ضيفٌ غيرُ متوقَّع

ضيفٌ غيرُ متوقَّع

6 0

ساد صمتٌ ثقيل داخل قاعة الاستقبال.

توقفت أنفاس نورين للحظة، بينما بقي الاسم يتردد داخل رأسها.

فيكتور...

لم يلحظ أحد اضطرابها، سوى ذلك الرجل الواقف أمامها.

رفع فيكتور بصره إليها بهدوء.

لم يبدُ عليه الاستغراب، ولم تظهر على وجهه أي علامة انزعاج.

بل اكتفى بالنظر إليها نظرةً طويلة، صامتة...

وكأنه يحاول أن يقرأ سرًا خفيًا خلف تلك العينين الزرقاوين.

ثم انحنى انحناءةً خفيفة، تليق بولي عهدٍ اعتاد أن تُفتح له الأبواب قبل أن يطرقها.

وقال بصوتٍ هادئ، عميق:

"يسرني أن أراكِ بخير، ليدي إيزابيلا."

كان صوته منخفضًا...

لكن حضوره وحده كان كافيًا ليملأ القاعة.

ابتلعت نورين ريقها بصعوبة.

لم تستطع أن تجيبه.

كانت تنظر إليه كما لو أن كابوسًا قرأته يومًا... أصبح حقيقة.

ابتسمت الكونتيسة ابتسامةً خفيفة، وهي تلاحظ ارتباك حفيدتها.

ثم قالت معتذرة:

"أرجو أن تعذرها يا صاحب السمو."

تنهدت بخفة، ثم أردفت:

"يبدو أن آثار الحادث لم تغادرها بعد."

حوّل فيكتور نظره إلى الكونتيسة.

ثم قال بهدوءٍ لا يخلو من اللطف:

"لا داعي للاعتذار."

عاد ببصره إلى نورين.

"بل كنت سأشعر بالقلق... لو بدت بخيرٍ تمامًا بعد إصابةٍ كهذه."

...

شعرت نورين بشيءٍ من الارتياح.

لقد وجد تفسيرًا لارتباكها...قبل أن تضطر هي لاختلاق واحد.

أخذت نفسًا هادئًا.

ثم انحنت انحناءةً بسيطة، كما رأت النبلاء يفعلون طوال الأسبوع الماضي.

وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا:

"شكرًا لاهتمامك، صاحب السمو."

ساد صمتٌ قصير.

ثم ارتفع حاجب فيكتور الأيسر ارتفاعًا طفيفًا.

كان تغييرًا صغيرًا...لكن عينَي نورين التقطتاه فورًا.

قال بعد لحظة:

"يبدو أن الحادث... لم يؤثر في ذاكرتك وحدها."

تجمدت للحظة.

هل... اكتشف شيئًا؟

لكن ملامحه بقيت هادئة كما هي.

وأكمل بنبرةٍ يصعب تفسيرها:

"بل غيّر أسلوب حديثك أيضًا."

تسارعت نبضات قلبها.

في الرواية...كانت إيزابيلا تتحدث معه بعفويةٍ وثقة.

أما هي...فكانت تزن كل كلمة قبل أن تنطق بها.

وقبل أن تضطر إلى الرد...

ابتسمت الكونتيسة قائلةً:

"التجارب القاسية تغيّر الإنسان يا صاحب السمو."

أطرق فيكتور برأسه إقرارًا.

"هذا صحيح."

لكن نظرته...لم تغادر وجه نورين.

وكأنه لم يقتنع تمامًا بما سمعه.

أما نورين...فأدركت شيئًا مهمًا.

هذا الرجل...لم يكن مجرد شخصيةٍ داخل رواية.

بل أصبح واقعًا لا يمكنها تجاهله.

أخفضت نورين بصرها للحظة، ثم أجابت بهدوءٍ حاولت أن تصطنعه:

"لعل الحادث... جعلني أكثر حرصًا في اختيار كلماتي."

ارتسمت على شفتي فيكتور ابتسامةٌ خفيفة، بالكاد ظهرت.

"قد يكون ذلك."

لكنه لم يزد.

وللمرة الأولى...تمنت نورين لو استطاعت أن تقرأ ما وراء ذلك الهدوء.

أي شيء...إلا هذا الهدوء الذي عجزت عن قراءة ما يخفيه.

وقبل أن يخيّم الصمت من جديد...انفتح باب قاعة الاستقبال بهدوء.

التفتت الأنظار نحو الداخل.

ودخل الدوق بخطواتٍ ثابتة، وقد بدا أنه عاد للتو من اجتماعٍ أو شأنٍ رسمي.

وما إن وقعت عيناه على ولي العهد حتى انحنى باحترام.

"صاحب السمو... يشرفنا حضوركم."

ثم اعتدل، وأضاف بابتسامةٍ هادئة:

"لكننا لم نتوقع زيارتكم في هذا الوقت."

حوّل فيكتور نظره إليه، ثم قال بنبرةٍ هادئة:

"مررت للاطمئنان على الليدي إيزابيلا بعد سماعي بالحادث."

ثم أضاف بعد لحظة:

"ويبدو أنني وصلت في الوقت المناسب."

ابتسم الدوق ابتسامةً مجاملة.

"كرمٌ لا يُستغرب من ولي العهد."

أما نورين...فشعرت بانقباضٍ خفيف في صدرها.

في الرواية...لم يأتِ فيكتور بنفسه للاطمئنان على إيزابيلا.

تجمدت أفكارها.

«إذن... هل بدأت الأحداث تختلف؟»

كان هذا السؤال وحده كافيًا ليزرع القلق في قلبها.

إن كانت الأحداث قد تغيرت...

فهل ما زالت تعرف المستقبل حقًا؟

وفي تلك اللحظة...التقت عيناها بعيني فيكتور مرةً أخرى.

ولم يبتسم هذه المرة.

بل ظل يحدق فيها بصمتٍ قصير...

ثم قال:

"أتمنى أن تستعيدي عافيتك سريعًا، ليدي إيزابيلا."

كانت كلماتٍ عادية.

لكن شيئًا في نبرته...جعل نورين تشعر وكأنه قال أكثر مما نطق.

وللمرة الأولى منذ دخولها هذا العالم...راودها إحساسٌ غريب.

ربما...لم تكن هي الوحيدة التي تخفي سرًا.

ساد بعد ذلك حديثٌ قصير، تبادلا فيه أخبار المملكة، وأحوال الحدود، وبعض شؤون النبلاء. وكانت الكونتيسة تتابع الحوار بصمت، بينما وقفت نورين على مقربةٍ منهم، تكتفي بالإنصات.

وخلال الحديث...لم تشعر بنظرات فيكتور، لكنها كانت تستقر عليها بين الحين والآخر.

كان يتحدث مع الدوق...لكن جزءًا من انتباهه ظل معلقًا بها.

إيزابيلا التي يعرفها...كانت تقاطع الحديث أحيانًا،وتشارك برأيها، أو تحاول أن تسترعي انتباهه بابتسامةٍ عابرة.

أما اليوم...فكانت هادئةً على نحوٍ غريب.

صامتة...كأنها تخشى أن تنطق بكلمة.

ولم يكن فيكتور ممن تمر عليهم التفاصيل الصغيرة دون أن يلتفتوا إليها.

ولما انتهى الحديث، ابتسمت الكونتيسة ابتسامةً رقيقة، ثم قالت وهي تنظر إلى حفيدتها:

"إيزابيلا..."

رفعت نورين رأسها إليها.

"ما رأيكِ في أن ترافقِي صاحب السمو في جولةٍ قصيرة داخل الحديقة؟"

ثم التفتت إلى فيكتور وأضافت بلطف:

"لقد تفتحت أزهارها هذا الأسبوع، كما أن الطبيب أوصى بأن تتمشى قليلًا كلما سمحت حالتها بذلك."

ساد صمتٌ قصير.

ثم قال فيكتور، وقد اتجه ببصره إلى نورين:

"إن لم يكن في ذلك مشقةٌ عليكِ، ليدي إيزابيلا."

شعرت نورين بأن جميع الأنظار قد استقرت عليها.

لم يكن أمامها مجالٌ للاعتذار...ولا للهروب.

فانحنت برأسها انحناءةً خفيفة، وقالت بهدوء:

"يشرفني ذلك، صاحب السمو."

ارتسمت على شفتي فيكتور ابتسامةٌ خافتة، بالكاد لُوحظت.

ثم مد يده في هدوء، مشيرًا إلى الباب.

"بعدكِ."

استجمعت نورين شتات نفسها، وأخذت نفسًا عميقًا... ثم سارت إلى جواره بخطواتٍ هادئة، بينما كان قلبها يخفق بعنف بين ضلوعها.

وفي داخلها...كانت تعرف ما كُتب في الرواية... لكنها لم تعد تثق بأن القدر سيلتزم بما كُتب.

غادرا قاعة الاستقبال في هدوء.

وسار الخادمان خلفهما بصمت، حتى اجتازوا الرواق المؤدي إلى الحديقة. وما إن وصلا إلى الممر الحجري الممتد بين الأشجار، حتى انحنى الخادمان باحترام، وتراجعا إلى الخلف، تاركين ولي العهد والليدي إيزابيلا وحدهما.

انسابت نسمات الربيع بين الأشجار، تحمل عبير الأزهار المتفتحة، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل بين الأغصان، فترسم بقعًا ذهبية فوق الممرات الحجرية.

أما نورين...فكانت تسير بخطواتٍ هادئة، وعيناها معلقتان بالطريق أمامها.

لم تجرؤ على الالتفات إليه.

ولم تكن تعرف...

أهو خوفٌ منه؟

أم خوفٌ مما تعرفه عنه؟

ساد بينهما صمتٌ قصير.

ثم قطعه فيكتور بصوته الهادئ:

"أشعر أنكِ تتجنبين النظر إليّ، ليدي إيزابيلا."

تصلبت خطواتها للحظة.

ثم تماسكت سريعًا، وقالت وهي تُبقي بصرها أمامها:

"أعتذر، صاحب السمو... ما زلت أتعافى، ولم أستعد كامل عافيتي بعد."

نظر إليها طويلًا.

ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة.

"أتمنى أن يكون الأمر كذلك."

لم تستطع أن تحدد...

أكانت كلماته تعبيرًا عن قلقٍ صادق؟

أم أنها تحمل معنىً آخر؟

تابعا السير.

وبعد لحظات، قال فيكتور فجأة:

"إذن..."

"هل ما زلتِ تذكرين ما وعدتِني به في حفل الشتاء؟"

شعرت نورين بأن قلبها هوى إلى قدميها.

حفل الشتاء...؟

أيُّ حفل؟

لم يرد في الرواية شيءٌ عن ذلك.

أهو يختبر ذاكرتها؟

أم أنه مجرد سؤالٍ عابر؟

رفعت رأسها إليه للمرة الأولى.

ثم قالت بهدوءٍ حذر:

"أخشى أن الطبيب كان محقًا..."

"لا تزال ذاكرتي مشوشة في بعض الأمور."

ظل ينظر إليها بصمت.

دون أن يعلّق.

ثم أطرق برأسه إقرارًا.

"إذن... أتمنى أن تعود إليكِ ذكرياتكِ قريبًا."

تنفست نورين في سرها براحة.

لقد نجت...ولو مؤقتًا.

لكنها لم تنتبه إلى أن عينيه...كانتا لا تزالان تراقبانها في هدوء.

وبعد خطواتٍ قليلة، قال:

"لقد تغيّرتِ كثيرًا."

التفتت إليه باستغراب.

"أهو تغيرٌ سيئ؟"

هز رأسه ببطء.

"ليس سيئًا..."

ثم سكت لحظةً قبل أن يضيف:

"لكنه مختلف."

عادت بنظرها إلى الطريق.

أما في داخلها...فكانت تتمتم:

"بالطبع أنا مختلفة..."

"لأن إيزابيلا التي عرفتها... لم تعد موجودة. أو ربما... أنا من لم أعد موجودة."

واصل الاثنان السير بين الأشجار.

حتى توقفت عينَا فيكتور عند شجيرةٍ تتفتح عليها وردةٌ بيضاء نادرة.

اقترب منها.

وتناولها بحذر، ثم قطعها برفق.

استدار نحو نورين.

ومد يده بالوردة إليها.

"ما زلتِ تفضلين الورود البيضاء... أليس كذلك؟"

تجمدت أناملها للحظة.

حدقت إلى الوردة البيضاء... ثم رفعت بصرها إليه.

كانت ابتسامته هادئة... ونظرته ثابتة... حتى طريقته في تقديم الوردة بدت طبيعيةً إلى حدٍّ يبعث على الاطمئنان.

لكنها... لم تستطع أن تطمئن.

مدت يدها ببطء. وأخذت الوردة.

ثم قالت بأدب:

"شكرًا لك، صاحب السمو."

ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خافتة.

أما هي... فظلت تحدق في الوردة بين يديها.

ثم همست في أعماقها:

«قد تبدو كل الأشياء بريئة...»

«لكنني لن أنسى حذري.»

كانت لا تزال تحدق في الوردة بين يديها، شاردةً فيما تعرفه عنه...

ولم تنتبه إلى أن الممر الحجري أمامها ينحدر قليلًا.

انزلقت قدمها فوق حصاةٍ صغيرة.

شهقت بخفوت.

وقبل أن تميل بجسدها...

امتدت يدٌ قوية، وأمسكت بمعصمها في اللحظة الأخيرة.

تجمدت.

رفعت رأسها ببطء.

كان فيكتور يقف أمامها على مسافةٍ أقرب مما توقعت.

لم يكن في ملامحه اضطراب...ولا استعجال.

بل ذلك الهدوء ذاته.

قال بصوتٍ منخفض:

"يبدو أن الطبيب كان محقًا."

"لا ينبغي لكِ أن ترهقي نفسك."

نظرت إلى يده الممسكة بمعصمها.

كانت دافئة...وثابتة.

لم تشعر فيها بأي تردد.

رفعت عينيها إليه للحظة...

ثم سحبت يدها برفق.

وقالت وهي تخفض بصرها:

"شكرًا لك، صاحب السمو."

لم يجبها على الفور. ظل ينظر إليها بصمت، وعيناه تستقران على ملامحها وكأنهما تبحثان عن شيءٍ فقده.

ثم قال بهدوء:

"غريب..."

رفعت نورين رأسها إليه في حيرة.

فأكمل، دون أن يحيد بنظره عنها:

"كنتِ فيما مضى لا تسحبين يدكِ بهذه السرعة."

انقبض قلبها.

لم تجد ما تقوله.

فاكتفت بخفض بصرها، وهمست:

"الناس... تتغير يا صاحب السمو."

ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة.

"نعم..."

ثم أضاف، وهو يثبت نظره عليها:

"أحيانًا... يغيّر الحادث أشياءً كثيرة."

ساد صمتٌ قصير.

ثم أردف بابتسامةٍ باهتة:

"وأحيانًا... يكشف أشياءً كانت مخفية منذ البداية."

ثم صرف نظره عنها، وكأنه لم يقل شيئًا يستحق التفكير.

امتدّ بينهما صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى حفيف الأوراق وهي تعبث بها نسمات المساء.

وشعرت نورين بأن الكلمات لم تكن عابرة.

وكأنه... لم يكن يتحدث عن إيزابيلا.

بل عنها هي.

رفع فيكتور يده تحيةً خفيفة، ثم قال:

"أرجو أن أراكِ قريبًا، ليدي إيزابيلا."

واستدار مغادرًا.

بقيت نورين واقفةً مكانها، تتابع ابتعاده حتى اختفى بين الأشجار.

عندها فقط...أطلقت الزفير الذي كانت تحبسه منذ بداية اللقاء.

وأخفضت بصرها إلى الوردة البيضاء بين يديها.

بقيت تحدق بها طويلًا...ثم أغلقت أصابعها عليها ببطء.

وفي تلك اللحظة... أدركت نورين أن أكثر ما أخافها لم يكن ولي العهد...بل أنها...

شعرت للمرة الأولى أن فيكتور لم يكن يراقب إيزابيلا... بل كان يفتش عن شخصٍ آخر خلف عينيها.

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما وراء القناع

المؤلف Ñorãn Fãwžy
2026/07/16 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة