ــ قراءة ممتعة..♡
ـــ
بعد أسبوع..
كانت الشمس قد مالت للغروبٍ فإصطبغت بلونِ الشفقِ وعكست بأشعتها على جدرانِ البيوتِ ..
في بيتِ أحمد ، بدأت أصواتُ الزغاريد تتعالى من باحة البيت لم يكن العرس كبيرًا صاخبًا كما في الأعراس الجماعية، بل كان بسيطًا، دافئًا، مهيبًا في الوقت نفسهِ وقد تم تقليصه مدتِه من ثلاثةِ أيامِ إلى يومِ واحد بناءا على رغبة مريم المُلِحةِِ.
كانت النساء متجمعاتِ في الداخل، يتبادلن التهانِي والضحكاتِ وقد ملأت رائحةُ الكسكسِ والشخشوخةِ أرجاءِ المكانِ،
فيما كان الرجالُ في الساحةِ الخارجيةِ يستقبلونَ الضيوفَ بترحابِ، يتبادلون السلام والدعاء .
أمَا العروس مريم فقد جلست في غرفة خاصة لها مع قريباتها التي لم تكن قد تعرفت على قلةِ قليلةِِ منهم فقط ، فقد كانت طوال الأسبوع تتجنبُ الحديث مع أي أحدِ بحجةِ أنها متعبةُ ومتوترةُ جدًا .
كانت ترتدي ثوب زفاف أبيض ناصع واسعِ مطرزًا بخيوط فضية جذابة ، يعلوهُ وشاح حريري أبيض، وقد رسموا يديها بالحناء والنقوش الدقيقة التي بدتْ لها مِنَ طرازِ قديمْ منسيٍ ، لا يناسبُ هذا العَصْرَ ، ولا بناسب فتاة راقيةً مثلها كأنهم بهذا قد جَرَدُوهَا من شخصيتها العرصرية الأنيقة ؛ ووضعوا مكانها لمسات من العصر الغابرِ .
كان هذا بالنسبة لها شيئًا غريبًا يثير الدهشة ،
' إبنة فرنسا التي اعتادت الفساتين الحديثة، والموسيقى الصاخبة تجلس الآن وسط عادات لم تفهمها كلها بعد، كأنها انتقلت من زمن لآخر قديم في غمضة عين'
كانت مشاعرها مختلطة بين التوتر والخوف والنفور و الاشمئزاز من كل شيء .
و قد إعتبرت هذا اليوم أسوء يومٍ قضته في حياتها فهو يوم ستزف عروسًا لرَجلِ عربِي فجأة دون سابق إنذار كعاقب لها على تجاوزِ أوامر والدها كانت تؤمن بفواجع القدر ولكن لم تتوقع فاجعة مثل هذه بأن يتحقق أسوء كابوسِ كانت تخشاهْ أشفقت على حالها كثيرًا و كأنها متأكدة من أنها أتعسُ عروسِِ في العالمْ ،
مسحت دموعها المتجمعة في عُيُونها لاتعلم لما يحدث ذالك قبل أيام كانت فقط راضية به و أعلنت ذالك لوالدها لكن أين ذالك الرضا والرغبة ؟! هل هذه هي الهرموناتُ المتقلبة التي تعاني منها النساءُ ؟ تجعلهم مشوشين ولا يفهمون حقيقة ما يريدون؟ و يتراجعون عن قرارتهم التي إتخذوها؟ ويغضبون و ينزعجون من أي شيءسخيفِ و يبحثون عن شخصِ يفرغونَ فيه غضبهم الغير معروفِ سببه؟ و تجبرهم على إتجاذِ قرارت مجنونة ؟
ماذا تفعل هل تهرب ؟ هل تحاولُ الانتحار لعل والدها يرأفُ بحالها ويعيدها معه ؟ لكن سرعان ما نفضت هذه الأفكار من رأسها ، ستبدو سخيفة ومجنونة لو أقدمت على فعل أمر كالهروبِ والانتحارِ فكرتْ وفكرتْ تحاول إيجاد حلِ للمأزرق الذي وضعها والدها فيه قبل أن تدخل عُشَ الزوجية ويفوت الأوان !
إهدئي يامريم مابكِ الزواج من أحمد ليس سيء ، تذكري أنها الهرموناتُ التي دائما تعرضكِ لإحراجِ لا تتخذي أي قرار وأنتِ مصابة بها كي لا تفسدَ حياتكْ .
ورغم ماشحنت به نفسها لم تستطع التحكم في سيرِ الافكارِ المجنونة ومن بين كل هذه الأفكار التي تدور في رأسها ؛ كانت هناك فكرة صغيرة تفقزُ في ذهنها منذ رأته لكن إحتمال نجحها كان ضَعِيفُ لكنها قررت المحاولة لعلها تنقذها وإن لم تنجح في إنقذها منه فستستسلم حتما لقدرها وثم سَتَدَعُ الأيام تمضي كما تشاء ، لعلها في يوم ما تموتُ من القهر ومن الظلم الذي ستتعرض له و سيندم والدها أشد ندمٍ على رميها للعربِِ بهذه الطريقة وهذا سيكون أشد عقابِ سيتلقاهُ هو و والدتها نتيجة لتفريطهم بها ، ولربما ستصبح قصتها مأساوية حديث الناس والصحف والمجلاتِ وقنواتِ التلفزيون ؛ و غالبًا سيتأثر بها أحد الكتاب ويقتبسها ويكتب بها روايةً كتخليدا لذكراها !
هكذا ستكون مريم هي
عبرة لكل من يعتبر ، عبرةً للجميع
و كتحذير لأي أبِ يريدُ تزويجٍ إبنته برجل عَربِي فتقع ضحية مثلها ، كان صدى الزغاريد يرتفع بين الفينة ليقطع شرودها وسير خططها وكان هذا يزيد من إنزعاجها إنزعاجًا.تمنت لو تصرخ في وجههم ليتوقفوا عن طنينهم المزعج كونهم لا يحتفلون بزفافها بل بمأساتها لكن همست في داخلها كمفارقة :
ــ كفي عن التشاؤم و هذه الدراما السخيفة مريم ، لن يحدث شيء أنتِ تبالغينَ كعادتك !
---
في الجهة الأخرى، كان أحمد يرتدي بذلة عريس سوداء أنيقة زادت من وسامته جاذبتهِ .
كانت أحاسيسه عكس أحاسيسها تماما فهو جالس مطمئنًا وسكينةٍ تغلف قلبه ، راضي بقدره وما قسمه الله له ، جالسُ بجانب صديقه عبد الحق الذي بدا سعيدا جدا وهو يشارك صديقهُ هذا اليوم المميز 'اليوم الذي سيكمل فيه نصف دينه'
ويحيطه به كل من والده وأعمامه، في جو بهيج مهيب
كان يبتسم بتواضع للجميع بينما ينصت للدعاءِ ويردد آمين .
لكن قلبه كان يخفق أحيانا، ليس خوفًا بل رهبةً من المسؤولية التي تنتظره.لأنه يعلم أن ليلة ليلة البداية بينهما لن تمر بخير ، هكذا كان حدسه يخبره.
---
كانت أصوات الدفوف تتعالى في أرجاء قاعة النساء وابتساماتهن لا تفارق وجوههن وهن يراقبن الرقصات المتتابعة ، وأحيانا العروس التي كانت ملامح وجهها تزداد تهجما تزامنا مع مرور الدقائق.
كانت منار منزوية في ركن من أركان القاعة تحاول نفسها النهوض بعد أن ملت من الجلوس و إلقاء نظراتٍ على العروسِِ على إستطاعت بطريقة ما تفسير ملامحها وأنها ربما مغصوبة على هذا الزواج ، فقالت تخاطبُ نفسها :
ــ من المؤكد أن فتاة فرنسية مدللة مثلها لن يعجبها الزواج من جزائري بسيط ؛ كيف تترك حياة الترف هناك ودراسة وتأتي لتغبن نفسها هنا .
ـ لربما ياصغيرتي كنتِ تحلمين بزواج من أشقرْ مارك ، أو الغني فيكتور ههه .
