خمسة أيامٍ من الهذيان والحرارة استنزفت قواها حتى باتت جسداً بلا روح. الطبيب، بملامحه العاجزة، أطبق كفيه على حقيبته بعد أن أعلن استسلامه.
- صدمةٌ عصبيةٌ حادة، لا دواءَ يداويها سوى رغبةٍ في الحياة.
ببطء فتحت "فالنتينا" عيناها بوهن واخذت تجول ببصرها بحثا عن اجابة. كانت الغرفة غارقةً في سكونٍ مُريب، و"تيريزا" غارقةٌ في نومٍ مضطربٍ على الكرسي بجانب السرير، ملامحها تشي بسنين من القلق. تسللت خيوط الغضب إلى قلب "فالنتينا" كسمٍّ يوقظ الأعصاب فهذا القصر، بذهبه ورخامه، ليس سوى زنزانةٍ فاخرة ترفضها.
زحفت من الفراش، توازنُ خطواتها المرتجفة على الأرضية الباردة، تاركةً "تيريزا" في سباتها. انزلقت إلى الرواق، تتنفس هواءً ثقيلاً برائحة الشمع . فجأة، تعالت ضحكاتٌ غريبة، رنانة، تخرق جدار الصمت وتستفز وجعها. سحبتها قدماها بلا إرادة نحو مصدر الصوت، حيث بابٌ خشبي ضخم موارب.
دفعته، فكشفت عن صالة الطعام، ثرياتٌ تتلألأ فوق مائدةٍ عامرة، وعائلة "آل روسيني" بحلتهم المصطنعة يلتفون حول الطعام. توقفت في العتبة، وجسدها يميل تحت وطأة الدوار، شاحبة كطيفٍ عائدٍ من القبور.
ساد صمتٌ مطبق، وارتدت الملاعق إلى الصحون بقرعٍ مسموع.
-أنتِ!.. همسٌ حاد انطلق من "فاليريو" وهو ينهض بكرسيه، نظراته تتأرجح بين الذهول والحدة.
ردت "فالنتينا" بصوتٍ مبحوح، يقطر سخريةً رغم التعب:
-يبدو أنني أفسدتُ حفلتكم السعيدة.. أعتذر، لم أكن أعلم أن القصور تُرحب بـ 'المتطفلات' بهذا الترحيب.
تحركت "تيريزا" فجأة في الرواق، تلهث وقد استيقظت على غياب "فالنتينا"، لتتجمد في مكانها عند رؤية المشهد، ودمدمت بصوتٍ مرتجف:
-يا إلهي.. فالنتينا، عودي معي!
تجاهلتها تماماً، وثبتت بصرها على "فاليريو"، متمتمةً بتحدٍ وهي تتشبث بإطار الباب لتصمد:
- لا تقلقي يا تيريزا، فلستُ هنا لأبقى. أردتُ فقط أن أرى الوجوه التي تقتات على الدم وتسميه.. عشاء.
شهقت امرأةٌ تجلس بجانبه، ويدها تمتد لتغطي فمها، بينما قذف "فاليريو" منديله على الطاولة، وتحرك نحوها بخطواتٍ واسعةٍ واثقة، وعيناه تشتعلان بغموضٍ لا يُقرأ.
همس وهو يقف على مسافةٍ قريبة جداً منها، بحيث شعرت بحرارة أنفاسه:
- لا يزال لسانكِ حاداً يا مزارعة.. حتى وأنتِ على حافة السقوط.
ردت عليه، ويدها ترتجف فوق قلبها الذي يكاد يتوقف:
- السقوط في أرضِ الواقع.. أهونُ من التحليق في أكاذيبكم.
ساد ترقبٌ ثقيل، والأنظار كلها شاخصة نحوها، بانتظارِ حركةٍ واحدة، أو كلمةٍ قد تشعل النار في الصالة برمتها.
لم يكد التوتر يبلغ ذروته بين "فاليريو" و"فالنتينا"، حتى انقطع حبل الصمت بصوتٍ رخيم ومستفز، جاء من طرف الطاولة؛ حيث جلست الجدة إيزابيلا، تمسح شفتيها بمنديلها المطرز ببطءٍ مرعب.
-تستحقُّ ضيفتنا مقعداً.. اجلسي يا ابنتي، لا يليق بـ 'آل روسيني' أن يتناولوا طعامهم بينما يقف ضيفهم مترنحاً.
ارتجف جسد "فالنتينا" من شدة الغضب، واستجمعت ما تبقى من صمودها لتثبت قدميها على الأرض. لم تكن تشعر بجوع، بل بنارٍ تتأجج في صدرها، نارٌ أحرقت كل حدود الحذر.
أطلقت ضحكةً مريرة، تردد صداها في أرجاء الصالة الفارهة، ورمقتهم بنظراتٍ تحمل كراهيةً عميقة، بينما دمدمت بكلماتٍ كأنها نذرٌ أزلي:
- هل تظنون أن مقعداً ووجبةً فاخرة سيغسلان عاركم؟ طوال أربع وعشرين سنة، كنتُ أقتاتُ على الفتات في ركنٍ منبوذ من هذا العالم.. بينما كنتم أنتم، أنتم الذين تنهشون ثراء والدي وتتراقصون فوق ذكرياته التي حرمتموني حتى من مجرد استنشاق رائحتها.
توقفت للحظة، أنفاسها تتسارع، ثم انحنت قليلاً نحو الطاولة، وهمست بنبرةٍ تقطر وعيداً، عيونها تشتعل بتحدٍ جبار:
- تباً لكم جميعاً.. تباً لكل واحدٍ منكم يا آل روسيني. لقد ظننتم أنكم دفنتم الماضي في حقولكم، لكنني هنا لأعلن لكم بداية النهاية. لن أكون تلك الفتاة المكسورة التي وجدتموها؛ سأجعل أيامكم هذه.. مجرد فتاتٍ متناثر تحت قدمي.
ضجت الصالة بصوت ارتطام أوانٍ فضية بالطاولة، حين انتصبت "بياتريس" -والدة فاليريو- واقفة، وجهها يضطرب بحمرة الغضب، وأشارت بيدها نحو الباب، مزمجرةً بصوتٍ يملؤه الاحتقار:
-أخرجوا هذه المتطفلة من قصري! لا أتحمل رؤية هذه النكرة تتنفس هواء عائلتي لحظةً أخرى!
توقفت "فالنتينا" في مكانها، أنفاسها تتقطع، والوهن ينهش عظامها، لكن نظراتها كانت تشتعل بتحدٍ جبار. وفجأة، قطعت الجدة "إيزابيلا" هذا الضجيج، بدفع عجلات كرسيها بقوة حتى وصلت إلى جانب "فالنتينا"، ثم رفعت صوتها ليتردد صداه في زوايا الصالة كصوت الرعد:
-لا يوجد متطفل هنا سوى أنتم! فالنتينا ليست غريبة، بل هي حفيدة 'آل روسيني' الوحيدة التي تملك الحق في هذا القصر أكثر من أي شخصٍ جالسٍ حول هذه المائدة!
ساد صمتٌ مريب، كأن الوقت قد توقف. نظر "فاليريو" إلى جدته بذهول، بينما اتسعت عينا "بياتريس" غير مصدقة.
تابعت الجدة بصوتٍ جهوري لم يعهده أحد فيها، وعيناها تلمعان ببريق الانتصار والندم في آن واحد:
-نعم.. اسمعوها جيداً! فالنتينا هي ابنة أليساندرُ! تلك الفتاة التي أخفيتها طوال تلك السنوات، لا حمايةً لها فحسب، بل خوفاً من طمعكم وجشعكم الذي لم يعرف حدوداً.. خوفاً من أن تُقتل على أيديكم كما قتلتم والدها!
هوت الملاعق من أيدي البعض، وتجمد فاليريو في مكانه
همست "بياتريس" بإنكارٍ مرعوب:
-هذا جنون.. لا يمكن أن تكون هي..
ردت "فالنتينا"، التي كانت تستند إلى الجدار لتسند جسدها المنهك، بنبرةٍ باردة كالجمر تحت الرماد:
-لم يكن جنوناً.. كانت الحقيقة التي حاولتم طمسها تحت ركام القسوة. والآن.. انظروا إلى وجهي جيداً، فأنتم لا تنظرون إلى مزارعة، أنتم تنظرون إلى الوريثة التي جئتم لتسلبوها حقها.
رمق "فاليريو" "فالنتينا" بنظرةٍ غامضة، تداخلت فيها الصدمة مع شيءٍ آخر لا يُفسر، بينما تحول الصمت في الصالة إلى ساحة معركة حقيقية، حيث بدأت الأقنعة تتساقط عن الوجوه واحداً تلو الآخر.
تحرك "فاليريو" نحو جدته بخطوات بطيئة ومتثاقلة، وكأن الأرض تحت قدميه قد تحولت إلى رماد. لا تزال تعابير الصدمة تكسو ملامحه الحادة، وعيناه معلقتان بـ "فالنتينا" التي كانت تقاوم الدوار، وكأن الزمن قد انشطر نصفين بين ماضٍ كان يعتقد أنه انتهى، وحاضرٍ يبتلع أنفاسه.
همس "فاليريو" بصوت أجش، يخترقه ذهول مرير:
-ولكنكِ قلتِ إنها ماتت فور ولادتها يا جدتي.. هذا مستحيل. لم أنسَ تلك الليلة أبداً، ولا صراخ ذلك الحزن الذي مزق القصر.
وافقت الجدة فوراً، ولم تهتز شعرة في وجهها، بل قابلت نظرته المصدومة بنظرة أشد صلابة:
-هذا صحيح.. قلتُ ذلك لأنني كنتُ مرعوبةً من بطشكم! ابني أليساندرُ، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، أوصاني بحماية ابنته الوحيدة من جشعكم.. ولم أكن أملك سوى تلك الكذبة طريقةً لإنقاذ روحٍ صغيرة من بين مخالبكم.
تقدم "ألبيرتو" من طارف الطاولة، وعروق رقبته تكاد تنفجر من الغضب، ودمدم بنبرة مسموعة يملؤها التهديد:
-ولكن يا أمي، لا يمكنكِ...
قاطعته الجدة بنبرة عالية، حادة، ومليئة بالتهكم الذي قطع الهواء كالنصل:
-هذا يكفي يا ألبيرتو! اخرس.. فالنتينا حفيدتي، ومن الآن وصاعداً ستمكث هنا في قصرها، بين أهلها وإن كرهتم. لا أريد أي اعتراض، ولا حتى همسة استنكار.. وإياكم أن يمسها سوء، وإلا.. أقسم بدم أليساندرُ، سيكون مصير كل من تجرأ على عصياني هو الطرد من عائلة 'آل روسيني' مجرداً من اسمه، ومُلقى به في العراء!
ساد صمت مميت في الصالة، صمت يكاد يسمع فيه طنين الأرواح وهي ترتجف. التفتت "فالنتينا" لتلتقي نظراتها بنظرات "فاليريو". كانت في عينيه عاصفة هوجاء من الأسئلة، والشكوك، وربما.. الخوف الذي لم يعترف به قط.
رفعت "فالنتينا" ذقنها بضعف ظاهر لكنه محمل بتحدٍ لا يكسر، ورمقته بنظرة أخيرة قبل أن تفقد قواها تماماً وتتهاوى على الأرض، لتستقر بين ظلال القصر الذي أصبح فجأةً بيتها.
ثلاثة أيامٍ تحت سقف القصر كانت كافيةً لتختنق روحها بعبق البخور والرخام البارد. ما إن استردت بعضاً من عافيتها، حتى فرت من ذلك الجحيم الفاخر، هاربةً بروحها نحو المكان الوحيد الذي لا يزال ينبض بالحياة الحقيقية.
حين وطأت قدماها تربة المزرعة، كأن الأرض نفسها تنفست الصعداء. ولم يكد "لوكا" يلمح طيفها القادم من بعيد، حتى ألقى بما في يده وركض نحوها كمن يعود من موت محتم. وفي تلك اللحظة، شق صهيل "خوليو" سكون المكان انطلق الحصان كالسهم من مربطه، ليتوقف أمامها ويطوقها برقبته، دافناً رأسه في كتفها بشوقٍ جارف، بينما أخذت "فالنتينا" تمسد على رأسه بيديْن ترتجفان، وحبس الدموع في عينيها يكاد يفجر صدرها.
اقترب "لوكا"، ووجهه شاحب يحمل أثقال ليالٍ من الأرق والذعر، وهمس بصوتٍ منكسر يكاد يبتلعه الهواء:
-حمداً لله على سلامتك يا فالنتينا.. كدتُ أموت خوفاً من ألاّ أراكِ تتوسطين هذه الحقول مجدداً.
التفتت إليه ببطء، وابتسامةٌ مرهقة ترتسم على شفتيها، وردت بصوتٍ هادئ:
-لوكا.. كيف حالك أنت بعد كل ما حدث؟
أشاح بوجهه عنها لثانية، وظهرت على ملامحه مسحة من الحزن لم يستطع إخفاءها، ثم دمدم بنبرة حزينة:
-أي حالٍ لي وأنتِ هناك؟.. ظننتُ حقاً أنكِ نسيتِ أمري، وتواريتِ خلف أسوار قصركِ الجديد وألقاب 'آل روسيني' التي سلبَتْكِ منا.
عقدت حاجبيها بضيق، ووبخته بلطفٍ وهي تقترب منه لتشد على كتفه بخشونة الأيام التي شاركوها معاً:
-أيها الأحمق.. أتظن حقاً أنني سأصبح تلك الدمية التي ترتدي الفساتين وتجلس على العروش؟ اسمعها مني جيداً فالنتينا ستبقى تلك المزارعة التي تعرفها، ولن يغير عرشهم ولا لقبهم قطرة دمٍ واحدة تجري في عروقي.
سرعان ما غيّرت مسار الحديث بابتسامةٍ خطفت ثقل الحزن من عينيها، مفعمة بالمرح والحنين:
-أخبرني، كيف هي أحوال المزرعة؟ وكيف حال صغاري؟
أشرق وجه "لوكا" بابتسامة واسعة، وأجاب براحة:
-إنهم بأفضل حال.. تعالي معي لتلقي نظرة بنفسك.
قبل أن تخطو خطوة واحدة، استدارت نحو "خوليو"، وطوقت رقبته بذراعيها، وطبعت قبلة دافئة على رأسه ، وهمست بصوت يقطر شوقاً:
-لقد اشتقت لك كثيراً يا رفيقي.. لم أكن أطيق الابتعاد عنك.
وما إن تجاوزت باب الحضيرة الخشبي، حتى رأت "ماركو" منشغلاً بسكب العلف للحيوانات، . قضت ساعاتٍ طويلة بين أروقة الحظيرة كانت متربعة على القش، تحتضن بين يديها غنمةً صغيرةً ولدت حديثاً، تمسح على صوفها بحنان غامر، وكأنها تعيد ترتيب روحها المبعثرة.
لكن هذا السكون لم يدم طويلاً.
اخترق الصمت صوتُ حوافر خيلٍ تقترب بجنون، وتوقف بغتةً أمام المزرعة. صرخ "فاليريو" باستهجان وغضب عارم، وهو يترجل بعنف:
-أنتِ هنا؟! والقصر بأسره ينقلب رأساً على عقب بحثاً عنكِ وكأن الأرض انشقت وأبتلعتكِ!
رفعت رأسها ببطء شديد، ورمقته بنظرة سخرية لاذعة وهي تداعب الغنمة:
-حقاً؟ هل تحولتَ فجأة إلى حارسي الشخصي يا ابن العم؟
نزل "فاليريو" عن جواده بخطوات واسعة ومرعبة، وتوقف أمامها بملامح مشتعلة بالغيظ:
-هذا ليس وقت مزاحكِ الأبله! الجدة أقامت الدنيا ولم تقعدها، وتكاد تفرمنا جميعاً بصراخها وكأننا من اختطفكِ!
وقفت "فالنتينا" برشاقة مباغتة، وتخلت عن الغنمة، واقتربت منه ببطءٍ متعمد، زارعةً على شفتيها ابتسامةً مستفزة حتى أصبحت قريبة جداً منه:
-يا للروعة.. أنا سعيدة حقاً لأنها وبختكم بسببي. يستحق 'آل روسيني' بعض الاضطراب.
لم تتحمل أعصاب "فاليريو" تلك النبرة المتمردة في ومضة غضب خاطفة، انقض وأمسك بذراعها بقسوةٍ ، وهمس بصوت يشبه فحيح الأفعى:
-إياكِ والتلاعب معي مجدداً.. أقسم أنني سأجعلكِ تندمين على كل حرف نطقته.
لكن "فالنتينا" لم ترمش حتى، بل رفعت ذقنها بتحدٍ أعمى، وقالت بثبات يفتك بالأعصاب:
-تهديداتك لا تخيفني ابداً
وفي تلك اللحظة بالضبط، كأن بركاناً انفجر في المكان انتفض "لوكا" من زاوية الحضيرة كالليث الهائج، واندفع كالريح ليقذف بيدي "فاليريو" عن ذراعها، صارخاً بوجهه بعصبية جارفة اهتزت لها جدران المكان:
-إياك ولْمْسَها مرة أخرى.. أقسم برب السماء، لو تجرأت على إيذائها، لأكسرنَّ لك تلك اليد!
......
Shymaa Sami