بين الصفحات

بين الصفحات

10 0

ظلّت نورين تحدق في الغلاف بصمت، وكأن عقلها يرفض تصديق ما رأته قبل لحظات.

كانت الحروف واضحة أمامها...

العربية.

مررت أصابعها برفق فوق الغلاف، ثم قلبته ذات اليمين وذات الشمال، تبحث عن أي تفسير منطقي لما حدث.

"أنا... أكيد بتخيل."

أغلقت الرواية، ثم فتحتها من جديد.

ما زالت الكلمات كما هي.

تنهدت ببطء، وأخذت تنظر حولها.

لم يكن على الشاطئ أحد.

الأمواج تواصل عناق الرمال في هدوء، والنسيم البارد يمر بين خصلات شعرها، وكأن العالم كله لم يشهد تلك المعجزة الصغيرة التي حدثت أمام عينيها.

رن هاتفها فجأة.

انتفضت بخفة، ثم سارعت إلى إخراجه من جيب حقيبتها.

ابتسمت ما إن وقع بصرها على اسم المتصل.

"ماما 🤍"

أجابت سريعًا:

"أيوه يا ماما."

جاءها صوت والدتها ممزوجًا بالقلق:

"إنتِ فين يا نورين؟ الساعة اتأخرت."

نظرت نورين إلى شاشة الهاتف، ثم رفعت رأسها نحو السماء التي ازداد ظلامها.

لم تنتبه إلى الوقت.

"معلش يا ماما... أنا في الطريق، عشر دقايق وأكون عندك."

تنهدت والدتها براحة، ثم قالت:

"ما تتأخريش."

ابتسمت نورين ابتسامةً خفيفة، وأجابت:

"حاضر يا ماما."

أنهت المكالمة، ثم أعادت الهاتف إلى حقيبتها.

ألقت نظرةً أخيرة على الرواية التي لا تزال بين يديها.

ترددت.

هل تتركها مكانها؟

لكنها سرعان ما هزت رأسها.

"بعد اللي شوفته... مستحيل أسيبها."

وضعتها بحذر داخل حقيبتها، ثم أغلقت السحاب بإحكام.

حملت حقيبتها على كتفها، وألقت نظرةً أخيرة على البحر...

ثم استدارت، وبدأت تسير بخطواتٍ سريعة في طريق العودة إلى منزلها.

وكانت تجهل تمامًا...

أن اللحظة التي وضعت فيها تلك الرواية داخل حقيبتها...

كانت قد غيّرت حياتها إلى الأبد.

وبعد دقائق، وصلت نورين إلى منزلها.

وما إن أدارت المفتاح في الباب، حتى استقبلتها ضوضاءٌ مألوفة.

"والله أنا اللي همسك الريموت!"

"مش هديهولك!"

"ماما... شوفي!"

ارتسمت ابتسامةٌ تلقائية على شفتيها وهي تخلع حذاءها عند الباب.

"إيه يا جماعة؟ هو البيت داخل على خناقة؟"

التفت شقيقها الأصغر إليها، وما إن رآها حتى صاح بحماس:

"نورين جت!"

وفي اللحظة التالية، ركضت شقيقتها الصغرى نحوها، وألقت بنفسها بين ذراعيها.

"اتأخرتي ليه؟"

ضحكت نورين وهي تربت على رأسها.

"الطريق زحمة شوية."

خرجت والدتها من المطبخ وهي تمسح يديها في منشفةٍ صغيرة، وما إن رأتها حتى ارتسمت ابتسامة ارتياح على وجهها.

"الحمد لله إنك رجعتي بالسلامة."

ابتسمت نورين وهي تقترب منها.

"الله يسلمك يا ماما."

في تلك اللحظة، خرج والدها من إحدى الغرف، ثم ابتسم قائلًا:

"أخيرًا وصلتي يا ست نورين."

ابتسمت وهي تقترب منه.

"مساء الخير يا بابا."

ربت على كتفها بحنان.

"مساء النور يا حبيبتي."

قطع شقيقها الصغير اللحظة وهو يقول بتذمر:

"يلا بقى... جعان."

ضحكت الأسرة كلها.

ابتسمت الأم وهي تشير نحو غرفة الطعام.

"يلا يا جماعة... العشا جاهز."

تحرك الجميع نحو المائدة وسط أحاديثٍ متداخلة وضحكاتٍ لم تنقطع.

جلست نورين بين أسرتها، تستمع إلى حديثهم بينما كانت الابتسامة لا تفارق وجهها.

وللمرة الأولى منذ أن عثرت على تلك الرواية...

شعرت أن كل شيء عاد إلى طبيعته.

أو هكذا ظنت.

قال والدها وهو يضع قطعة خبز في طبقها:

"ها يا ست نورين... بقى عندك واحد وعشرين سنة، ولسه بتتأخري بره البيت؟"

ابتسمت وهي تهز كتفيها.

"يا بابا، ساعة واحدة بس."

ضحكت والدتها قائلة:

"ساعة واحدة؟ إحنا قلقنا عليكي."

ثم وضعت بعض الطعام في طبق نورين، وقالت:

"على فكرة... طنط أمينة كلمتني النهارده."

رفعت نورين رأسها باستغراب.

"خير؟"

ابتسم والدها وهو ينظر إليها.

"في عريس متقدم لكِ."

تنهدت نورين وقالت:

"يا جماعة... مش هنخلص من الموضوع ده؟"

ابتسم شقيقها بخبث، ثم قال:

"وافقي بقى ونرتاح."

رمقته نورين بنظرةٍ حادة.

"آدم... كُل أكلك واسكت."

رفع حاجبيه باعتراض.

"ليه يعني؟ أنا بقول رأيي."

ضحكت والدتهما، ثم قالت:

"وأنت من إمتى بقيت تفهم في الجواز؟ لسه صغير على الكلام ده."

عقد آدم ذراعيه أمام صدره، وقال باحتجاج:

"صغير إيه بس! أنا عندي اتناشر سنة."

انفجر الجميع ضاحكين.

قالت شقيقتها الصغيرة بحماس:

"وأنا أهم حاجة آخد التورتة كلها!"

ضحكت نورين وهزت رأسها.

"ليان... هو انتي كل اللي فارق معاكي الأكل؟"

هزت الصغيرة رأسها بسرعة، ثم قالت بثقة:

"والعصير كمان!"

لم تتمالك ليان، ذات الأعوام التسعة، نفسها، فضحكت، قبل أن ينفجر الجميع بالضحك معها.

بعد انتهاء العشاء، ساعدت نورين والدتها في رفع الأطباق وترتيب المائدة، ثم استأذنت الجميع وصعدت إلى غرفتها.

أغلقت الباب خلفها برفق، وأطلقت زفرةً طويلة، وكأنها تترك ضجيج المنزل خلفه.

ساد الهدوء أخيرًا.

ألقت حقيبتها فوق مكتبها الصغير، ثم اتجهت نحو المرآة.

وقفت أمامها لبرهة،وأخذت تمرر المشط بين خصلات شعرها الأسود، الذي انسدل برقة حتى أسفل كتفيها،

بينما انعكس وجهها الهادئ في المرآة.

كانت عيناها السوداوان تضفيان على ملامحها الرقيقة سكونًا خاصًا، أما بشرتها الفاتحة، وهيئتها الهادئة، فكانتا تجعلانها تبدو أصغر من عمرها الحقيقي.

اكتفت بابتسامةٍ خافتة، ثم وضعت المشط في مكانه.

بدّلت ملابسها بأخرى مريحة، واستعدت للنوم.

وقبل أن تتجه إلى فراشها...وقع بصرها على حقيبتها.

توقفت.

اختفت ابتسامتها شيئًا فشيئًا.

كانت الرواية...لا تزال بداخلها.

تقدمت بخطواتٍ هادئة، وأخرجتها من الحقيبة.

تأملت غلافها الأسود للحظات، ثم مررت أصابعها فوق زخارفه الغريبة.

"هو أنا هفضل خايفة من كتاب؟"

تمتمت بذلك وهي تبتسم بسخرية من نفسها.

جلست على سريرها، وأسندت ظهرها إلى الوسادة، ثم أخذت نفسًا عميقًا.

أنزلت بصرها إلى الغلاف الأسود بين يديها.

لم يعد خاليًا كما كان قبل قليل.

فقد ظهرت عليه كلماتٌ عربية بخطٍ أنيق:

«ورثة الخداع»

انعقد حاجباها بدهشة.

"أنا متأكدة إنه ما كانش مكتوب عليه أي عنوان..."

تمتمت بذلك، ثم مررت أصابعها برفق فوق الحروف البارزة، قبل أن تفتح الصفحة الأولى ببطء...

كانت نورين تقلب الصفحات بسرعة، وعيناها لا تفارقان الكلمات.

كلما انتهت من فصل، سارعت إلى الذي يليه.

كانت المؤامرات تتعقد، والخيانة تزداد، حتى لم تعد تشعر بما يدور حولها.

لم تكن مملكة أستريا تُحكم بالقوة وحدها... بل بالخداع.

ففي القصور الفخمة، كانت الابتسامات تُخفي الكراهية، والولاءات تُباع مقابل السلطة، أما الحقيقة... فكانت أول ضحية في كل صراع.

وفي قلب المملكة، ارتفع قصر أورورا شامخًا، شاهداً على أسرارٍ لو كُشفت، لانهارت المملكة بأكملها.

تعرفت نورين، مع توالي الصفحات، إلى أفراد العائلة المالكة.

الملك ألفريد... الملك الذي اشتهر بالحكمة والعدل بين شعبه.

وولي العهد فيكتور... الرجل الذي يراه الجميع الوريث المثالي؛ لبقٌ في حديثه، محبوبٌ بين النبلاء، حتى بدا وكأنه خُلق ليجلس على العرش.

أما الأمير أدريان، فلم يكن يحظى بالترحيب نفسه، إذ أحاطت بولادته همساتٌ كثيرة، ولم يكن أحد يعلم حقيقة ما يدور خلف جدران القصر.

وبين الأخوين...

كانت ابتسامات المجاملة تخفي ما هو أعمق بكثير.

ثم ظهرت البطلة.

الليدي إيزابيلا دي فالوا.

الوريثة الوحيدة لعائلة دي فالوا، وإحدى أجمل سيدات المملكة.

لكن جمالها لم يكن أكثر ما اشتهرت به.

فقد عُرفت بين النبلاء بالغرور، وحب السلطة، وطموحٍ لا يعرف حدودًا.

وكان الجميع يعلم...أنها لن تتزوج حبًا.

بل ستختار الرجل الأقرب إلى التاج.

ومع اقتراب عيد ميلادها الحادي والعشرين...

بدأت الاستعدادات في قصر مونتروز، مقر عائلة دي فالوا لإقامة حفل الأقنعة، حيث ستختار إيزابيلا زوجها، وفقًا للتقاليد القديمة لعائلة دي فالوا.

وفي تلك الليلة...أعلنت أمام الجميع اختيارها لولي العهد فيكتور.

استقبل الحاضرون الخبر بالتصفيق والتهاني...بينما كانت المؤامرة قد بدأت بالفعل.

توالت الأحداث سريعًا.

ازدادت الصراعات داخل القصر.

وتحولت المجاملات إلى مؤامرات.

أما الأمير أدريان...فأصبح العقبة الوحيدة أمام من أرادوا الاستيلاء على كل شيء.

ولم تتردد إيزابيلا في الوقوف إلى جانب فيكتور.

حتى جاء اليوم...الذي سقط فيه الأمير أدريان قتيلًا، بعد خيانةٍ دُبرت بعناية.

ولم تمضِ سوى أشهر قليلة...حتى اعتلى فيكتور العرش.

لكن الخيانة...لا تكتفي بضحيةٍ واحدة.

فكل من عرف أسراره، أصبح عبئًا يجب التخلص منه.

حتى إيزابيلا نفسها.

المرأة التي ضحت بكل شيء من أجل التاج...وجدت نفسها وحيدة، في مواجهة الرجل الذي ساعدته على الوصول إليه.

حبست نورين أنفاسها وهي تقرأ الفصل الأخير.

وقف فيكتور أمام إيزابيلا، وعلى شفتيه الابتسامة الهادئة التي اعتادت أن تراها طوال الرواية.

لكن تلك الابتسامة...كانت آخر ما رأته.

أصدر أمره بقتلها دون أن يرف له جفن.

وسقطت إيزابيلا...بالخيانة نفسها التي شاركت يومًا في صناعتها.

وانتهت الرواية بجملةٍ واحدة:

"وهكذا انتهت حياة إيزابيلا دي فالوا... المرأة التي باعت ضميرها طمعًا في التاج، فاكتشفت متأخرةً أن الخيانة لا توفي بوعودها."

أغلقت نورين الرواية بقوة، وزفرت بضيق.

"يستاهلوا الاتنين... بس النهاية مستفزة."

"لو كانت فكرت للحظة بعقلها بدل طمعها... كان زمان كل حاجة اتغيرت."

وضعت الرواية إلى جوارها، وأسندت رأسها إلى الوسادة، لكن عقلها ظل عالقًا بأحداثها.

كان فيكتور يبدو مثاليًا في البداية... حتى إنها لم تشك فيه للحظة.

ثم، ومع كل صفحة، كانت ابتسامته الهادئة تكشف وجهًا آخر لم تتوقعه.

أما أدريان...

تنهدت وهي تحدق في السقف.

"مش عارفة ليه... حاسة إن الحكاية اللي اتقالت عنه مش كاملة."

لم يظهر كثيرًا في الرواية، ولم تُروَ حكايته كاملة، بل كانت الشخصيات تتحدث عنه بحذر، وكأن مجرد ذكر اسمه يكفي ليزرع الخوف في القلوب.

ومع ذلك... كل ما ظهر اسمه، كانت تشعر أن هناك شيئًا لا تعرفه عنه. شيئًا أخفته الرواية بين سطورها.

أغمضت عينيها ببطء، بينما استقر الكتاب الأسود فوق الطاولة في صمت.

وفي اللحظة التي غفت فيها...

وبعد لحظات... بدأ نورٌ خافت يتسلل من بين صفحات الكتاب المغلقة، حتى أخذ يزداد ببطء... وكأن الرواية نفسها قد استيقظت.

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما وراء القناع

المؤلف Ñorãn Fãwžy
2026/07/16 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة