كانت تلك اللحظات القصيرة كافية لتكتشف "فالنتينا" أن خلف قناع الغطرسة الذي يرتديه "فاليريو"، تختبئ شخصيةٌ أخرى تماماً شخصيةٌ أكثر عمقاً وأكثر خطورة مما كانت تتخيل. لكن صوت ضحكة أنثوية ناعمة اخترق سكون الشرفة كطوق نجاة:
-حبيبي فاليريو.. أنت هنا؟ لقد بحثتُ عنك في كل القاعة!
لم تنتظر "فالنتينا" حتى تتبين ملامح المرأة القادمة كان هذا كافياً لتستعيد وعيها. وبحركةٍ رشيقة، انتزعت ذراعها من بين أصابعه، ورفعت طرف فستانها الحريري، وانطلقت كالسهم نحو أروقة القصر الخلفية.
كان وقع أقدامها على الرخام يتسارع، بينما كانت تسمع خلفها خطوات "فاليريو" القوية التي لم تهتم بالتوقف أو التبرير لمرافقته. تجاهلها تماماً وأطلق العنان لمطاردته، وكأنه يشعر بأن هذه الفتاة تخبئ في طيات ثوبها لغزاً لا يمكنه تركه يفلت.
لم تكن "فالنتينا" تركض كأميرة، بل كفتاةٍ تطاردها الأشباح. دخلت إلى غرفة الملابس الجانبية، وأغلقت الباب بقوة. لم تضيع ثانية مزقت سحاب الفستان الحريري، وألقته أرضاً وكأنه ثوبٌ من نار. ارتدت ثياب المزارعة الخشنة على عجل، وبيديها المرتجفتين غسلت وجهها بعنفٍ تحت صنبور الماء، لتزيل أثر المكياج الذي جعلها غريبةً عن نفسها.
في الخارج، تصاعدت حدة المطاردة. كان "فاليريو" يفتح الأبواب واحداً تلو الآخر بقوةٍ تجعل جدران القصر تهتز.
-أين هي؟
سمعت صوته يزمجر وسط صمت الأروقة، بينما كان يفتح باب الغرفة المجاورة لغرفتها بصوتٍ عالٍ.
كانت "فالنتينا" تقف خلف بابها، تتنفس بصعوبة، يداها لا تزالان مبللتين، وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كان على بعد بابٍ واحدٍ فقط.. بابٌ واحد يفصل بين كشف الحقيقة وبين بقائها طيفاً في ذاكرته.
في لمح البصر، حشرت "فالنتينا" الفستان الحريري في صندوقٍ خشبي مهترئ ودفعت به تحت كومةٍ من الأقمشة القديمة. مسحت وجهها بقطعة قماش خشنة لتتأكد من زوال كل أثرٍ للمساحيق، ثم سحبت القبعة الجلدية المنخفضة لتغطي نصف وجهها.
بمجرد أن استجمعت رباطة جأشها، فتحت الباب وخرجت بخطواتٍ ثابتة، تحاكي في مشيتها المزارعة التي يعرفها الجميع. لم تكد تقطع أمتاراً قليلة في الرواق المظلم، حتى برز "فاليريو" من بين الظلال، وعيناه تشتعلان بغضبٍ باحثٍ عن إجابة.
توقف أمامها فجأة، ساداً طريقها بكتفيه العريضين.
-ماذا تفعلين هنا؟ سأل بصوتٍ مشحون بالشك.
- لقد ظننتُ أنكِ عدتِ إلى منزلكِ منذ زمن.
أخفضت "فالنتينا" رأسها أكثر، مواربةً وجهها عن نظراته الحادة، وأجابت بنبرةٍ خشنة
-الجدة طلبت بقائي حتى انتهاء الحفل
بدأت تتجاوزه بخطواتٍ سريعة، لكن يده امتدت كالمخلب، ممسكةً بمعصمها بقوةٍ أوقفتها في مكانها.
-انتظري!
ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى صوت أنفاسه المضطربة. كان يقترب منها، يحدق في ملامحها المخفية تحت القبعة. ثم قال ببطء، وكأنه يزن كل كلمة:
-ألم تري امرأةً ترتدي فستاناً بلون العقيق؟ مرت من هنا منذ لحظات.
توقفت "فالنتينا" عن التنفس للحظة، لكنها لم ترفع رأسها. أغمضت عينيها بقوة، ثم أجابت بنبرةٍ باردة ومستفزة، وهي تسحب يدها من قبضته:
-مطلقاً.. ربما اختفت في هذا القصر الكبير.
لم تنتظر رد فعله، بل تابعت سيرها نحو مخرج الخدم، تاركةً "فاليريو" يقف في الرواق، ينظر إلى طيفها المبتعد بنظراتٍ تضج بالحيرة، بينما كانت هي تبتعد في عتمة الممرات، مدركةً أنها نجت للتو من فخٍ كان يمكن أن ينهي كل شيء.
كانت الشمس في كبد السماء، تلهب ظهر "فالنتينا" و"لوكا" وهما يجران عربتهما المحملة بأكياس القمح نحو سوق المدينة. و "لوكا" يثرثر كعادته عن أسعار السوق وتقلبات الطقس، بينما كانت "فالنتينا" غارقة في صمتٍ مريب ،كان ذهنها لا يزال معلقاً بتلك الليلة في القصر، وبخوفها من أن يربط "فاليريو" بينها وبين "الضيفة الغامضة".
كان صخب السوق يضج بالحياة؛ روائح التوابل تمتزج برائحة القمح الطازج، وأصوات الباعة تتعالى لتخلق سيمفونيةً من الفوضى المنظمة. تركت "فالنتينا" رفيقها "لوكا" يغرق في جدالاته المعتادة مع تجار الحبوب، بينما انسلّت هي بعيداً نحو زقاق المتاجر الصغيرة. كانت قبعتها القديمة قد نال منها الزمن، وأصبحت حوافها ممزقة لدرجة أنها لم تعد تقيها لهيب الشمس.
توقفت أمام متجرٍ لبيع المستلزمات الجلدية والنسيج، وراحت تقلب القبعات المعلقة بعناية. كانت منهمكة في تجربة قبعةٍ عريضة الحواف، محاولةً ضبطها على رأسها، حين اخترق أذنيها صوتٌ حاد لامرأتين تقفان بالقرب منها، تتحدثان بصوتٍ خافت ومثير للريبة.
المرأة الأولى:
-ألم تسمعي بما حدث في قصر 'آل روسيني' ليلة أمس؟ لم تكن حفلةً عادية، بل كانت مسرحاً لدراما لم يشهد لها القصر مثيلاً!
تصلبت "فالنتينا" في مكانها. حاولت أن تبدو مشغولة بفحص القبعة التي في يدها، لكنها أرهفت السمع بكل حواسها.
المرأة الثانية:
-تتحدثين عن تلك الضيفة الغامضة التي ظهرت فجأة؟ لقد سمعتُ أن 'فاليريو' قد فقد صوابه تماماً. يقال إنه بعد أن اختفت تلك المرأة من الشرفة، تحول القصر إلى ثكنة عسكرية.
المرأة الأولى:
-بالضبط! لقد رأى الخدم فاليريو وهو يقتحم الغرف كالمجنون، وجهه كان يقطر غضباً لم يسبق له مثيل. لم يسبق أن رأى أحدٌ وريث آل روسيني بهذه الحالة من الهياج، وكأن شيئاً ما قد سُلب منه ولا يمكنه استعادته.
توقفت "فالنتينا" عن التنفس لثانية، بينما كان قلبها يقرع في صدرها بقوةٍ كادت تفضحها.
المرأة الثانية:
يقولون إنها دخلت كأنها ملكة، وخرجت كأنها ريحٌ لا تُمسك. والآن، أصدر أوامره للبحث في كل شبرٍ من المنطقة المحيطة بالقصر، حتى أنه ضاعف الحراسة على المزارع القريبة. يبدو أن هذه الفتاة قد لمست شيئاً في فاليريو لم يجرؤ أحدٌ على لمسه من قبل.
أمسكت "فالنتينا" بحافة القبعة بقوةٍ حتى ابيضت مفاصل أصابعها. كانت كل كلمةٍ منهما كخنجرٍ يذكرها بأنها لم تعد في أمان، وأن "فاليريو" سيحدث المستحيل لإيجادها.
في تلك اللحظة، نادى "لوكا" من بعيد:
-فالنتينا! هل وجدتِ القبعة؟ لقد انتهيتُ من البيع!
التفتت النساء نحو مصدر الصوت. وبسرعةٍ خاطفة، وضعت "فالنتينا" القبعة على رأسها، وسحبتها لأسفل لتخفي ملامحها تماماً، ثم تحركت بسرعةٍ نحو "لوكا"، وعقلها لا يزال عالقاً في صدى غضب "فاليريو".
كانت العربة تهتز ببطء على الطريق الترابي العائد نحو المزرعة، وصوت حوافر الخيول يملأ المكان رتابةً. كان "لوكا" يغني لنفسه بمرح، منتشياً بنجاح صفقة القمح، لكنه لاحظ فجأة أن "فالنتينا" التي كانت تجلس بجانبه، لم تنبس ببنت شفة منذ خروجهم من السوق.
كانت نظراتها مثبتة على الأفق البعيد، القبعة الجديدة مسحوبة لأسفل لتظلل عينيها، وأصابعها تعبث بحافة القبعة بقلقٍ لا تخطئه عين.
توقف "لوكا" عن الغناء، ونظر إليها بتمعنٍ ثم قال بصوتٍ يملؤه الفضول الممزوج بالقلق:
-فالنتينا؟ هل أنتِ معنا؟ منذ خروجنا من المتجر وأنتِ غارقة في عالمٍ آخر. هل أزعجكِ شيءٌ هناك؟ أم أن القبعة الجديدة ليست مريحة؟
ارتبكت "فالنتينا" وتسمرت في مكانها. التفتت إليه بسرعة، وحاولت رسم ابتسامةٍ باهتة على وجهها، لكنها بدت متكلفة.
-أوه.. لا يا لوكا، لستُ شاردة. كنتُ فقط أفكر في أعمال الحقل، وكم ستكون الأيام القادمة متعبة مع موسم الحصاد.
ضيّق "لوكا" عينيه، وهو رجلٌ يعرفها منذ سنوات ويعرف جيداً كيف تبدو حين تكذب.
-أعمال الحقل؟ يا فالنتينا، أنتِ تحبين الحقل أكثر من أي شيء، ولن يجعلكِ هذا شاحبة الوجه هكذا. لقد لاحظتُ أنكِ لا تنظرين حتى إلى الطريق.
شحب وجه "فالنتينا" أكثر، وبدأت دقات قلبها تتسارع. هل كان "لوكا" يلاحظ شيئاً لا تراه؟
بصوتٍ أجشّ حاولت إخفاءه
-أنت تبالغ يا لوكا. ربما.. ربما أكون متعبة من صخب السوق فقط.
صمت "لوكا" لبرهة، ثم قال بنبرةٍ جادة على غير عادته:
-أتمنى أن يكون هذا هو السبب. لكن، اسمعيني.. لقد رأيتُ بعض رجال 'آل روسيني' يتجولون بالقرب من حدود المزرعة صباح اليوم. بدا وكأنهم لا يبحثون عن قمحٍ أو ماشية، بل يبحثون عن شيءٍأو شخصٍ مفقود. كوني حذرة، فأنا لا أريد أن تقعي في مشاكل مع أولئك.
كلمات "لوكا" أصابتها في مقتل. شعرت وكأن الأرض تنشق لتبتلعها.
- سأكون حذرة.. أعدك بذلك.
استدارت "فالنتينا" لتنظر إلى الأمام مجدداً، بينما كان "لوكا" يراقبها بصمتٍ مريب، وقد بدأ الشك يتسرب إلى قلبه أيضاً هل تخفي عنه رفيقته شيئاً أكبر بكثير مما يتخيل؟
لم تكد العربة تتوقف أمام الكوخ، حتى توقفت أنفاس "فالنتينا". لم تكن "تيريزا" وحدها، بل كان هناك كرسيٌ متحركٌ فخمٍ بمساندٍ مخملية يقبع أمام العتبة، تجلس عليه جدة "فاليريو" بوقارٍ ملكي، ورداؤها الأسود الداكن يمتزج بظلال الشرفة البسيطة. لم تكن تحتاج للوقوف لتفرض سيطرتها فعيناها الحادتان، اللتان تحملان سنواتٍ من الأسرار، كانتا كافيتين لترهيب كل من يقترب.
تسمر "لوكا" في مكانه، وهمس بصوتٍ خافت:
-فالنتينا.. أليست تلك جدة آل روسيني؟ ماذا تفعل هنا في كوخنا المتهالك؟!
شحب وجه "فالنتينا"، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها. نزلت من العربة ببطء، خطواتها ثقيلة كأنها تسير إلى حتفها. كانت "تيريزا" تقف بجانب الكرسي، ملامحها مزيجٌ من القلق والدهشة، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب كيف وصلت هذه السيدة إلى هذا المكان النائي.
بمجرد أن اقتربت "فالنتينا"، أدارت العجوز عجلات كرسيها ببطء، وتجاهلت وجود "لوكا" تماماً لتثبت بصرها على "فالنتينا".
وقفت "فالنتينا" أمامها، وبدلاً من الخضوع، عقدت حاجبيها في استغرابٍ ممزوجٍ بحذرٍ شديد، وقالت بصوتٍ مسموعٍ كسر صمت المكان:
-ماذا تفعلين هنا يا سيدتي؟ ومن سمح لكِ بالوصول إلى هذا المكان؟
لم تلتفت العجوز لغضب "فالنتينا"، بل أدارت عجلات كرسيها ببطءٍ حتى واجهتها مباشرة. كانت عيناها تلمعان ببريقٍ غريب، بريق يجمع بين الحزن والصرامة.
نظرت العجوز إلى "تيريزا" نظرةً ذات مغزى، ثم عادت لتثبت بصرها على "فالنتينا" وهي تقول بنبرةٍ هادئة وواثقة:
-جئتُ إلى هنا لأجل غايةٍ واحدة، لا علاقة لها بحفيدي أو بمطارداته العبثية.. جئتُ لأجل استعادة الأمانة التي وضعتها عند 'تيريزا' منذ أربعة وعشرين عاماً.
ساد صمتٌ مطبق. خفق قلب "فالنتينا" بعنف، ونظرت إلى "تيريزا" التي شحب وجهها فجأة وابتلعت غصتها. كانت هناك أمانةٌ بقيت في رعاية "تيريزا" طوال هذه السنوات، أمانةٌ لم تخبرها بها يوماً، والآن.. جاءت صاحبتها لاستردادها.
تنهدت بصوت خافت :
-أمانة؟ أي أمانةٍ تتحدثين عنها يا سيدتي؟
أدارت العجوز كرسيها المتحرك بضع درجاتٍ لتكون في مواجهة "فالنتينا" مباشرة، وأشارت بيدها المرتجفة
التي كانت ترتدي خاتم آل روسيني بوضوح نحو "فالنتينا" نفسها، وقالت بنبرةٍ حاسمة، خالية من أي تردد:
-تلك الأمانة.. هي أنتِ يا فالنتينا!
ساد صمتٌ أثقل من الجبال. اتسعت عينا "فالنتينا" من الصدمة، وكأن العالم من حولها بدأ يتلاشى. حاولت النطق، لكن الكلمات تجمعت في حلقها كغصةٍ لا تزول.
تابعت العجوز، وصوتها يتهدج بعاطفةٍ مكبوتة:
-قبل أربعة وعشرين عاماً، حين سقطت العائلة في دوامة الخيانات، كانت حياتكِ الثمن الذي كان يجب دفعه. أودعتكِ عند 'تيريزا' لأنها كانت الوحيدة التي يمكنني الوثوق بها.. أنتِ لستِ مزارعة، . أنتِ 'أمانة آل روسيني' الأخيرة.. أنتِ ابنة دماء العائلة التي حاولت أيدٍ خفية إبادتها.
تراجعت "فالنتينا" إلى الوراء، وارتطمت بظهر "لوكا" الذي كان يقف خلفها مشدوهاً. نظرت إلى يديها الخشنتين، إلى ثيابها الملطخة بالتراب، ثم إلى "تيريزا" التي كانت تبكي بصوتٍ مكتوم. كل شيء تغير في لحظة.. حياتها، اسمها، وحتى حقدها تجاه "فاليريو" بات الآن يحمل صبغةً أخرى.. صبغة الدم الذي يجمعهما.
.......
Shymaa Sami