الإستيقاظ

الإستيقاظ

8 0

ظلام...

لم يكن يشبه ظلام الليل...ولا الظلام الذي يسبق النوم.

كان فراغًا لا بداية له...ولا نهاية.

لم تكن تشعر بجسدها.

لا تسمع أنفاسها.

ولا حتى نبضات قلبها.

...

وفجأة...

تردد في ذلك الفراغ صوتٌ خافت...كأن أحدًا يقلب صفحات كتابٍ ببطء.

صفحة...ثم أخرى...ثم أخرى...وبين كل صفحةٍ وأخرى...ومضت أمامها صورٌ خاطفة، متداخلة، لا تكاد تُدركها.

ابتسامة جنى وهي تحتضن رسمتها.

صوت والدتها:

"خلي بالك من نفسك."

ضحكة سلمى.

القطة الصغيرة وهي تتمسح بساقها.

بوقٌ حاد...أضواءٌ بيضاء...ارتطام...ثم...صمت.

...

بدأت أصواتٌ بعيدة تتسلل إلى سمعها.

"النبض ضعيف..."

"أسرعوا..."

"لا تدعوها تموت..."

تحرك شيءٌ داخلها.

المستشفى...

أنا نجيت...

حاولت أن تفتح عينيها.

لكن جفنيها كانا ثقيلين بصورةٍ مؤلمة.

واصلت الأصوات اقترابها...لكن...شيئًا فيها بدأ يتغير.

"أحضروا الطبيب الملكي!"

"أسرعوا... الليدي إيزابيلا استعادت أنفاسها!"

توقفت أنفاسها للحظة.

إيزابيلا...؟

أخذت الأصوات تتداخل من جديد.

كانت اللغة...غريبة.

لم تسمعها في حياتها قط.

ومع ذلك...كانت تفهم كل كلمةٍ تُقال.

وكأنها لغتها الأم.

اتسعت عيناها ببطء...لتستقبل أول ما رأته.

سقفٌ شاهق، تزينه نقوشٌ ذهبية معقدة.

ثريا كريستالية ضخمة تتدلى فوقها.

ستائر مخملية حمراء تنساب حتى الأرض.

وشموعٌ طويلة تشتعل في أرجاء الغرفة، تعبق رائحتها برائحة الأعشاب الطبية.

رمشت مراتٍ متتالية.

لا...هذه ليست غرفة مستشفى.

أدارت رأسها بصعوبة.

فوجدت عدة أشخاص يحيطون بسريرها.

رجلٌ مسن يرتدي رداءً طويلًا، يحمل حقيبةً جلدية مليئة بقوارير زجاجية.

وخلفه خادمتان تنظران إليها بقلق.

وامرأة نبيلة، تجاوز الشيب أطراف شعرها، كانت تقبض على طرف ثوبها بتوتر.

وما إن التقت أعينهم بعينيها...

حتى علت الوجوه علامات الارتياح.

قال الرجل المسن بصوتٍ مفعم بالفرح:

"الحمد للرب... لقد استعادت الليدي إيزابيلا وعيها."

ازدادت حيرة نورين.

تراجعت قليلًا فوق الوسادة، ثم خرج صوتها ضعيفًا:

"أنا... نورين..."

وما إن نطقت...تجمدت.

لم تكن الكلمات التي خرجت من فمها عربية.

كانت اللغة نفسها التي كانوا يتحدثون بها.

لغةٌ لم تسمعها يومًا...لكنها نطقتها بطلاقةٍ كاملة.

وضعت يدها على شفتيها، واتسعت عيناها بذهول.

"ماذا... قلت للتو؟!"

تبادل الواقفون النظرات.

ثم اقترب الطبيب منها ببطء، وقال وهو يطمئنها:

"لا تقلقي يا ليدي... إصابتك كانت قاسية."

أما المرأة النبيلة...

فأغمضت عينيها بحزن، ثم همست بصوتٍ خافت:

"يبدو... أن الحادث أفقد الليدي إيزابيلا جزءًا من ذاكرتها."

...

وتجمدت نورين في مكانها.

إيزابيلا...؟

مستحيل...

نطقت نورين، وقد شحب وجهها وهمست بصوتٍ مرتجف:

"إ... إيزابيلا... دي فالوا؟"

ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ.

ثم علت ملامح الارتياح على وجه الطبيب، وقال وهو يبتسم ابتسامةً خافتة:

"الحمد للرب... يبدو أن ذاكرتك بدأت تعود يا سيدتي."

لكن نورين لم تكن تسمعه.

اتسعت عيناها شيئًا فشيئًا، وأخذت تهز رأسها في إنكار.

"لا..."

ارتجف صوتها.

"مستحيل..."

رفعت نظرها إلى المرأة العجوز الواقفة قرب الفراش، ثم إلى الخادمات، ثم إلى الستائر القرمزية والثريا المعلقة في السقف.

كل شيء...كان مطابقًا تمامًا لما قرأته.

همست وهي تكاد تختنق:

"قصر...آل دي فالوا..."

تسارعت أنفاسها.

قفزت من فوق الفراش دون أن تشعر، لكنها ما إن وضعت قدميها على الأرض حتى خانتها قواها، فترنحت.

أسرعت الخادمات لإسنادها.

"سيدتي!"

أبعدتهن عنها بسرعة.

"لا... ابتعدوا!"

توقفت فجأة.

ارتسم الذهول على وجهها.

لقد خرجت الكلمات...بتلك اللغة الغريبة...حاولت أن تنطق بالعربية.

لكن الكلمات خرجت مرةً أخرى باللغة نفسها.

وكأن لسانها...نسي لغته الأصلية.

أخذت تتراجع إلى الخلف خطوةً بعد أخرى، بينما كانت نظرات الجميع تزداد قلقًا.

قال الطبيب بصوتٍ منخفض:

"الضربة كانت أقوى مما ظننت..."

وأضاف وهو ينظر إلى الكونتيسة:

"قد تكون ذاكرتها اختلطت عليها."

لكن نورين لم تعد تسمع شيئًا مما يدور حولها.

ارتجف جسدها كله.

رفعت رأسها فجأة، ونظرت إليهم بعينين متسعتين، ثم سألت بصوتٍ مضطرب:

"في... أي سنة نحن؟"

ساد الصمت في الغرفة.

وتبادل الجميع النظرات باستغراب شديد...

قبل أن تجيب الكونتيسة بهدوء:

"نحن في العام الثامن والعشرين بعد المئة الرابعة لتأسيس مملكة أستريا."

شعرت نورين وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.

لم تعد هناك أي مساحة للإنكار.

لم يكن حلمًا...ولم تكن هلوسة.

لقد دخلت...إلى داخل الرواية.

ساد الصمت في الغرفة، ولم يجرؤ أحد على التفوه بكلمة.

كانت نورين لا تزال تحدق في الفراغ، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تسمعه وما تراه.

اقتربت المرأة النبيلة منها بخطواتٍ هادئة، ثم جلست إلى جوار الفراش.

مدت يدها المرتجفة،و ربتت على خصلاتها الذهبية برفق. وابتسمت ابتسامةً امتزج فيها الحزن بالارتياح.

"حمداً للرب..."

توقفت لحظة، وكأنها تحاول أن تحبس دموعها.

"لقد أقلقتِ قلب جدتكِ كثيرًا يا إيزابيلا."

تجمدت نورين في مكانها.

التفتت إليها ببطء، وحدقت في وجهها طويلًا.

"...جدتي؟"

أومأت المرأة برأسها، ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة.

"وهل نسيتِ جدتكِ أيضًا؟"

خفضت نورين بصرها دون أن تجيب.

كانت تشعر بأن رأسها يكاد ينفجر.

"جدتها..."

إذًا...

هذه ليست غرفةً في قصرٍ غريب فحسب...

بل هي داخل منزل إيزابيلا نفسها.

داخل عائلتها.

رفعت رأسها من جديد، وأخذت تتأمل المرأة أمامها.

تجاعيد رقيقة تحيط بعينيها، وهيبة امرأة اعتادت أن تُطاع، لكن خلف تلك الهيبة كان هناك قلقٌ حقيقي... وحنانٌ لم تستطع نورين أن تتجاهله.

للحظة...

تذكرت والدتها.

وتذكرت كيف كانت تنظر إليها بالقلق كلما تأخرت خارج المنزل.

انقبض قلبها فجأة، ودار في خلدها :

«ماما...»

«بابا...»

«آدم... ليان...»

«سلمى...»

«أين هم الآن؟»

«هل...

لو كنت مت...»

«فمن صاحبة هذا الجسد؟.»

«وأين ذهبت إيزابيلا الحقيقية؟.»

ارتعشت شفتاها، وشعرت بحرقةٍ في عينيها.

لكنها تماسكت بصعوبة.

لاحظ الطبيب شحوب وجهها، فقال بنبرةٍ مطمئنة:

"يكفيها هذا القدر من الحديث اليوم."

ثم التفت إلى الكونتيسة.

"جسد الليدي ما زال ضعيفًا، وعقلها يحتاج إلى الراحة."

تنهدت الكونتيسة موافقة، ثم نهضت من مكانها ببطء.

وقبل أن تغادر، التفتت إلى إحدى الخادمات وقالت:

"لا تتركن الليدي إيزابيلا وحدها."

انحنت الخادمة باحترام.

"كما تأمرين، سيدتي."

وبدأ الجميع يغادرون الغرفة...واحدًا تلو الآخر.

حتى أُغلق الباب بهدوء.

ولأول مرة...وجدت نورين نفسها وحيدة.

وسط غرفةٍ لا تعرفها...وجسدٍ ليس جسدها...وعالمٍ لم يعد ينتمي إليها.

ساد الصمت في الغرفة بعد خروج الجميع.

لم يبقَ سوى صوت احتراق الشموع الخافت، ورفرفة الستائر التي داعبها نسيم المساء.

ظلت نورين واقفة في مكانها، وعيناها معلقتين بالفراغ.

كانت الكلمات التي سمعتها قبل قليل لا تزال تتردد داخل رأسها...إيزابيلا دي فالوا...قصر آل دي فالوا...العام الثامن والعشرون بعد المئة الرابعة...أغمضت عينيها بقوة.

هذا ليس حلمًا...لقد دخلتُ الرواية حقًا.

لكن...إذا كنتُ أنا هنا...فأين ذهبت إيزابيلا؟

ارتجف نَفَسُها، وازدادت ضربات قلبها اضطرابًا.

ورفعت بصرها لتقع عيناها على مرآةٍ طويلة يحيطها إطارٌ ذهبي مزخرف، تقف في الركن المقابل للغرفة.

شعرت بانقباضٍ في صدرها.

كانت تعلم...بل كانت تخشى...ما ستراه.

تقدمت ببطء.

خطوة...ثم أخرى...حتى وقفت أمامها.

ورفعت عينيها.

فتوقفت أنفاسها.

انعكس أمامها وجه فتاةٍ فاتنة، ذات بشرةٍ ناصعة البياض، تنساب حول كتفيها خصلاتٌ ذهبية طويلة، كأنها نُسجت من خيوط الشمس.

أما عيناها...فكانتا زرقاوين صافيتين، بلون السماء بعد المطر.

ارتجفت يدها، ورفعتها نحو وجهها.

وفي اللحظة نفسها...رفعت الفتاة التي في المرآة يدها أيضًا.

لامست وجنتها.

فلامست الأخرى وجنتها.

لا...

لم يعد هناك مجالٌ للإنكار.

بقيت تحدق في الفتاة طويلًا.

ثم همست:

"هذا... جسد إيزابيلا."

أمسكت خصلةً من شعرها الأشقر، وراحت تحدق فيها طويلًا.

ثم نظرت إلى الثوب الذي ترتديه.

فستانٌ طويل من الحرير الأبيض، تتخلله خيوطٌ فضية دقيقة، ينساب حولها بأناقةٍ لا تشبه زمنها ولا عالمها.

ابتلعت ريقها بصعوبة.

ثم أغمضت عينيها، وأخذت تتمتم وكأنها تحاول إقناع نفسها:

"أنا نورين..."

"يجب أن أبقى نورين..."

فتحت عينيها من جديد.

لكن المرآة لم تُعد إليها وجهها.

بل أعادت إليها وجه إيزابيلا وحده.

تراجعت خطوة.

ثم همست، وقد امتلأ صوتها بالذعر:

"إن كنتُ أنا في هذا الجسد..."

"...فأين إيزابيلا الحقيقية؟"

ساد الصمت.

ولم يجبها أحد.

غير انعكاس الفتاة الشقراء...التي كانت تعرف عنها أكثر مما ينبغي.

كانت تعرف اسمها...وعائلتها...ومصيرها.

الفتاة التي قرأت نورين نهايتها يومًا بين صفحات رواية.

شعرت بركبتيها تضعفان فجأة.

لم يعد جسدها قادرًا على تحمل كل تلك الصدمات المتلاحقة.

أسندت يدها المرتجفة إلى حافة الطاولة القريبة، لكنها شعرت بدوارٍ شديد، حتى بدأت الغرفة كلها تدور من حولها.

همست بصعوبة:

"يبدو أن... هذا الجسد لم يتعافَ بعد..."

وما إن حاولت أن تخطو خطوةً واحدة...حتى خانتها قدماها.

وفي اللحظة نفسها...ارتفع صوت طرقاتٍ خفيفة على الباب.

"ليدي إيزابيلا؟"

لم تستطع الإجابة.

فُتح الباب ببطء، وأطلت إحدى الخادمات الشابات برأسها.

وما إن وقع بصرها على إيزابيلا، حتى اتسعت عيناها فزعًا.

"يا إلهي!"

أسرعت نحوها قبل أن تسقط، وأمسكتها من ذراعيها في اللحظة الأخيرة.

"سيدتي... ماذا تفعلين؟! كان الطبيب قد أوصى بعدم مغادرة الفراش!"

أغمضت نورين عينيها من شدة الدوار.

لم تجد حتى القوة لتبعدها عنها.

ساعدتها الخادمة برفق حتى جلست على حافة الفراش، ثم سارعت إلى سكب كأسٍ من الماء وقدّمته إليها بيدين مرتجفتين.

"تفضلي... اشربي قليلًا."

تناولت نورين الكأس بصعوبة، وارتشفت منه جرعاتٍ صغيرة.

بدأت أنفاسها تنتظم شيئًا فشيئًا.

قالت الخادمة بخوف:

"هل أنادي الطبيب؟ أو الكونتيسة؟"

رفعت نورين رأسها بسرعة، ثم هزته نفيًا.

"لا..."

توقفت لحظة، ثم تداركت نفسها، وقد خرجت الكلمات بتلك اللغة الغريبة التي أصبحت تنطقها دون إرادة.

"لا... أريد أن أبقى وحدي قليلًا."

بدت الحيرة على وجه الخادمة، لكنها انحنت باحترام.

"كما تأمرين، سيدتي."

تراجعت نحو الباب، لكنها قبل أن تغادر التفتت إليها قائلة:

"إن احتجتِ إلى أي شيء... سأكون خلف الباب مباشرة."

أغلقت الباب بهدوء.

وعادت الغرفة إلى صمتها.

جلست نورين فوق الفراش، والكأس بين يديها، تحدق في انعكاس الشموع المرتجف داخل الماء.

ثم أغمضت عينيها ببطء...

وهمست في سرها:

"إن كان هذا ليس حلمًا... فلابد أن أجد طريقة لأعيش حتى أعود إلى عالمي."

لكن قبل ذلك...

يجب ألا يعرف أحد... أنني لستُ إيزابيلا.

لأنهم إن عرفوا الحقيقة...فلن يصدقني أحد.

سيقولون إن الحادث أفقد الليدي إيزابيلا عقلها...أو إنني فقدت ذاكرتي تمامًا.

لذا...

يجب أن أعيش، من الآن فصاعدًا...

بصفتي الليدي إيزابيلا دي فالوا.

ومن تلك الليلة... بدأت معركتها مع النهاية التي قرأتها يومًا... ورفضت أن تعيشها.

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما وراء القناع

المؤلف Ñorãn Fãwžy
2026/07/16 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة