صيد اليوم

صيد اليوم

12 0

ضاقت عيناها لما يقوله ...وقفت بتحدي اكبر وهي تحدق بعيناه ببرود استفزازي

-أرضي ليست للبيع، يا سيد روسيني. فبعض الأشياء في هذا العالم لا تُشترى بالمال، حتى لو كان مالك يغطي هذه التلال بأكملها. وفر عرضك هذا لمن قد يهمه الأمر، فبالنسبة لي، وجودي هنا ليس مسألة مالٍ بل مسألة مبدأ.

​تصلبت ملامحه، وتوقف عن نفث الدخان فجأة، وبدا وكأنه يرى فيها شيئاً لم يعتد عليه. اقترب منها أكثر حتى شعرت بظله يغطيها بالكامل، ورائحة خشب الأرز القوية المنبعثة منه تملأ المكان. خفّض رأسه قليلاً ليصبح في مستوى نظرها، وقال بنبرةٍ خافتة، مشبعة بالتهديد الذي يجعل الأبدان تقشعر:

​-المبادئ لا تطعم الخبز يا فتى. أنت تلعب لعبة أكبر من سنك ومن حجم مزرعتك، وعن قريب ستدرك أنني لا أعتاد سماع كلمة 'لا'.

​رمقته "فالنتينا" بنظرة ازدراء، ثم التفتت لتعطيه ظهرها، وكأن النقاش انتهى من وجهة نظرها، وقالت بصوتها المبحوح الذي لا يزال يحتفظ بثباته الصخري دون أن تلتفت:

​-إذا كان هذا كل ما جئت لأجله، فالباب أمامك.. أو بالأحرى، الطريق الذي جئت منه لا يزال مفتوحاً.

نفث "روسيني" سحابةً كثيفة من دخان سيجاره، وارتفعت معها نظراته لتستقر على "فالنتينا" باحتقارٍ صامت. لم يرفع صوته، بل كان هدوؤه أخطر من صراخه. استند بظهره إلى جذع الشجرة، ومرر إصبعه على حافة السيجار ببطءٍ استفزازي، ثم قال بصوتٍ رتيب:

​-أنت تتحدث عن المبادئ، بينما أتحدث أنا عن المنطق. المال ليس مجرد أوراق يا هذا، إنه القوة التي تمنحك الحق في أن تملك أو أن تُمحى. هذه المزرعة التي تظن أنها مملكتك، هي في الواقع مجرد ثغرة في أملاكي، وأنا لا أترك الثغرات دون ردم.

​لم تتراجع "فالنتينا"، ولم تُنزل عينيها عن عينيه. ظلت واقفةً في مكانها، كتفاها مشدودتان بثقة، وصوتها المبحوح انطلق كأنه صوت معدنٍ يحتك بآخر، جافاً وصادماً:

​-المنطق الذي تبيعه لا يشتري راحة بالِ من يزرع أرضه بيده. يمكنك امتلاك الأوراق، يمكنك امتلاك الخرائط، وحتى الحجارة التي بنيتَ بها سور قصرك.. لكنك لن تملك يوماً عِرق الجبين الذي سقى هذه الأرض. وفر دخانك لنفسك، فقد بدأ يضايقني.

​تجمدت حركة "روسيني". أبعد السيجار عن شفتيه ببطء، ونظر إليها طويلاً، وكأنه يحاول فك شفرة هذا "الفتى" الذي لا يرتجف. اقترب منها خطوة واحدة، وصار دخان سيجاره يختلط برائحة خشب الأرز التي تفوح من معطفه، وهمس بنبرةٍ باردة كالجمر:

​-لم يجرؤ أحدٌ من قبل على أن يقول لي لا....

أنت تظن أن وقاحتك شجاعة، لكنها في الحقيقة أقصر طريقٍ لزوال ما تحب.

​التفتت "فالنتينا" بجسدها كله، وبصوتها الذي يحمل بحّةً تمردت على كل تهديداته، قالت ببرودٍ لا يضاهى:

-الزوال مكتوبٌ على كل شيء، يا سيد روسيني. لكن الفرق بيني وبينك، هو أنني سأزول واقفاً، بينما ستزول أنت مخنوقاً خلف دخان غطرستك.

لم تكتفِ "فالنتينا" بإنهاء الحديث، بل تعمدت تجاهل وجوده تماماً وكأنه لم يكن سوى طيفٍ عابر. أدارت ظهرها له بكل ثقة، ورفعت يدها لتطلق صفيراً حاداً ومجلجلاً اخترق سكون التلال العتيقة.

​لم تمر سوى ثوانٍ حتى ظهر "خوليو"، جوادها الأصيل ذو اللون الأدهم، يركض نحوها بخطواتٍ متسارعة، صهيلُه يملأ المكان بالقوة والحرية. توقف الجواد بجانبها، فقفزت "فالنتينا" على ظهره بخفةٍ وبراعةٍ تدل على أنها جزءٌ من هذه الأرض. نظرت إلى "فاليريو" من علٍ، وقالت بصوتها المبحوح الذي تعمدت أن يخرج مسموعاً وواضحاً:

​-هيا يا خوليو.. المكان هنا لم يعد يصلح للتنفس، رائحة الغطرسة أصبحت خانقة أكثر من اللازم.

​بدأت بالابتعاد وهي تمتطي جوادها، مخلفةً وراءها غباراً خفيفاً، بينما كان "فاليريو" يراقب مشهد مغادرتها، وعروق يده تبرز بوضوح من شدة كبت غضبه.

​شعر بإهانةٍ لم يسبق أن تجرعها؛ ليس فقط لرفض عرضه، بل لكونها "أدارت له ظهرها" وهي تمتطي جوادها بكل هذا الترفع والاستخفاف.

​فجأة، انتزع السيجار من بين شفتيه، وبحركةٍ عنيفة ومفاجئة، رماه على الأرض وسحقه بحذائه الجلدي بكل ثقله، وكأنه يسحق عزة نفسها تحت قدمه. تصاعدت شرارات التبغ والرماد في الهواء، وبقيت نظراته العسلية مثبتة على أثر خطوات الجواد التي تبتعد.

​-ستندم على هذا التجاهل.. همس بها، وصوته المبحوح والمتحشرج من الغضب بدا كأنه فحيح أفعى.

​لم يكتفِ بالوقوف، بل استدار نحو قصره بخطواتٍ متسارعة، ونادى على رجاله بحدة:

أغلقوا جميع المداخل المؤدية لأرضه.. من الغد، لن تخرج حبة قمح واحدة من مزرعتها دون إذنٍ مني. إذا كانت تريد المبدأ، فسأجعل الجوع هو الذي سيجبره على الركوع تحت قدمي.

​عاد "فاليريو" إلى قصره، لكنه لم يعد الرجل الهادئ. كان غضبه يغلي كمرجل، لا يخطط كيف يشتري أرضها، بل كيف يكسر إرادتها قطعةً قطعة، بدءاً من قطع أرزاقها وصولاً إلى حصارها في عقر دارها.

ترجلت "فالنتينا" عن جوادها "خوليو" بخطواتٍ ثقيلة، كان التعب يغزو ملامحها، لكن غضبها كان لا يزال يشتعل. لم تكد تطأ قدماها الأرض حتى قفز "لوكا" من فوق كومة قش كان يجلس عليها، شعره الأشقر المتموج يتطاير في الهواء مع حركة جسده السريعة، وبشرته البرونزية التي لفحتها شمس المزرعة تزداد لمعاناً مع ابتسامته العريضة التي اعتاد الجميع عليها.

-يا لجمالِ هذا المساء! كنت أراهن ماركو أنكِ ستعودين ومعكِ صك ملكية العالم بأسره!

هتف "لوكا" بمرحه المعهود، وهو يقترب منها بخطواتٍ خفيفة كقطٍ بري، لكن سرعان ما تلاشت تلك الابتسامة حين وقعت عيناه على نظراتها الحادة.

تغيرت ملامح "لوكا" في ثانية واحدة؛ تحولت من الضحك الصاخب إلى حدةٍ مخيفة. ملامحه التي كانت توحي بالبساطة أصبحت مشدودة، وعيناه اللتان كانتا تلمعان بالمرح أصبحتا كالخناجر، لدرجة أن "ماركو" تراجع خطوة إلى الوراء، فهو يعلم أن "لوكا" إذا غضب، لا يهمه من يقف أمامه.

-ماذا حدث؟

سأل "لوكا" بصوتٍ خافت، حاد، يفتقر تماماً لأي مزاح.

نظرت إليه "فالنتينا" وهي تحاول استجماع كلماتها:

- لقد طلب شراء الأرض. فاليريو لا يريد مجرد صفقة.. إنه يريد انتزاع كل شيء منا.

لم ينتظر "لوكا" نهاية الجملة. انطلق كالسهم، ركل كومة القش التي كان يجلس عليها بغضب، وبدأ يمشي جيئةً وذهاباً، يده تتحسس حزام خصرة بعصبية.

-فاليريو؟ ذلك المغرور ذو البدلات السوداء؟ كان يجب أن أعرف! هو لا يعرف سوى لغة الإهانة!

اقتربت "تيريزا" بحذر، لكن "لوكا" التفت إليها فجأة، وعلى الرغم من غضبه المتسارع، حاول رسم ابتسامة ساخرة على وجهه لتخفيف حدة الموقف:

-لا تقلقي يا فالنتينا، سأذهب الآن وأغسل وجهه بالوحل، أليس هذا ما يستحقه؟

ضحكت "فالنتينا" رغم ألمها، فهي تعرف "لوكا"؛ متسرع ومندفع، لكنه أوفى صديق قد تجده. قالت له وهي تضع يدها على كتفه لتهدئ من روعه:

-اهدأ يا لوكا. الغضب وحده لن يحل الأمر. إذا اندفعت الآن، ستعطيه المبرر الذي يبحث عنه ليدمرنا.

توقف "لوكا" عن الحركة، نظر إليها بملامحه الحادة، ثم تنفس بعمق وهز شعره الأشقر للوراء، وعادت لمحة من مرحه المعهود لتبرق في عينيه:

-أعلم، أعلم.. سأحاول أن أكون عاقلاً، لكن إذا رأيتُ أحد رجاله يقترب من حدودنا، سأجعل من جلده طَبلاً أقرع عليه احتفالاً بـ 'فشل' سيده في أخذ الأرض.

نظر إلى "فالنتينا" بصدق، والحدة عادت لتسيطر على وجهه:

-أنا لا أمزح هذه المرة يا فالنتينا. إذا لمس شعرةً من رأسكِ، سأحرق قصره وهو بداخله، ولن أبتسم حينها أبداً.

​في ساحة المزرعة، كانت "فالنتينا" تتحدث بحماسٍ مع "لوكا"، ملامحها تشع تحدياً، وصوتها المبحوح يصل إلى نافذة المطبخ عبر الهواء الطلق. كانت تشرح له كيف رفضت "فاليريو" وكيف جعلته يبتلع إهانته.

بينما ​داخل المطبخ، في الظل، كانت "تيريزا" و"ماركو" واقفين خلف النافذة، يتظاهران بالانشغال ببعض المهام، لكن أجسادهما كانت متصلبة، وعيونهما مثبتة على "فالنتينا". كانا يستمعان لكل كلمة، وكل جملة كانت تسقط على قلبيهما كحجرٍ ثقيل

.

​قالت "تيريزا" بصوتٍ خافت، وقد تلاشت كل قطرة دم من وجهها:

-إنها تُشعل النار في أطراف ثوبها، يا ماركو. فاليريو ليس رجلاً عادياً ينسى إهانةً أو يتراجع أمام تمرد. إذا أصرت على محاربته، سيضطر هو إلى الحفر.. وسيحفر بعمقٍ حتى يصل إلى ما أخفيناه كل هذه السنوات.

​مسح "ماركو" يده على مئزره المبتل بالعرق، وكان صدره يعلو ويهبط بضيق، همس بصوتٍ يملؤه الرعب:

-طوال تلك السنين، حافظنا على هذا السر كحارسٍ أمين. خبأناه بعيداً عن عيون الغرباء، بل وأبعدناه عن عينيها هي. لو كشف فاليريو هذا السر.. فليس الأرض فقط هي ما ستضيع، بل ستضيع هي.

​نظرت "تيريزا" إلى "فالنتينا" من خلال الزجاج، وعيناها تلمعان بدموع الخوف والحرص. كانت ترى فيها الطفلة التي وعدت نفسها بأن تحميها من هذا العالم القاسي.

-إنها لا تدرك.. هي تظن أنها تقاتل من أجل بضعة أفدنة من الأرض، ولا تعلم أن تلك الأرض هي غطاءٌ لما نحاول دفنه. كلما اقتربت منه، كلما زاد خطر أن يسحب الخيط الذي سيفكك عالمنا بالكامل.

​التفت "ماركو" إلى "تيريزا"، وكانت ملامحه تعبر عن عجزٍ مُرّ:

-يجب أن نتدخل. يجب أن نجد طريقةً لتهدئة الأمور، أو ربما إبعادها عن المواجهة المباشرة. لا يمكننا السماح لفاليريو بأن يقترب من حياتنا أكثر من ذلك.. فكل خطوة يخطوها نحونا هي خطوةٌ أقرب إلى كشف المستور.

​ظلت "تيريزا" تراقب "لوكا" وهو يربت على كتف "فالنتينا"، وشعرت برعشةٍ تسري في جسدها. لم يكن خوفهما من "فاليريو" خوفاً من المال أو النفوذ، بل كان خوفاً من "الحقيقة" التي لو ظهرت، لن تبقي خلفها شيئاً.

​في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس تتسلل عبر أوراق الشجر لتنير ضفاف النهر، حيث بدا كل شيء هادئاً. كان "لوكا" يضحك بصوتٍ عالٍ كعادته، ملوحاً بصنارته، بينما كان "آيسو" -صديق "فالنتينا" الهادئ- يحاول ترتيب الطُعم.

​-سنصطاد اليوم وليمة تكفي القرية بأكملها!" هتف "لوكا" بمرحه المعهود، ثم التفت إلى "فالنتينا" التي كانت تجلس بتركيز:

-ما رأيكِ يا فالنتينا؟ هل تذهبين معنا للغوص قليلاً في الأعماق لاحقاً؟

​أجابت "فالنتينا" بابتسامة نادرة:

-بالتأكيد، سأكون أول من يغطس.

​لكن الرياح لم تجرِ كما اشتهت السفن. فجأة، وصل أحد عمال المزرعة راكضاً، وجهه شاحب، يخبرهم بوقوع مشكلة طارئة في إسطبلات الماشية تتطلب وجود "لوكا" و"آيسو" فوراً.

​-تباً! حظنا العاثر!" تذمر "لوكا وهو يجمع معداته بسرعة، ثم نظر إلى "فالنتينا":

-فالنتينا، سأسبقكِ أنا وآيسو، ابقي هنا قليلاً وسنعود لنلحق بكِ قبل الغروب.

​رحلا، وتركاها وحيدة وسط سكون النهر. بعد أن طال انتظارها، لم تعد قادرة على مقاومة نداء الماء الصافي. خلعت ثيابها، ووضعتها بعناية فوق صخرة كبيرة ملساء، ثم انزلقت في مياه النهر الباردة، تاركةً كل همومها وتحديات "فاليريو" خلفها للحظات.

​استمتعت بالسباحة لبعض الوقت، كانت تشعر بالحرية المطلقة. لكن، وبينما كانت تهم بالخروج لتجفيف جسدها...تجمّد الدم في عروق "فالنتينا". التفتت بذعر. كان "فاليريو" يقف على بعد أمتارٍ قليلة، يده تستند إلى غصن شجرة.

-المياه باردة في هذا الوقت من السنة، لكن يبدو أنك لا تكترث.

جاء الصوت عميقاً، مألوفاً، يحمل نبرة استعلاء لا تخطئها أذن. "فالنتينا"غطست فوراً في عمق الماء، وقلبها يكاد ينفجر من شدة الخفقان. نظرت باتجاه الصخرة، وهناك، كان "فاليريو" يقف بهدوئه المريب، يده في جيب بنطاله، وعيناه -اللتان لا تغيب عنهما شاردة ولا واردة- مثبتتان على الصخرة حيث ترقد ملابسها.

.................

​

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شمس توسكانا العنيدة

المؤلف Shymaa Sami
2026/09/01 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة