ساد صمتٌ خانق في أرجاء الكوخ، لم يقطعه إلا صوت أنفاس "تيريزا" المتهدجة. التفتت الجدة نحوها، وأشارت بعينين حادتين إلى صندوقٍ خشبي صغير مغبرٍ في زاوية الغرفة، كان يقبع هناك كشاهدٍ صامت على سنين من الخداع والانتظار.
بصوتٍ يملؤه الوقار
-أحضري الأمانة يا تيريزا. حان الوقت لتعرف صاحبتها حقيقتها.
سارت "تيريزا" بخطواتٍ متعثرة، ويداها ترتجفان وهي تخرج الصندوق وتفتحه. أخرجت منه خاتماً فضياً عتيقاً، كان يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكن بريقه كان يحمل عبق التاريخ. وضعت "تيريزا" الخاتم في كف "فالنتينا" المرتجفة، ثم تراجعت للخلف، تغطي وجهها بيديها.
لمست "فالنتينا" الخاتم بذهول. كان المعدن بارداً، لكنه سرعان ما اكتسب حرارة جلدها. قلبت الخاتم بين أصابعها، وفجأة، وقعت عيناها على النقش المحفور بدقةٍ متناهية في باطنه:
"فالنتينا أليساندرُ آل روسيني".
تسمرت الحروف أمام عينيها، كأنها خناجر طعنت بها كل ما كانت تعتقد أنه حقيقتها. قرأت الاسم مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة.. في كل مرة كان المعنى يترسخ في عقلها ليحطم جدران حياتها البسيطة.
ارتسمت على وجه "فالنتينا" تعابير غريبة ومؤلمة مزيجٌ غريب من سخريةٍ مريرة من قدرها وحزنٍ عميق ينهش قلبها. التمعت عيناها بدموعٍ محبوسة لم تعد تقوى على منعها من الانهمار، وسحبت ضحكةٌ واهنةٌ ومتهكمة من صدرها، وكأنها تضحك على كل تلك السنوات التي قضتها وهي تظن نفسها "مزارعةً" لا أصل لها.
بصوتٍ يملؤه التهكم الممزوج بالانكسار
-أليساندرُ آل روسيني؟.. هل تقصدين أن والدي الذي قضى عمره في الحقول لم يكن والدي؟ وأنني كنتُ أعيش حياةً ليست لي، بينما كان دمي ينتمي لهذا الاسم الذي كنت ألعنه في كل ليلة؟
رفعت نظرها إلى الجدة، ودموعها تنزلق كخطوطٍ من نار على وجهها:
-أخبريني يا سيدتي، هل هذه سخرية القدر؟ أن أكون ابنة ذلك البيت، بينما كان حفيدك يطاردني كطريدةٍ في قصره؟
سكتت الجدة، بينما كانت "تيريزا" تندب حظها بصوتٍ مسموع، وكانت "فالنتينا" لا تزال تحدق في الخاتم، وكأنها تنتظر من الاسم المنقوش عليه أن يصرخ ليؤكد لها أنها ليست في كابوس. لقد تحولت "المزارعة" في لحظةٍ واحدة إلى أرستقراطيةٍ مطاردة، وأصبح "الخاتم" ليس مجرد قطعة فضية، بل قيداً أبدياً يربطها بماضٍ آل روسيني .
لم يكن الصمت في الغرفة مجرد غيابٍ للأصوات، بل كان ثقلاً يكاد يمزق الأنفاس. وقف "لوكا" عند باب الكوخ، يده لا تزال ممسكةً بمقبض الباب، وعيناه متسعتان بذهولٍ لم يسبق لها مثيل. لقد سمع كل شيء.. كل كلمةٍ نطقت بها الجدة، وكل حقيقةٍ هدمت عالم "فالنتينا" البسيط الذي شاركه إياها لسنوات.
انتفض جسدها، وارتجفت أصابعها. امتزجت على وجهها تعابيرٌ متناقضة سخريةٌ مريرة من واقعٍ بات يبدو كمسرحيةٍ هزلية، وحزنٌ أبويٌّ ينهش روحها وهي تدرك أن حياتها كانت "كذبةً محكمة". لمعت عيناها بدموعٍ ساخنة، وخرجت منها ضحكةٌ واهنة ومتهكمة تلاشت في زوايا الكوخ.
بصوتٍ متهدج، موجهة حديثها للجدة
- لا بد انكم تسخرون مني... مستحيل... لا.. لا أصدق
تنهدت الجدة بأسى، لكنها لم تجب. في تلك اللحظة، لم تعد "فالنتينا" تتحمل ثقل المكان، فالتفتت نحو "لوكا". كان يقف متصلباً، وجهه قد فقد لونه تماماً، وكأن العالم الذي يعرفه والفتاة التي كان يظن أنه يعرفها قد تبخرا أمام عينيه.
انهمرت الدموع من عيناها لتلهب وجنتبها
-لوكا؟! هل سمعت؟ أنا لستُ فالنتينا المزارعة.. أنا مجرد 'أمانةٍ'
تقدم "لوكا" خطوة واحدة ببطء، وكأنه يحاول استيعاب الصدمة. صوته خرج أجشاً، مليئاً بالألم وعدم التصديق:
-أمانة؟ فالنتينا.. نحن نتشارك خبزنا، ونحرث أرضنا معاً منذ سنوات. أخبريني أنكِ تمزحين.. أخبريني أن هذه السيدة العجوز تهذي!
لم تستطع "فالنتينا" الإجابة. نظرت إلى الخاتم، ثم إلى "تيريزا" التي كانت تنتحب في الزاوية، ثم عادت لتنظر إلى "لوكا". كانت نظراتها تعتذر عن كل شيء؛ عن سرها، عن نسبها، وعن الفجوة التي اتسعت فجأة بينهما.
سقط الخاتم من يدها ليصطدم بالأرض الخشبية، صوتاً معدنياً رنَّ في المكان كإعلانٍ عن نهاية زمن البراءة. انحنى "لوكا" ليلتقطه، لكنه لم يقدمه لها، بل ظل ينظر إليه بضياعٍ شديد، وكأنه ينظر إلى شيءٍ يحمل لعنةً أبدية.
في تلك اللحظة، فُتح باب الكوخ بعنف، ودخل "ماركو". لم يحتج إلى كلمات فبمجرد أن وقعت عيناه على الجدة بكرسيها المتحرك، وعلى "لوكا" الذي كان يقف كالصنم ممسكاً بالخاتم، وعلى وجه "فالنتينا" الذي غرق في بحرٍ من الألم، أدرك ماركو أن السر الكبير قد انكشف، وأن ما كان يخشاه طوال هذه السنوات قد حدث.
تنهدت "تيريزا" بعمق، وكانت على وشك أن تفتح فمها، ربما لتبرر، أو ربما لتعتذر عن صمتها الذي استمر أربعة وعشرين عاماً. لكن "فالنتينا" لم تعد تحتمل صوتاً واحداً آخر.
انطلقت صرخةٍ حادة وموجعة من حنجرتها هزت أركان المكان
-فلتصمتوا جميعاً! لا أريد سماع أحد.. لا أريد سماع كلمةٍ إضافية!
ساد ذهولٌ مطبق. توقف الجميع في أماكنهم؛ الجدة التي كانت تحاول إكمال حديثها، "تيريزا" التي تجمدت الكلمات في حلقها، و"ماركو" الذي تراجع للخلف بملامح يملؤها الصدمة والأسف.
دون أن تنتظر رداً، اندفعت "فالنتينا" كالإعصار نحو الخارج، والدموع تنهمر كشلالٍ يغسل وجهها، يحمل معه كل ذكريات حياتها الزائفة. لم تتوقف عند العتبة، بل ركضت نحو مربط "خوليو" بقلبٍ يحترق.
امتطت حصانها بسرعة البرق، وكأنها تريد الفرار من جلدها، من اسمها، ومن ماضيها الذي اقتحم حياتها دون استئذان.
ركض خلفها لوكا غريزياً
-فالنتينا! انتظري.. لا يمكنكِ الذهاب بهذا الشكل! دعينا نتحدث!
توقفت "فالنتينا" لثانية، لفت لجام "خوليو" بقوة، ونظرت خلفها بعيونٍ تملؤها نظرةٌ لم يعرفها "لوكا" من قبل؛ نظرةُ امرأةٍ فقدت كل شيء في لحظة. صرخت به بصوتٍ جرح صمت الحقول:
-لا يجرؤ أحدٌ على اللحاق بي! لا أريد رؤية أحد.. اتركوني وشأني!
لم تنتظر "لوكا" ليستوعب كلماتها، فقد انطلقت بـ "خوليو"، تاركةً خلفها الجميع في ذهولهم. بقوا جميعاً في ساحة الكوخ "ماركو" يراقب الأفق بقلق، "تيريزا" تبكي بصمت، و"لوكا" يقف في مكانه، الخاتم لا يزال في يده، يشعر بثقل العالم كله في كفه.
كان النهر هو الملاذ الوحيد الذي لم يخذلها يوماً بخريره الذي يبتلع الحكايات، وصفائه الذي يعكس سماءً لا تعرف الخيانة. ما إن وصلت، حتى تركت "خوليو" يرتع بحرية، وقفزت عن ظهره لتندفع نحو المياه. لم تخلع شيئاً، لم تتردد ارتمت في حضن النهر البارد، غاصت بكل ثقلها وكأنها تحاول غسل روحها من اسمٍ لم تختاره، ومن حقيقةٍ مزقت هويتها.
تحت الماء، كانت تحبس أنفاسها، تحاول محو أصواتهم، كلمات "الجدة"، ونظرات "لوكا" المصدومة، واسم "فالنتينا آل روسيني" الذي كان يتردد في أذنيها كطنينٍ لا يتوقف.
خرجت من النهر، لترتمي على العشب الرطب منهكة، جسدها يرتجف، وملابسها المبللة تلتصق بجلدها كقيدٍ حديدي. استلقت هناك لساعات، عيناها معلقتان بفسحة الفضاء الفسيحة فوقها، تراقب كيف تتحول السماء من زرقة النهار إلى حمرة الغروب، دون أن تتحرك. الصدمة كانت أعمق من قدرة جسدها على الاحتمال، ومع كل دقيقةٍ تمر، كانت الحرارة تتسلل إلى عظامها، تجتاح جسدها كحمىً لا ترحم.
بدأت الرؤية تغبش أمام عينيها، وانفاسها أصبحت ثقيلة ومتقطعة. حاول جسدها أن يقاوم، أن ينهض، لكن القوة خانتها. سقطت ذراعها على العشب، وغابت عن الوعي تماماً، بينما كانت الشمس تلملم خيوطها الأخيرة عن الأفق، تاركةً إياها وحيدة في مواجهة برودة الليل المتسللة.
أثناء ذلك ترجل "فاليريو" عن جواده بالقرب من ضفاف النهر. لم يكن يبحث عن مزارعة، بل كان يقتفي أثر "الضيفة الغامضة" التي لم تغادر خياله. وعندما وقع بصره عليها، متمددةً على العشب كأنها تمثالٌ من رخام، مبللةً وشاحبة، تجمد في مكانه.
اقترب بخطواتٍ بطيئة، حذرة، وكأنه يخشى أن تتبخر إذا لمسها. حين وصل إليها، وجد جسدها يرتعش من حمىً لاهبة، وعينيها مغلقتين تماماً. لم تكن في وعيها، كانت غائبة في عالمٍ بعيد، تهذي بكلماتٍ غير مفهومة، ربما كانت صدىً لما سمعته في الكوخ.
انحنى "فاليريو" وأحاطها بذراعيه، كانت باردة كأنها جزء من النهر، لكنها كانت تشتعل بالمرض. حملها بعنايةٍ مذهلة، وكأنها قطعةٌ من كريستالٍ نادرٍ قد ينكسر بين يديه. همس بكلماتٍ غير مفهومة في أذنها، كانت مزيجاً من الغضب المكتوم والقلق الذي لم يعترف به لنفسه يوماً.
تمتم بصوت أجشّ، وملامحه المتصلبة تليّن لبرهة
- أيتها الحمقاء.. هل تحاولين قتل نفسك...
بدأت تهذي، ويدها المرتعشة تشبثت برداءه، بينما كان هو يخطو نحو حصانه. لم تكن تشعر به، لم تكن تشعر ببرد الليل الذي بدأ يلف المكان، بل كانت عالقة في تلك اللحظة التي سقط فيها الخاتم على الأرض.
ركب "فاليريو" جواده، وضمها إلى صدره، وغطى جسدها المنهك بعباءته الثقيلة. انطلق بجواده، لا نحو المزرعة، ولا نحو الكوخ، بل نحو الوجهة الوحيدة التي كانت تتجنبها: قصره.
وسط ذلك الضباب القاتم، شعرت فجأة بظلالٍ تقترب. لم تكن تملك القدرة على فتح عينيها، ولا حتى على التشبث بالواقع. أحست بذراعين قويتين تحيطان بجسدها المنهك، ترفعانها عن الأرض الباردة. كان هناك صوتٌ خافت، عميق، يهمس بكلماتٍ غير مفهومة بالقرب من أذنها؛ كلماتٌ بدت وكأنها مزيجٌ من القلق والوعيد.
غاب كل شيء عن إدراكها، ولم تشعر سوى بدفءٍ مفاجئ وسط هذا الصقيع.
في زاوية مظلمة من مكتبة القصر، كانت الجدة تجلس أمام مدفأةٍ خامدة، تحدق في لوحةٍ زيتية قديمة، بينما كانت ذكرياتها تعود بها إلى أربعةٍ وعشرين عاماً مضت، حين كان القصر لا يزال يضج بالحياة قبل أن يلتهمه الحقد.
[فلاش باك]
كانت الجدة، واسمها "إيزابيلا"، أرملةً شابة تملك من الجمال ما يكفي لتفتن أقوى الرجال. شاء القدر أن تقع في غرام "فيتوريو آل روسيني"، رجلٌ من صلب العائلة النبيلة، كان يراها كزهرةٍ برية في حقولهم الممتدة. تزوجا في سريةٍ تامة، وأنجبت منه طفلاً أسمته "أليساندرُ".
في ذلك الوقت، كان لدى إيزابيلا ولدان من زواجها الأول: "ألبيرتو" الابن الأكبر الذي اتسم بطبعٍ حاد، وسيرينا"الابنة الصغرى.
منذ اللحظة التي دخل فيها "أليساندرُ" إلى حياة العائلة، تغير كل شيء. كان "فيتوريو" يرى في "أليساندرُ" امتداداً لمجده، فأغدق عليه المحبة والاهتمام، ووضعه في مكانةٍ جعلت "ألبيرتو" يشعر بأنه مجرد ظلٍ غريب في قصره.
مع كل عامٍ كان يمر، كان "ألبيرتو" ينمو والحقد ينهش قلبه كسرطانٍ خفي. كان يراقب والده وهو يمنح "أليساندرُ" كل ما يتمناه، بينما هو يُعامل ببرود. تحول الحقد إلى خطةٍ جهنمية؛ لم يكن يريد "أليساندرُ" بعيداً فحسب، بل كان يريد الإرث كله، يريد أن يرى اسم "آل روسيني" منحوتاً باسمه وحده.
كانت إيزابيلا تدرك ما يدور في عقل ابنها الأكبر، لكن ضعفها أمام جبروت "ألبيرتو" وشخصيته المتعسفة جعلها تقف عاجزة. كانت تراه يخطط، وتراه يتربص، لكنها لم تجد القوة لتقف في وجهه.
وفي المقابل، كان "أليساندرُ" ينمو ليصبح شاباً استثنائياً. لم تكن قوته في ماله، بل في روحه؛ كان متواضعاً، يتجول في قرية العمال، يساعد المزارعين في مواسم الحصاد، ويسمع لمشاكل الفقراء، حتى أصبح بطلهم الشعبي الذي يحبونه ويدينون له بالولاء.
وزاد اشتعال النيران في قلب "ألبيرتو" حين وقع "أليساندرُ" في حب "إيلينا"، فتاةٌ من عامة الشعب، كانت تعمل في بساتين العائلة. لم تكن "إيلينا" مجرد عشيقة، بل كانت تمثل كل ما يكرهه "ألبيرتو" في أخيه؛ بساطتها، نقاؤها، وحب الناس لها.
كان "ألبيرتو" يقف عند النافذة، يراقب "أليساندرُ" وهو يضحك مع "إيلينا" تحت شجرة الزيتون، ويشدد قبضته على حافة النافذة حتى جرحت يده، هامساً لنفسه:
-استمتع بوقتك يا أخي الصغير.. فأنا لا أخطط فقط لطردك من القصر، بل أخطط لمسح وجودك من ذاكرة آل روسيني للأبد.
[نهاية الفلاش باك]
تنهدت الجدة "إيزابيلا" في الحاضر، وأغمضت عينيها، بينما كانت دمعة وحيدة تشق طريقها على وجهها العجوز. لقد كان حقد "ألبيرتو" هو الذي أدى إلى تلك الليلة المشؤومة، الليلة التي ضحت فيها هي بـ أمانته الصغيرة"فالنتينا"لتنقذها من بطش الابن الذي تحول إلى وحش.
...........
Shymaa Sami