذكر ، كتبتُ عبارة بلايك و ما قاله جدِي أنا واثقةُ بمدى احتياجِي له يومًا ما .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نجوم غرباء

المؤلف ZMELSYAIN
2025/06/21 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة