عودة الضيفة الغامضة

عودة الضيفة الغامضة

3 0

تجمّد "فاليريو" في مكانه، غير مصدقٍ ما يراه؛ أيجرؤ هذا المزارع البسيط على دفعه وتوجيه التهديد له، لسيّدٍ من أسياد "آل روسيني"؟ لم تتحمل كبرياؤه شيئاً من هذا الذل، وانفجر البركان الخامل في صدره في ثوانٍ معدودة.

​قبل أن يُدرك أحدٌ ما يحصل، انقضّت قبضة "فاليريو" الحديدية كطوقٍ من النيران حول رقبة "لوكا"، فرفعه عن الأرض بوصاتٍ قليلة، بينما كانت أسنان "فاليريو" تصطك بغضبٍ جارف، وهمس بصوتٍ أشبه بفحيح الأفعى يقطر احتقاراً:

- أتحاول أن تلفت انتباه المزارعة وتلعب دور البطل أمامي؟.. بحركةٍ واحدةٍ مني الآن، أستطيع أن أكسر رقبتك وأنهي حياتك البائسة.

​تلاشت تعابير التحدي من عيني "فالنتينا" لتخلفها صدمةٌ عارمة جعلت وجهها يشحب كالأموات. كانت تتابع "لوكا" وهو يكاد يختنق، وتتسع عيناه ببطءٍ تحت وطأة القبضة الغاشمة. وفي لحظةِ يأسٍ وانفجارٍ تام لكل مشاعر التمرد، تحركت يدها أسرع من البرق هوت بصوتٍ مدوٍّ هزّ أرجاء الحضيرة-صفعةٌ قوية رنّت في المكان، وأدارت وجه "فاليريو" بقسوة نحو الكوخ.

​أذهلت الصفعة "فاليريو" لدرجة أنه أفلت قبضته بلا وعي فوقع "لوكا" أرضاً يلهث ويسعل بعنف، بينما استدار "فاليريو" ببطءٍ مذهل، وعيناه تشتعلان بنيرانٍ لم يسبق لأحدٍ أن رآها، وحنقه يتضاعف أضعافاً مضاعفة نحو تلك الفتاة التي تجرأت على إهانته أمام صديقها.

​لكن "فالنتينا" لم ترتعد بل وقفت بكل شموخها وتحديها، غير آبهةٍ بنظراته الغاضبة. وما إن رأت "لوكا" يترنح على الأرض، حتى جلست القرفصاء قربه بلهفة، وألصقت يديها بكتفه متمتمةً بخوفٍ حقيقي:

- لوكا.. هل أنت بخير؟ هل أذاك؟

​ابتسم "لوكا" بضعف، وهو يحاول التقاط أنفاسه المتقطعة، وطمأنها بصوت أجش:

- أنا.. أنا بخير يا فالنتينا.. لا تقلقي عليّ.

​لم يمنحها "فاليريو" فرصةً لتتنفس؛ فقد مد يده بخشونةٍ مطلقة، وأمسك بذراعها بقسوةٍ كادت تعصر عظامها، وجذبها نحوه بعنفٍ جعلها تنهض قسراً، وهمس بصوتٍ باردٍ كجليد القطبين، يحمل وعيداً بالموت:

- كيف تجرؤين على رفع يدكِ عليّ؟.. أقسم أنني لن أنسى ما فعلته للتو، وسأرده لكِ مضاعفاً في الوقت المناسب. والآن.. انهضي لتذهبي معي فوراً، وإلا أقسم برب السماوات أنني سأدفنكما أنتِ وصديقكِ هذا هنا تحت هذا التراب الأبدي!

رفعت "فالنتينا" يديها تحاول الإفلات من قبضته الحديدية، وتخبطت بضعفٍ ظاهر وهي تصرخ باحتجاجٍ مرير:

- اتركني! اترك يدي أيها المتوحش..!

​لكنه لم يهن بل زاد من إحكام قبضته حتى كادت عظامهة تتفتت تحت أصابعه. شعرت بنبضات قلبها تتسارع الماً ورعباً، بينما أجبرها بوحشيةٍ على الثبات في مكانها، فالتصقت به دون أن تملك من الأمر شيئاً.

​همس في أذنها بصوتٍ يقطر وعيداً:

- ستأتين معي.. طوعاً أو كرهاً. فقد وعدتُ جدتي بإعادتكِ، ولن أعود خائباً.

​دون أن تمنح فرصة للمقاومة، حملها بقسوة وأجلسها عنوةً على سرج جواده، وامتطى الحصان خلفها مباشرةً ليحاصرها بين ذراعيه. كانت تمتماتها الغاضبة تتصاعد بحنقٍ مكتوم:

- يا لك من متوحش.. أقسم أنني سأجعلك تدفع ثمن هذه المعاملة غالياً!

​شدّ على اللجام وانطلق بالحصان كالبرق، محيطاً خصرها بذراعه القوية ليلصق جسدها المنهك بصدره العريض، فأجابها بصوتٍ هادئ يحمل تحدياً مستفزاً:

- وأنا في أتم الاستعداد بانتظاركِ.. أيتها المزارعة.

رمته بنظرة مليئة بالغيظ، وهمست بين أسنانها:

- غبي.. أحمق.

​بعد دقائق معدودة، توقف الجواد بقسوة أمام بوابة القصر الشامخة. ترجل "فاليريو" برشاقة تامة، ثم امتدت يده لإنزالها بخشونة. ما إن لامست قدمها الأرض حتى اصطدم جسدها بصدره العريض من قوة الدفع، لتقف وجهًا لوجه أمامه. وفي ومضة غضبٍ عارمة، اندفعت "فالنتينا" بكلتا يديها ودفعته بقوةٍ مفاجئة عن طريقها، متجاوزةً إياه بخطوات سريعة ومضطربة وهي تصرخ باستهجان:

- أغرب عن وجهي حالاً!

أسرعت "فالنتينا" بصعود درجات سلم القصر الرخامية بخطواتٍ غاضبة، وقبل أن تبلغ المدخل، اصطدمت بشكلٍ مباشر بالجدة "إيزابيلا" التي كانت تقف بانتظارها، وقد بدت على محياها علامات الارتياح العميق لعودتها سالمة.

​احتضنتها الجدة بلهفة، وقالت بصوت متهدج من القلق:

- حمداً لله على سلامتك يا بنيتي.. لقد كدتِ أموت قلقاً عليكِ طوال غيابكِ.

​لكن "فالنتينا" لم تلن بل رفعت صوتها عمداً ليكون مسموعاً بوضوح لمن يقف خلفها، وقالت بنبرة متحدية ومستفزة:

- لا تقلقي عليَّ يا جدتي.. فلا يوجد كائنٌ على وجه الأرض، ولا حتى أي فردٍ من 'آل روسيني'، يستطيع أن يمس شعرةً واحدة مني!

​في تلك اللحظة، لحق بها "فاليريو" وهو يخطو بثقل، ورمقها بنظرة محملة بالشرار، ثم التفت نحو جدته بتهكم لاذع:

- جدتي.. حفيدتكِ هذه تحتاج إلى إعادة تربية وتأديب من جديد!

​لم يكد ينهي كلماته حتى سرقت "إيزابيلا" نظرة نحوه، فتجمدت عيناها على وجهه كان خده الأيمن محتقناً بلون أحمر قاني، وتتوسطه بوضوح تام آثار أصابع خماسية تشهد على قسوة الصفعة. اتسعت عيناها بذهول بالغ، وتمتمت بصوت مشدوه:

- أأنتِ.. أأنتِ من قام بضربه يا فالنتينا؟!

​رفعت "فالنتينا" رأسها بشموخ طاغٍ وغطرسة لا تكسر، ورمقته بنظرة حارقة، فأجابت بلا تردد:

- نعم.. فعلتُها بيدي ، ولستُ نادمةً على ذلك.

​كادت الجدة تخفي ابتسامةً ماكرة راوحت بين شفتيها، وهي تتابع حفيديها اللذين يتشاجران بضراوة كطفلين عنيدين أمامها، لكنها استدركت الأمر بسرعة، ورفعت عصاها لتضرب بها الأرض بقوة، هاتفة بحدة:

- هذا يكفي! لم أعد أحتمل هذا العراك المستمر بينكما!

​رمته "فالنتينا" بنظرة ازدراء، وقالت باقتضاب:

- إذن.. اخبري حفيدكِ المدلل ألا يظهر في طريقي أبداً.

​أطلق "فاليريو" ضحكةً ساخرة، هزته باستهزاء، ورد ببرود مقصود:

- وكأنني مولعٌ برؤيتكِ أيتها المزارعة!

​هنا، اشتعلت الجدة غضباً، وقطعت النقاش بحزم صارم لا يقبل الجدل، وقالت بحدة:

- كفاكما طفولةً وعناداً! اسمعا مني جيداً؛ الليلة.. ستقام حفلة ضخمة في القصر، وقد دُعي إليها كبار الشخصيات والوجهاء ليتم تقديم فالنتينا رسمياً بوصفها حفيدة 'آل روسيني'. لذا، أقسم بروح أليساندرُ، لو حدث أي شجار أو تصرف صبياني مما ترونه الآن خلال الحفلة، فسيكون حسابي معكما عسيراً للغاية!

تبادلا نظرةً أخيرة تلامس حد الاشتعال، نظرةً تقطر غضباً وتحدياً صامتاً لثوانٍ معدودة، قبل أن يستدير كلٌ منهما ويمضي في طريقه بغضبٍ جارف داخل أروقة القصر الموحشة.

​وما إن دفعت "فالنتينا" باب غرفتها وخطت بداخلها، حتى استقبلتها "تيريزا" بلهفة هاربة ودموعٍ تملأ عينيها، متمتمةً بارتجاف:

- أوه.. فالنتينا! أين كنتِ؟ كدتُ أموت رعباً وأنا أبحث عنكِ في كل زاوية!

​راحت "فالنتينا" تجوب الغرفة ذهاباً وإياباً بخطوات عصبية متوترة، بينما تتأجج النيران في صدرها، وأجابت بصوت يقطر ضيقاً واختناقاً:

- "أنا بخير يا تيريزا.. لكن هل سنبقى حبيستي هذه الجدران الخانقة كالسجينات؟!

​اقتربت منها تيريزا بخطى بطيئة، وابتسمت بحنان مهدئ وهي تربت على كتفها المنهك:

- اطمئني.. لقد أمرتِ الجدة للتو بأن يُخصص لكِ جناح والدكِ الراحل. ومن الآن وحتى حلول المساء، سيكون كل شيء جاهزاً لتنتقلي إليه.

مع حلول المساء، وتحت ضوء الثريات الكريستالية التي كانت تعكس ظلالاً مهيبة على جدران القصر، خطت "فالنتينا" نحو جناح والدها الراحل "أليساندرُ".

​كان الجناح تحفةً ناطقة من الماضي، كأنه عُزل عن العالم الخارجي ليحفظ عطر الذكريات. تفوح منه رائحة الخشب العتيق، والجلد الفاخر، وعبق أوراق الكتب الصفراء المتراكمة بعناية فوق رفوف مكتبة خشبية ضخمة. تتوسط الغرفة سريرٌ فخم مصنوع من خشب البلوط الداكن، تغطيه أقمشة مخملية ثقيلة بلون الليل الداكن، بينما تتدلى من السقف مصابيح نحاسية عتيقة تنشر توهجاً دافئاً وهادئاً يلامس الأرضية الرخامية المصقولة.

​وعلى الجدران، علقت لوحات زيتية قديمة لمناظر طبيعية ترافقها تفاصيل تروي حنين أليساندرُ لأرضه وبساتينه. وبجانب النافذة الكبيرة التي تطل مباشرة على حدائق القصر المظلمة، كانت هناك طاولة عمل زجاجية، استقرت فوقها دفاتر ملاحظات جلدية وقلم حبر قديم، وكأن صاحبها تركها للتو ليعود في أي لحظة.

​وقفت "فالنتينا" في منتصف الغرفة، تشعر بثقل الأرواح التي سكنت هذا المكان من قبل، بينما أخذت تنظر إلى تفاصيل الغرفة بعينين تملؤهما الدموع والاعتزاز؛ إنه ليس مجرد جناح فاخر، بل هو الحصن الذي خُبئت فيه روح والدها، وهو ذاته السلاح الذي ستواجه به "آل روسيني" في ليلتهم الكبرى.

استقرت عيناها بجمود على ذلك الفستان الزهري الفاخر المعلق بعناية على شماعة خشبية فاخرة، كأنه تمثالٌ لعين أُعدّ لابتلاع حريتها هذه الليلة. مدت أصابعها النحيلة لتلمس قماشه الحريري الناعم ببرود، وكأنها تمسك بشيء مقيت، ثم التفتت إلى "تيريزا" بصوت يقطر ضيقاً واعتراضاً:

-أحقاً عليَّ ارتداء هذا؟.. هل يجب أن أرتدي قناعهم أيضاً؟

​اقتربت منها "تيريزا" بحنان أموي، وابتسمت بتشجيع وهي تعدل أطراف الفستان:

-نعم يا حبيبتي.. الليلة سيُعلن للجميع اسمكِ ورسمكِ بوصفكِ حفيدة 'آل روسيني' الوحيدة. يجب أن تقفي أمامهم بأبهى حلّة، وبكامل قوتكِ.

​سحبت "فالنتينا" يدها ببطء، وتلألأت في عينيها نظرة مريرة تختلط فيها الكراهية بالحنين، بينما همست بصوت أشبه بالريح الباردة:

-وما عساه يكون رد فعلهم حين يرونني؟.. كل ما يحدث الآن يثير الاشمئزاز في نفسي. لستُ راغبةً بأن أكون جزءاً من هذا الاسم.. 'آل روسيني' لا تعني لي شيئاً، ولا قيمة لهذا اللقب بأسره، خصوصاً بعد أن أخذوا مني والدي وجعلوه نسياً منسياً.

بعد ساعتين، انسلخت "فالنتينا" من مظهر المزارعة الخشن لتخرج كأميرةٍ أسطورية من صفحات التاريخ. كان الفستان الزهري الفاخر يحتضن جسدها المنهك بتصميم ساحر حيث برز نحافة خصرها كأنه خُلق ليعكس هشاشة وقوة في آن واحد، وانكشفت نعومة ذراعيها بترفٍ صامت. واستقر على صدرها العاري إلا من هيبة الحزن عقدٌ من الماس الخالص، يقطر بريقاً وتاريخاً، فهو الإرث الوحيد الذي تبقّى من والدتها الراحلة.

​وقفت أمام المرآة الكبيرة المذهبة، تحدق بطيفها بذهول تام شعرها الناري رُفع بعناية فائقة ليكشف عن طول عنقها وانحنائته الأرستقراطية، لتبدو بكامل أنوثتها الطاغية التي يغلفها جبروتٌ خفي.

​اقتربت "تيريزا" من الخلف، وقد التمعت الدموع في عينيها من شدة التأثر، لتضع كفيها المرتجفتين على كتفي "فالنتينا"، وهتفت بصوت مبحوح يقطر ذهولاً واشتياقاً:

-يا إلهي.. يا لجمالكِ! لقد أصبحتِ اليوم النسخة الحية تماماً من والدتكِ.. مرحباً بكِ من جديد يا إلينا.

مع ضربات الساعة التي أعلنت بدء الأمسية الكبرى، انفتح الباب الثقيل لجناح الدرج، لتخطو "فالنتينا" نحو الخارج وكأنها تمشي على حافة خنجر.

​كان نزولها درجات السلم الرخامي يشبه هبوط ملكةٍ أسطورية من عرشها فستانها الزهري الفاخر كان ينساب خلفها كشلالٍ من الحرير والضوء، يتمايل مع كل خطوة بثقة مذهلة تُخفي خلفها براكين الغضب. انعكس ضوء الثريات الكريستالية الضخمة على عقد الماس المستقر فوق صدرها ليزداد بريقاً، بينما تراقصت خصلات شعرها المرفوعة بدقة لتكشف عن بياض عنقها وانحنائته الأرستقراطية البالغة. لم تكن مجرد فتاة ترتدي ثوباً فاخراً، بل كانت تجسيداً طاغياً للأنوثة الممزوجة بكبرياءٍ جبار لا يلين، جعل الأنفاس تتوقف في صدور الحاضرين.

​ما إن ظهرت في منتصف السلم، حتى التفتت القاعة بأسرها نحوها. ساد صمت مطبق ومفاجئ، ووقفت العيون مسمرة عليها، عاجزة عن إخفاء الانبهار والذهول أمام هذا الظهور الخاطف للأنفاس.

​في تلك اللحظة، رفعت الجدة "إيزابيلا" عصاها قليلاً، وصدح صوتها الجهوري ليخترق سكون القاعة ويمتد إلى أبعد زاوية:

-ضيوفي الكرام أقدم لكم حفيدتي.. فالنتينا، ابنة ولدي أليساندرُ الوحيدة!

​وفي منتصف الدرج الرخامي، حيث التقت العيون، وقع بصر "فالنتينا" صدفةً على "فاليريو" الواقف في الأسفل. تجمد في مكانه تماماً، وانفرجت شفتاه بذهول عارم لم يستطع إخفاءه لقد تسللت عيناه لتستقر على ملامحها ، لتتزلزل حواسه في أجزاء من ثانية: لقد كانت هي ذات المرأة الغامضة التي خطفت أنفاسه واختفت في الحفل السابق.. المزارعة التي سخر منها قبل ساعات، تقف الآن أمامه كأميرةٍ معزولة عن هذا العالم، تملك سحراً يهدد كل حصونه.

..........

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شمس توسكانا العنيدة

المؤلف Shymaa Sami
2026/09/01 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة