دعوة آل روسيني

دعوة آل روسيني

13 0

كانت المياه الباردة تلتف حول جسد "فالنتينا" كأنها تحاول حمايتها، بينما كان صوت خفقان قلبها يطغى على خرير النهر. غطست أكثر، حتى كاد الماء يغطي أنفها، تراقب من خلال الستارة الكثيفة من الأشجار والشعر المبلل "فاليريو" وهو لا يزال واقفاً عند الصخرة.

​لم يكتفِ بالتفرج، بل انحنى ببطء، ويده الطويلة تحرك ثيابها -المحزومة بطريقة تبدو عليها خشونة الحياة المزارعة- بأطراف أصابعه وكأنه يبحث عن شيءٍ ما.

​-من الواضح أنك لا تعتزم الخروج،" قال "فاليريو" بنبرةٍ هادئة تكاد تكون حنونة بشكلٍ مرعب..

-لكن أخبرني .. لماذا يرتجفُ مزارعٌ بسيطٌ بهذا القدر لمجرد أنني اقتربت من ثيابه؟

​ابتلعت "فالنتينا" ريقها، محاولةً التحكم في أنفاسها. كانت تدرك أن أي حركة متهورة قد تكشف عن أنوثتها، أو الأهم من ذلك، قد تجعله يكتشف شيئاً في ملابسها لم تكن تقصده.

​ردت من تحت الماء، صوتها مكتوم وبنبرةٍ خشنة تعمدت تصنّعها:

-لأن الخصوصية تُحترم يا سيد فاليريو، حتى بين الغرباء. لا داعي لهذا التلصص.

​التفت "فاليريو" نحو الماء، وعيناه -ببريقهما الثاقب- حاولتا اختراق العمق حيث تختبئ.

-الغرباء لا يملكون عيوناً كهذه، يا صبي. نظراتك تحملُ في طياتها تحدياً لا يليق بحراثِ أرض.

​ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه إلا صوت الرياح بين الأشجار. شعر "فاليريو" برغبة في الاستمرار في اللعبة، لكنه تراجع خطوة إلى الوراء، تاركاً الملابس فوق الصخرة.

​-حسناً أيها الفتىسأذهب...قالها وهو يتجه نحو حصانه الذي كان يربطه على مقربة

كانت المياه لا تزال تقطر من أطراف شعرها المبلل الذي لم يعد بإمكانه البقاء "مخفياً" تحت قلنسوتها الخشنة. بمجرد خروجها من الماء، كانت تحاول ارتداء قميصها بسرعة، لكن يديها المرتجفتين من البرد أعاقتها. وفجأة، سمعت صوت وقع حوافر خف خلف الأشجار. لقد عاد.

​تجمّدت "فالنتينا" في مكانها، بينما اقترب "فاليريو" بهدوء مرعب. لم يبتعد كما ظنت.

​-نسيتُ أن أسألك عن شيء، يا صبي....

​توقف "فاليريو" فجأة. اختفت السخرية من صوته، وحل محلها صمتٌ ثقيل. كانت "فالنتينا" تقف، شعرها الطويل المبلل ينسدل على كتفيها، خصلاته الناريه تلتصق برقبتها...مسح بعينيه ملامحها، نعومة وجهها التي كانت تغطيها الأتربة، تفاصيل جسدها المبلل الذي يرتجف، والذعر الذي لا يمكن أن يكون ذعر "صبي" يواجه رجلاً، بل ذعر "فتاة" كُشف سترها.

كان يرى في تقاسيم وجهها -التي حاولت طويلاً إخفاءها تحت مساحيق الأتربة والقسوة- تناغماً غامضاً؛ مزيجاً من الرقة القاتلة والشموخ الذي لا يلين. غامت عيناه قليلاً وهو يستقر بنظره على انحناءات جسدها التي أظهرتها ثيابها المبللة، وشعرٌ بأنفاسه تضطرب لأول مرة. لم يكن جمالها بالنسبة له مجرد مظهر، بل كان صدمةً بصرية... جمالٌ برّيٌّ لا ينتمي لقصور المدينة المترفة، بل يمتلك سحر الأرض والريح.

​خطا "فاليريو" خطوة نحوها، لم تكن خطوة هجوم، بل كانت خطوة استكشاف.

-فتاة؟! همس بها، وصوته يحمل دهشةً ممزوجة بانتصارٍ غريب.

​حاولت "فالنتينا" تغطية نفسها، لكنه كان أسرع... اقترب منها حتى أصبحا في مواجهة مباشرة، أجبرها على النظر إليه. لم يعد هناك مكان للهروب.

​-هذا القميص الخشن..قال وهو يشير بيده إلى ثيابها، ثم أكمل وعيناه لا تفارقان عينيها:

- ماهي غاية خداعك....الى ماذا تريدين الوصول؟!

​شعرت "فالنتينا" أن الأرض تميد بها. لم يكن الخوف هو ما يسيطر عليها الآن، بل إدراك أنها سقطت في فخٍ لن تخرج منه ببساطة.

​-أغرب عن وجهي... صاحت بصوتٍ كاد أن يختفي.

​ضحك "فاليريو" ضحكة منخفضة، ثم اقترب منها حتى لامس أنفاسها، همس في أذنها بكلماتٍ جعلت دماءها تتجمد:

-الآن فقط بدأت اللعبة الحقيقية... أيتها المحتالة الصغيرة أنتِ لستِ سوى مزارعة متمردة..

​أمسك بذقنها ليرفع وجهها نحوه، وكأنه يختم صفقة.

-وسأندمك على طول لسانك وانهي غرورك..

ساد صمتٌ خانق، لم يقطعه إلا صوت تلاطم مياه النهر بالصخور. كانت أنفاس "فالنتينا" متسارعة، قلبها يقرع صدرها كطبول حرب، بينما ظل "فاليريو" يحدق فيها بنظراتٍ تفتش في أعماق روحها.

​بصوتٍ متهدج، رغم محاولتها استجماع بقايا قوتها

-لقد رأيتَ ما تريد، أليس هذا ما كنت تبحث عنه؟ الفضيحة؟ الإذلال؟ افعل ما يحلو لك، لكن لا تظن أنني سأرتجف أمامك كأي خادمة في قصرك.

ابتسم ابتسامةً خالية من الدفء، ويده لا تزال تلامس ذقنها بحزم، مما أجبرها على البقاء قريبة منه

-الفضيحة؟ أنتِ لا تدركين أين تقفين. أنا لا أهتم لأمرِ فتاةٍ تنكرت في زي صبي.. ولكن مهتم بغايتكِ من وراء هذه الفعلة.

سكت للحظة ثم تابع التحديق بعيناها

-عيناكِ.. لم أرهما في مزرعةٍ من قبل. هاتان العينان تنتميان لمكانٍ أرقى،... وجهك يبدو مألوفاً وليس غريباً

​حاولت إبعاد يده بقسوة، لكنه أحكم قبضته

-أنت تهذي. خيالك المريض الذي يرى الأشباح في كل زاوية هو ما سيقودك إلى الهلاك. أنا مجرد ابنة مزارع بسيط.

​اقترب أكثر، حتى كاد جبينه يلامس جبينها، صوته تحول إلى همسٍ مخيف... بينما هي تسارعت انفاسها وضربات قلبها ولاتعرف تفسير ذلك.

-المزارعون لا يملكون كبرياءً كهذا. ولا يملكون هذا الشموخ حتى وهم في أضعف حالاتهم. أنتِ تحملين شيئاً في دمائكِ.. شيئاً يذكرني بجحيمِ الماضي. أخبريني.. ما هو الاسم الذي تناديكِ به تيريزا عندما تظنين أن الجدران لا تسمع؟

​نظرت إلى عينيه بحدة، محاولةً تحدي سطوته.

- تناديني بالاسم الذي يذكرني بحريتي. وهو اسمٌ لن تعرفه أبداً، لأنني سأدفنه معك إذا لزم الأمر.

​ضحك بهدوء، ثم أفلت ذقنها فجأة، متراجعاً خطوة إلى الوراء وكأنه يمنحها مساحة لتتأمل مصيرها.

-الحرية؟ أنتِ لا تملكين سوى وهمِ الحرية. لكن لا بأس.. سأترككِ تعودين إلى كوخكِ الليلة، وسأترككِ تظنين أنكِ نجوتِ. لكن تذكري.. كل خطوة تخطينها، وكل سرٍ تهمسين به، أنا من سيسمعه. هذه الأرض، وهذا النهر، وهذه الحقيقة التي تحاولين إخفاءها.. كلها ستصبح ملكي عاجلاً أم آجلاً.

​استدار ببطء، وامتطى حصانه، بينما كانت هي تقف متجمدة، تنظر إلى ظهره وهو يبتعد بين الأشجار، مدركةً أن اللعبة قد انتهت.. وأن الرعب الحقيقي قد بدأ للتو.

​مرّ أسبوعٌ كاملٌ في صمتٍ مريب. لم يظهر "فاليريو" ولم يطرق باب المزرعة، وكأن اللقاء عند النهر لم يكن سوى سرابٍ مخيف. قضت "فالنتينا" أيامها في هدوءٍ حذر، لكن عينيها كانتا دائماً معلقتين بذاك القصر العتيق الذي تربعت أسواره على التلة المجاورة.

​بفضل الأموال التي كان يضخها "فاليريو" بلا توقف، استحال القصر من أطلالٍ مهجورة إلى صرحٍ شامخ عاد بحلةٍ باذخة.. الحجارة صُقلت، والحدائق أعيد تنسيقها، وأصبح المكان مغناطيسياً يجذب كبار الشخصيات من المدينة.

وفي غمرة هذه الحركة، لفتت انتباهها "امرأة مسنة" تظهر كل صباح على شرفة القصر، تجلس على كرسيها المتحرك بوقارٍ يثير الريبة، تراقب الوادي بنظراتٍ حادة كأنها تبحث عن شيءٍ ضائع في الأفق.

​في صباح اليوم الثامن، وبينما كانت "فالنتينا" تهبط درجات السلم الخشبي، توقف الزمن للحظة. سمعت أصواتاً منخفضة تخرج من غرفة المعيشة، حيث كانت "تيريزا" و"ماركو" يتهامسان بحدة.

​-اصمتي! الجدران لها آذان، وفالنتينا ليست...

​بمجرد أن وقعت عينا "تيريزا" على "فالنتينا" وهي تقف على الدرج، ابتلعت كلماتها دفعة واحدة. تجمد "ماركو" في مكانه، وألقى نظرة سريعة ومضطربة نحو "تيريزا"، ثم عاد ليتظاهر بالانشغال ببعض الأوراق الملقاة على الطاولة.

​ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ بدا وكأنه يعترف بجريمة.

-عمن تتحدثان؟ لماذا صمتم فور رؤيتي

​تبادلت "تيريزا" نظرة سريعة مع "ماركو"، ثم رسمت ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيها المتعبتين.

-أنتِ تتوهمين يا بنيتي.. نحن فقط نتحدث عن تكاليف الحصاد القادم. القصر يعود لحياته، والضجيج لا يمنحنا الراحة كما السابق.

​أومأت "فالنتينا" برأسها، لكن قلبها كان يرفض هذه الكذبة. لقد رأت الخوف في أعينهم، خوفاً لم تره من قبل.. . اتجهت نحو النافذة مجدداً، ونظرت إلى المسنة التي كانت تقف شرفتها في القصر، شعرت فجأة ببرودة غريبة تسري في جسدها...

​لم يكد الصمتُ الذي أعقب محادثة الصباح أن ينقشع، حتى وصل خادمٌ من القصر، يرتدي زياً رسمياً لا يتناسب مع بساطة المكان، حاملاً معه ظرفاً مختوماً بشعار عائلة ( آل روسيني) العريق. كان الظرف يحمل دعوةً رسمية لسكان المزرعة لحضور حفل الاستقبال بمناسبة إعادة افتتاح القصر يوم السبت القادم.

​وضعت "فالنتينا" الظرف على الطاولة الخشبية، وعلى الرغم من أنها لم تعزم على الذهاب، إلا أن مجرد وجود الدعوة في منزلها أثار في نفسها فضولاً غامضاً. لكن، ما إن وقعت عينا "تيريزا" على الدعوة، حتى تغير حالها تماماً.

​انتزعت "تيريزا" الدعوة من على الطاولة، ومزقتها إلى نصفين بحدةٍ

-هذه الدعوة لن تغادر هذا البيت! ولن يخطو أحدٌ منكما خارج حدود هذه المزرعة يوم السبت. هل تفهمان؟ لا أحد!

​تراجعت "فالنتينا" خطوة إلى الوراء، مذهولةً من هذا الانفجار العاطفي:

-تيريزا، ما بكِ؟ إنها مجرد دعوة احتفالية للجيران. لماذا ترفضين الأمر بهذه القسوة؟

​تدخل "ماركو" هذه المرة، صوته كان هادئاً لكنه يحمل تحذيراً بارداً:

-انها فقط خائفة عليك من هذه العائلة... ربما يحاولون الايقاع بك.

​التفتت "تيريزا" نحو "ماركو" بنظرة حادة أخرسته فوراً، ثم نظرت إلى "فالنتينا" وقالت بنبرةٍ حاولت جعلها تبدو طبيعية، رغم ارتعاش يديها:

-أنا فقط أهتم لسلامتك. فاليريو رجلٌ لا يؤتمن، والحفلات في قصره ليست مكاناً للمزارعين مثلك. انسِ الأمر تماماً، وكأن هذه الورقة لم تصل يوماً.

​غادرت "تيريزا" الغرفة بسرعة، مخلفةً وراءها ثقلاً من الأسئلة في قلب "فالنتينا". وقفت "فالنتينا" تنظر إلى أجزاء الدعوة الممزقة على الأرض، ثم رفعت نظرها نحو القصر الشامخ في الأفق، حيث تجلس تلك المرأة المسنة على شرفتها.

​شعرت "فالنتينا" بأن هناك سراً يربط بين غضب "تيريزا" وبين ما يحدث في ذلك القصر، وبأن "المنع" الذي فرضته "تيريزا" ليس لحمايتها، بل لإخفاء حقيقةٍ ما.

.........

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شمس توسكانا العنيدة

المؤلف Shymaa Sami
2026/09/01 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة