كان الليلُ قد أسدلَ ستارهُ للتوّ، عندما انطلقت السياراتُ من بيت "عبد الحق" في موكبٍ بهيجٍ نحو بيت عروسه "تراتيل". تتابعت السيارات في سيرها مصطفةً حتى وصلت، وتوقفت واحدةً تلو الأخرى؛ ترجّل منها الرجال والنساء، واتجه كلٌّ إلى مكانه المخصص.
في الداخل، كان صخبُ النسوة وزغاريد الفرح تملأ الأرجاء، يرافقها إيقاع "الدربوكة" الذي لا يهدأ. كانت النسوة يرقصن بفساتينهن الملونة، في مزيجٍ ساحرٍ بين "الكراكو العاصمي" الفخم و**"الجبة القبائلية"** المزينة بالخيوط الزاهية، وصولاً إلى ملابس عصرية أنيقة تزينت بها الصغيرات. كنّ كالفراشات يحمن حول العروس التي تصدّرت المجلس بثوب تقليدي ذي لون أحمر قانٍ، جالسةً على وسادة مطرزة بخيوط ذهبية. كان شعرها مسدولاً تتلألأ فوقه حليٌّ فضية فخمة تتدلى على جبينها، بينما كانت مشاعرها مزيجاً من الارتباك، والفرح الخجول، ورهبةِ المجهول.
بعد مدّة، مدت امرأة مسنّة يدها لتأخذ "الحناء"؛ رسمت أول خطٍّ على كفّ العروس، خطاً بطيئاً متأملاً وهي تدعو لها بالهناء بصوتٍ رنّانٍ رخيم. ثم تعاقبت الأيدي: أمّ، أخت، خالة، عمّة، وصديقة... تُصبغ الأكفّ وتُلفُّ بالقماش الأبيض الناعم.
وكانت مريم معهم وحماتها تضع بعض الحنة في كفها ويتبدلان الابتسامات ..
وفي الزوايا، فتيات يتهامسن وهنّ يرمقن العروس تارةً والجمع الغفير تارةً أخرى، بينما كانت أطباق الحلوى المتنوعة تطوف بين المدعوين.
وسط هذا الصخب، كانت "تراتيل" تراقب المشهد وعيناها تلمعان بشيءٍ يشبه "الفقد"؛ فقدان اهتمام عائلتها التي أهملتها، خاصة أمها التي كان يُفترض أن تكون أقرب الناس إليها في هذه اللحظة. تذكرت "سلمى" الغاضبة منها، فكادت دموعها تفرّ لولا أن تداركتها "منار" التي كانت الوحيدة الصامدة بجانبها. حاولت حبس تلك الدموع المتجمدة في محاجرها وهي تنظر إلى يديها المربوطتين بالحناء، وكأنها تودّع في صمتٍ آخر يومٍ لها في هذا البيت.
في تلك اللحظة مالت منار نحوها، وكأنها قرأت الغصة التي تحاول ابتلاعها مع كل زغرودة تطلقها النسوة.
اقتربت منار من أذنها وهمست بصوت خفيض لا يسمعه غيرهما:
ــ "تراتيل.. انظري إليّ، لا تسمحي للحزن أن يسرق ضوء عينيكِ في يوم جميل كهذا ."
التفتت إليها تراتيل، وكانت عيناها المشبّعتان بالدموع التي لم تسلْ تعاتبان الفراغ، ثم رفعتهما فجأة و گأنها تقول :
كيف يا منار؟ أمي بهذه البلادة كأنني لستُ ابنتها التي سترحل اليوم.. وسلمى، كنت أظن أنها ستنسى خصامنا وتأتي لتشدّ أزري. أشعر أنني وحيدة وسط هذَا الزحامِ.
أمسكت منار يد تراتيل برفق، متجنبةً ملامسة الحناء الرطبة، وقالت بيقين:
ــ لستِ وحيدة وأنا هنا. مَن أدار ظهره اليوم هو الخاسر يا تراتيل، لا أنتِ. انظري إلى هذا اللون الأحمر على يديكِ؛ إنه يرمز لبداية جديدة، حياة تبنينها أنتِ بالحب والاهتمام الذي افتقدتِه هنا. لا تذرفي دمعةً واحدة تجعلهم يظنون أنكِ مكسورة إنهم لا يستحقونكِ .
مسحت منار بطرف منديلها دمعةً متمردة كادت أن تسقط على فستان تراتيل القاني، وتابعت بابتسامة مشجعة:
ــ ارفعي رأسكِ، عبد الحق ينتظر خروجكِ كالملكة، ولا تليق الملكات إلا بالشموخ. كوني تراتيل التي أعرفها.. القوية.
تنفست تراتيل بعمق، وأغمضت عينيها للحظة وكأنها تستمد القوة من كلمات أختها ، ثم رسمت ابتسامة باهتة لكنها صلبة، وعادت لتنظر إلى الحاضرات بوجهٍ أكثر تماسكاً، بينما بقيت منار كظلها، تحمي هشاشتها من عيون الفضوليين..
في ساحة الرجال:
خارج عتبات عالم النسوة، كان المشهد مختلفاً تماماً. هناك في الساحة الفسيحة، اصطف الرجال ببرانيسهم البيضاء الناصعة. بدأ صوت "البارود" يدوّي في المكان معلناً عن ذروة الحماس، حيث اشتعلت الساحة برقصة الخيل والبارود؛ كانت الخيول العربية الأصيلة تتمايل على النغمات، تضرب الأرض بحوافرها بخفة ودقة وكأنها تشارك البشر أفراحهم.
وسط هذا الصخب المهيب، وقف عبد الحق يراقب المشهد بعينين يملؤهما الفخر، قبل أن يشعر بضربة خفيفة على كتفه أخرجته من ذهوله. التفت ليجد صديق عمره أحمد ، الذي كان قد انتهى لتوه من جولة على صهوة جواده، والعرق يتصبب من جبينه ممتزجاً بغبار الساحة.
ابتسم أحمد وهو يمسح كفيه ببرنسه الأبيض، و عبد الحق بادله تلك الابتسامة.
.
.
.
.
.
حلَّ السكونُ أخيراً في أرجاء البيت بعدما غادر المدعوون، وبقيت رائحة البخور والحنة العالقة تذكر بالزحام الذي كان. جلست "تراتيل" في غرفتها، ترفع يديها المغلفتين بالقماش الأبيض بعناية، حين فُتح الباب ببطء.
كانت سلمى. دخلت بخطواتٍ هادئة لم تعتدها تراتيل، وعلى وجهها ارتسمت ملامح الندم المصطنع. اقتربت وجلست على حافة السرير، ونظرت إلى تراتيل بنظرةٍ كسيرة وقالت بصوتٍ منخفض:
ــ تراتيل.. لم أستطع النوم قبل أن آتي إليكِ. قلبي لم يطاوعني أن ترحلي وأنتِ غاضبة مني، جئتُ لأطلب منكِ السماح عن كل ما بدر مني.
تأثرت تراتيل بكلماتها، فهي رغم جرحها، تملك قلباً يغفر سريعاً. كادت أن تجيبها بكلمات طيبة، لكن سلمى لم تنتظر، بل تابعت وهي تمسح على يد تراتيل المربوطة بالحناء بخبثٍ :
ــ تعرفين يا أختي.. لستُ حاقدة، أنا فقط كنتُ غاضبة قليلا. طالما تمنيتُ لكِ رجلاً يقدركِ أكثر، وليس كأنا بالاضطرار' لأن القطار أوشك أن يفوتني..ونسيت أن هذاقضاء الله وقدره .
ــ على العموم،حتى ولم تسامحني أتمنى أن تكوني سعيدة، رغم أنني أرى في عينيكِ انكساراً ربما بسببنا فأحزنني !
ثم نهضت وقبلت رأس تراتيل قُبلةً، ثم قالت وهي تغادر الغرفة:
ــ تصبحي على خير يا عروس.. حاولي أن تنامي، فغداً أهم يومِ في عمركِ .
تركتها ورحلت، تاركةً تراتيل في ذهولٍ تام. لم يكن هدف سلمى الصلح، بل أرادت أن تزرع فيها الأمان في قلب أختها لكي تنفذ ما تعتقده إنتقاما ، وتضمن أن تراتيل لن تذوق طعم الفرح التي سرقَ منها.
.
.
.
.
.
في مكان آخر..
في ركن هادئ من البيت، جلس أحمد وقد استرخى أخيراً من عناء اليوم، وبجانبه مريم التي كانت تقرب منه كأس النعناعِ أخرج هاتفه وبدأ يعرض لها مقاطع الفيديو التي التقطها له أصدقائه في قلب الساحة.
كانت الشاشة تضج بصوت الحوافر ودوي البارود، وظهر أحمد في لقطة بالتصوير البطيء وهو يوجه بندقيته نحو السماء وتتطاير خلفه أطراف برنسه الأبيض. قالت مريم وهي تشاهد المقطع بذهول:
ــ يا إلهي أحمد ! تبدو في الفيديو وكأنك فارس.. انظر إلى سرعة الفرس، كيف استطعت التحكم بها في تلك اللحظة؟
ابتسم وهو يمرر لها صورة أخرى يظهر فيها غبار الساحة كأنه سحاب يحيط به، وقال بفخر:
ــ تلك اللحظة لا توصف يا مريم ، تشعرين وكأن الأرض تهتز تحتكِ، وأنكِ والفرس أصبحتم جسداً واحداً.
لمعت عينا مريم وهي تعيد تشغيل الفيديو مرة أخرى، ثم التفتت إليه وقالت فجأة بصوت مفعم بالحماس:
ــ أحمد ، لقد جعلتني أغار من هذه التجربة! انظر إلى انسيابية حركة الخيل.. أنا أيضاً أريد أن أجرب ذلك، أريد ركوب فرس مثلك!
رفع أحمد حاجبيه بدهشة ممزوجة بضحكة خفيفة:
ــ تريدين ركوب الفرس؟ الأمر ليس سهلاً كما يبدو في الفيديو، هذه خيول مدربة على البارود والركض السريع!
لكنها أجابت بإصرار وهي تشير إلى الشاشة:
ــ وما المانع؟ إذا كان الخيل يطيعك بهذا الشكل، فمن المؤكد أنه سيعرف أنني زوجة فارسه. أريد فقط أن أشعر بتلك القوة، ولو في جولة هادئة بعيداً عن ضجيج الرجال.
نظر إليها بعاطفة، وأغلق الهاتف واضعاً يده على كتفها:
ــ حسناً يا مريم ، بما أن صور الفيديوهات سحرتكِ لهذه الدرجة، فلكِ ذلك. سأختار لكِ أهدأ أفراس الإسطبل، ولنبدأ بعدها أول خطواتكِ لتصبحي فارسة..
بعد ساعة كانت مريم الناعسة مستلقية بجانب أحمد وهي مغمضة عيونها والنوم يسحبها إليه بعد أن إنتهت من قراءة أذكار النوم..
وفجأة قال أحمد بصوت هادئ :
ــ مريم هل مازلت مستيقظًة ..
لم تجبه تظاهرت بالنوم وكأنها تعرف ماسيقوله بشأن إكمال زواجهما ..
أكمل وگأنه يشك في كونها مازلت مستيقظًة وتتظاهر بالنومِ .
ــ مريم يبدو نعسة جدا ولا تستطيعين التحدث ..
ــ تعلمين أنه لا يجوز العيش معا هكذا صح ؟
لم تجب ولم تحرك سكننا ..
لمس كتفها وبصعوبة كتمت إرتعاشة نفسها وهنا صدق بأنها نائمة فقال :
ــ يا إلهي كنت أكلم نفسي ..
ــ يجب أن نحل أمر بيننا ولا أتهاون فهذه حدود الله ..
أكلم جملة في نفسه..
وهي حمدت الله أنه لم يكشف أمرها ..
.
.
.
.
في مساء اليوم التالي، كان الشارع يعجّ بالحركة والانتظار. أطلّ العريس عبد الحق، وكان يبدو مختلفاً تماماً في بذلته السوداء الأنيقة التي اختارها بعناية؛ وقف في مكانه المخصص بثباتٍ، وعيناه لا تغادران عتبة الباب، يقف كفارسٍ وصل أخيراً إلى نهاية رحلة البحث عن شريكة العمر.
وعندما فُتح الباب، ساد صمت قصير قبل أن تظهر هي، تتقدم نحوه بخطوات بطيئة ومترددة، تستند إلى ذراع والدها الذي كان يمشي بخطى بطيئة ، يغالب تأثره وهو يقود ابنتُه نحو حياة جديدة.
وعندما وصلا إليه، سلمها والدها له بكلمات وصية قصيرة لم يسمعها سواه، فمدّ عبد الحق يده لتمسك بيدها التي كانت ترتجف بوضوح. كانت يده عريضة، دافئة، توحي بالأمان، بينما كانت يدها المغطاة بقفاز الدانتيل الرقيق تبدو ضائعة وسط كفه، كعصفورٍ أبيض وجد أخيراً غصنه الآمن.
عندما انطبقت أصابعه على كفها، شعر كلاهما بتلك الرعشة التي تسري في الجسد؛ لم يكن مجرد تلامس، بل كان "عقداً صامتاً" كُتب في تلك اللحظة بين نبضين يلتقيان لأول مرة في العلن. انحنى قليلاً وهمس لها بكلمات سرية، جعلت وجنتيها تتوردان، فارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة، وأنزلت رأسها أكثر بحياءٍ شديد.
فجأة، كسر سكون اللحظة دويّ الرصاص، حيث انفجرت فوهات البنادق في الهواء لترسم غيمة من الدخان الأبيض الذي تداخل مع ضوء المصابيح، واختلطت تلك الأصوات بزغاريد الجارات والقريبات التي ملأت أرجاء الشارع، معلنةً انطلاق المسيرة.
بدأ الزوجان المشي معاً، خطوةً بخطوة، وسط حشد المحبين. كان فستانها الأبيض المنفوش ينساب خلفهما ويصطدم أحياناً بحواف الطريق، وفي كل مرة كانت تتعثر فيها بسبب طول الفستان أو ارتباكها، كان يشعر بها فوراً، فيشدُّ على يدها بقوة وكأنه يسندها، ويميل نحوها ليطمئنها بضغطته تلك، وكأنه يقول لها دون كلام:
ــ أنا هنا بجانبكِ، تمسكي بي جيداً ولن أفلتكِ أبداً.
كل هذا وكان هناك شخص من بعيد يراقب كل هذا ويتمنى لها السعادة لقلبها بعد ما فعله بها وقرر أن يغادر وأن لا يزعجها في حياتها الجديدة.
.
.
.
.
.
وصلت السيارة إلى باب منزلهما الجديد، وترجل عبد الحق ليفتح لها الباب بيده التي لم تترك يدها طوال الطريق. دخلا المنزل، وأُغلق الباب خلفهما ليعمّ سكون مفاجئ بعد ضجيج الزغاريد والرصاص. كانت هي لا تزال مطرقة الرأس، تشعر بثقل الفستان وحيرة الموقف، وقلبها يخفق بشدة وهي تدرك أنها الآن وحيدة معه في مملكتهما الصغيرة.
أضاء عبد الحق أنوار الصالون، ثم التفت إليها ببطء. رفع بيده طرف "الطرحة" عن وجهها، فنظر في عينيها اللتين كانت تلمعان ببريق الدموع والخجل. أدرك في تلك اللحظة أن صمتها ليس نقصاً، بل هو مساحة شاسعة من المشاعر التي لا تحتاج إلى أحرف.
ثم أمسك كفيها بين يديه، وجلس بجانبها قائلاً بصوت هادئ ومنخفض:
ــ لا تقلقي.. أعلم أن بداخلكِ الكثير من الكلام الذي لا تقوله الألسنة. وأعلم أن هذا الثوب الأبيض ليس مجرد فستان، بل هو بداية لعهد جديد بيننا.
نظرت إليه بعينين واسعتين يحفهما القلق، فحاول طمأنتها بمداعبة يدها برفق، وأكمل:
ــ منذ اليوم، سأكون أنا صوتكِ إذا احتجتِ، وسأكون أذانكِ التي تسمع نبض قلبكِ قبل أن يتحرك. لا أحتاج منكِ حروفاً لأفهمكِ؛ يكفيني أن تنظري إليّ لأعرف ما تشتهيه نفسكِ.
ووضعت يدها على صدره جهة قلبه، كأنه يثبت لها صدقه ..
وهي نظرة له بنظرة جانبية كأنها تسأله بلغة جسدها:
ــ ألن تملّ من صمتي؟
فهم نظرتها فوراً، فابتسم ابتسامة دافئة وقبل جبينها ، ثم قال:
ــ الصمت في حرم الجمال جمال يا تراتيل ، وصمتكِ أنتِ قصيدة سأقرأها كل يوم بعينيّ. لن أترك يدكِ أبداً، وتذكري ما قلته لكِ وأنتِ تتعثرين في الخارج.. أنا هنا، ولن أفلتكِ.
ارتسمت على وجهها ابتسامة حقيقية هذه المرة، ابتسامة أزاحت غيمة الخوف، وأومأت برأسها في هدوء، معلنةً قبولها لهذا العهد، ليبدأا معاً أولى خطواتهما في بيتٍ بناه الحب وكلماته الصادقة .
بعد ذلك الهدوء الذي ساد المكان، تذكر عبد الحق سُنّة طالما انتظر تحقيقها في بيته. نظر إليها بعطف، ورأى في عينيها تساؤلاً صامتاً عما سيفعلانه الآن.
ركعتان بقلبٍ واحد
قام من مكانه ومد يده إليها برفق ليساعدها على الوقوف، وقال بنبرة تملؤها السكينة:
ــ تعالي.. لنبدأ حياتنا بالوقوف بين يدي الله، ليبارك لنا في هذا البيت.
ساعدها على الوضوء بتمهل، وكان يراقب حركاتها الرقيقة وهي تفعل ذالك ارتدت العروس ثوب الصلاة الأبيض، ثم وقف عبد الحق إماماً، ووقفت هي خلفه، وفي تلك اللحظة لم تكن اللغة عائقاً، فكلاهما يقرأ في كتاب الله بقلبه.
صلاة السكينة
بدأت الصلاة، فكان صوت عبد الحق الرخيم يرتل آيات الرحمة والمودة، بينما كانت هي تتبعه في الركوع والسجود، تشعر بأن كل ضيق في صدرها قد تبدد. في السجود، كان صمتها يضج بالدعاء، كانت تبكي بلا صوت، تخبر الله عن خوفها، عن شكرها، وعن أملها في أن يكون هذا الرجل هو سندها الذي لا يميل.
وبعد أن سلّم، التفت إليها وجلس أمامها. وضع يده الدافئة على مقدمة رأسها، كما أوصى النبي عليه الصلاةوالسلام، وأغمض عينيه وهو يدعو بصوتٍ مسموع لتسمعه وتؤمّن عليه بقلبها:
ــ اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه.. اللهم اجعلها لي قرة عين، واجعلني لها سكناً وأماناً.
عندما انتهى من دعائه، فتحت عينيها لتجده ينظر إليها بابتسامة صافيه. مسح بيده دمعة فرت من عينها، وهمس لها:
الآن، أصبحنا روحاً واحدة وصلاتنا معاً هي ميثاقنا الغليظ الذي لا يقطعه شيء.
أحست في تلك اللحظة أن السكينة قد نزلت على قلبها، وأن خوفها من كونها "بكماء" قد ذاب أمام إيمانه وصدقه. أومأت برأسها وهي تبتسم ابتسامة الرضا، وشعرت أن الله قد استجاب لدعائها السري في السجود.
بعد أن انقضت صلاة الركعتين، حلّت في الغرفة سكينة غريبة، وكأن الملائكة قد باركت هذا الركن الصغير. وقف عبد الحق وخلع رداء صلاته، ثم اقترب منها وجلس على أريكة قريبة، مشيراً لها بالجلوس بجانبه.
كان يدرك أن أصعب ما يواجهها الآن هو "الارتباك"، فكيف ستخبره بما تحتاجه؟ وكيف ستعبر عن تعبها أو فرحها؟ أخرج من درجِِ دفترًا صغيرًا وقلمًا كان قد أعدهما مسبقًا، وضعهما بين يديها وقال بلهجة حانية:
ــ هذا ليس مجرد دفتر، هذا سيكون جسرنا. إذا استصعبتِ الإشارة، فاكتبي لي.. ورغم أنني أعدكِ أنني سأتعلم قراءة عينيكِ قبل حروفكِ، إلا أنني أريد أن أسمع صوت فكركِ هنا.
أخذت القلم بيد مرتعشة، وكتبت بضع كلمات بخطٍ رقيق:
ــ خفتُ أن أكون عبئاً عليك بصمتي.
قرأها عبد الحق، فشعر بغصة في قلبه من رقتها. أمسك يدها وضغط عليها بقوة:
ــ عبء؟ والله إن صمتكِ أطهر من ضجيج الكثيرين. يا تراتيل ، البيوت لا تُبنى بالكلام، بل بالثقة والاحتواء. غداً، سأبدأ بتعلم لغة الإشارة معكِ، سنخترع لغتنا الخاصة التي لا يفهمها أحدٌ في هذا العالم سوانا..
.
.
.
.
رأيكم يهمني أعزائي..
لا تنسو التصويت..
سديم 'ے