وارتسمت ابتسامة صغيرة ساخرة على ثغرها وهي تراقبها :
ــ آسفون عزيزتي هذا قدركْ وانت محظوظة على ما أعتقد أنا إلى الآن لم أجد زوجا أتمنى لو يتحمس قدري ويرمي بي خارج بيئتي مثلا فرنسا كما ألقى بكِ عندنا دعني أرقص لربما أقاربك هُنَا لعل واحدة تعجبُ بِي !
ما إن ارتفعت أصوات الدفوف أكثر فأكثر بإيقاعٍ مميز بتناسق مع إرتفاع زغاريد النسوة،درجة بدرجة ، لم تستطيع منار مقاومة الحماس الذي اجتاح القاعة أبدًا. فنهضت بخفة، واندمجت في صفّ الراقصات، تتحرك بخجل أولًا، ثم سرعان ما تحررت ضحكاتها و رسمتْ البراءة على وجهها ، كلما زغردت إحداهن، تجاوبت منار بضحكة صافية، وكلما خطت خطوة بسيطة، شجعنها بحرارة، حتى كسبت إعجابهن في لحظات قصيرة، وصارت مطلوبة للزواجٍِ.
على الطرف الآخر، سلمى نهضت مترددة تتبعها ، مالت بخطوات محسوبة وسط الدائرة، رقصت قليلًا وكأنها تستعرض أكثر مما تشارك. لكن سرعان ما توقفت، تنفست بتأفف وهي تلوّح بيدها:
ــ آه، ماهذا التخلف لا أحب هذا الإيقاع الرتيب.
وجلست تتصنّع الملل، وهي تراقب منار التي كانت تزداد تألقا بين النسوة، تغدو أجمل في نظر الجميع، نظرت إليها نظرة غيرة صامتة، فقد كانت تتمنى أن تحظى هي بتلك النظرات المعجبة، لكنها لم تجد غير التجاهل .
كانت النسوة الأكبر سنًا يتبادلن النظرات، ويتهامسن حول منار :
ــ ماشاء الله ، تبارك الله ، إنها رائعة !
بعد أن أنهت منار رقصتها، جلست بين النسوة تلهث من شدة الفرح والضحك، فاقتربت منها امرأة مسنّة، وجهها تغطيه التجاعيد ، وعيون فاحصة وابتسامة معجبة تبرز بها نيتها مدت يدها نحو يد منار وقالت بلهجة محببة:
ــ واش من دار انتي يا بنتي؟ ما نعرّفكش؟!
ابتسمت منار بخجل وردّت بصوت متقطع:
ــ أنا من تيارت يا خالتي ، جينا نسكنو هنا في بسكرة قريب ثلاث سنين.
أومأت العجوز برأسها، وكأنها تكتشف شيئًا جديدًا، ثم قالت:
ــ سبحان الله ، ما شاء الله، وين يماك؟ نحب نتعرّف بيها.
---
كانت أم عبد الحق جالسة بين صفوف النسوة، مترددة الفكر، يضيق صدرها وجع إبنها ذلك الشاب الذي أنهكه مرض الصرع منذ صغره. كلما تقدم لخطبة فتاة، تعتذر عائلتها بأعذار مختلفة، لكن الحقيقة دائمًا واحدة:
ــ لا أحد يريد أن يزوج ابنته لشاب يعاني نوبات مفاجئة.
اقتربت منها إحدى النسوة، وانحنت نحوها هامسة:
ــ لماذا لا تجربي حظك مع تلك العائلة القادمة من تيارت؟
نظرت إليها بدهشة:
ــ أي عائلة تقصدين؟
ابتسمت المرأة بخبث أنثوي:
ــ ألا ترين؟ لديهم ثلاث بنات. الصغرى خطبت مؤخرًا، والكبرى هناك ، أما الوسطى ، فهي لم تحضر العرس اليوم،
تسارعت دقات قلب أم عبد الحق، وكأن الأمل يطرق بابها بعد طول غياب. تساءلت بصوت خافت:
ــ ولماذا لم تحضر؟
أجابتها المرأة وهي ترفع كتفيها:
سمعت أنها تمر بصدمة جعلتها لا تتكلم .
أطرقت أم عبد الحق تفكر، وعيناها معلقتان في الفراغ:
ــ ربّاه ، أيمكن أن تكون هذه الفتاة سترًا لعبد الحق؟ لعل صمتها رحمة، ولعلها تكون البلسم لقلبه المتعب!
---
بــــعِــد وقــــت ليـــس بطويل ولا القـــصــيـر:
خَفَ الصَخْبُ والجمع في أرجاء القاعة عند النساء والرجال على حد سواء ٍ فقد بدأ الناس بإنصرافِ إلى منازلهم وديريارهم واحد تلو الآخر كدلالة على نهاية حفل الزفاف :
كانت مريم تراقب كل هذا بتوجس محتارةً في وصف ماسيحصل بعد قليل عند إجتماعها بأحمد تحت سقف واحد هل ستكون النهاية أو البداية لا تعلم حقا..؟!
كانت أوصالها ترتعش تزامنا مع إقتراب أخذها لبيتها الجديد الذي كان مبني فوق منزل والديه ،
كانت دموعها متجمعة في مقليتها توشك على السقوط ورغبة كبيرة تلح عليها بالفرار من كل هذا !
أحاسيس ومشاعر مختلطة في داخلها مزيج من الغضب؛ السخط ؛خذلان ، ألم ، حزن عميق!
غصة تشكلت في حلقها تمنعها من الصراخ ..
و معركة شرسة في قلبها بين تيارين الاول يشجيعها على مقاومة وعدم الاستسلام لهذا الزواج والتيار الثاني الذي يحاولُ إيقاف جنونها !
وفجاة إرتفعت الأصوات بالدعاء والتهليل من بعيد قطعت سير أفكارها ،تلاها دخول بعض النسوة الذين لهن مكانة مرموقة في العائلة يساعدنها على الوقوف ثم أخذنها بخطوات بطيئة نحو بيتها أو نحو جحيمها كما وصفه داخلها الشرير !
هل تمنعهم ؟ لكن لا يمكن ستنهي كل شيء هناك في الغرفة معه !
ستعترف له بالحقيقة حقيقة زواجه منها وأنها مجبورة عليه و هو كأبله مخدوع ليعرف هذا كأنه الحقيقة المزيفة !
ــ لقد أقمت علاقة مع شخص لهذا غضب مني أبي و عاقبني وزوجني بكَ ، ليغطي مايظنه عارا .
تخيلت ملامحه الهادئة تلك تتحول إلى شحوب بسبب هذه الحقيقة القاسية التي سيكون وقعها على مسامعه كطعنةٍ سكين يغرس في ظهره فيخترق قلبه
أليست هذه ومضة حقيقة ؟! الآن بدأت تشعر أن زواجها هذا ماهو إلا عقاب أو غطاء وبأحرى محاولة تصحيح لخطأها كما في إعتقاد والدها .
وإن كانت قد واعدت ذالك الشاب فقط لبضع أيام و كان بينهما رسالة واحدة كدليل على الغرام ، فهي لم تتورط معه أكثر لا رسائل كثيرة من الصباح إلى المساء لا هدايا لا ورود ولا جولات و قبلات كالعشاق في أوربا فقط رسالةواحدة في مسنجر وافقت فيها على طلبه بمواعدتها ، ولقاءهما في أحد شوراع وتبادل النظرات من بعيد خشية من والدها لأنها كانت مراقبة من طرفه !
علاقتهما كانت غربية على الجميع ومختلفة عما إعتادوا عليه حتى صارت تبدو بينهم كالمتحجرة والمتخلفة !، فهم متفتحون لدرجة كبيرة ورسالة التي يعتبرها والدها جريمة ماهي إلا نقطة في بحر مما قد يفعلونه..!
ألا يبدو أحمد هنا ساذجا بعد مافعله والده به ، أحست بالشفقة مزيفة إتجاهه لكن ليس لديها وقت لتتأثر به ، يجب أن تشفق فقط عن حالها ونتقذ نفسها بنفسها ، بالرغم من أنها تعلم أن هذه ترهاتِ فوالدها يخطط لزواجها منه منذ علم بمرضهِ و الحادثة هي فقط النقطة التي أفاضت الكأس،
---
وصلت إلى بيتها الجديد والنساء ودَعْنها وهم يلفظنَّ بدعواتِ المباركةِ .
في غرفتها جلست على حافة السرير ، وبدأ تشد أطراف ثوبها لأسفل بعصبية وكأن الذي ترتديه ليس ثوب زفاف بل كفنا وهذه الغرفة ماهي إلا فقص وضعت فيه عصفورة صغيرة و سيتم فرض الخناق عليها !
كانت مرتبكة جدا وتشعر بصعوبة في التنفس دلكت رقبتها في مكان الغصة التي تشكلت في حلقها.وبدأت تسحب الهواء لرئيتها بسرعة كانت رائحة الحزامى الزكية تعبق المكان فتخترق صدرها ،
جالت بنظريها في أنحاء الغرفة الواسعة الأثاث من حولها أبيض أنيق مرتب غير متكلف و ما لفت إنتبهها هو السكونُ الذي يغلف المكان بشكل مريب كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة
نعم فبعد قليل ستبدأ عاصفة عنيفة بينهما وهذا بعد أن يسمع إعترافتها!
شعرت بنوعِ من الملل والرهبةِ فــراحــت تســرح بخــــيــالها بـــعيــدًا...
تخيلته يقترب منها فتقف أمامه بعنادِ وتصده واضعة يدها على خصرها وبنظرةِ تعالي تخبره :
ــ أنها مجبورةُُ على زواج منه ، فهي واعدت شابا وأبوها رفض العلاقة بيننا بحجة الشرف وبالرغم من كل هذا مازلت تحبه !
رغم أنها لم تحبه يومًا لكن الكذب في بعض حالات مُبَاحْ
ربما وجهه البشوش الهادئ ذاك يتحول في لحظة للغضب و لإنكسار كرد فعلِِ على إعترافها، وأو ربما إلى الأسوء يحل محلها ملامح الشَرَاسَةٍ والعُنْفِ وهذا مايميز طباعَ العرب التي طالما كانت أمها تحذرها منها وستتلقى لكمات وضربات متتالية على وجهها ربما سيتمدى أكثر فيحاول خنقها بكلتا يديه وتقع جثة هامدة نتيجة لوقحتها معه ! فرجل لا يحب أن تتم مقارنته برجل آخر !
"مفزع" صرخت هكذا و نفضت هذه الأفكار عن رأسها و مسحت وجهها بكفيها .
ثم فجأة أحست بإحساس غريب..
فرفعت رأسها فجاة لتصتدم نظراتها بنظراتِ أحمد التي تطالعها بإستغراب غريب!
أتراها تتخيل ..!؟
عقدت حاجبيها تحاول تأكد من وجوده وأنها لا تتوهم إنه هو !
إصطبغ وجهها بلون أحمر و شعرت بحرارة الخجل تسري في أنحاء جسدها منذ متى وهو هنا ؟ متى دخل؟ والادهى لماذا يستأذن بِطرق الباب ؟
إقترب منها هو ببطء لكي لا يزيد من فزعها وقال بنبرة خافتة وإبتسامة جانبية مرسومة على ثغره :
ــ عزيزتي طرقت باب أكثر من ثلاث مرات لكنك لم تفتحي ، وألقيتُ السلام ولم تردي ، ماذا هل كنت تنوين تركي أبيت في الخارج ؟!
إتسعت عيونها من الدهشة طرق الباب وحيَاهَا كيف لم تنتبه ؟
أرادت النفي بأنها لم تتعمد فعل ذالك لإبقاءه خرجا ، لكن لسانها أُلْجم ، وهو لاحظ هذا الرفض في بؤبؤ عينها فقال :
ــ عزيزتي ! خشيتٌ أن مكروها أصابك الحمد لله أنكِ بخير.
قالها بنبرة حانية ثم أضاف ممزحا :
ــ على كل حال أخذت عنكِ الانطباع الثاني أنتِ تشردين كثيرًا وتغوصين في أفكارك ، حتى تتهي ولا تنتبهي لما يحدث حولكِ !
بعد سماعها لكلامته الهادئة البسيطة هذه لكن اثرها على قلبها كان عميقًا فاللحظة تبددت كل مشاعر الكره تجاهه وحل محلها شعور غريب بالراحة ، ترى كيف حدث ذالك فجأة ببعض كلماتٍ منه وهل سيكون مفعولها دائما أم أنها فقط لحظة ضعف منها ؟
شردت في ملامحه للحظة إنه رغم سمرته وسيم وليس بشعا كما يصوره خيالها دائمًا ، وبدلة الأنيقة التي يرتديها زادته جاذبية وأناقة!
يبدو لي ذو شخصية هادئة و مسالمة هل يمكن أن يؤذيني شخص كهذا أم أني تسرعت في حكم عليه ؟!
---
بـــعـــد لـــــحــــظـــاتِِ صـــمــت قصـــيـِـر :
كــــســرها أحـــمـد قــائــلـا :
هيا لنصلي ركعتين ليبركا الله لنا في زواجنا ، و لتكون أول لحظة بيننا ممهورة بذكر الله، كأجمل بداية لحياة جديدة لكلينا ، دعينا لا نبدأها بالزينة والفرح وحده، بل بالسكينةكي تحل علينا البركة.
قالها كأنه يطمئن قلبها بكلمة طيبة ، لأنها كانت مرتبكة جدا ..
لم تفهم سبب الضيق المفاجئ الذي اجتاحها فجأة بطلبه هذا ، لماذا شعرت بالذنب وهو يكلمها عن العبادة بهذه الطمأنينة؟
ترى لماذا شعرت بأنها صغيرة جدًا أمامه في تلك اللحظة؟
أين هي مريم التي كانت تصتغره وتهينه داخلها ؟ أين هي التي كانت تتوعد أن تنهي كل شيء في هذه الليلة ؟ أين ذهب كل الكره والسخط تجاهه ؟! ماذا تغير ؟!
لأول مرة شعرت بأن أحد يعريها ويبحث في داخلها وليس مظهرها ، هو لم يمدح جمالها أبدًا بل طلب منها الصلاة كأن طلبه إختبار لتقواها قلبها إنكمش ماذا عساها تقول هاهي هزمت شر هزيمة !
في هذه اللحظة أمسك بيدها فسحبتها فجأة وأشاحت بوجهها بعيدًا تعجب لفعلها هذا وسألها بنبرة إستغراب عاقدا حاجببه:
ــ مابك هل قلت شيئًا أزْعًجَكْ ؟ !
وضعت يدها في حجرها مطأطأة رأسها نحو الأسفل مشبكة أصابعها في توتر ، لا مهرب هل أن تعترف له فقالت بنبرة منخفضة:
ــ نسيتُ كيف أصلي !
تعجب لإعترافها وضع يده على صدره يهدّئ نبضات قلبه المضطربة وقال :
ــ كيف يمكن هذا ؟ ألا تصلين !
أومأت برأسها بإيجابِِ وقالت وهي تمسح دموعها :
ــ تركتها عندما كان عمري ثماني سنواتْ !
في هذه اللحظة إجتجاحه ضيق غريب هذا ماكان يخشاه هو توقع أن تكون متأثرة ببيئتها لكن ليس لدرجة أن لا تكون مبالية بصلاة أحس بشفقة عليها كيف لا وهو يعرف مصير من يترك صلاته لكنه لن يتركها في هذا الظلام سيحاول إعادتها لطريق المستقيم .
.
.
.
.
إستحمت مريم ثم توضأت معه وهو كان يريرها الطريقةالصحيحة.
ثم وقفا معًا بين يدي الله في ركعتين خاشعتين، هو إمام وهي مأمومة، يتلو القرآن فيخشع قلبها ، وتغلفه بعض السكينة التي إفتقدتها
ثم وضع يده على ناصيتها بحنان، داعيًا
«اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه».
ودعا الله أيضًا يجعل هذا البيت الصغير مسكنًا للرحمة والمودة بينهما ، وأن يكتبهما من السعداء المتحابين ويثبتهما في طاعته.
كانت مريم تسمع صوته وتحس بشيئً دفينًا داخلها، شيئًا لم تكن تدرك أنه ما زال حيًا.
لم تكن تعرف ماذا تدعو فدعت الله ان يوفقها في سير على هذا الدرب المجهولِ ، الذي لا تعرف أين سينتهي بها.
إنتهى من صلاتهما إستدار لها وقبل كفيها يحس بإنكماش في صدره هذه التي أمامه لا تعرف العتمة التي تحيط بها ولا حجم الضياع الذي هي فيه وهو لن يتركها بل سيكون لها النور فهو واجبه كمسلم قبل أن يكون واجبه كزوج ، وقال لها :
ــ أعدك أن أكون لكِ السند والرفيق ووطنك الجديد الذي لا يخونكْ و يراعي ألمك وحزنكِ .
إبتسمت وهي تسمع وعده وكأنها تعلم أنه لن يخلف به ولكن رغم كل ماحدث لم يستطع إلى الآن تفسير مشاعرها نحوه، كان شيء ما في داخلها قد بدأ يجذبها إليه، لكنها في الوقت ذاته كانت تقاوم ذلك بكل ما أوتيت من قسوة..
ثم وقفا بقيت تلك الركعتان شاهدًا على أن البداية كانت طاهرة بينهما، وأن العمر القادم يُبنى على السكينة والإيمان..
---
طوال الليل كان الاثنين نائمين في نفس المكان و تحت سقف واحد على سرير واحد ، كلاهما حائِر و غارق في أفكاره الخاصة و يحلل الانطبعات التي أخذها على الآخر في بداية هذه الحياة الجديدة التي لا يعلمون نهايتها .
'مريم لم تكن مدركة إلى الآن حقيقة مشاعرها تجاهه التي كانت أشبه بأمواج البحر إنجذاب لا إرادي يَلِيهِ نفور منه كرد فعل عليه ..
وكأنها تأبى أن تقتنع أن الذي أمامها أنه إنسان طيب وليس وحشًا بالرغم من أن ما فعله الليلة كان يدل على طيبته وحسن نيته و أنه شخص لبق ومحترم ولا يضمن لها أي شر ، هل يمكن أن يكون بارع في تمثيل إلى هذا الحد ثم عندما يغادر والدها يكشف عن وجهه الحقيقي المخيف ..!
تذكرت إبتسامته وكيف يناديها بعزيزتي ، كانت تشعر أنها ليست مجاملة منه ،بل كلمة خرجت من قلب صادق؟
عزيزتي هكذا مع انها اول مرة ، هل حقًا أصبحت عزيزة على قلبهِ بهذه السرعة ؛ إبتسمت وهي تكرر كلمة في قلبها ، كأنها تسمعه منه !
هل أصبحت عزيزته هكذا عليه من لقاء أول ؟! هل لهذا بدا الخوف على وجهه أكثر من دهشة عندما علم اني منقطعة على الصلاة ؟
حقا منذ متى أصبحت هكذا انا التي كنت لا أفوت صلاة فرضِي مخافة من الله في صغري وكنت عندما أرى والدي يفرطانِ فيها أخاف عليها من النار ؟ هل يخاف عليا مثل ما كنت أخاف عليهم أم أنه فقط يتصنع هذا ؟
لكن شي ما كان يمنعها من توهم فبعض مظاهر خداعة هذه كانت قاعدتها في الحياة..
نعم فالدين موضوع قديم إندثر وأحمد مثل والدها يجعلون منه واجهة منه ليبررا أفعالهما ؟ ويثبتا سيطرتهما عليَّ ، اليوم موضوع الصلاة..وغدا طاعة الزوج العمياء بعدها زواجه من أربعة نساء وسيجبرني على قبول هذا كله تحت مسمى الدين!
هو فقط يريد لعب بأوتار قلبي ، لأنه يظنني ساذجة ومغفلة لكني سأكون له بالمرصاد لن أقع ضحية له أنا فتاة ناضجة ولن يخدعني تصنعه للبراءة!
نفضت هذه الأفكار من رأسها و تكورت على نفسها وغرقت في نومِ عميق من شدة التعبِ وهي مصممة على فضح اكاذيبه كما تعتقد خاصة ان زواجه لم يتم وبقي على الورق فقط ثم ستنهي زواجها منه وتعود لفرنسا منتصرة ولن تقع في الفخ !
اما هو فنام فكرة واحدة أنه مهما حدث وإن رفضت وقاومت فسيحاول جاهدا أن يكون لها سببا في هداية و إعادتها للطريق المستقيم ولن يتركها غافلة وسط العتمة !
---
لا تنسو التصويت وكتابة تعليق جميل 🫧♡
سديم 'ے