«ليست كل نهايةٍ تُكتب... نهايةٌ لا يمكن تغييرها.»
كانت الشمس تميل ببطء نحو الأفق، بينما اكتست السماء بألوان الغروب الهادئة، وامتزج البرتقالي بالأرجواني في لوحةٍ بدت وكأنها رُسمت بعناية.
وفي إحدى الحدائق العامة، بعيدًا عن ضجيج الطريق، جلست فتاةٌ شابة على مقعدٍ خشبي تحت شجرةٍ وارفة، وقد انشغلت تمامًا بالرواية التي بين يديها.
كانت تُقلِّب صفحاتها بتركيز، حتى انعقد حاجباها فجأة مع اقترابها من النهاية.
لم تكن تلك المرة الأولى التي تهرب فيها إلى الكتب.
فكلما ضاق بها الواقع، وجدت بين الصفحات عالمًا أكثر رحابة، وحيواتٍ لم تعشها، وأشخاصًا لم تلتقِ بهم قط، لكنها اعتادت أن تشاركهم أفراحهم وأحزانهم، وكأنهم جزءٌ من حياتها.
أنهت قراءة الصفحة الأخيرة، ثم أغلقت الرواية برفق، قبل أن تطلق زفرةً طويلة.
هزت رأسها بضيق، وقالت باللهجة المصرية وهي تنظر إلى الغلاف:
"بجد؟! يعني بعد كل ده... دي النهاية؟"
أعادت النظر إلى الغلاف مرة أخرى، ثم أضافت وهي تزفر في استياء:
"والله الكاتب ده مستفز... كان ممكن يعمل نهاية أحسن من كده بكتير."
رغم انزعاجها، ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ خفيفة.
فحتى الروايات التي لا تُرضيها... كانت تترك في قلبها أثرًا لا يُنسى.
وضعت الرواية داخل حقيبتها، ثم نهضت من المقعد، وألقت نظرةً أخيرة على السماء التي بدأ الليل يفرض حضوره شيئًا فشيئًا.
"يلا يا نورين... ماما زمانها قلقانة."
عدلت حقيبتها على كتفها، ثم غادرت الحديقة بخطواتٍ هادئة، بينما ظل المقعد الخشبي خلفها ساكنًا... وكأن شيئًا ما كان ينتظر وصولها في مكانٍ آخر.
كان الهواء المسائي يزداد برودةً شيئًا فشيئًا، بينما بدأت أضواء الشوارع تتلألأ على امتداد الطريق.
سارت نورين بخطواتٍ هادئة، وقد شرد ذهنها في أحداث الرواية التي أنهت قراءتها منذ قليل.
هزت رأسها محاولةً طرد الأفكار، ثم ابتسمت لنفسها قائلةً باللهجة المصرية:
"خلاص بقى... دي مجرد رواية."
لكنها، على الرغم من كلماتها، لم تستطع التوقف عن التفكير في النهاية.
وبينما كانت تتابع سيرها، جذب انتباهها عطرٌ شهي ينبعث من عربةٍ صغيرة لبيع الطعام تقف على جانب الطريق.
توقفت أمامها، ثم قالت بابتسامةٍ خفيفة:
"لو سمحت، ساندويتش بطاطس، ومن غير شطة."
ناولها البائع الساندويتش بعد دقائق، فشكرته، ثم أكملت طريقها وهي تتناوله على مهل.
لم تكن ترغب في العودة إلى المنزل مباشرة.
قادتها خطواتها نحو البحر بعفوية، كما لو أن نسيم المساء يدعوها لقضاء بعض الوقت أمام الأفق الهادئ.
وما إن وصلت إلى الشاطئ، حتى استقبلها صوت الأمواج وهي تتعاقب بهدوء، بينما امتد الأفق أمامها بلا نهاية.
جلست على أحد المقاعد الخشبية المطلة على البحر، وأخذت تتأمل الأفق بصمت، بينما كانت الأمواج تتقدم ثم تتراجع في حركةٍ لا تنقطع.
تنهدت براحة، وهمست لنفسها:
"مفيش أحسن من البحر يروق الواحد."
قالتها وهي تبتسم ابتسامةً خفيفة، ثم أنهت آخر قضمةٍ من ساندويتشها، وألقت الغلاف في سلة المهملات القريبة.
كان المكان هادئًا على غير العادة، ولم يكن يُسمع سوى صوت الأمواج وهي تتعاقب على الرمال، يتخلله بين الحين والآخر صوت طائرٍ يحلق فوق الماء.
أسندت ظهرها إلى المقعد، وأخذت تتأمل الأفق بصمت.
لطالما كان البحر مكانها المفضل.
كلما ازدحمت الأفكار في رأسها، جاءت إليه... وكأن اتساعه يسحب معها كل ما يثقل قلبها.
مرّت دقائق وهي شاردة الذهن...
قبل أن يلفت انتباهها شيءٌ لمع بين الرمال مع انحسار إحدى الأمواج.
ألقت نحوه نظرةً عابرة، لكنها سرعان ما صرفت بصرها.
"أكيد حاجة مرمية."
تمتمت بذلك، ثم عادت تتأمل البحر وكأن شيئًا لم يكن.
تقدمت موجةٌ أخرى، وما إن انحسرت حتى لمع ذلك الشيء مرةً ثانية.
هذه المرة بدا الوميض أوضح.
التفتت إليه لثوانٍ، ثم هزت كتفيها بلا اهتمام.
لم يكن من عادتها أن تلتفت إلى كل ما يلفت نظرها.
وبعد قليل، نهضت من مكانها، وعدلت حقيبتها على كتفها، ثم بدأت تسير مبتعدة عن الشاطئ.
خطت بضع خطوات...
قبل أن يصل إلى أذنيها صوت ارتطام موجةٍ جديدة بالرمال.
توقفت.
التفتت نحو البحر دون أن تشعر.
عاد الوميض للظهور من جديد.
ظل بصرها معلقًا بالمكان للحظات، ثم ابتسمت بسخرية من نفسها، وأدارت ظهرها لتكمل طريقها.
لكنها لم تبتعد هذه المرة أيضًا.
توقفت مرةً أخرى.
تنهدت، ثم استدارت ببطء.
كانت الأمواج قد انحسرت من جديد...
وهذه المرة، لم يظهر الوميض وحده.
بل برز طرف صندوقٍ خشبي قديم، كان مدفونًا تحت الرمال، وكأنه ظل هناك سنواتٍ طويلة، حتى كشفه انحسار الأمواج.
ظلت واقفةً في مكانها، تحدق إليه بصمت.
ثم، ودون أن تشعر، وجدت قدميها تتحركان نحوه ببطء.
كلما اقتربت، بدأت ملامحه تتضح أكثر.
كان صندوقًا صغيرًا، مصنوعًا من خشبٍ داكن يميل إلى السواد، يحيط بحوافه إطارٌ معدني فضي، نُقشت عليه زخارف دقيقة متشابكة تشبه أغصان الأشجار الملتفة.
وفي منتصف غطائه استقر قفلٌ معدني قديم، تتوسطه دائرةٌ منقوشة برمزٍ غريب، كان هو مصدر ذلك الوميض الذي لفت انتباهها منذ البداية.
توقفت أمامه مباشرة.
وانحنت ببطء، ثم أزاحت بيدها الرمال العالقة حوله...
لتظهر أمامها تفاصيله كاملة.
مدّت يدها نحوه بتردد، لكن أصابعها توقفت قبل أن تلامسه بلحظة.
لم تكن تدري لماذا...
كان مجرد صندوقٍ خشبي قديم.
ومع ذلك، انتابها شعورٌ غريب لم تستطع تفسيره، وكأن لمسه لن يكون أمرًا عاديًا.
ابتلعت ريقها، ثم أطلقت زفرةً هادئة.
"هو أنا بجد هتوتر من صندوق؟"
تمتمت بذلك وهي تضحك بخفة، قبل أن تمد يدها نحوه مرةً أخرى.
لامست أطراف أصابعها سطح الصندوق بحذر.
كان الخشب باردًا على نحوٍ غريب، رغم أنه ظل مدفونًا تحت الرمال.
ترددت للحظة...
ثم أمسكت بالقفل المعدني، ودفعته برفق.
ولدهشتها...
لم يكن مغلقًا.
أصدر الغطاء صوتًا خافتًا وهو ينفتح ببطء.
انعقد حاجباها وهي تنظر إلى ما بداخله.
لم يكن هناك ذهب...
ولا مجوهرات...
ولا حتى أوراق قديمة.
كانت هناك...
روايةٌ واحدة فقط.
رفعتها بحذر، ونفضت عنها ذرات الرمل.
تأملت غلافها للحظات.
كان غلافها مصنوعًا من جلدٍ أسود قاتم، تتوسطه زخارف فضية تشبه تلك المنقوشة على الصندوق، بينما خلا غلافه من أي عنوان.
همست بدهشة:
"رواية؟"
قلبت الغلاف ببطء...
وفي اللحظة التي لامست فيها أصابعها الصفحة الأولى...
بدأت الحروف الغريبة المنقوشة على الغلاف تتغير أمام عينيها...
لتتحول تدريجيًا إلى لغةٍ تعرفها جيدًا.
لغةٍ عربية.
اتسعت عيناها في ذهول...
يتبع...
Ñorãn Fãwžy