قراءة ممتعة..♡
كانت تراتيل وافقة أمام المجلى مسندة يدها على الرخام البارد بعد أن إنتهت لتوها من غسل الأطباق ، و أخذت أفكارها تذهب بها بعيدًا كانت تراجع ما حدث اليوم بحيرة ليس بسبب الرجل المغمي عليه بل في تغير معاملة والدها لها المفاجأة و كأنه نسِي ماحدث .
كان كل شيء عادي كالعادةِ إلا شعورها فقد أصابتها نوبة من الفرح بعد ماسمعته من والدها
(إبنتي ) ؛ (تراتيل ) بصوته الشَّجي الحنونِ الذي لم تسمعه من قرابة أربع سنوات شعرت أنه مازال يحتفظ ببعض المحبة تجاهها في قلبه بعد أن إقنعت بأنه يكرهها بسبب تلك الحادثة التي حدثت معها فأفقدته صوابه أو بأحرى المكيدة التي كيدت لها وصدقها الجميع بدون إستثناء ، والتي أيضا كانت من أحد أهم أسبابِ إنتقالهم من مدينة تْيَارْت إلى بِسكرة ،
عادت بها الذكرى إلى ذالك اليوم المشؤوم فشعرت برعشة الخوف تزلزل كيانها ، لم تكن تود إستراجعها فحاولت طردها لكن بلاجدوى فقد فرضت نفسها على مخيلتها .
حدث ذالك في أحد أيام تمدرسها في المتوسطةِ وفي سنة أخيرة لها تحديدًا عندما كانت جالسة على الطاولة في الفصل الدراسي ،
وفجأة رن هاتفها بهدوء ، كان إشعار رسالة جديدة على الشاشة قرأته محتواه :
" تراتيل … وجدت شيئًا عنك يخصك شخصيًا، لا أستطيع شرحه هنا ولا عبر الهاتف. رجاءً تعالي وحدك إلى المكان *****بسرعة، الوقت مهم جدًا."
كان رسالة من عندِ أقربِ صديقتها التي غابت في ذالك اليومِ وكان هاتفها قد سرق قبل أيامِ ولم تعثر عليهِ ، شعرت بنوعِ من التوجسِ بسبب غرابةِِ الموقفِ تمنعها من ذهابِ ،
لكن جاءها إشعار رسالة جديدة فتحتها ، لتقرأ مضمونها ومعها صورُ حقيقية لها لا تعلم من أين أحضرها :
ــ سأعطيك كل التفاصيل هنا. لا تثقي بأحد، فقط تعالي وحدك. المسألة مهمة جدًا، والحل هنا فقط تعالي وإلا تداولت صورك على شبكة الإنترنت.
أجلفت وشعرت بمرارة في حلقها بسبب الهلع من فضيحةِ المُوشِكة لو نشرت صورها وتم تداولها و بالتأكيد في ذالك الوقت الجميع وخاصة والدها سيتهمها بأنها هي من قامت ببعثِِ صورها لها لم تفكر كثيرًا في العواقب، أخذ الخوف والقلق يوجدان داخلها دفعة واحدة.. وشعرت ان كل تأخيرة وتجاهل تزيد من الخطر الاجتماعي عليها،
بعد مدة وصلت إلى المكان كان بعيدًا عن أي بيت مأهول، أبواب خشبية مهترئة، والجدران ملطخة بالغبار... تقدمت بحذر، وخطواتها تصنع صدى غريب في المكان.
فوجئت وجدت مالم تتوقعه في حياتها ــ نصب لها كمين ــ في الزاوية، كانت سيارة سوداء مركونة رجل غريب طويل ، يبدو وكأنه يعرفهافي إنتظارها ..قبل أن تقول كلمة،
وقال وهو يضيقُ عينيهِ بخبثِِ وهو يصفق :
ــ أهلاً… لم أتوقع حضورك بهذه السرعة صغيرتي .
تجمدت في مكانها وشعرت برجفة الخوف تقطع فؤادها و تمزق أحشاءها وتسارعت دقات قلبها حتى كاد يغادر صدرها ...وبدأ ذهنها يصور لها أبشع سنريوهاتِ التي ستحل بها ..إن أمسك بها سارعت في الهرب وصرخت مستنجدة لكن خطواته كانت أسرع منها ويده أقوى من يدها التي قبضَُ عليها بقوةِ كفولاذ فلم تستطع إفلات منها بكت كثيرًا و ترجته أن يتركها وشأنها لكنه تجاهلها ... تمنت لو أن قلبها يتوقف، فالكلمات لم تعد تكفي ولا ضربات التي توجهها في إيقافه وإنقاذ نفسها منه .
لكنه كان جامدا وصلبا كالحجر غير مبالي بشهقاتها وأنينها المتقطع ولا ضرباتها الضعيفة التي كانت تصيبه بها وهي تحاول الهرب .. عزم على أخذها معه في سيارة وفعلًا فعل ذالك.. إختطفها معه لم يمسَها بأذى التي كانت تخشاه لكنه شَوه سمعتها أمام الناس وأمام والدها ..بكت كثيرًا و هي تتذكر ماحدث تجاوزت صورة المشاهد وكلام الذي كان يقوله لها عندما أخذها معه قبل أن يأتي والدها في لحظة الأخيرة وينقذها منه لكنه لأسف الشديد لم ينقذها من نيتهِ الحقيقة التي كان يريد تحقيقها من خلال إختطافها وهي تشويه شرفها وطعنها فيه كأنه إنتقام منه لسبب لم تعرفه لكنه كان يذكره بحقدِِ دفين إستطاع تلفيق كل شيء لتبدو أنها مذنبة وذهبت إليه بإرادتها. لقد نجح في جعل حركة منها دليلًا محتملًا ضدها.
تذكرت مساء ذالك اليوم الذي دخلت إلى منزل بخطوات مترددة تبعتها خطواتُ والدها الغاضبة ..فتح الباب الذي صر تحت ضغطه على مفاتيح الصلبة و سحبها من كتفها يدفعها لداخل وكأنها حشرة ..وقعت على الأرضية الباردة إستدارت تريد أن تشرح له الموقف فإصطدمت عيونها الخائفة المخذولة بعيونه التي تحمل الغضب والحزنِ معا وهمس بمرارة :
ــ خُنتِ شَرَفنَا يا سَاقِطة!
قالها كأنه يحمل حكم مسبقا عليه قبل أن يسمع اي كلمة ..
شعرت بأنها كلامه كسهم الذي خرز في قلبها وإقتلع ..حاولت أن تدافع عن نفسها فقالت بصوتِ كسير وهي تنحني بظهرها لأسفلِ بفعل ضرباتِ ردِ فعله المفجعِ تجاه ماحدث :
ــ أنا لم أفعل شيئًا صدقني بابا .
صرخ مقطعا إياها :
ــ كفى لا تقولي إياكِ وقول بابا لي ؛ لستُ والدًا لفتاةِِ تفعل فعلتك..أسمعتِ؟
لكن الكلمة لم تكن موجهة لسؤال ،بل عقوبةََ معلنةً لذنبِ لم ترتكبهْ .
حاولت أن تشرح أن تقول أنها بريئة ولم تفعل شيئًا لكن بلاجدوى فقد كانت كل كلماتها تتناثر دون أن تسمع وصوتها ضاع بين الظنونِ والإتهامات .
وأدركت أن لا أحد يسأل عن الحقيقة حكم أصدر ولا توجد فرصة لتوضيح أي شيء.
ثم جلست على الأرض و دموعها تهطل بغزارة ..كانت تبكي حظها العاثر وتلعن في نفسها كل من كان سببا في هذا وتدعوا عليه.
أما في الخارج كانت ألسنة الناسِ تنهشها وتشوه صورتها وتداولت أقاويل إشاعات وحكايات ملفقة عنها .
وأحسَّت أن العالم كله صار ضدها وان العدالة صارت مجرد وهم بعيد والحقيقة بقيت فقط في صدرها وحدها ...ومنذ ذالك اليوم أصبحت وحدها في مواجهة ظلِِ الكذب والأقاويل ، كانت صغيرة على أن تتحمل كل هذا الخوف، العار ،والتوتر ...
و إمتزجوا معا ...لم يكن بوسعها أن تشتكي وأن تطلب يد العون دون أن تشعر أن المجتمع سيحاسبها دون أن يحميها..
لكن وسط كل هذا الظلام والبهتان والتهم الملفقة المجهولة أسبابها كانت هنالم شرارة صغيرة خافتة مضيئة يربتُ عليها و كأنه قول لها :
ــ الله لا ينسا عباده إنه معكِ لأنكِ حقا بريئة ولم تفعلي شيئًا .
كان هذا ما يجعلها تتنفس وتصبر حتى يأتي وقت وتنكشف الحقيقة وتظهر براءتها .
بتر خيط أفكارها فوضى مشَاحنة أختها منار وسلمى ، كان صوت منار يعلو من جهة و سلمى ترد عليها من جهة أخرى كان ذات العراك يتكرر بينهما فقط تختلف الأسبابُ .
قالت منار بصوت يحملُ غاضبا عارم :
ــ أمي أمي ! إنظري ما فعلت إبنتكِ الغيورة لقد وضعت مكام كريمي الليلي آخر فاسد .
سكتت برهة وأضافت بخفوت تتحسر :
ــ إمتلأ وجهي بالحبوبِ ماما
ردت سلمى بطريقة مستفزة :
ــ أولاً حبوبُُ في وجهكِ موجودة من قبل وهي لم تغادره يومًا .
سكتت برهة وأردفت وهي تشير إليها بسببتها :
ــ لا تحاولي إلصاق أخطائكِ فيَّ أنت من وضع لكريم في وجهكِ ولم تتأكدي من إنتهاء صلاحيته .
قاطعت كلامها مزمجرة :
ــ إشتريته قبل أيام و رميت القديم ..وأعلم أنكِ إحتفظتِ به عندك لتفعلي هذا أيتها الخبيثة.
سكتت برهة تجمع كلمات المناسبة لتغيضها وتجرحها وقالت بنبرة إستحقار:
ــ نعم فعلتِ ذالك ، أيتها القبيحة لأن أحدًا لم يهتم بكِ في العرسِ وإتجهت كلُ أنظارُ حولي غيترك مني دفعتكِ لفعل فعلتك الشنيعة أيتها الحقودة .
رغم أن كل ماقالته صحيح فقد فعلت ذالك بسبب الغيرة لأنها كانت أجملُ منها لكنها شعرت بوخزِِ عميق في كبريائها وكأنها سِّهام ألقيت على مسامعها.
كانت سترد لكن أسَّرتها في نفسها و قررت نتقم منها بطريقة أخرى أو بأخرى وتشفي غليلها.
---
كان عبد الحق جالسا القرفصاء على السجادة مطرزة بلونِ الأحمر القاني والاسودِ وشرائط ذهبية على الحواشي ، و يعبث بشراشفِ الصفراء التي تتدلى من جوانبها ، كان شاردًا منفردُُ بأفكاره غارقُ في حسرته هو يستذكر خيبته من نفسهِ ، جرى في ذهنه ماحدث معه عند الفجر حين أغمي عليه ووجد نفسه في بيت رجلِِ غريب عرف فورا أنه ساعده شعر إثرها بالخجلِ الشديد وطعنة في رجولته فَأثناء النوبةِِ يصبح عاجزًا كطفلِ رضيعِ في شهوره الأولى هكذا وصف نفسه ، وهو يحس بحرقةِِ في صدره .
قطع خيط أفكاره المتشابكة صوت دبدبةِِ أمهِ القادمة نحوه وهي تستغفر ، إنتبه لها و إبتسم في وجهها محاولاً إخفاء ما يلمُ به من ألمِ وحزنِ شديدينِ ، لكنه لم يستطع كانت تحسه به كأن خيطًا شعوريًا خفيََا يصل بين قلبيهما كيف لا وهي أمه التي إستقر في بطنها تسعة أشهر و أرضعته حولين كاملين و سهرت ليالي من أجله أليست هي من إحتوته عندها عمره كاملاً ؟ كان لا بد أن تشعر !
جلست بجانبه وضع رأسه على حجرها و أغمض عيونه وهي بدورها مسحت على رأسهِ بحنانٍ لم تسأله شيئًا أرادت أن تبشره بالخبر لعله يزيح ثقلَ ما يجتاحُ صدره فقالت بنبرة خافتة مبتهجة :
ــ عزيزي ! وجدت لك عروسا من أسرة راقية محافظة وسنذهب لخطبتها مارأيك ؟
خفق قلبه فتح عيونه على إتساعها وقال بنبرةِِ لا تخلو من دهشة :
ــ حقا ؟!
أومأت برأسها و أجابت :
ـ نعم بقي فقط أن توافق وتحدد موعدا معهم .
تنهدت رد عليها ببرودِ غير مبالي وهو يعيد إغماض عيونه :
ــ لا أريد أن أتزوج ...
صدمت وقاطعته بنبرة عالية قليلًا و قد توقفت عن مسحِِ رأسهِ :
ــ لا تقل هذا بُنَي عليك إكمالُ نصف دينك ..ثم لما تغير رأيك كنت تريد أن تتزوج .
رد بصوتِ عميقِ فيه حزن دفين :
ــ ببساطة لا أريد إقحام أي إمرأة في عالمي التعيس من ستتحمل الزواج برجل يصاب بنوباتِِ صرعِِ تجعل قواه تَخِير كطفلِ رضيعِ إلا إذا كانت مجبرة .
سكتت و تركته يقول كل ما عنده كنوعِِ من فضفضة ثم قالت بنبرةِ أم رؤوم العارفة بأحوالِ أبنائها ومصلحتهم :
ــ أعلم أن مرضك مرضٌ مزمنٌ موجِع، نعم… لكنّه ابتلاءٌ من الله، وما كان من الله فلا نخجل منه، بل نصبر ونحتسب...ثم إنه لم يمنعنا من عيش حياةً طبيعية .
ــ وأعلم أن المرض يُتعب الجسد ويُرهق القلب،ويخلق وساوس لكنّ الله يقول:
﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾،
ويقول أيضًا: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾…
فاطمئن، فالله يرى وجعك ويعدك باليسر بعد هذا الألم. ومرضُك ليس ضعفًا منك، بل ابتلاءٌ يرفعك ويُطهّر قلبك، والله لا يبتلي عبدًا إلا ليُجبره ويُقوّيه. أسأل الله أن يجعل ما أصابك رفعة لك، وأن يلبسك ثوب العافية قريبًا...ولا تحرمك نفسك من العيش حياتها
ــ بني فكر مليا ولا تتسرع في قرارك إتخاذ قرارك خاصة وأنت غاضب وتذكر أن فرصة لا تأتي مرتين .
حرك حاجبيه دلالة على الاهتمام بما تقوله لم يشأ أن يظل ساكنًا فتظن انه يتجاهلها ..فهو يدرك أنها الشخص الوحيد الذي يهتم لأمره و يسعى لبثِِ السعادة لقلبك والراحة في حياته.
---
ركن أحمد سيارته في فناء المنزلِِ ، بقي قليلًا فيها وهو يقبض على مقود كان باله مشغولُ بتفاصيلِ حياته الجديدة التي تبدو من بدايتها مستعصية بسبب الفوارق بينه وبين مريم .
كان كل من قلبه وعقله مشغولَانِ بالبحثِ طريقة تتوسط كليهما للتعامل مع فتاةِِ غافلة كـ' مريم ' ..فمهمة بدت عليه صعبة خاصة وأن أسلوبها في تعاملها معه فَضَّة وعنيدة بشكلِ يثير إستفزاز قال لنفسه بحسرةِِ:
ــ إذا بقيت على هذه الحالِ ولم تغير طبعها وأسلوبها معي فحتمًا سينتهي الأمر بنا في محكمة طلاق ، والعياذُ بالله ..
نفض هذه الأفكار من رأسه يستعيذ مرات عديدة :
ــ لا تقل هذا البدايات هكذا دائما صعبة أضف إلى ذالك مريم صغيرة و قد تغيرت حياتها جذريًا فجاة و أكثر أنها إبتعدت عن عائلتها لذالك عليَّ أن أنظر إلى الأمر بزوايتها وبذالك سأجد حالاً .
ترجل من سيارته وهو يدعو الله أن يعينه في هذا و أن يحفظ بيته و أهله ، وقبل أن يصعد إلى السلم المؤدّي إلى بيته قرر أن يعبر على أمه ؛ طرق الباب ثلاث طرقات كانت كفيلة بأن تفتحه له .
لاحظ تفاجأها إستقبلته بحرارة عانقها وقبل جبينها ، وقالت تعاتبه وهي تبادله العناق :
ــ تركت زوجتك و أتيت لي هل إشتقت لي ..
إبتسم بخجل ورد :
ــ كنت مارا من هنا وقررت المرور إليك .
سكت برهة وهو ينهي عناق وقال ممزحا وهو يضع يده على خصره:
ــ هل أعود أدراجي.
ضحكت على بانت أسانانها وأومأت ب' لا'
قادته معها إلى مطبخ وهي وقدمت له فنجان القهوة .
ساد السكون بينهما لمدة إلا من صوت تحريك مغرفة في فنجانِ لم يستمر طويلًا لأن الأم كسرته وهي تقول عابسة :
ــ كنت عند مريم كانت تبكي بحرقة ، بصعوبة إستطعتُ إيقاف بكاؤها .
أحس بحرقة في قلبه عقد حاجبيه دلالة على التأثر وهو يستمع لكلام والدته ، كان يدرك أنها كثيرة البكاء ولا تتوقف عن ذرف الدموعِ أبدًا خاصةً عندما يتعلق الأمر بوالدها ، فهي تبدو متعلقة به بشدة على عكس أمها التي لا تذكرها إطلاقا .
كان ينصت لأقوالِ أمه عنها فهي فنهاية إمرأة مثلها ولا يوجد من يفهم مرأة إلا إمرأة مثلها .
ــ تشعر بأنها وحيدة، وهي خائفة إياك أن تقسو عليها عاملها بلينِِ إنها حساسة جدا ، كن لها سكنًا لا سكينًا.
أومأ برأسه بإيجاب وأردف:
ــ بالتأكيد يا أمي ، إنها على رأسي وعيني .
ثم خرج من عندها وكلماتها تردد في ذهنه وكأنه وجد من خلالها الطريقة الصحيحة للتعامل معها، تذكّر أنها رمز الحنان والرقة، فهي أنثى بطبيعتها هشة وحساسة .
يرضيها الاهتمام، وتسعدها الكلمة الطيبة، وتفتح لك قلبها كمدينةٍ كبيرة مليئة بالأمان.
اقترب منها بلطف، فالقسوة تكسر روحها، والاحترام يرفعها، والاحتواء يجعلها تتفتح كزهرةٍ في أول الربيع.
امنحها شعورًا بأن وجودها مهم، وستمنحك في المقابل حبًا لا يشبه أي حب.
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا، وعلّمنا أن الرفق بهنّ ضرورة لا فضلًا، فهنّ رقيقات كالقوارير.
ولذلك فالتعامل معها يكون باللطف والاهتمام، فهي بطبيعتها حساسة، يرضيها الاحتواء وتسعدها الكلمة الطيبة.
إذا أعطيتها أمانك فتحت لك قلبها الرحبْ ، وإذا رافقتها بالرحمة بادلتك حبًا لا يزول.
شحن نفسه بهذه الكلمات ليشجع نفسه الاستمرار على تجاوز كل العقباتِ التي ستواجهه وأن لا يستسلم .
إنتهى من صعودِ السلم أدار المقبض فتح الباب دخل البيت كان ساكنا لا يسمع فيه حِسُ ، إتجه مباشرة لغرفة النوم ..دخل إليها بعد أن طرق الباب ولم يجد إجابة إتجهت عيونه مباشرة لسَرير لم يجدها أجلف في مكانه لوهلة ظن أنها هربت .
ــ ماهذا الاستنتاج يارجل!
خاطب نفسه ونادها بنبرةِِ عالية :
ــ مريم ؛ مريم
سمعت هي ندائه كانت في الحمام تغسل وجهها من بقايا دموعها جففت وجهها وإتجهت نحوه كانت تظنُ أنه يحمل لها خبرا سارًا وهو عودة والدها إليها فرغم كل شيء كان في داخلها بصيص أملِ في عودتهِ إليها .
فقالت له :
ــ أنا قادمة..
وإتجهت نحوه و عندما وصلت إلى غرفة وفقت بجانب الباب تلتصق فيه كانت تشعر بنوعِ من توترِ والخجل .
كان يرمقها بنظراتِ تفحصية من الأعلى إلى الأسفل ويركز على وجهها المحمرِ تقريبًا .
إستفزتها نظراته فخاطبته تسأله سؤالِِ مباشر :
ــ هل عاد أبي؟!
إستغرب سؤالها ظنها تمزح لكن دموع الذي أغرقت عينيها ــ بسبب صمته الذي دل على إستحالة حدوثِ ذالك أثبتت له عكس ذالك ــ
عادت لبكاءِ مجددًا فإقترب منها مد يده نحوهايحاول تهدءتها قائلا بصوت حنونِ :
ــ أرجوك لا تبكي ..أنا
قاطعت كلامه وهي تصرخ :
ــ لا تقترب مني إياك أن تلمسني !
ــ هل سمعت، إياك فعل ذالك ؟!
إبتعد أحس بشفقة على نفسه هذه مرة كلامتها لم تكن عادية بل كانت كالخنجر الذي عرز في عدة أماكن من جسده فسبب جرحا غائرًا فيه
كان ينوي مساعدتها وإذا بها تصده بهذه القسوة وكأنه جرثومة ، حتى الصراصير لن تفعل معها مثلما فعلت معه لو إقتربت منها .
تابعها وهي تتجه لسرير تلقي بجسدها عليهِ وهي ترمقه بنظراتِِ خائفة متوجسة بعينين حمراوتين من أثر البكاء كان حالها يرثى لها كأنها إحدى ضحايا الحروبِ ، للوهلة نسي جرحه الغائر في أعماقه التي سببته له و بقي يحدق فيها بنظراتِ مشفقة غير قادر على الاقتراب.
لا يعلم سبب كثرة بكاؤها ونومها فهي لا تجيد شيئًا سوى هما ؛ حتى طعام العشاء لم تعده كأي فتاةِ متزوجة..
ــ غير قادرة على تحمل أبسط أشياء مسؤلية !
قال في نفسه ..
ــ ترى ما الذي سأفعله مع هذه الطفلة ؟
حك يده على وجهه كأنه وجد حالا مؤقتا :
ــ سأدعها وشأنها هذه الليلة فقط لأن فراق صعبُ والغربة موحشة ، لكن منذ الغد ستيتغير معاملتي معها حتى تستقيم بإذن الله
أما هي فقد قرأت خيبته منها في عيونه ، خافت لوهلة أن لا يحاول الاقتراب منها مرة أخرى بعد أن نفرت منه ، جرح الذي سببته له عميق وماجرح الكلماتِ بهينٍِ
لا تعلم لما فعلت ذالك رغم أنها كانت تحتاجه وتريده بشدة ، ربما هذا كرد فعل للقضاء على مشاعر الحبِ والتعلقِ التي بدأت تتشكل داخلها نحوه بهذه السرعة خاصة وأنها كانت تنتظر عودته بشغفِ منذ خرج بصحبة والدها إلى المطار ، وبكاؤها نتج فقط عن صراعِ بين هذه مشاعر ومحاولات دحضها .
تحسرت على ما فعلت و تمنت في داخلها لو يلحقها في هذه اللحظة و يعانقها مرة أخرى كما فعل في الصباح ويربت عليها وقتها لن تمنعه ولن تدفعه عنها .
----
مارأيكم في ماحدث لتراتيل +تسريب أحداث تصبح مشوقة أكثر عندما تنكشف الحقيقة و الرجل الذي شوه سمعتها سيعود !
سديم 'ے