تسلل صوت المنبه إلى أذني نورين، فمدّت يدها بتثاقل تبحث عن هاتفها حتى أوقفته.
وما إن فتحت عينيها ونظرت إلى الشاشة، حتى انتفضت من مكانها.
"يا نهار أبيض!"
التقطت الهاتف بسرعة، ونهضت من فراشها على عجل.
"اتأخرت!"
أسرعت إلى الحمام لتتوضأ، ثم خرجت وأدت فرضها، قبل أن تبدأ في تجهيز نفسها للكلية.
لم يمضِ وقت طويل حتى خرجت تحمل حقيبتها على كتفها، بينما كانت تربط شعرها الأسود على عجل.
وفي طريقها إلى الأسفل...
وقع بصرها للحظة على الرواية السوداء الموضوعة فوق مكتبها.
توقفت.
حدقت بها ثانيةً.
كانت ساكنة تمامًا...
وكأن نور الأمس لم يكن سوى حلم.
هزت رأسها وهي تتمتم.
"واضح إن الرواية دي أثرت فيا زيادة عن اللزوم ."
ابتسمت لنفسها، ثم تركت الرواية فوق المكتب كما هي، وحملت حقيبتها قبل أن تغلق باب غرفتها وتتجه إلى الطابق السفلي.
ولم تكن تدري...أن القدر كان قد بدأ يكتب أولى صفحات حكايةٍ لم تكن تتخيل أنها ستعيشها يومًا.
ما إن وصلت إلى الطابق السفلي، حتى وجدت رائحة الفطور تملأ أرجاء المنزل.
رفعت والدتها رأسها ما إن رأتها، ثم قالت وهي تضع الأطباق على المائدة: "أخيرًا نزلتي ."
ابتسمت نورين وهي تسحب أحد المقاعد بسرعة.
"متقوليش حاجة... صحيت متأخر ."
ضحك والدها وهو يرتشف كوب الشاي. "واضح ."
جلس آدم، وهو يقضم قطعة خبز، وقال بمكر:
"أكيد سهرتي مع رواية جديدة ."
رمقته نورين بنظرة جانبية. "وإنت مالك؟"
ابتسم آدم بثقة وقال:
"لأن كل مرة تمسكي فيها رواية... بتنسي إن عندك حياة ."
ضحكت ليان وهي تنظر بينهما.
"هو إيه اللي في الروايات دي أصلًا؟"
اتسعت ابتسامة نورين وهي ترتشف قليلًا من الشاي. "بتخليني أعيش مغامرات مستحيل تحصل في الحقيقة ."
هز آدم رأسه ساخرًا.
"وأهو... آخرها تصحي متأخرة ."
ألقت عليه قطعة صغيرة من الخبز، فضحك وهو يتفاداها.
قالت والدتها وهي تشير إلى طبقها:
"كلي الأول بدل الهزار ."
بدأت نورين تتناول فطورها، قبل أن يسألها والدها:
"عندك محاضرات كتير النهارده؟"
أومأت نورين برأسها.
"اليوم كله تقريبًا في الكلية... وبعدها هروح الشغل ."
هز والدها رأسه بتفهم. "ربنا يقويكي ."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها سرعان ما تلاشت.
كانت الأيام تتشابه... كلية... ثم عمل... ثم عودة إلى المنزل. حتى أصبحت تشعر أن حياتها تدور في دائرة لا تنتهي.
لاحظت والدتها شرودها، فسألتها: "مالك يا نورين؟"
انتبهت على صوتها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة. "مفيش... سرحت بس ."
أنهت فطورها، ثم وقفت تحمل حقيبتها.
"أنا ماشية ."
قال الجميع في وقتٍ واحد تقريبًا: "مع السلامة."
هزت رأسها ولوحت لهم بيدها، ثم خرجت من المنزل.
بينما كانت تبتعد عن منزلها... كان القدر قد بدأ يتحرك بالفعل.
أغلقت نورين باب المنزل خلفها، ثم سارت بخطواتٍ سريعة في الشارع.
كان الصباح قد بدأ يزدحم كعادته؛ أصوات السيارات تختلط بنداءات الباعة، والناس يتجهون إلى أعمالهم وجامعاتهم في عجلة لا تنتهي.
شدّت حقيبتها فوق كتفها، ثم أسرعت حتى وصلت إلى موقف الحافلات.
كالعادة...كان المكان مزدحمًا.
تنهدت وهي تتمتم بخفوت:
"هو لازم كل الناس تنزل في نفس المعاد؟"
وما إن توقفت إحدى الحافلات، حتى اندفع الجميع نحوها دفعةً واحدة.
نظرت نورين إليهم باستسلام، ثم قالت وهي تضحك لنفسها: "يا رب أعرف أطلع بس ."
وبعد محاولاتٍ عدة، استطاعت أخيرًا أن تصعد إلى الحافلة.
لم تجد مقعدًا فارغًا، فاكتفت بالوقوف ممسكةً بالعمود الحديدي، بينما بدأت الحافلة تتحرك ببطء وسط الزحام.
تنهدت وهي تنظر من النافذة.
كانت المدينة تستيقظ على مهل؛ المحال تفتح أبوابها، والطلاب يسيرون في جماعات، وأشعة الشمس تنعكس فوق زجاج المباني.
ورغم الضجيج من حولها...سرحت من جديد.
تذكرت أحداث رواية
«ورثة الخداع».
ابتسمت بخفة وهي تهز رأسها.
"الغريب... إني لحد دلوقتي بفكر فيها ."
ثم أخرجت هاتفها لتتفقد الوقت، وهي تمني نفسها أن تصل إلى الكلية قبل بدء المحاضرة.
وبعد نحو نصف ساعة، توقفت الحافلة أخيرًا أمام بوابة الجامعة.
تنفست نورين الصعداء، ثم نزلت منها وهي تعدل حقيبتها فوق كتفها.
كان الحرم الجامعي يعج بالطلاب؛ مجموعات تتبادل الأحاديث، وأخرى تسرع للحاق بالمحاضرات، بينما علت الضحكات في كل مكان.
ما إن خطت بضع خطوات، حتى جاءها صوت مألوف من خلفها:
"نورين!"
التفتت مبتسمة، لتجد صديقتها تلوح لها بيدها وهي تقترب مسرعة.
"صباح الخير يا سلمى."
ابتسمت سلمى وهي تلتقط أنفاسها.
"أخيرًا... افتكرت إني هخش المحاضرة لوحدي ."
ضحكت نورين.
"أنا أصلًا صحيت متأخر ."
سارتا معًا عبر الممر المؤدي إلى مبنى كلية الفنون الجميلة.
نظرت سلمى إليها بمكر، ثم سألت:
"قولي بقى... خلصتي الرواية اللي كنتِ ماسكاها امبارح؟"
أومأت نورين بحماس.
"آه... وندمت إني خلصتها ."
رفعت سلمى حاجبها باستغراب.
"ليه؟ وحشة؟"
هزت نورين رأسها بسرعة.
"بالعكس... كانت حلوة جدًا، بس النهاية كانت مستفزة."
ضحكت سلمى.
"الروايات دي هتاكل دماغك في الآخر ."
أطلقت نورين ضحكة قصيرة وهي تنظر أمامها.
"يا ستي أهو الواحد يهرب شوية من الروتين."
سألتها سلمى وهي تعقد ذراعيها:
"ولو بإيدك تعيشي جوه رواية فعلًا... هتوافقي؟"
ضحكت نورين دون تردد.
"أكيد ."
نظرت إليها سلمى وكأنها تنتظر تفسيرًا.
فابتسمت نورين وقالت:
"على الأقل هعيش مغامرات بجد... مش كل يوم كلية، وبعدها شغل، وبعدها نوم، ونرجع نكرر نفس اليوم."
ابتسمت سلمى وهي تهز رأسها.
"إنتِ عايشة في عالم تاني ."
ضحكت نورين.
"نفسي أبقى بطلة في رواية... أو أميرة مثلًا ."
قهقهت سلمى.
"أميرة؟"
هزت نورين كتفيها بابتسامة.
"مالها؟ يبقى عندي قصر، وخيل، وحياة كلها مغامرات ."
نظرت إليها سلمى بخبث.
"وفارس أحلام وسيم كمان؟"
احمر وجه نورين قليلًا، ثم ضحكت.
"يعني... مش هقول لأ ."
ضربتها سلمى بخفة على كتفها وهي تضحك.
"الروايات كلت دماغك رسمي ."
ضحكت نورين هي الأخرى، بينما واصلتا السير نحو قاعة المحاضرات... لم تكن أيٌّ منهما تعلم أن حديثًا عابرًا كهذا، سيصبح قريبًا حقيقة.
دخلت نورين وسلمى قاعة المحاضرات، ثم اتجهتا إلى أحد المقاعد في منتصف القاعة.
وضعت نورين حقيبتها فوق الطاولة، وفتحتها لتخرج كراسة الرسم.
لكن...تجمدت يدها في مكانها.
انعقد حاجباها وهي تحدق داخل الحقيبة.
كانت الرواية السوداء...تستقر في مكانها بهدوء.
اتسعت عيناها.
"إزاي؟!"
همست بها دون شعور.
كانت متأكدة...بل واثقة تمامًا...أنها تركتها فوق مكتب غرفتها قبل أن تغادر المنزل.
ظلت تحدق فيها لثوانٍ، ثم أغلقت الحقيبة سريعًا وكأنها تخشى أن يراها أحد.
التفتت إليها سلمى باستغراب.
"في حاجة؟"
هزت نورين رأسها بسرعة.
"لأ... افتكرت إني نسيت حاجة في البيت ."
لم تبدُ سلمى مقتنعة، لكنها لم تعلق.
وفي تلك اللحظة، اقترب منهما أحد زملائهما وهو يبتسم.
"صباح الخير يا جماعة ."
ابتسمت سلمى.
"صباح النور يا كريم."
نظر كريم إلى نورين وقال:
"كنت بدور عليكي."
رفعت رأسها باستغراب.
"خير؟"
قال وهو يخرج هاتفه:
"إعلان مسابقة الفروسية السنوية نزل النهارده."
عقدت حاجبيها باهتمام.
"بجد؟"
أومأ برأسه.
"والجايزة السنة دي مليون جنيه."
اتسعت عيناها قليلًا.
"مليون؟!"
ابتسم كريم.
"آه... وافتكرتك على طول، لأنك من أحسن الناس اللي شفتها بتركب خيل."
ابتسمت نورين بخجل.
"ده كلام كبير أوي."
تدخلت سلمى وهي تضحك.
"كبير إيه؟ ده أنتِ كل مرة تركبي فيها، المدرّب يفضل يشكر فيكي."
تنهدت نورين وهي تنظر إلى الإعلان على هاتفه.
"الجايزة مغرية جدًا."
ابتسم كريم.
"فكري في الموضوع... لسه باب التقديم مفتوح."
وقبل أن ترد...دخل أحد الطلاب مسرعًا وهو يقول بصوتٍ مرتفع:
"الدكتور وصل."
عاد كريم إلى مقعده بسرعة.
أما نورين، فأغلقت هاتفها، وعدلت جلستها استعدادًا للمحاضرة.
وبعد لحظات...دخل الدكتور إلى القاعة.
رفعت نورين رأسها نحوه...فتجمدت في مكانها.
للحظةٍ خاطفة...لم ترَ الدكتور.
بل رأت رجلًا طويل القامة، يرتدي زيًا عسكريًا قديمًا، يليق بقائدٍ من عصرٍ مضى، يعلوه معطف داكن طويل، وعلى كتفيه شارات فضية لامعة، حتى بدا وكأنه خرج لتوه من صفحات رواية تاريخية.
ظلّت تحدق فيه دون أن ترمش.
اقتربت سلمى منها وهمست وهي تكتم ضحكتها:
"إيه يا بنتي؟ بتبحلقي في الدكتور كده ليه؟"
أدارت نورين رأسها نحوها ببطء وقالت باستغراب:
"هو... إيه اللبس الغريب اللي لابسه ده؟"
قطبت سلمى حاجبيها.
"لبس غريب؟"
عادت نورين لتنظر نحو الدكتور مرةً أخرى...لكنها تجمدت.
اختفى الزي العسكري تمامًا.
وأصبح يقف أمامهم ببدلته المعتادة، يحمل بعض الأوراق بيده، وكأن شيئًا لم يحدث.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
أما سلمى فنظرت إليها باستغراب، ثم قالت ضاحكة:
"أنا بقول الروايات دي بدأت تأثر على نظرك كمان."
ابتسمت نورين ابتسامة باهتة...لكنها لم تستطع أن تطرد من رأسها صورة ذلك الرجل الغريب... وكأنها رأته حقًا، لا مجرد خيال.
بدأ الدكتور يشرح المحاضرة، بينما انشغل معظم الطلاب بتدوين الملاحظات.
أما نورين...فكانت تحاول التركيز.
حاولت.
لكن عقلها رفض.
كانت الكلمات التي يشرحها الدكتور تمر أمامها دون أن تستقر في ذهنها.
كلما حاولت الإنصات...ظهرت أمامها صورة الرواية السوداء داخل حقيبتها.
كيف وصلت إليها؟
كانت متأكدة أنها تركتها فوق مكتب غرفتها.
تنهدت بخفوت، ثم فتحت كراسة الرسم محاولةً إشغال نفسها.
لكن ما إن أمسكت قلم الرصاص...حتى تذكرت حديث كريم.
"الجائزة السنة دي مليون جنيه."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة دون شعور.
مليون جنيه...مبلغٌ كهذا كفيل بأن يغير حياة أي شخص.
ربما تستطيع أن تترك عملها المرهق.
وربما تحقق بعض الأحلام التي كانت تؤجلها دائمًا.
رفعت رأسها قليلًا وهي تسرح بخيالها.
"لو كسبت... أول حاجة هعملها هريح بابا وماما من تعبهم... وبعدها أشتري حصان... وأجيب مرسم كبير... وأسافر أماكن نفسي أشوفها."
لكن ابتسامتها اختفت سريعًا.
عادت صورة الرواية إلى ذهنها من جديد.
وتذكرت نهاية إيزابيلا.
ثم ذلك الأمير...أدريان.
لم تعرف لماذا ظل اسمه عالقًا في رأسها منذ الليلة الماضية.
لم يحظَ إلا بمشاهد قليلة...ومع ذلك، شعرت وكأن هناك أشياء كثيرة لم تُحكَ عنه. "يمكن لو كان البطل الحقيقي... ما كانتش الأحداث انتهت بالشكل ده."
هزت رأسها بسرعة.
"أنا مالي أصلًا."
همست بها لنفسها.
في اللحظة نفسها...ارتطم شيء خفيف بطرف كراستها.
رفعت رأسها، لتجد الدكتور يقف أمامها، بينما كانت القاعة كلها تنظر إليها.
ابتسم الدكتور ابتسامة خفيفة وقال:
"واضح إن خيالك أخدك بعيد يا آنسة نورين."
احمر وجهها بخجل، ووقفت بسرعة.
"آسفة يا دكتور."
ابتسم وهو يشير إلى السبورة.
"بما إنك من أكتر الطلبة تميزًا في الرسم... جاوبي، لو سمحتي."
نظرت نورين إلى الرسم المعلّق على الشاشة، ثم أجابت بثقة.
أومأ الدكتور برضا.
"إجابة صحيحة... اتفضلي اقعدي."
جلست وهي تزفر براحة.
مالت سلمى نحوها وهمست وهي تضحك:
"لسه بتفكري في الأمير بتاع الرواية؟"
ضربتها نورين بخفة في ذراعها، وهمست:
"اسكتي."
ابتسمت سلمى بخبث.
"ولا في المليون جنيه؟"
تنهدت نورين وهي تنظر إلى النافذة.
"في الاتنين..."
ورغم أنها قالتها مازحة...إلا أنها لم تكن تعلم...أن أحدهما سيغيّر مستقبلها...والآخر سيغيّر حياتها كلها.
رنّ الجرس معلنًا انتهاء المحاضرة.
بدأ الطلاب يجمعون دفاترهم، بينما أغلقت نورين حقيبتها بعد أن ألقت نظرةً أخيرة على الرواية السوداء.
ما زالت داخل الحقيبة.
تنهدت في صمت.
"إزاي جات معايا أصلًا...؟ أنا متأكدة إني سبتها فوق المكتب."
هزّت رأسها وهي تنهض.
"يلا؟"
قالت سلمى وهي تحمل أدوات الرسم.
أومأت نورين، وسارتا معًا خارج القاعة بين عشرات الطلاب.
ظل عقلها مشتتًا...مرةً تتذكر الرواية.
ومرةً تتذكر حديث مسابقة الخيل.
تنهدت فجأة، ثم نظرت إلى سلمى.
"تصدقي... أنا غلطانة إني حكيتلك عن الرواية امبارح على الواتساب."
نظرت إليها سلمى باستغراب.
"ليه يعني؟"
ابتسمت نورين ابتسامة صغيرة.
"حاسّة إنها لحست دماغي."
ضحكت سلمى.
"مش الرواية اللي لحست دماغك... إنتِ أصلًا عايشة نص حياتك في عالم الخيال."
ضحكت نورين هي الأخرى وهزت كتفيها.
"يمكن."
ثم صمتت للحظات.
كانت كلما تذكرت النهاية، تشعر بضيقٍ غريب.
قالت سلمى وهي تغير الموضوع:
"بالمناسبة... هتقولي لمامتك على المسابقة؟"
أطلقت نورين زفرة طويلة.
"لازم."
ثم ابتسمت بسخرية.
"ويا رب توافق."
عقدت سلمى ذراعيها.
"بصراحة... عندها حق تخاف."
نظرت إليها نورين باستغراب.
فأكملت سلمى وهي تضحك:
"نسيتي لما اشتركتي في تدريب الخيل من غير ما تعرف؟"
وضعت نورين يدها على وجهها.
"متفكرنيش بالله عليكي."
ضحكت سلمى أكثر.
"والله كان يوم تاريخي... أول ما عرفت، فضلت تجري وراكي في النادي كله."
لم تستطع نورين منع نفسها من الضحك.
"كنت صغيرة ساعتها."
قالت سلمى:
"بس لحد النهارده... إنتِ لسه مجنونة خيل ."
ابتسمت نورين بحب، وقالت وهي تنظر أمامها:
"وأيوه... ولسه بعشقه ."
سارتا قليلًا في الممر المؤدي إلى المرسم.
وفجأة...تباطأت خطوات نورين.
انعقد حاجباها.
الممر...لسببٍ لا تعرفه...بدا مختلفًا.
الأرضية الحجرية...الأعمدة المرتفعة...والضوء المتسلل من النوافذ الطويلة...كل شيء بدا مألوفًا بصورةٍ غريبة.
وكأنها...رأت هذا المكان من قبل.
اتسعت عيناها قليلًا.
"المكان ده..."وقبل أن تكتمل الفكرة...مرّ أحد الطلاب مسرعًا من جوارها، فاصطدم بكتفها اصطدامًا خفيفًا.
انتفضت، ورمشت عدة مرات.
وحين رفعت رأسها من جديد...عاد الممر كما كان.
جدران بيضاء.
لوحات معلقة.
وأصوات الطلاب تملأ المكان.
توقفت للحظة، ثم همست لنفسها:
"أنا... بقيت بتخيل كتير ."
التفتت إليها سلمى باستغراب.
"بتقولي حاجة؟"
ابتسمت نورين بسرعة وهزت رأسها.
"لأ... يلا، قبل ما المرسم يزحم ."
دخلت نورين وسلمى إلى المرسم الواسع، حيث انتشرت اللوحات البيضاء وروائح الألوان الزيتية في المكان.
وقف الدكتور أمام الطلاب وقال:
"المطلوب النهارده... ارسموا أي شخصية من خيالكم. متفكروش كتير، سيبوا إيدكم هي اللي تختار ."
تبادل بعض الطلاب النظرات.
قال أحدهم ضاحكًا: "يعني نرسم أي حاجة؟"
ابتسم الدكتور.
"الخيال أحيانًا بيقول عن صاحبه أكتر من الحقيقة."
جلست نورين أمام لوحتها، وأمسكت قلم الفحم.
ظلت للحظات تحدق في البياض...ثم بدأت يدها تتحرك وحدها.
في البداية رسمت خطوطًا خفيفة.
ثم كتفين عريضين...ومعطفًا طويلًا يشبه الزي العسكري القديم.
بعدها...شعرًا أسود يتحرك مع الريح.
توقفت يدها للحظة.
"أنا برسم مين؟"
همست بها في دهشة.
حاولت أن ترسم الوجه...لكنها لم تستطع.
كلما اقتربت من الملامح، شعرت وكأن شيئًا يمنعها.
فاكتفت برسم ظلٍ غامض، لا تظهر منه إلا هيئة رجل يقف بثبات، وعيناه مختفيتان خلف الضوء.
اقتربت سلمى منها، ثم نظرت إلى اللوحة باستغراب.
"هو ده مين؟"
هزت نورين رأسها ببطء.
"معرفش..."
ثم ابتسمت بخفة.
"يمكن واحد من الروايات اللي بقرأها ."
ضحكت سلمى.
"قلتلك الروايات كلت دماغك ."
ابتسمت نورين، لكنها لم ترفع عينيها عن الرسم.
لسببٍ لم تستطع تفسيره... شعرت أن هذا الشخص... ليس من خيالها.
ظلت تحدق في اللوحة طويلًا.
كان من المفترض أن تكون مجرد شخصيةٍ خرجت من خيالها...لكن شيئًا في أعماقها كان يهمس بالعكس.
وكأن اليد التي رسمت هذا الرجل... لم تكن يدها وحدها.
شعرت بقشعريرة خفيفة تسري في ذراعها، فأبعدت يدها عن اللوحة دون أن تدري لماذا.
يتبع...
Ñorãn Fãwžy