الزائر الذي لا يغيب عن أحد

الزائر الذي لا يغيب عن أحد

34 1

" تتأملينَ كالعادة؟" سمعتُ صوتها قبلَ ان تخطو نحوي و تجلسَ قُربي، رفعت انظارها للسماء ثم استلقت تُجاورني. لعبتُ بيداي قليلاً قبل أن أجيبها : نعم، اتأمل . لحظةَ صمت طويلة مرت بيننا، ضجيجُ البيت من الداخل كان يُسمع حركاته بالفعل، الخطوات و الحوارات والطنجرة فَوق النار، هرولات الأطفال الصِغار كذلك. إن بيوت الرِيف هذا ما هي عليه . وبجوار تِلك الأصوات الباطنية، صوت الدراجة التي يقودها حفيد الجار المُقابل، الشمسُ غربت و السماء بدأت تتلألأ بنجومها البهية . " سولين، بماذا تفكرين؟" عادت للسؤال تُخرجني من بؤرة التأمُلات، تقطع خيطهُ : لا شيء، فقط أصوات العالم . قلت بهدوء و بساطة، ثُم صدمتُ جبيني بجبينها بخفة، انظرُ نحوها قائلة : أما زلت أُمنا تبكي؟. تنهدت الأخرى، تُبعد جبينها ويكون دورها بالنظر الى السماء من فوق ... قالت بصوتِ متحشرج : بلى، مازالت. عيناها كانتا واضحتينِ من الدموع، زفرتُ أنا الأخرى أنظرُ للسماء من جديد، طائرة كانت تتجه الى اليمين، و النُجوم بدأت غزوا ساحة السواد. لم تنتهِي الليلة بسلام، التدشين سيكون بالغد و انا اتهرب من رؤية أمي بهذه الطريقة ... رؤية الأمهات وهُن منكسرات تُشبه الكأس الذِي يجرح اصابعك بقصدِ منه، وكيف يفعل ذلك؟ أنا لا أعرف . « حرارةُ الشمس كانت عالية، استمرت القابعة امامَ المروحة بتوجيهها نحوَ جسدها فقط بينما تُغمض بصرها باستمتاع، ربما لم يدرك أحد بعد فعلتها لكنهم سيفعلون. تمددت أكثر على الأريكةَ العُشبيةَ التي تعود الى الستينات، حيث توارثها اجدادها جدََا عن جد لتصل الى جدتها هذه اخيرََا عندما قررَ جميع أفراد اسرةَ جدتها تقسيمَ الإرث وذهبت هذه الاريكةَ إلى جدتها هذه و الكثير من هذه! لقد كانت اريكةَ مُزعجة مليئة بالخيوط البغيضةَ التي تلمس جلدها و تحرقها تارةَ عقبَ تارةَ، هذا ما فكرت فيه تحاول تغييرَ وضعيةَ جسدها بينما تشعر بالألم في مفاصلها، لم يكن الوضع مريحََا اكثرَ من كونه مزعجََا في هذه الشمس الحارة في وضع النهار في ايام يونيو الحارة و الكثير من كلمة حارةَ. ما لبثت حتى وجدت نفسها مرميةَ على الأرض، كأحد الاشياء عديمةَ الفائدةَ تتأوه بألم و تنظرُ للمسبب بهذا الالم بغضبِ واضح : الانتقام سيكون في منزلنا ايتها الشريرةَ!. همست توجه رصاصات ناريةَ لشقيقتها التي ترمقها بإبتسامة، كانت لحظةَ مثالية تشعر لورين فيها بالانتصار من شقيقتها الاصغرَ سنََا وهي ترمقها بهذه النظرات الغاضبة، هذا لم يكن معتادََا و نادرََا في ذات الوقت ولكن لطالما عُرفت سولين ببغضها الشديد لدرجةَ الحرارةَ العالية. " ماهذه النظرات؟احترمي من هوَ اكبرَ منكِ سنََا!" ردفت لورين بنبرةَ واثقةَ وصوت عالي و كأنها تحاول جذبَ اهتمام جدتها التي تنام في الغُرفةَ المجاورة و تحاول تنبيهها الى ان سولين تتصرف بشكل طائش مُجددََا! وغير أخلاقي ايضََا. شغرت سولين ثغرها بصدمةَ، من المفترض أنها هي من تقوم بالتحدث عن الظلم الذي تشعر به في هذه اللحظةَ! لكن شقيقتها حقََا كانت بارعة في استعمال ذيل الثعلب، أعادت غلقَ شفتيها وهي تشاهد لورين تجلس على تلكَ الاريكةَ تأخذ مكانها باستمتاع. نظرت نحوها للحظات قبلَ ان تتنهد و تنظرَ خارجَ النافذة، صوت الحشرات الصيفيةَ ملئ حديقةَ جدتها الخضراء كثيرةَ البعوض حالما يضع الليلُ ستاره ولكن.. كُل ما يجعلها تشعر بالملل المضاعف هو هذا المكان البائس، كما تعتقد هي لأن لا شيء فيه جذاب! " لماذا تتنهدينَ كثيرََا؟ حسنََا أنا آسفة و تفضلي بعضَ المساحة!" نبست لورين بعدَ مدةَ عندما لاحضت ان سولين تقف لمدةَ طويلةَ تحدق إلى النافذةَ المشروعةَ على بعد مترين من أرجلها الصغيرةَ. لم ترد سولين بل استمرت بالنظر للخارج ثُمَ قالت : لا اريد، متى تعود امي انا اكره هذا المكان المُمل! اريد العودةَ والتلفاز كيف لهذا المنزل الا يحتوي على تلفاز الم يملك جد أمي واحدََا في الستينات؟ : اششش!!!. هتفت نحوها لورين بتوبيخ، تصفعُ يدها التي تقابلها على مضض و تُشاهد الغُرفةَ التي تنام فيها الجدةَ، هذا جعل من سولين تزم شفتيها بألم و تنظرُ نحو شقيقتها الثعلبة مُردفةَ : لماذا تقومين بضربي! عندما تعود والدتي وأخبرها عن كل افعالكِ الشريرة!. ادارت لورين بصرها بانزعاج واضح، وقبلَ ان تعود للتحدث خرجت الجدةَ اخييرََا من الكهف، ترمقُ الاثنين ببرود و هي الآن مُستيقظةَ ولم تستطع النوم في فترةَ الظهيرةَ بسبب هذين الطفلتين الشقيقتين!. تجمدت سولين مكانها وكذلكَ لورين، لأن الجدةَ الخاصةَ بهما كانت قاسية.. وقاسيةَ جدََا عندما يخص الموضوع قيلولةَ الظهيرة!. : أنتما.. صمتُ قبلَ ان تردفَ مُجددََا تنزل بجذعها العلوي نحوَ الأرض و تُمسكُ حذائها البلاستيكي صاحب اللون الفاقع الشفاف - الأزرق - مُردفةَ بصوت جهوري غاضب. : لم تستطع روزالين تربيتكما جيدََا، تعالا هنا تعالا الآن!. » بدأ ذلكَ الصوت يقلُ تدريجيََا و الان، فتحتّ بصري و كُل ما وجدته كانَ الظلام، لقد كانت ذكرى من ذكرياتي الهاربةَ وأنا طِفلةُ شقيةَ.. لم أقدر على الابتسام بل مسحت العرقَ الذي تسرب من جبيني و رقبتي بتعب واضح و انزعاج مكبوت. تندهت أزيحُ الغطاء عن جسدي أُشاهد الأجساد المتموضعةَ اسفل اقدامي وسطَ الظلام الذي ينيره القمر من خلف الغيوم. خرجت من الغُرفةَ بصعوبة، لاقيتُ همسات قليلةَ من الذين جلسوا بائتينَ هذه الليلةَ في بيت الجدةَ القاسية.. جدتِي. اتخذت الحمام و غسلت وجهي ببضعِ مرات ادى الى تبلل قميصي الريفي الأصفر، نظرت لنفسي بالمرآة و ملامح التعب ملئت وجهي و النوم الذي لم يزرني إلا متأخرََا و هذا ما آراه خلفَ النافذةَ الزجاجية العاليةَ التي اظهرت التحول الجذري في لون الليل الى الازرق البارد دلالةََ على بزوغ فجر جديد ويوم جديد الخالي من حياة أحد أفرادها. نظرت صوبه وأنا أشعر كأني أختنق، لم أشعر ابدََا بهذا الاختناق من قبل رُبما لأنِي لم أتوقع وفاة هذه المرأةَ التي كُنت أتجه لعناقها دون خوف، لكني أخاف منها بشكل خاص وقتَ الظهيرة، قيلولتها قابلت ظهر خالتي وصدمته في هذه اللحظة، ابتعدت عنها بينما اتأوه من الالم ... لقد كان قاسيي بشكل كافي لجسدي الهزيل. تراجعت للخلف وهي امسكت كتفاي تحاول تثبيتي قبل ان افقد التوازن وأسقط على الأرض : هل انت بخير؟. هي سألت من جديد بنبرة قليلة وشعرها لم تمشطه بعد ... ولمدة ثانية ظهر سؤال محلق في راسي ... لماذا دائما ينتهي الامر بالاموات الاستيقاظ باكرا في يوم تدشينهم ؟ نفيت مسرعة بينما اقول بصوت واعي : اوه ..لالا اقصد نعم انا بخير- ثُم صمتُ قليلا ريثما ابلل شفاهي -وماذا عنك خالتي ؟ تنهدت تبعد يداها عن كتفي ثم تعيد شعرها مُردفة : ليس عليك مني، تبدين في حالة مريعة عودي للنوم !. ثم وكزت كتفي تدخل الحمام بعدي نظرتُ للفراغ لمدة ثواني معدودة ثم تنهدت ابتعد عن الدش..بدأت الشمس في الشروق نسيم الهواء الجميل...ولم تكُ فكرة سيئة عندما قررت الذهاب الى الخارج لاستنشاق بعض الهواء النقي . قابلتني الحديقة التي سهرت جدتي على رِعايتها، ارتفعت شفاهي في زاوية ابتسامة طفيفةَ بينما اخذت بي الذكريات بعيدا ؛ جدتي المدعوةَ بـ " مارتينا " كانت بملامحَ ريفيةَ تامة، ملئ وجهها التجاعيد والنمش و التصبغات اثرَ الشمس وتقدمها في السن سمحَ لجسدها القصير بالتعب و اصابتها بالسل الذي رافقَ ارتفاع نسبةَ السكر و ضغط الدم مما سببَ لها الكثير من المعاناةَ قبلَ أن يأخذها الموت. كانت جدةَ رائعة ،بكل ما تعنيه الكلمة... لم تحب يومََا اجهزةَ التكنلوجيَا الحديثةَ بل بُغضها لهَا كانَ واضحًا كثيرََا قائلةَ : هي السبب في إنشاء جيل يبحث عن الراحةَ بدلَ العمل!. « أنا و لورين نركض و حبات الطماطم في أيادِينا، عندما كانت ناري تُمسك المرش في اشهر يونيو الحارة خلال قضائِنا للصيف معا و نقرر الاجتماع لتناول الشواء. هاهو ذا خالي عاد وحقيبته في ظهره، ثُم تمسكه جدتي من اذنه تخبره انه تأخر كثيرا هذه المرة ويَتنقل الشجار إلى والدتي وهي تقنع امي بان تتوقف عن النظر للهاتف لأن ذلك يسيء بصرها كثيرا » لقد أتيت البارحة في حافلة السفر وكنت أشعر بالبؤس كثيرا عِندما اتصلت لورين تخبرني انه يجب عليّ القدوم إلى بيت الجدة لأن هناك شيء مهم قد حدث ثم بلعت غصتي اجعلها تُحبس و ارفض اخراجها مهما حدث " هاقد وجدتك " نظرت خلفي و كان رومياس بابتسامة حزينة في وجهه، لم استطع ردهَا له في حِين بحر الذكريات كان قد لحق بي بعيدا وانا اغوص فيه... ولذلك خرج صوتي متحشرجًا : اه.. رومياس. اقترب قليلا بينما يضع يديه في جيوبه : انظري لوجهك الباكي ابتلعت ريقي أثناءَ وقُوفِه قُربِي " وهل سأضحك في وقت كهذا ؟ " " لن يعجبها ابدا منظرك الحزين " لم انظر اليه بل سكتُ غصبا عني لانه محق تماما، توبيخات جدتي إلي كانت عبارة عن ' توقفي عن صنع هذا الوجه الحزين، غيري ملامحك عندما تدخلين الي بيتي ' ثم سقطت دموعي بينما امسك بيده اسند مرفقي عليه " ربما تغفر لي هذه المرة بما انها مَاتت...أليس كذلك؟" زفر أثناء مداعبتهِ شعري بيده الضخمة ثم يقول بصوت عميق؛ " تتذكرين انها طلبت منا عدم البكاء في يوم وفاتها ؟ " فتحت ابصاري عندما دخل صوت ناري المكان : كان ذلك منذ شهرين تقريبا..يبدو الأمر كما لو انها عرفت ان يومها بات قريبا، للغاية . وضعت مرفقها على الشجرة بينما تطالع الشروق من بعيد...نحن احفاد الجدَة مارتِينا، نُشاهِد الشُروق خلف الجبال والغيوم، في بيتك يا جدتِي ... نحن من ترعرعنا تحت بساطك الحنون . ازدردتُ رِيقي مُخبِرةَ : لابد انها مرتاحة بعد محاربتها لِعصابة المرضِ التِي زارتها. صنعت اكبر ابتسامة مزيفة في حياتي وأنا انظر لكليهما قبل ان اكمل : يجب علينا سؤال لورين...هي طبيبة ولابد انها تعرفُ الامر اكثر منا . ارتفعتْ شِفاه رومياس بجانبية وعرفت أنه يسخر مني، اقترب وهو يرفع يده ممسكا شعري : كل ما تجيده تلك الفتاة هو البكاء . وكزت ناري كتفه وهِي تقول : اصمت، لابد انك قد جننت الفتاة منهارة منذ البارحة . نظر رومياس الى ناري ممتعضا وأكمل : لم اكذب انها تتصرف بشكل حسَاس كثيرًا !. وعندما رأيت انه سيبدأ شجارٌ بينهما من جديد زفرت بحنق ريثمَا أمشي نحو الداخل. ناري و رومياس هكذا منذ نعومة اظافرهم لابد ألا يكتمل حوار طبيعي بينهم إلا ونشأ شِجار و لأنني اكثر شخص شاهِدٌ على ذلك لم أملك القوة الكافية على المواجهة..لم أنم بشكل جيد حتى . عندما دخلت، خالتي الكبيرة كانت في المطبخ ويبدو أنها بدأت في تحضير الفطور حالا، رميت نحوها ابتسامة بسيطة وساعدتها قليلا في تنظيف المطبخ وفي منتصف فعلي لذلك تنهدت ارمي الممسحة على الطاولة ... انا لم ارى وجه أمي منذ البارحة هل اهرب حتى الآن؟ سيكون ذلك سيئا حقا ...و لكن يبدوا انه لابد من مواجهتها في النهاية توجهت الى الطابق الثاني و نظرت لباب الغرفة المفتوح، كانت تجلس على طرف السرير بينما تنظر الى قطعة قماش...أنه ثوب جدتي . وقفت اشاهدها للحظات حتى شعرت بوجودي و نظرت بطرف عين نحوي ..اقتربت منها ببطء شديد وجلست بجانبها، علاقتي بوالدتي ليست بذلك القرب ولكنني لا اعرف كيف أواسيها انظر لها من بعيد فقط . " اخبرتني انها تريد حضور تخرجك انتِ ولورين " رفعت بصري للجملة الباردة التي اثلجت صدري عندما قالتها ثم ابتسمتْ مُكملة " اخبرتني انها واثقة بقدرتك على حلٍ الالغاز " مَال راسي للجانب عندما قالت هذه الجملة بينما ترفع يدها وتضعها على وجنتِي ؛انها اكثر شخص يعرف أنني سيئة في كل شيء. صوتي الحزين بينما انظر لطرف الفراش ... لم أُحب الالغاز يوما غيرَ أن فضولِي هو الأولُ و الدافعُ في فكِها واجيد حلها بشكل ما، بالطبع ليس جميع الالغاز لكنني كنت أقف بجوارها في عطلات الصيف عندما تبدأ في تركيب كلمات الجريدة المتقاطعة ... ويبدو انه الشيء الوحيد الذي تعتقد انني اجيده " هل تعرفين أن الميت ... لا يقول شيئا خاطئًا عندما تقتربُ منيته؟ " نظرت لها بهدوء شديد...لا اعرف من قال هذا ولكنني على علمِ بأنه شيء غير منطقي البتة . " وأمي لم تخطئ في شيء قط من قبل " " أمي ... هل انت بخير ؟ " إلهي يا سولين ماهذا السؤال ... من الواضح أنها ليست على مايرام " قبل أسبوع قالت انها شاهدت جدي وكَان يزُورها..ظننت أنها مزحة غير أنهَا ذَكرتْ نورًا ابيض باستمرار و اخبرتني أن اخبر البقية ان يُجهزوا خبر الودَاع... سألتُ الممرضة إن كانت أعراض جانبية لمرض السِل أو أنها دخلت مرحلة جديدة ...ولكن الممرضة استمرت في عنادِها مُؤكدة أنها تحتضر...كنت اكذب على نفسي كثيرا بشأن هذا الأمر ...ولكنها ماتت حقا في النهاية " الأمل، و اليأسُ الشديدَين وهي تردفُ بعبارتٍ مُنكسِرة بشفتينِ مُرتجفتين..ليسَ بسببِ البرد و أنما كبحًا للهزاتِ و الإنكساراتِ التي في وِجدانِها..شعرتُ بالرُعب و الخوف وأنا أُشاهدُ المرأة القويةَ تتصرفُ بهذا الشكل، أمي كما لم أعهدهَا مِن قبل. هِي أعتنتْ بها قبلَ منيتها بأسبوعَين قلبًا وقالبًا. امسكت يدها بلطف اضغط عليها بحنان ثم ارفع انظاري من جديد إليها، اكبحُ مياهِي أنا الأُخرى...يجبُ أن أكون قويةً من أجلها : لا باس أمي..لا بأس حقا . تنهدت ثم مسحت دموعها التي فرت من عينيها سريعا وابعدتْ يدي مُغايرةَ الموضُوع : كانت لورين تبحث عنك قبل قليل.. رفعت حاجبي قليلا متساءلة ... تبحث عني؟ ياترى لماذا؟ نزلت إلى الطابق الأول لأنه بدى أن أمي تود.مساحة لوحدِها أكثر، ورجبتُ بالأمر رغم أن قلبِي تهشمَ تمامًا. كان الجميع مرتديا الاسود بالكامل...نظرت جانبا ووجدتُ لورين تقف وهِي تنظر لحقيبتي ...لورين بماذا تفكرين يا ترى ؟ ثم قطع تفكيري صوتها : سمعتُ ان الجامعةَ تفرض عليكِ الحضور، لقد تغيبتِ بالأمس هل بررتِ غيابك؟ " بالله لورين، لُطفاََ هل تودين مني التوجه الى العاصمةَ من اجل جامعة استطيع تبريرَ غيابي في أي وقت ومغادرةَ البلدة و جدتي متوفيةَ البارحةَ فقط؟" . صوت سولين كان منخفضََا، منزعجاََ، وغاضبََا، لأنها شعرت ان لورين تحاول بطريقةَ ما ابعادها عن العائلة... سولين تعرف تمامََا انها لا تستطيع التعامل مع أفراد العائلةَ... ربما لأنها منذ فترة ما وهي بمقتبل العمر بدأت تجنب اللقاءات العائليةَ حتى باتَ الجميع غريبََا عنها. وفي هذه النقطةَ الفاصلة، رُبما تريد الآن إنهاء الماضي الذي جرى بسنوات، ما جعل لورين تفكر ان انفعال شقيقتها أمر عاطفي للصدمات التي توالت عليها هذا الاسبوع... لأنها حقََا عانت بشكل قاسي، و من اقرب الأفراد ايضََا. : إذن ماذا؟ هل تريدين اعادةَ السنةَ سولين؟ اتصلي بأحد زميلاتك على الاقل حتى تخبر الادارة انكِ في جنازة!. ارادت سولين الصراخ في وجه لورين، ضربها ربما وكسر الباب وقتلها، حسنََا كان هذا مبالغََا فيه. لورين واقعية، و عاطفيةَ بشكل غيرَ منتظم، دائمََا ما كانت متقلبة تارةََ تكون عاطفيةَ بشكل مبالغ فيه و قراراتها لا تنص للمنطقيةَ ولو بقليل، و كما هو الحال الان هي تفكر بموضوعية و كأنها تتحمل مسؤوليةَ سولين، إنها حيلة دفاعية نفسيةَ تستخدِمها لُورين...كي تحمي نفسها من الإنهيار دون أن تُدرِك. خرجت لورين مِن الغُرفة، لتقفَ سولين في المكان وحيدةَ قبلَ ان تضرب رجلها الارض وتُقرر الذهاب إلى أبعد بقعةَ في هذه البلدةَ، وهو الجبل.. ارتدت معطفها على مضض مُسرعةَ، تُسبب بعضَ الهمسات الأخرى عن كونها مجنونةَ... سخرت في عالمها الداخلي بينما تجمع شعرها وتضعه في قبعتها الصوفيةَ، لكنها توقفت قبلَ ان تضعه و تذكرت ان هذه القُبعةَ صنعتها جدتها - مارتينا - في يوم عيد ميلادها الخامسَ عشر، و مازالت تحتفظ بها إلى هذا اليوم. في هذه اللحظةَ، شعرت ان الوقت يمر ببطء شديد، لم تقدر على تحريك يديها اكثر و وضع تلكَ القبعةَ فوق دماغها الصغير اوصالها تجمدت بإدراك تنظر للمرآة صوب القبعةَ البيضاء الدافئة التي تمت حياكتها بأيدي ماهرةَ وبُحب التي تمت صناعتها من القطن الفرنسي بعدَ ان طلبته جدتها خصيصََا من خالها الذي سافرَ من اجل احضار الادوية لها. القبعةَ بشكل ما كانت تخبرها.. الشخص الذي صنعني في قبره الآن. هذه الحقيقةَ جعلت قلبها يعود للخفقان مجددََا، لقد كانت حقيقةَ مؤلمة.. مؤلمةَ جدََا، ما جعل دموعها تنساب بغير ادراك مُدركةَ ان جدتها ميتة، لقد ماتت، لن تعود للحياة لن تلتقي بها مجددََا و تعانقها قبلَ نومها، لن تؤنبها لأنها لم تنم في الظهيرة معها، لن تستطيع سماع صوتها الغاضب بينما تنزع النبات الضار عن بقيةَ النباتات الصحية، هي لن تستمع لصوتها مجددََا. في الحقيقةَ عند العودة للأمس، هي كانت تشعر بالفراغ الشديد، كانت تعتقد ان كل هذا حلم، وعندما تستيقظ سيقابلها وجه جدتها مجددََا ويخبرها احدهم انها حية، وربما مقلب مخيف كي تتجنب رهابها الاجتماعي، كانت تحاول تجنب الحقيقةَ المُرةَ وهي تشاهد الكثيرَ يبكي، و ينهار، و الزوار الكثيرون و ضيق بيت الجدةَ المصنوع من الخشب و القصدير. لقد كان كل شيئ سريعََا، و مهيبََا في ذات الوقت.. إن الوقت سريع بشكل مخيف. : ما خطبك اين ستذهبين الان سولين؟ إنها العاشرةَ صباحََا!. سمعت صوتَ والدتها المبحوح، المتعب و المرهق، نظرت لها مباشرةَ عينيها كانت متورمة، بشرتها حمراء و مبتلةَ كثيرََا، على حالِها كما تركتهَا، بِقربها لورين التي كانت تنظر ببرود نحو سولين، سولين تفهم شقيقتها وتصرفها البارد هكذا، هي تعرف ان لورين عندما تتألم او تصاب بشئ حزين ستلجأ الى التصرف بعدوانية و نبذ الغير، لقد اعتادت على هذا الأمر. زفرت أثناء وضعِها للقبعةَ وقلبها ينبض في كل لحظة وهي تضعها بألم. : لا يوجد اتصال في هذا المكان امي، سأذهب الى احد المطاعم التي تحتوي الانترنت للتحدث مع مسؤول في الجامعة عن غيابي، سأعود. حاولت التحدث بصوت طبيعي و هي تمسح دموعها سريعََا، اومأت السيدة روزالين - والدتها - و نظرت نحو لورين مُردفةَ : و ماذا عنك؟. " انا اخذت اجازةَ." كانت اخرَ جملةَ سمعتها قبلَ ان تفتحَ باب الغرفة و تنزل إلى الأسفل و تتحرك بسرعةَ، لم تلقى والدها و ولا شقيقها لذلكَ اكملت السير. . وصلتُ اخيرََا الى المتجر، اخذت مكانََا جانبيََا قربَ نافذةَ المخرج ثُمَ اخرجت هاتفي أتصفحه بعدَ اخذ الرمز من النادل، لم أزر هذا المحل من قبل لكنني فكرت انه يحتوي على الانترنت وكنت مُحقةَ في ذلك عندما اعطاني النادل اياه بكل بساطةَ توالت الاشعارات : الموقع الخاص بالجامعة، رسائل المجموعة الخاصة بها، رسائل من ويندي همستُ بقلةَ حيلةَ، أذهبُ الى حِساب ويندي الوحيدةَ التي يُمكنني طلب هذا منها . « مرحبََا ويندي، اعتذر على ازعاجك هل يمكنكِ اخبار الادارة عن أن غيابي بسبب جنازة؟ ربما أحضر ورقةَ الغياب بعدَ يومان..» لم تعتقد ان ويندي قد ترد في نفس الوقت بسببِ الصباح الباكِر وهذا ما حدث فعلاََ عندما جاءها الاشعار الجديد « رحمَ اللهُ فقيدكم، حسنََا حددي لي الأيام لا أريد الوقوع في مشاكل مع الادارة، لقد كدتُ انسى!. ملف صوتي، قرص تخزين قابل للإزالة على شكل عُملة ذهبية نقدية.» هذه كانت القضية الأولى التي أمسكتها . « سولين، ستكونين مُساعدة المُحقق لمدة عام كامل، هذه هي القضية التي تُمسكينها، اوه لقد وضعت المواد في حقيبتك عندما كنت مسرعة ربما يجدر بك فتحهم .» قرات الرِسالة المُرفقة لتلكَ الصورة، ثُمَ امالت رأسها للجانب بتفكير. نظرت نحو حقيبتي البنية قبل ان افكر لماذا لم اشعر انها ثقيلة نوعا ما؟ تنهدت بينما افتحها و أول شيء وقعت انظاري عليه هو حجر بلون احمر ...كان مُميزا ولا اراه في كل مكان ...مددت يدي لأمسكه لكنني توقفت في منتصف العمليةَ...سولين انت لا ترتدين القفازات، وبخت نفسي داخليا قبل ان اتنهد...شكله المميز جعلني ازفر حنقا لانه اثار فضولي ثم فكرت قليلا ...هي لم تذكر حجرا احمر قط...فقط ما الذي يفعله في حقيبتي مع بقية الاغراض؟ وسريعا حملت الهاتف وأرسلت رسالة « اسفة ويندي ولكن ...هل الحجر الأحمر من بينهم؟ » مرت دقيقتين ثم عادت للارسال ؛ « ماذا؟ لا ليس من ضمنهم...من اين اتيتي بذلك؟» نظرت لرسالتها و مجددا نحو الحجر الأحمر...يبدوا أنه قد دخل حقيبتي بالخطأ أغلقت الهاتفَ ثُمَ نظرت لعليةَ المتجر وكل ما أفكر فيه هو رميه...اخرجته من حقيبتي ثم رميته في سلة المهملات ...و اغلقت باب المتجر خلفي...هناك الكثير من الأمور التي يجب ان اركز عليها هذه الأيام و مُجرد حجرِ أحمر ليس بالقضية الكبيرة ... و كم أنا فاشلةَ في الإنتباه. انها اخر سنة جامعية، التحضير للمذكرة ليس سهلا و لانني ادرس عِلم الجِناء هذا صعب...ربما على ما اعتقد، لأن الجامعة التي ادرس فيها توظف تلقائيا بعد التخرج و كل ما علي فعله هو الدراسة بجد وعدم تضييع الكثير من النقاط ولكنني سيئة حقا في الحفاظ على النقاط، سيئة للغاية . انا اشتاقُ لها،اريد لُقياها. هذا ما فكرت به بينما تقف في منتصف الطريق عندما بدأت زخات المطر بالنزول وهي تشاهد من بعيد طفلةَ صغيرة تجلس في طاولةَ مطعم شعبي مع جدتها و التي بدت وكأنها تداعب حفيدتها ذات الظفيرة السوداء. لا اراديََا وجدت شفتيها يرتفعان بابتسامة ثُمَ تختفي بسرعة وتستدير للشخص الذي ربتَ على كتفها للتو : إلى اينَ تنظرين؟ أشاحت بِبَصرها عنه مُردفةَ : لا شيء، انا فقط افكر. " دعينا نعود." انزلقت نظراتها بحُزن واستنشقت نفسََا طويلاََ ثُمَ رفعت عينيها نحوه، تخاطبه بلغة العيون فقط مع حاجب مرفوع كانت تخبره انها لا تريد العودة، لا تريد الذهاب الى ذلك المكان المليئ بالحزن و السواد، المليئ بالكئابةَ و الظلام، وكم بدت مقنعة لأن البقاء خارجََا سيكون حلاََ مثاليََا بين الجميع هناك. رفعَ مقلتيه نحوَ السماء المُلبدةَ بالغيوم ثُمَ اقتربَ لمعانقتها مُردفََا : اعلم انكِ لا تريد الذهاب او البقاء في ذلكَ المكان، اعلم هذا جيدََا سولين لكن هذا من اجل والدتك ان لم يكن من أجل جدتك، لا تتركي أُمكِ وحيدةَ... هي بحاجتنا الأن. بادلته العناقَ في منتصف الحديث، رِيتشارد وَالدِي صاحب الخمسَة و الخمسُون، كان رجلاََ مسؤولاََ بكل ما تعنيه الكلمة، أب نموذجِي ثقيل تريده أي فتاة في عائلتها و هذا ما تحصلت عليه، وكُنت محظوظة بِه.. حشرت وجهها في منتصف معطفه، لا تريد الشعور بانسياب دموعها و تفضل ان يتم ابتلاعها من قبل الصوف بدلاََ من ذلك الإحسَاي المزعج الذي أصاب بصرها بالألم. " انا اشتاق لها أبِي، لا اعرف ان كان الوقت سيشفِي هذا الالم ولكن.. انا اشتاق." همست اخرَ كلمة، بينما مسحَ وجنتيها برفق وقال : نعم انتِ لن تتجاوزي هذا بسرعة، ربما بعد هذا الأمر قد تضعين قاعدةَ جديدةَ في حياتك وهي توقع الاسوأ. اومأت له على مضض، وكأنها تكره هذه الحقيقة المرة التي يجب عليها تقبلها مهما كان الواقع.. لأنها تعيش في هذا العالم. " اريد الركض الى حجرها و ان التقطَ العنب معها، ان اخبرها لمرة اخيرةَ انني احببتها، انها كانت جدةَ رائعة، انني حفيدةَ مُزعجة لكنها جدةَ ساوت شعورَ الجدتين ." همست و كأنها ترفض الحديث الذي جار قبل مدةَ همهمَ بتفكير مُردفََا : و انا اشتاق الى دراجتي التي رمتها وانا بعمر السابعةَ، ثُمَ كيف ستكونينَ محققةَ بهذا القلب الهش؟ اشاحَ بوجهه بعيدََا عن بصرها، وهي رفعت حاجبها في استغراب.. لكنها فهمت انه يريد ان يجعلها تنسى هذا الموقف ويبدو أنه نجحَ في فعل ذلك بعدَ دقائق وجدت نفسها تعود للداخل، صاحت بذلكَ حتى يصلَ للجميع صوتها، و دخل بعدها رِيتشارد وفي يده المظلةَ. كان الجميع في مكان ما، و هو المكان الذي يجلس فيه جدها، في تلكَ الاريكةَ عُشبيةَ اللون التي تكره الجلوسَ فيها منذ نعومة أظافرها : في النهايةَ لقد فارقت الحياةَ بعدَ عمرِ طويل وهي تصارع المرض. قالَ كلماته بخشونة و تحشرج خرجَ من حنجرته المبحوحة، لم يرد احد بل الجميع تبادل النظرات المُحرجةَ و كل من تتقابل اعينه يشيح بها بعيدََا نحوَ بقعة اخرى. : هذا هو الزائر الذي لا يغيب عن أحد. « صحيح » فِي حياةِ الجَميع نَكُون ضُيوفًا والأمُر سيانُ لنَا أيضًا ولَكِن جَميعُنا نَملِكُ زَائِرًا لاَ يَغيْبُ عَنّ أَحدْ وَهُو المَوتْ أنهُ يزُورنَا وَلَن يَنسىَ إنسًا. فِي وقتِ ما، في مَكانِ ما عِندمَا تدُق سَاعتُنا... هُناكَ نلتَقِي بِه . ثُم نُودِعهُ لَلأَبدْ. -------------- بِدايةَ الجُزء الأول مِن الرِواية ------------- --- الفَصل تذكِير لنَا جميعًا أنه سيأتي يوم و نُغادر فيه هذه الحياة لذلك يجبُ على كُل فرد مِنا أن يسترجعَ أفعاله كُل يوم، فالبابُ الذي تفتحه دائمًا للناس و الضيوف بإبتسامة جميلة ومُرحبة ،إحرص على فتحهِ أيضًا بنفسِ الإبتسامة على ملكِ الموت! لا تَنسى، أنه يظهَرُ لكَ حسبَ أعمالك...إن كانت صالحةَ أم سَيئة !. فلا أحد يدرِي متَى ينتهِي به الأمر تحتَ القَبر. ﷽ ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ الجمعة: 8] .🤍🖇️🤍.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نجوم غرباء

المؤلف ZMELSYAIN
2025/06/21 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة