خارج صفحات الكتاب

خارج صفحات الكتاب

10 0

لكنها لم تكن تعلم... أن تغيير النهاية سيوقظ أسرارًا... لم تكن موجودة في الرواية أصلًا.

استيقظت نورين على طرقاتٍ خفيفةٍ على الباب.

"ليدي إيزابيلا... هل استيقظتِ؟"

فتحت عينيها ببطء.

للحظة...

نسيت أين هي.

بدت الغرفة غريبة... ثم ما لبثت الذكريات أن اندفعت إلى عقلها دفعةً واحدة.

الحادث...الكتاب...قصر آل دي فالوا...والمرآة...

وقعت عيناها على السقف المزخرف، والثريا الكريستالية المتدلية، والستائر القرمزية التي تتراقص أطرافها مع نسيم الصباح.

فأغمضت عينيها مرةً أخرى.

كانت تتمنى...

أن تعيد فتحهما فتجد سقف غرفتها الصغيرة في منزلها.

أن تسمع صوت والدها...

أو ضحكة ليان ...

أو حتى مشاكسة آدم.

لكن...

لم يحدث شيء.

تنفست ببطء، ثم همست في خاطرها:

«اهدئي يا نورين...»

«البكاء لن يعيدك إلى عالمك.»

نهضت ببطء مستندةً إلى حافة الفراش.

كان جسدها لا يزال يؤلمها، وكأن آثار الحادث لم تغادره بعد.

"تفضلي بالدخول."

خرج صوتها بتلك اللغة التي أصبحت تنطقها دون إرادة.

انفتح الباب بهدوء.

ودخلت خادمة شابة تحمل صينيةً فضية، فوقها كوبٌ من الأعشاب الدافئة، وبعض الخبز الطازج، وقطعٌ من الفاكهة.

انحنت باحترام.

"صباح الخير، ليدي إيزابيلا."

أومأت نورين برأسها، محاولةً تقليد هدوء النبيلات.

"صباح الخير."

وضعت الخادمة الصينية فوق الطاولة برفق، ثم ابتسمت قائلة:

"يسعدني أن أراكِ أفضل حالًا اليوم، سيدتي."

ثم انحنت قليلًا وأضافت:

"إن احتجتِ إلى شيء، فما عليكِ إلا أن تنادي إيلين."

توقفت يد نورين في منتصف الطريق إلى الكأس.

«إيلين...؟»

ارتفع خفقان قلبها قليلًا.

«لا... أنا متأكدة... هذا الاسم لم يكن موجودًا في الرواية.»

رفعت بصرها نحو الخادمة مرةً أخرى.

كانت فتاةً عادية... لا تبدو مختلفة عن أي خادمة أخرى.

لكن الاسم...

ذلك الاسم لم تقرأه من قبل.

حدثت نفسها:

«أنا لا أتذكر كل الخدم...»

«لكن الخدم المقربين من إيزابيلا ذُكرت أسماؤهم جميعًا.»

«مارغريت...»

«هيلدا...»

«روزا...»

«أما إيلين...»

«فلم تكن موجودة.»

ارتفع خفقان قلبها ببطء.

«هل نسيتُ شيئًا؟»

«لا...»

«أنا متأكدة...»

«لقد قرأت الرواية مرةً واحدة فقط...»

«لكن الشخصيات القريبة من إيزابيلا كانت راسخةً في ذاكرتي.»

«أما هذه الفتاة...»

«فلا أذكر أنها كانت موجودة.»

تسلل شعورٌ بارد إلى صدرها.

«إذن...»

«من تكون هذه الفتاة؟»

ابتعدت الخادمة خطوةً، وقد لاحظت شرود سيدتها.

"هل تشعرين بالتعب يا ليدي؟"

انتبهت نورين إلى نفسها، ثم هزت رأسها بهدوء.

"لا... أنا بخير."

لكنها لم تكن بخير.

لأول مرة...

تسلل إليها خوفٌ لم تشعر به حتى عندما فتحت عينيها في هذا العالم.

لقد كانت تظن أنها تعرف الرواية عن ظهر قلب...

لكن تلك الخادمة...

لم تكن موجودة فيها.

ورغم أن الفرق بدا صغيرًا...

إلا أنه كان كافيًا ليزرع في قلبها سؤالًا مرعبًا.

«ماذا لو... لم تعد هذه هي الرواية التي قرأتها؟»

قالت نورين بعد لحظة صمت:

"إيلين..."

رفعت الخادمة رأسها على الفور .

"نعم، سيدتي؟"

ترددت نورين قليلًا، ثم قالت بحذر:

"أريد أن أسألكِ عن شيء."

انحنت إيلين باحترام.

"تفضلي، سيدتي."

خفضت نورين بصرها قليلًا، وكأنها تنتقي كلمتها بعناية.

"الحادث الذي تعرضتُ له..."

رفعت عينيها إليها.

"ماذا حدث بالضبط؟"

ارتسمت الدهشة على وجه إيلين.

وقالت:

"ألا تتذكرين شيئًا منه؟"

هزت نورين رأسها ببطء.

"لا... لا أتذكر سوى القليل."

تنهدت إيلين بأسى.

"قال الطبيب إن ذلك متوقع بعد الاصابة التي لحقت برأسكِ."

ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف:

"لكن... ما سأخبركِ به ليس إلا ما رواه لنا قائد الحرس."

انعقد حاجبا نورين.

"قائد الحرس؟"

أومأت إيلين.

"نعم، سيدتي."

ثم تابعت بهدوء:

"كنتِ عائدة من زيارة دير القديسة أوريانا برفقة عددٍ من الفرسان."

"وعندما مرت العربة بالطريق الجبلي..."

"انفلت أحد الخيول فجأة، وكأن شيئًا أفزعه."

"حاول السائق السيطرة عليه، لكنه لم يستطع."

"فانحرفت العربة عن الطريق..."

وتوقف صوتها لحظة، وكأنها تستعيد قسوة ما حدث.

ثم تابعت بصوتٍ خافت:

"...ثم سقطت أسفل المنحدر."حبست نورين أنفاسها.أكملت إيلين بصوتٍ خافت:"أُصيب معظم أفراد الحرس بجروحٍ متفرقة... أما أنتِ يا سيدتي..."

ابتلعت ريقها، ثم رفعت يدها دون وعي مشيرةً إلى جانب رأسها الأيسر:

"فقد ارتطم رأسكِ بقوةٍ بجانب العربة. كان الجرح عميقاً، وظل الدم ينزف حتى وصل الطبيب الملكي، وقد فقدتِ وعيكِ ثلاثة أيامٍ كاملة."

ساد الصمتُ المكان.

رفعت نورين يدها ببطء، وتلمست جانب رأسها؛ تحت خصلات شعرها الذهبية، شعرت بضمادةٍ سميكة تلف موضع الإصابة.أغمضت عينيها للحظة، وفي سرّها قالت:

«انقلاب عربة؟ هذا ليس ما أتذكره.. والأغرب أن الرواية لم تذكر شيئاً عن الحادث أصلاً! كل ما كُتب فيها أن إيزابيلا استيقظت بعد حادثٍ غامض.»

فتحت عينيها ببطء والوجوم يكسو وجهها:

"إذن.. هذه أول حقيقةٍ أكتشفها لم تُكتب بين صفحات الرواية."

ظلت إيلين واقفة في مكانها، تنتظر إن كانت سيدتها ستطلب شيئًا آخر.

رفعت نورين رأسها إليها، وظلت تنظر إليها للحظات.

لم تكن تعرف هذه الفتاة...

لكنها كانت أول وجهٍ مدَّ لها يد العون منذ أن فتحت عينيها في هذا العالم.

خفضت الكأس ببطء، ثم قالت بصوتٍ هادئ:

"شكرًا لكِ يا إيلين."

ساد الصمت.

رمشت إيلين مرة...ثم أخرى.

واتسعت عيناها بدهشةٍ واضحة.

حتى إنها نسيت للحظة أن تنحني.

"...سيدتي؟"

عقدت نورين حاجبيها باستغراب.

"هل قلتُ شيئًا غريبًا؟"

هزت إيلين رأسها بسرعة.

"كلا... أبدًا."

لكنها ابتسمت ابتسامةً صغيرة، سرعان ما أخفتها.

"أنا سعيدة لأنكِ بخير."

ثم انحنت باحترام.

"سأكون في الخارج إن احتجتِ إليَّ."

أغلقت الباب برفق، وغادرت الغرفة.

...

بقيت نورين وحدها مرةً أخرى.

أطلقت زفرةً طويلة.

ثم همست في سرها:

«حتى كلمة شكراً... بدت غريبة عليهم.»

«ترى... كيف كانت إيزابيلا تعامل خدمها؟»

هزت رأسها وهي تزفر بهدوء.

"لا يهم..."

"لن أستطيع أن أكون شخصًا آخر طوال الوقت."

نهضت ببطء من فوق الفراش، مستندةً إلى طرفه حتى لا يعاودها الدوار.

ثم أخذت تتأمل جناحها للمرة الأولى.

كان الجناح أشبه بقصرٍ صغير.

تتوسطه غرفة نومٍ واسعة، تتدلى من سقفها ثريا كريستالية ضخمة، تنعكس أضواؤها فوق الأرضية الرخامية اللامعة.

وعلى الجانب الأيسر...

موقدٌ رخامي تعلوه ساعةٌ نحاسية قديمة، تحيط بها تماثيل صغيرة منحوتة بإتقان.

وبالقرب من النافذة...

مكتبةٌ عالية امتلأت بالكتب ذات الأغلفة الجلدية، وإلى جوارها أريكة مخملية بلون الزمرد.

أما الستائر الحريرية الطويلة...

فكانت تنساب حتى الأرض، وتتحرك برفق مع نسيمٍ باردٍ يتسلل من الشرفة.

اقتربت نورين من النافذة.

دفعت الستارة قليلًا.

فاتسعت عيناها.

امتدت أمامها حدائق شاسعة، تتوسطها نافورة رخامية، تحيط بها أزهارٌ لم ترَ مثلها من قبل.

وخلف الحدائق...

ارتفع القصر بأبراجه البيضاء، وأسقفه الزرقاء، وأعلام مملكة أستريا التي كانت ترفرف مع الريح.

وقفت صامتة.

ثم همست في سرها:

«إذن... هذا هو المكان الذي عاشت فيه إيزابيلا.»

«وهنا...»

«ستبدأ حياتي الجديدة.»

في الجهة الأخرى من القصر...

كان الممر الطويل يغرق في هدوء المساء، لا يقطعه سوى صوت خطواتٍ هادئة فوق الأرضية الرخامية.

سارت الدوقة إيلانورا دي فالوا ببطء، يرافقها ضوء الشموع المنعكس على الجدران الحجرية.

كانت ملامحها تنطق بالإرهاق.

فمنذ ثلاثة أيام...

لم تعرف للنوم طعمًا.

ورغم أن الجميع أخبرها أن ابنتها استعادت وعيها...

إلا أن قلبها لم يعرف الطمأنينة بعد.

توقفت أمام باب الجناح.

رفعت يدها، وكادت تطرق الباب...

لكنها سمعت الباب يُفتح من الداخل.

خرجت إيلين بخطواتٍ هادئة، وما إن رفعت رأسها حتى فوجئت بالدوقة أمامها.

انحنت بسرعة.

"مولاتي."

أومأت الدوقة برأسها.

ثم سألت بصوتٍ خافت، كأنها تخشى سماع الإجابة:

"كيف حال إيزابيلا؟"

ابتسمت إيلين ابتسامةً صغيرة، لكنها بدت مشوبة بالحيرة.

"تبدو أفضل بكثير، مولاتي."

ساد صمتٌ قصير.

ثم قالت، وكأنها لا تزال غير مصدقة:

"لكن..."

رفعت الدوقة حاجبها.

"لكن ماذا؟"

ترددت إيلين لحظة.

ثم قالت بخفوت:

"شكرتني... للمرة الأولى."

انعقد حاجبا الدوقة.

"...شكرتك؟"

أومأت إيلين.

"نعم، مولاتي."

ثم أضافت بحيرة:

"ورغم أنها تبدو شاردة الذهن... إلا أن شيئًا فيها يبدو مختلفًا."

أخفضت الدوقة بصرها.

واستقرت يدها فوق مقبض الباب.

مختلفة...

تلك الكلمة وحدها جعلت قلبها يخفق بقوة.

أغمضت عينيها للحظة.

ودار في خلدها:

«ليت ذلك الاختلاف... يقربها مني هذه المرة.»

فتحت عينيها من جديد.

وأخذت نفسًا عميقًا...

ثم دفعت الباب ببطء، ودخلت جناح ابنتها.

دلفت الدوقة إلى الجناح بخطواتٍ بطيئة، وأغلقت الباب خلفها في هدوء.

بحثت بعينيها عن ابنتها...

فوجدتها تقف عند الشرفة، تستند بإحدى يديها إلى إطارها الرخامي، بينما كانت تنظر إلى الحدائق الممتدة أمام القصر.

توقفت الدوقة في مكانها.

لم تنادها.

واكتفت بالنظر إليها بصمت.

كانت المسافة بينهما لا تتجاوز بضعة أمتار...

لكنها بدت، في نظرها، أبعد من سنواتٍ طويلة.

تحركت قدمها خطوةً واحدة.

ثم توقفت.

خفضت بصرها قليلًا.

كم مرةٍ حاولت أن تقترب منها؟

وكم مرةٍ قوبلت بالبرود... أو بالصمت... أو بنظرةٍ جعلتها تتراجع قبل أن تنطق بكلمة؟

قبضت على طرف ثوبها دون وعي.

ثم همست في سرها:

"لقد استعادت وعيها..."

"يكفيني هذا..."

"لا أريد أن أرهقها..."

لكن قلبها...

كان يتوسل إليها أن تقترب.

رفعت رأسها مرةً أخرى.

كانت إيزابيلا ما تزال تحدق إلى الخارج.

لم تلتفت إليها بعد.

تنفست الدوقة بعمق، ثم جمعت شجاعتها أخيرًا.

وقالت بصوتٍ خافت، امتزج فيه الحذر بالحنان:

"إيزابيلا..."

استدارت نورين ببطء.

وما إن وقعت عيناها على وجه الدوقة...

حتى خفق قلبها بعنف.

ذلك الهدوء في الملامح...

وتلك العينان اللتان تخفيان حزنًا عميقًا خلف ابتسامةٍ هادئة...

لم تكونا متطابقتين مع وجه والدتها...

لكنهما كانتا تحملان الشيء نفسه...

ذلك الدفء الذي لا يشبه إلا حضن الأم.

شعرت بحرارةٍ تؤلم صدرها.

ورغبةٍ جارفة في الارتماء بين ذراعيها.

نسيت القصر...

ونسيت إيزابيلا...

ونسيت العالم كله.

وانزلقت الكلمة من بين شفتيها، رقيقةً، مرتجفةً، كأنها خرجت من أعماق قلبٍ اشتاق طويلًا:

"أمي..."

ساد الصمت.

اتسعت عينا الدوقة.

وللحظة...

ظنت أنها لم تسمع جيدًا.

إيزابيلا...

ابنتها التي اعتادت أن تناديها ببرود، أو تكتفي بالصمت...

نادتها الآن...

"أمي."

ارتجفت شفتاها.

وامتلأت عيناها بدموعٍ حاولت عبثًا أن تحبسها.

خطت خطوةً صغيرة نحوها، ثم توقفت، كأنها تخشى أن تتحطم تلك اللحظة إن اقتربت أكثر.

أما نورين...

فكانت لا تزال تحدق إليها، بعينين غمرهما الشوق...

بقيت نورين تحدق في الدوقة بعينين امتلأتا بالحنين.

لم تكن ترى أمامها دوقة آل دي فالوا...

بل كانت ترى صورةً باهتة لوجهٍ اشتاقت إليه كثيرًا.

همست مرةً أخرى، بصوتٍ أكثر خفوتًا:

"أمي..."

ارتجف قلب الدوقة.

ولم تستطع هذه المرة أن تخفي الدموع التي لمعت في عينيها.

"إيزابيلا..."

خرج اسمها منها مرتجفًا، كأنه دعاءٌ أكثر منه نداء.

عندها...

تحركت نورين دون تفكير.

خطوةً واحدة...

ثم ثانية.

كانت تريد أن تقترب.

أن تتأكد أن هذا الدفء ليس وهمًا.

لكن ما إن أسرعت قليلًا...

حتى داهمها ألمٌ حاد في رأسها.

تشوشت الرؤية أمام عينيها.

واختل توازنها فجأة.

شهقت بخفوت.

وكادت قدماها تخونانها...

لولا أن الدوقة اندفعت نحوها بسرعة، وأمسكتها قبل أن تسقط.

احتضنتها بكلتا ذراعيها دون تردد.

وقالت بقلقٍ واضح:

"رويدكِ... لا تتحركي بهذه السرعة."

كانت يدها تستقر خلف رأسها بحذر، خشية أن تؤذي موضع الإصابة.

أما نورين...

فقد تجمدت بين ذراعيها.

ذلك الحضن...

كان دافئًا.

هادئًا.

ومألوفًا بصورةٍ أوجعت قلبها.

أغمضت عينيها للحظة.

ولم تقاوم.

تركت رأسها تستند إلى كتف الدوقة...

بينما سالت دمعةٌ صامتة على خدها.

أما الدوقة...

فلم تفهم سبب بكاء ابنتها.

فاكتفت بأن ضمتها برفق أكثر...

وكأنها تخشى أن تبتعد عنها من جديد.

ظلت الدوقة تضمها برفق، حتى شعرت بأن ارتجاف جسدها بدأ يهدأ شيئًا فشيئًا.

حينها فقط.

أرخَت ذراعيها قليلًا، ثم ابتعدت عنها مسافةً تكفي لترى وجهها.

رفعت يدها ببطء.

وكأنها تستأذن قبل أن تلمسها.

ثم مررت أطراف أصابعها بين خصلات شعرها الذهبية،بحنانٍ بالغ، متجنبة الضمادة البيضاء التي كانت تلف حول جانب رأسها.

كانت لمسةً حذرة...خائفة

كأنها تخشى أن تؤلمها.

أو

أن تتبدد هذه اللحظة إن رفعت يدها.

أما نورين...

فأغمضت عينيها دون إرادة.

كانت تلك اللمسة...

مؤلمة.

مؤلمة لأنها ذكّرتها بيدٍ أخرى...

يدٍ كانت تمسد شعرها كلما بكت.

يدٍ لم تعد موجودة.

شعرت بحرارةٍ تلسع عينيها.

لكنها قاومت دموعها بصعوبة.

ابتسمت الدوقة ابتسامةً واهنة، وقالت بصوتٍ خفيض:

"لقد أخفتِنا جميعًا يا إيزابيلا."

توقفت لحظة.

ثم همست، وقد ارتعش صوتها:

"حين أخبروني أن العربة سقطت..."

"...ظننت أنني لن أراكِ مرةً أخرى."

ارتجفت شفتاها.

لكنها ابتسمت رغم ذلك.

"الحمد لله... أنكِ عدتِ إليّ."

خفضت نورين رأسها.

لم تعرف ماذا تقول.

كل ما كانت تسمعه...كان قلب أمٍ يتحدث.

وليس كلمات دوقة.

وبعد صمتٍ قصير...

قالت بهدوء:

"آسفة..."

خرجت الكلمة تلقائيًا.

لم تكن اعتذارًا عن الحادث...بل عن ألمٍ لم تتسبب فيه هي.

رفعت الدوقة رأسها إليها بدهشة.

إيزابيلا...

تعتذر؟

كم مضى منذ سمعت منها هذه الكلمة؟

بل...

هل سمعتها منها من قبل؟

ابتسمت ابتسامةً صغيرة، ومسحت بإبهامها دمعةً كانت على وشك أن تهرب من طرف عين نورين.

وقالت بحنان:

"لا تعتذري..."

"يكفيني أنكِ بخير."

ساد بينهما صمتٌ مريح.

صمتٌ لم يكن محرجًا.

بل كان يشبه دفءَ المنزل.

ثم أضافت الدوقه بصوتٍ خافت:

"لا تفعلي ذلك مرةً أخرى."

نظرت إليها نورين طويلًا.

ثم قالت بهدوء:

"سأحاول..."

ارتجفت ابتسامة الدوقة.

حتى هذه الكلمات...

لم تكن تشبه إيزابيلا التي تعرفها.

لكنها لم تشأ أن تسأل.

يكفي أن ابنتها تتحدث إليها بهدوء.

يكفي...

أنها لم تدفع يدها بعيدًا.

ساد الصمت بينهما لحظات.

ثم قالت الدوقة فجأة، وكأنها تذكرت شيئًا:

"لا بد أنكِ جائعة."

كادت نورين تهز رأسها بالنفي.

لكن معدتها أطلقت صوتًا خافتًا.

احمر وجهها خجلًا.

ولم تستطع أن تمنع نفسها من الابتسام ابتسامة صغيرة.

ضحكت الدوقة ضحكة قصيرة هادئة، لم تسمعها جدران هذا الجناح منذ زمن.

وقالت وهي تبتسم:

"إذن لم يخدعني قلبي."

ثم التفتت نحو الباب.

"إيلين."

دخلت الخادمة على الفور.

"أحضري الطعام."

انحنت إيلين باحترام.

"في الحال، سيدتي."

عادت الدوقة لتنظر إلى نورين.

وقالت وهي تعدل الوسادة خلف ظهرها برفق:

"لن أسمح لكِ بالإفلات."

"ستأكلين أمامي حتى يطمئن قلبي."

نظرت إليها نورين بصمت.

ثم همست، وقد ابتسمت ابتسامة بالكاد ظهرت:

"حسنًا..."

وفي أعماقها...

لم تكن تشعر أنها تجلس أمام دوقة.

بل أمام أم...

تحاول بكل ما تملك أن تستعيد ابنتها.

لم تمضِ سوى دقائق قليلة...

حتى عادت ايلين وهي تدفع عربةً صغيرة، تفوح منها رائحة خبزٍ دافئ، وحساءٍ بالأعشاب، وبعض الفاكهة المقطعة.

وضعت الصينية فوق الطاولة القريبة.

ثم انسحبت بهدوء.

اقتربت الدوقة من الصينية.

وحملت الوعاء بيديها.

ثم جلست إلى جوار نورين.

تناولت الملعقة...

وغرفت قليلًا من الحساء.

ثم رفعتها نحوها.

تجمدت نورين.

ونظرت إليها باستغراب.

ابتسمت الدوقة بحنان.

وقالت:

"هيا."

"لا تجادلي."

"الطبيب أوصى ألا تُجهدي نفسك."

ظلت نورين تنظر إلى الملعقة لحظات.

ثم...

لمحت في عيني الدوقة ذلك القلق الصادق...

الذي كانت تراه قديمًا في عيني أمها.

ارتعشت أناملها.

وشعرت بغصةٍ تكبر في حلقها.

فتحت فمها بصمت.

وتناولت أول لقمة.

راقبتها الدوقة حتى ابتلعتها.

ثم ابتسمت ابتسامةً دافئة، وقالت:

"هكذا..."

"هذا أفضل."

لم تعرف نورين...

لماذا شعرت أن تلك اللقمة كانت أثقل من أي شيء ابتلعته في حياتها.

ربما...

لأنها لم تكن مجرد طعام.

بل كانت...

حنان أمٍ افتقدته طويلًا.

وأغمضت عينيها للحظة.

وفي أعماق قلبها...

همست بصوتٍ لم يسمعه أحد:

"أماه..."

"لقد اشتقت إليكِ كثيرًا..."

.....

مرّ أسبوع...

سبعة أيامٍ لم تشبه أيَّ أيامٍ عاشتها نورين من قبل.

كانت تستيقظ كل صباح على اسمٍ ليس اسمها...

وتنام كل ليلة وهي تخشى أن تنسى اسمها الحقيقي.

خلال ذلك الأسبوع...

بدأ جرح رأسها يلتئم ببطء، حتى استبدل الطبيب الضمادة الكبيرة بأخرى أصغر، ولم يعد الدوار يداهمها إلا إذا أرهقت نفسها.

تعلمت أسماء الخدم...

وحفظت ممرات جناحها الواسع.

وأصبحت إيلين ترافقها في معظم الأوقات، حتى كادت تتحول من مجرد خادمة... إلى الرفيقة الوحيدة التي تشعر نورين ببعض الأمان بقربها.

أما الدوقة...

فكانت تزورها كل يوم.

أحيانًا لتطمئن على صحتها...

وأحيانًا بلا سبب.

كانت تجلس معها بصمت، أو تسألها إن كانت تناولت طعامها، أو تمرر يدها برفق فوق شعرها قبل أن تغادر.

ولم تكن نورين تمانع ذلك.

بل...

وجدت نفسها تنتظر تلك الزيارات دون أن تعترف.

أما الجدة...

فبقيت تعاملها بحنانها المعتاد، وإن لم يغب عن عينيها ذلك القلق الذي يزداد كلما لاحظت تغير حفيدتها.

لكن الأصعب...

لم يكن التأقلم مع القصر.

ولا مع الحياة الجديدة.

بل...

كان التمثيل.

كل كلمةٍ تنطقها...

كانت تسبقها لحظة تفكير.

كل تصرف...

كانت تتساءل قبله:

«هل كانت إيزابيلا ستفعل هذا؟»

لم تكن تخشى أن تخطئ...

بقدر ما كانت تخشى أن يكتشف أحد...

أن روحًا أخرى تسكن هذا الجسد.

ومع مرور الأيام...

بدأت تدرك شيئًا مرعبًا.

الرواية...

لم تكن تخبرها بكل شيء.

بل كانت تخفي أكثر مما تكشف.

ومع كل حقيقةٍ جديدة... كانت نورين تدرك أن معرفتها بالرواية لم تعد ميزة... بل أصبحت فخًا قد يقودها إلى الهلاك.

...

وفي ذلك الصباح...

خرجت نورين لأول مرة إلى الحديقة الكبيرة المحيطة بالقصر.

كانت الحديقة أشبه بلوحةٍ رُسمت بعناية.

أشجارٌ شاهقة...

ونوافير رخامية...

وأزهارٌ لم ترَ مثلها في حياتها.

وقفت أمام إحدى الورود، تمرر أناملها برفق فوق بتلاتها.

ثم ابتسمت ابتسامةً صغيرة.

"على الأقل..."

"الزهور هنا لا تعرف أنني دخيلة على هذا العالم."

وفي تلك اللحظة...

اقترب أحد الخدم، وانحنى باحترام.

"ليدي إيزابيلا."

التفتت إليه.

"نعم؟"

قال بهدوء:

"تطلب منكِ الكونتيسة الحضور إلى قاعة الاستقبال."

عقدت حاجبيها باستغراب.

"جدتي؟"

أومأ الخادم.

"تنتظركِ، سيدتي."

هزت رأسها موافقة.

ثم سارت خلفه عبر ممرات القصر الطويلة.

....

وما إن وصلت إلى قاعة الاستقبال...

حتى توقفت عند العتبة.

كانت الكونتيسة تقف في منتصف القاعة، وعلى وجهها ابتسامةٌ لم ترها عليها من قبل.

ولم تكن وحدها.

كان يقف أمامها شاب...

أطال النظر إلى إحدى اللوحات المعلقة على الجدار، قبل أن يلتفت بهدوء.

في اللحظة التي استدار فيها...

التقت عيناه بعينيها.

تجمد الزمن.

كان طويل القامة...

تفوق قامته معظم رجال القصر.

يرتدي زيًا ملكيًا أسود تتخلله خيوطٌ ذهبية دقيقة، ينسدل فوق كتفيه وشاحٌ أزرق داكن يحمل شعار العائلة المالكة.

أما شعره...

فكان بنيًا فاتحًا يميل إلى الذهبي، مرتبًا بعناية.

لكن أكثر ما شد انتباهها...

كان عيناه.

زرقاوان...

باردتان...

هادئتان بصورةٍ أربكتها.

لم يكن ينظر إليها بغرور...

ولا بابتسامة.

بل بنظرةٍ ثابتة، يصعب قراءة ما يخفيه خلفها.

ابتسمت الكونتيسة عندما رأتها.

وأشارت إليها قائلة:

"إيزابيلا..."

"تعالي."

تقدمت نورين بخطواتٍ بطيئة.

وقلبها بدأ ينبض أسرع من المعتاد.

قالت الكونتيسة بسعادة:

"أود أن أقدم لكِ..."

ثم التفتت إلى الشاب.

"...صاحب السمو، ولي العهد..."

توقفت لحظة...

وأكملت بابتسامة:

"الأمير فيكتور."

شحب وجه نورين.

واتسعت عيناها فجأة.

توقفت خطواتها في مكانها.

ولم تشعر حتى بأنفاسها.

تجمدت الدماء في عروقها.

ذلك الاسم...

الاسم الذي كانت تخشاه منذ أن فتحت عينيها في هذا العالم.

خرج من بين شفتيها...بهمسٍ مرتجف:

"فـ... فيكتور...؟"

....

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما وراء القناع

المؤلف Ñorãn Fãwžy
2026/07/16 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة