|جلسة |

|جلسة |

10 0

كان أحمد واقفا بجانبِ سيارتهِ المركونةِ في مكانِ عمومِي ينتظرُ صديقه عبد الحق الذي طلبَ منه أن ينتظرهُ أمام أحد المحلاتِ ليوصلهٌ للبيتِ .

خرج عبد الحق من المحلِ وهو يحملُ أكياسا محملةً بالاغراضِ بيدهِ اليسرى أما اليمنى فقد  لوحَ بها لأحمد الذي حمل عنه بعض المشتريات ووضعها في صندوقِ السيارة وهو يسلمَ عليهِ ويسألهُ عن حاله .

ركبا معا في السيارة أدار المحركَ و بدأ يسوقُ ببطء..ساد بينهما صمت قصير قطعهُ عبد الحق قائلا :

ــ كيف حالك يا عريسْ .؟

ــ ههه بخير و الحمد لله ..

ــ هل أمور جيدة؟  هل تأقلمتَ ؟

ــ نسبيا أنا أحاولٌ ، كما توقعت متأثرة ببيئتها جدا..

ــ كان الله في عونكَ وجعلهُ في ميزان حسناتك.

ــ أمين يارب.

قال أحمد بإيطالة وأضاف :

ــ كيف حالُ الخالةِ أمينةِ ؟

ــ بخير كاد أن يكمل ويخبرهُ عن أمر الخِطبة لكنه آثر الصمتَ وقرر أن يخبره بعد أن يتحدث مع والدها ويوافق لي لا تنهالَ عليه نظراتُ الشفقةِ إن رفضْ !

---

كانت قد إنتهت لتوها من تجهيزِ نفسها لتلبي دعوة حماتها لتناوِلِ طعامِ الغداء؛ كمبادرةِ منها لإخراجها من عزلتها.

إرتدت فستانًا أرجواني عليه زخارِف بلونِ فضيِِ لامعِ وربطت شعرها على شكل كعكةِِ مربوطةِِ بشريطةِِ بيضاء على شكلِ فَرَاشَة تنهّدت ورشَتْ عِطرَ الفانيلا المفٰضلِ عندها؛ نظرتْ لساعةِ في هاتفها فوجدتها تشِير إلى الحادية عشرة ظهرًا فقررت الإنتظار ربع ساعةََ أخرى ثم تنزلُ إليها فراحت تقلب في هاتفها حتى تمر هذه الدقائقُ..

تفحصت كل حسابتها المفتوحةِ حديثًا التي كانت خالية من أي صديق أو صديقةِِ لعنتْ والدها في سرها فقد أمرها  بإغلاقِ جميعِ حسابتها القديمةِ وقطعِ علاقتها بكل من تعرفهم في فرنسا من أصدقاء وزملاء وجيران وحتى معارِفِ أمها ورغم كل ما أبدته من رفضِ وإعتراضِ لم يراعِي له إطلاقًا.

دمعت عيونها وهي تتذكر قسوته وجبروته في جعلها ترضخ لكل ما يأمرها دون أن يراعي لمشاعرها أو أن يفهمها سبب فعلهِ لهذا

ثم مر في خاطرها ذكرى صديقتيها لوسيدا و إلينور .

تساءلت في نفسها هل يا ترى تفتقدنها الآن؟ هل إشتاقتا لها مثلما تشتاقُ لهما؟وما الكذبةُ التي نسجها والدها لكي يبرر غيابها ؟ وهل إنطلتْ عليهما؟

قطع خيط أفكارها طرق خفيف على البابِ كانت قد عرفت صاحبتها ' جميلة أم أحمد'

كانت أم أحمد إمرأة لطيفة جدا تعاملُها بعطفِ وحنانِ أفضلَ من والدتهَا تهتم بها تسألُ عن حالها تحاولُ تخيفَ عنها والاكثر من ذالك كانت تقرأ وتحسُ بذالكَ الحزنِ والكآبةِِ التي تحيطُ بها دون أن تخبرها أو تشتكي لها وتتأثرُ بذالكَ وكأنها هي من أنجبتها لطالما سمعتْ بأن الأم تحسُ بأولادها دون يتكلموا لكن أمها لم تكن كذالك أما حماةُ هي  التي كانت دائما تصور في روايات على أنها الطرف الشرير ولكن في  رواية مريم كان العكسُ تماما .

فتحت مريم البابَ لها وهي تبتسم كانت أم أحمد تغطي رأسها كعادةِ بخمارَ أسودَ إستغربت مريم لما تفعلُ ذالك حتى عندما تأتي لزيارتها كانت تنوي سؤالها لكنها كانت تشعر بالخجلِ الشديدِ.

قالت أم أحمد وهي تبتسمُ :

ــ عزيزتي مريم جئتُ لأخذكِ معي  ! هل أنتِ مستعدةُ ؟

ــ نعم مستعدةُ ، لنَذْهَبْ !

ــ إنتظري لحظة ضعي هذا رأسك .

قالت أم أحمد مقتربة منها

كشرت مريم وجهها وقالت :

ــ ماهذا ولما؟

تجاهلت أم سؤالها وألبسته لها  فلم تجد مريم ماتفعلْ فإنصاعتْ لها يكفي أنها شعرت بأنها أكثر إمرأة سعيدة ومهتمة بوجودِها .

---

في منزل العائلة، حيث إنتهت كل من مريم وحماتها من إعداد الطاولة بعناية؛ وجلستا تنتظرانِ زوجيهما .

كانت المائدة مستديرة، مزينة بأطباق من البركوكوسٌ والطاجين المحمّر، تنتشر حولها الكراسي التي يجلسون عليها .

الأب في رأس المائدة، بجانبه زوجته ، وعلى يساره إبنه وزوجته مريم التي كانت تشعر ببعض التوتر لكنها تحاول أن تخفيه.

كان الصمتُ سائدا بينهما كسرته جميلة قائلة:

ــ ما بال وجهك شاحب؟ منذ دخلتِ هذا البيت وأنتِ مثل طير خائف.

هل أزعجك أحد؟

ردت مريم وهي تخفض رأسها:

– لا أبدا أحسُ بغرابة قليلًا فكل شيء جديد عليّ.

جميلة وهي تمد يدها وتربّت على يدها بلطف:

ــ  الغُربة موحشة  صحيح لكن ما دام في قلوبنا محبّة ، تصير عشرة.

أنا لا أحبّ أن أراك هكذا منطوية حزينة و صامتة ..

ــ أنتِ الآن بنتي قبل أن تكوني زوجة ابني ؛ لذالك لا تترددي في إخباري عن أي شيء يزعجكِ أو يضايقكِ حتى ولو كان أحمد  !

أراح كلامها قلب مريم لأنها أحستْ أنه يخرجُ من قلبِ صادقِ فقالت بنبرة خافتة:

– لو تعرفين كم طمّنتيني ؛ أحسست أنّي عند أمي.

ــ  وأنا أحبّ أن أكون لكِ أم ثانية.

لا تبقي وحدك ؛ ولا تحمّلي قلبك أكثر ممّا يحتمل ، لا أحب أن أراكِ وحيدة طويلا. فالوحدة تتعبُ الروح أكثر ممّا نظن.

سكتت برهة وأضافت وهي تشير بيدها إلى المكان:

ــ هنا، لكِ ركن دافئ ؛ وبيت يفتح لكِ ذراعيه تعالي متى أردتِ بُنَيَتِي أو أطلبي مني أن آتي فقط وسالبي ندائكِ فورا .

إبتسمت مريم لأول مرة منذ إعلانِ زوجها إبتسامة واسعة صادقة غير متصنعة وردّت بصوت هادئ ممزوج بإمتنانِ :

ــ أشكركِ جدا ! حقا كلامك أسعدني وربت عليَ .

بادلتها حماةُ إبتسامة وقالت:

ــ لا شكر على واجب ؛ أنتي إبنتي .

وضغطت على كلامتها الأخيرة كانت تحسُ من كلامها بأن العلاقة بينها وبين أحمد متوترة وأنها خائفة منه بشكل ما .

أسأءها ذالك جدا لوهلة أرادت أن تسألها ، لكنها آثرت الصمت لكي لا تحرجها وقررت التكلم مع أحمد أولاً و معرفة ما يدور بينهما ثم تحاول مساعدته في طريقة المثلى لتعامل معها..

وإن إظطرت تتكلم معها أيضا ؛ المهم ألا تقف مكتوفة الأيدي و هي ترى منزل إبنها ينهارُ  فحتى ولو كان زواجهما غريبا ومتفاوتََا وجاء سريعًا ، لكن الله أراده لذالك فلا ريب أن فيه  حكمة لهذا يجب أن يستمر و في نهاية سنعرفُها .

بعد دقائق فقط؛ دخل سعيد إلى المنزلِ وهو يحملُ بعض الأغراضِ والمشترياتِ:

ــ السلام عليكم..

نهضت جميلةَ منذ سمعت وصوته فردتْ عليه وهي تحملُ ما بين يديه عنه :

ــ وعليكم السلام.

أما مريم فقد توترت ولم تدري ما تفعل للحظة تذكرت أنه عمها ؛ وعندما إصطدمت نظراتها بعينيهِ قامت من مكانها وهي مرتبكة و قالت :

ــ بونجور ..

ضحك سعيد بعفويةِ على ردةِ فعلها و إقترب منهآ سلم عليها وعانقها وهي بدورها بادلتهُ العناقَ وقال :

كيف حالُ زهرةِ بيتنَا ؟!

إبتسمت بخجلِ وقالت :

ــ Moi?!

ردَ عليها وهو يضع يده على كتفها بلطف:

ــ نعم أنتِ ومن غيركِ ..

ــ بصحةِِ جيدة.

ــ الحمدلله .

رد وهو يخرج علبة شوكولاتة فاخرة من جيبه ويقدمها لها مع وردتينِ .

إستغربت من لطفٍ رجلِ العربِي كانت معاكسةََ تماما لما في ذهنها ؛ أمسكت بما قدمهُ لها وقالت وهي تشعر بسعادةِ غامرة  :

ــ Marci

قالت جميلة وهي تقتربُ منها :

ــ يبدو أنك توترتي منذ قليل كنتِ تتكلمين معي العربية.

قالت مريم وهي تطأطأ رأسها نحو الأسفل:

ــ آسفة لم أعتد تكلم بالعربية  في كل مواقف بعد .

ــ لا تتأسفي خذي راحتكِ تكلمي كما تردين ونحن سنفهمكِ.

قالها إثنينِ معا وأضافت جميلة وهي تشير بيدها:

ــ لم أقصد شيئًا بكلامي عزيزتي ، أردت فقط أن أوضح لكِ انكِ في بيتكِ لا داعي لأن تتوتري .

أومأت برأسها بإيجاب مبتهجة بهذا الحنانِ الذي يصبانهِ عليها .

ثم جلسَ ثلاثتهم ينتظرون أحمدْ ؛ سألت جميلة زوجها سعيد وهي تنظر إلى الساعة التي تشير إلى الثانية عشر إلا ربع .

ــ تأخر أحمد ظننت أنه سيأتي معك كالعادةِ .

ــ تركته مع صديقه عبد الحق سيأتي قريبا.

أجابعا و يضع كوبًا من الماء بجانبها:

ــ  هاكِ يا أمّ أحمد؛ خذي دواء الضغط قبل أن تنسي، الطبيب قال بانتظامه تستقر حالتك أكثر.

ردت و هي تضحك بخجل خفيف :

– يا رجل، حفظتُ كلام الطبيب كما أحفظ اسمك ! لا تقلق.

قال بصوت خفيض وهو يضيقُ عينهِ :

– وأنا أقلق لأنّي أعرفك ؛ تتجاهلين نفسك. قلتُ لكِ مرارًا: السكر ليس مرضا عاديا ، يجب أن ننتبه لغذائك.

ردت وهي تتنهد :

– والله تعبت من هذه الحميةِ و الأدوية؛ ليتني أرتاح منها يومًا.

رد و يبتسم بحنان، يلمس يدها :

– تتعبين؟ وأنا معكِ. لكن، يا جميلة، إن تجاهلتي كلام الطبيب ستسوءُ حالتكِ إن مرضتِ أمرض أنا.

دعينا نلتزم، أسبوع واحد فقط ؛ وإن تحسّنتِ أحضر لك مفاجأة .

ردت وهي تضحك برضا :

– تفاجئني؟ في هذا العمر ما زلتَ تتدلني ؟

–  بالتأكيد .

ثم اسمعيني اشتريتُ لكِ اليوم فيتامين D، قالوا يفيد العظام. ومرهم لركبتك اليسرى ؛ لا تنسي وضعه قبل النوم.

ردت وهي تنظر إليه بامتنان :

– الله يحفظك! ما زلتَ تعاملني كأنّي فتاة صغيرة.

رفع كتفيه بخفة وقال :

– كنتِ وما زلتِ عندي أجمل فتاة ؛ وستبقين كذلكَ .

كانت مريم تراقبُ كل هذا وهي مندهشة ؛ من عمها سعيد المخلصِ لزوجتهِ جميلة كيف يهتم بها ويحفظ كل مواقيت دوائها و يخافُ على صحتها من تدهورِ حتى أنه وعدها بمفجأةِِ ، كانا زوجانِ مثليانِ يبدوا أنهما يحبانِ بعضهما البعض جدا تجمعهما أواصرِ إحترامِ و مودةِِ عميقة قوتينِِ متماسكتنِِ ،لوهلة خطر ببالها عائلتها المتشتتة لم تتذكر أن والديها تفهما يوما أو أنها شعرت أنهما يكنَانِ لبعضهما  الحب ولو لمرةِِ ، حتى إنتهى أمر بينهما بإنفصالِ و بقيت تتأرجح بينهما كل واحد يحاولُ أن يبثَ فيها كره لطرفِ الاخرِ خاصة أمها التي كانت متهجمةََ على المجتمعِ العربِي وهاهي الآن في وسطهم ولم ترى منهم إلا الخير ومعاملة الحسنة سواء معها او بين بعضهما البعض ، أكانت تفعل هذا من الغيرة تساءلت؟

قطع خيط أفكارها دخول أحمد بهدوء، يحمل كيسَ فواكه في يده:

– السلام عليكم ! يا الله! كل مرة آتي فيها   أجدكما مشغولين ببعض ؛ ولا يوم رأيتكما تتشاجران مثل باقي الأزواج!

ــ أهلاً يا بني ! أبوك لا يتركني أتنفس، كل ساعة دواء وفحص ضغط!

ــ معه كل الحق ، يا أمي..

ثم انظري أحضرتُ لكما التفاح الأخضر كما قال الطبيب، مفيد للقلب وللسكّر. ولا تقلقي يا أمي، سأساعد أبي في الاهتمام بك، أنتِ تعبتِ من أجلنا جميعًا.

ــ بارك الله فيك يا ولدي ؛ حفظكما الله ورعكما ..

– إن شاء الله نحتفل بعيد زواجهما الستين بعد وتكون أمي وقتها ما زالت تتدلل وأبي يجري خلف أدويتها.

قال أحمد وهو ينظر بينهما مبتسمًا ثم نقل نظره نحو مريم التي كانت تحدّق فيه

في تلك لحظة ازاحت بنظرها بعيدة وهي تشبكٌ يديها مرتبكة إبتسم إبتسامة جانبية وجلس بجانبها ليتناول طعامَ الغداء..

---

بعد مدة كانت واقفة أمام المجلى وهي تغسلُ أطباق الطعام بينما الجميع في الصالةِ ؛ لم تكن الوحدة في المطبخِ تزعجها بل على العكس تماما أراحتها كانت غارقة في تساؤلات كثيرة حول أحمد هل مزال منزعجا منها ؟ هل يكرهها الآن؟ و لماذا هي أصلا خائفة أن يحدث هذا أليس هذا ماكانت تتمناهُ؟ ما الذي تغير حتى تغيرت قناعتها ؟

دخل عمها سعيد المطبخَ وصب كوب شايِِ أخذه معه وهو يدندنُ بأغنياتِ شعبية لم تفهم منها شيئًا ثم سمعته يقولُ :

– تفضّلي يا جميلة الشاي بدون سكر مثلما أوصت الطبيبة. وضعتُ لكِ زعترًا قليلًا يساعد على السعال.

ردت وهي تسعل بخفة، وتخيلت مريم أنها رفعت يدها :

– يكفيني هذا الاهتمام ؛ أشعر أني طفل صغير.

رد وهو يجلس أمامها، ينحني ليرفع وسادة لظهرها:

– نعم أنتِ طفل إلى أن ترتاحي .

إبتسمت مريم وهي تتخيل هذا كان يشبهانِ أبطالِ الأفلامٍ الاجنبية التي كانت تشاهدها في السابق بل أجمل .

إستدارت لتضع أواني في مكانها و إبتسامة مرسومة على محياها في تلك اللحظة دخل أحمد فجأة فتبددت لوهلة تلك الابتسامةو بقيت مشدودة تنظر إليه بخوفِ لا تعرف سببه لبرهة من زمنِ فإقترب منها حمل الاواني عنها لعله يخفف قليلا من إرتباكها المفاجئ قليلًا الذي إجتحاحها ؛ ثم قال وهو يتقدم للمجلى :

ــ سأساعدكِ في غسيلِ ثم نعود للبيتِ ..

ِــ نعود للبيتِ ..

قالت بخفوتِ .

ــ أجل أمي ستنام وأبي كذالك ، وربما نحن أيضًا.

عندما أنهى كلماته إستدار وأكمل غسيل بسرعةِ كبيرة كأنه معتادُ على فعلِ ذالك عكسها تمامًا فقط كانت حركتها بطيئة لأنها كانت تشعر بصعوبةبالقيامِ به ؛ إقتربت تساعدهُ في الجلي فقال لها ممزحا  :

ــ تغسلين بسرعة السلحفاةِ إن إعتمدنا عليكِ فستبقين عالقة بينهم للغدِ .

إستفزها بكلامه  فردت عليه قائلة:

ــ إغسلهم أنت وحدكَ لنرى براعتكَ ، لن أساعدك يا شاطر .

ضحك بخفوتِ و نظر إليها قال :

ــ لا علينا راقبي وتعلمي .

أشاحت بوجهها المحمّرِ بعيدًا وعندما إستدار اعادته لمكانه وهي تشعر بسعادة عارمة لأنه ليس منزعجا منها .

ثم أوفقت تنَفَسها لوهلة وهي توبخُ دواخلها على هذا الشعورِ الاحمقِ و زفرت بصوتِ عالي زفرةً غير مقصودة ألقى أحمد نظرةً إستغرابِ عليها وهو يجفف يديه فقد إنتهى لتوهِ من غسلِ وخرج من المطبخ وخرجت ورائه .

---

الساعة الثانية عشر ظهرا :

رفع الأذان ليشقّ سكون المكانِ،

نداء يحمل في طياته راحة وطمأنينة لمن يسمعه بقلبه، لكن مريم لم يكن من هؤلاء كان الأذان دائمًا مجرد صوت عادِي، شيء لا يعنيها ، لا تهتم له، ولا يحرك فيه شيئًا...

لكن هذه المرة، كان مختلفًا ؛ لأن أحمد كان معها يصعدانٍ الدرجِ  المؤدِّي لبيتِ..

فتح الباب و دخل ودخلت ورائهٌ ، وأغلقه خلفها تقدمت نحو الغرفة وتقدم هو خلفها و جلست على طرف السرير وأخذت تعبثُ بهاتفها كأنها تتجاهله ولا تريد الخوض معه في أي كلام ، لكن رغم محاولاتها في إندماج مع شاشة هاتفها لم تستطع فَجُل تركيزها كان معه حتى

عندما إنتهى أذان سمعتهُ يتمم بصوتِ خافتِ وأدركت أنه نوعُ من دعاءِ .

عندما إنتهى نظر إليها نظرة جانبية وقالَ بجديةِ :

ــ ألم تسمعي الأذان؟

سكت برهة وهو يرى تجاهلها المتعمد لسؤاله فأضاف بحزم أكبر :

ــ قومي هيا لنتوضئ  لايجب أن تفوتي أي صلاةِِ منذ الأن !

رفعت حدقتيها نحوه و قد سيطر عليها نوعٍُ من الغضب الذي كان يدفعها لتهجم عليه فقد أزعجتها نبرته في حديث معها وتذكرت والدها وصفات الرجلُ العربي الذي يريدها أن ترضخ له

فقالت بتأفف :

ــ لا يحق لك أن تجبرني !

ــ هل انت مسلمة؟

سألها وهو يغمض عينه لكي لا تنفلت أعصابه فسكتت ولم تجبه .

أعاد سؤاله مرةً أخرى :

ــ سألتكِ إن كنت مسلمة حتى أعرف كيف أتعاملُ معكِ .

شعرت ببعضِ الخوفِ يتسلل دخلها لكنها لم تظهره له وأجابت دون أن ترفع نظرها من على شاشة هاتفها:

ــ بلا شك مسلمة!

ــ ماهو دليلك على ذالك .

قال بصوت مرتفعِ ، وهو يضع يده وهي ردت بصوتِ أعلى وقد نفذ صبرها :

ــ و لما تريد دليلًا؟ أنا مسلمة نعم مسلمة لماذا تصر على ..

قاطعها قائلًا:

ــ هل تصلين ؟

صدمت بسؤاله الذي خفف حدة الموقف ألجم لسانها ولم تستطع قول كلمة لأنها تعرف أن لكل دينِ شعائرُ صلاةِ  و دين الإسلام يتميز بصلواتِ خمسِ وهي لا تؤديها لقد هزمها شعرت بحرجِ شديد أكثر منه الغضب .

ساد بينهما صمت قصير ؛ كسره أحمد بخطواته وهو يتقدم نحوها  و جلس قربها

أخذ هاتف من يديها وقد خف غضبه قليلًا وأخيرا قال بصوت خفيض:

ــ لم تجيبي على سؤالي.

طأطأت رأسها وأجابت:

ــ  لا أصلي كما قلت لك توقفت منذ كان عمري 9سنواتِ .

ــ هل تعلمين ماقله الرسول عن تارك الصلاة العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة.

زفرت فجأة و قالت بوجه محمر من الغضب  ونظرت إليه بكلِ شجاعةِ لأولِ مرة :

ــ ماذا تقصد من أنت حتى تطلق حكمك عليا بأني كافرة هاا .

ــ إهدئ قليلا انا لم ألقي حكما عليكِ انا وقلت وأنت حللت الأمر بنفسك تذكري !

قالها وهو يحاولُ إخفاء إرتباكه من نظرتها حقا هي سريعة الغضب وسريعة الهدوء متقلبة المزاج الحالِ و الأحوالِ قالها في نفسهِ وأكمل وهو يمسح بيده على وجهها والغريب في الأمر أنها لم تبعدها ولم تحاول ذالك .

ــ هل سألت نفسك يوما لماذا نصلي ؟

حركت رأسها نافية وهي تعقد حجبيها ..

ــ صح ! إذن هل تودين معرفة أمر..

ــ هل أخبرك ؟

حركت كتفيها كدلالة على أنها لا تهتم لأمرِ كثيرًا، أوكأنها تقولُ إذهب أنت وكلامك بعيدًا..

إستفزته بحركتها تلك لكنه أسرها في نفسه، يدرك غافلة و أن غشاوة من الجَهل السامِ تحيط بها وهي غير مدركةِ فما عساهُ يفعل يجب أن يتحملَ كل تصرفاتها المستفزةِ ليزيح عنها تلكَ الغشاوةَ ؛ سيفعل ما بوسعه ليخرجها من ظلام الباطِلِ إلى نورِ الحقِ وقتها ستتغير نظرتها للحياة ونحوه وسينسها كل هذا التعبَ ..

ــ سأخبرك:

ــ نصلي لأن الصلاة هي صلة مباشرة بين الإنسان وربه، ووسيلة لحماية النفس من الضياع والخطأ. عندما تصلي، تتوقف عن الانشغال بالدنيا ولو لدقائق، لتذكر خالقك، وتشكره، وتطلب منه الهداية والقوة. هي مثل مرساة ثابتة في بحر الحياة المليء بالمشاكل والتشتت.

الله تعالى قال:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].

أي أن الصلاة تحميك من الوقوع في المعاصي وتذكرك بما هو صحيح، وتجعلك أقوى أمام رغباتك السيئة.

سكت برهة وأضاف وابتسامة على محياه :

ــ باختصار، نصلي لنرتاح قلبًا، ونرتّب حياتنا، ونقوي علاقتنا بالله، وليس فقط لإرضاء أحد أو للطقوس الشكلية.

لاحظ بأنها بدت مهتمة به فقالَ يشرح :

تخيّلي شخصا مشغولًا بالدنيا فقط و عمل والدراسة، حياته فوضوية، دائماً متوتر وسريع الغضب، ولا يصلّي أبدًا.

رغم ذكائه ومهاراته، يخطئ كثيرًا، ويشعر بالفراغ الداخلي. الآن تخيّلي نفس الشخصِ بدأ يحافظ على الصلاة، حتى لو كان يومه مزدحمًا: قبل كل صلاة يأخذ لحظة ليتذكر الله، ليهدأ، ليعيد ترتيب أفكاره. بعد فترة، يلاحظ نفسه أكثر صبرًا، أقل اندفاعًا، وأكثر تركيزًا في قراراته، بل حتى علاقاته مع الناس تحسّنت.

ــ هذا حدث فعلآ مع أشخاصِ كثر ومعي أنا تحديدًا و هذا المثال يوضح أن الصلاة تعمل كمرساة ودرع للنفس: بدونها، يعيش الإنسان متشتتًا، ومعرضًا للخطأ والانحراف، ومعها، حياته تكتسب ترتيبًا وطمأنينة حقيقية.

ــ هيا تأخرنا على وقتِ صلاةِ .

وافقت على مضض وهو أحسَ بذالك لكنه تجاهلَ ردة فعلها  فإلحاحه هذا لسببين أولُ من  أجلها لأنه يريد لها هداية ونجاة من غضبِ الله والسبب الثاني من أجل نفسه فلا يجوز العيشَ مع شخص لا يصلي .

توضأ معًا و رأى كيف كانت تؤديها بطريقة صحيحة سرهُ هذا كثيرًا .

وعندما أكملا إتجها للغرفة التي سيصليانِ فيها وهو يقول :

ــ تعرفين كيف تؤدى صلاة صح وتحفظين سورة الفاتحة و بعض السور القصيرة.

أومأت برأسها بإيجاب وأردفت:

ــ بالتأكيد كان إمام المسجد يعقبنا إن نسينا حرفا لذالك مازلت عالقة في ذهني .

ــ جيدُ جدا.

بعدها وقفا معًا بين يدي الله في أربع ركعاتِ خاشعتين، هو إمام وهي مأمومة، يتلو القرآن فيخشع قلبها ، وتغلفه بعض السكينة التي إفتقدتها والتي كانت ترفض تصديق الإحساسِ بها .

وعندما إنتهى من صلاتهما إستدار لها وسؤاها  وإبتسامة رضى رسمت على محياه :

ــ كيف هو شعوركِ الآنِ ؟ هل أحسست بأنه تغير و أزاحَ عنكِ ثقلَ .

ــ لا لم يتغير شيء.

حركت رأسها نافية وهي تنكر السكينة التي شعرت بها كأنها بذالك تتحداهُ فلا تريد أن يكونَ مايقولهُ صوابا فهي تكرهُ إعتراف بهذا

زفر وقال :

ــ لا علينا ربما لا تنجح في المرةِ الأولى لكن مع تكرارِ ومحافظة عليها سترين الفرق .

لم ترد و قامت من مكانها وهي تنظرُ له وكأنها  تستمعُ بمشاهدة الخيبةِ التي ظهرت على وجهه .

.

.

.

الساعة تجاوزت منتصف الليل..

كانت مريم قد تحاولُ الغرق في النومِ لكن الكوابيس المخيفة منعتها وأفسدت ليلتها هذه كما تفعلُ دائما ..

كانت تشعر ببردِ يسري في جسدها و أسنانها تصطكُ ببعضِ كانت عيونها مغلقة و ترى كائناتِ غريبة تارة تلاحقها وتارة أخرى تمسكُ بها إستفاقت من نومها وهي  تشعرُ بالخوفِ الشديد.ولم تستطع الخلود إليه مرةً أخرى نظرت إلى أحمد النائمِ بجانبها زوجها الجديد الذي لم تعتد عليه بعد. كانت لا تزال تحمل في صدرها شيئًا يشبه النفور لا تعرف إن كان خوفًا، أم حذرًا، أم اعتراضًا على هذا الزواج الذي جاء أسرع ممّا أرادت.

كان غارقًا في نومٍ عميق، ساكن الملامح كأنّ العالم خارج حدود أحلامه لا يعنيه. ساورها شعورٌ مفاجئ بالغيرة من هذا الهدوء الذي يحتضنه كم تمنت لو تستطيع النوم بهذه الطمأنينة نفسها شعرت بغصة كيف يستطيع النوم بهذا الشكل بينما هي محاصرة بقلقٍ لا يهدأ ؟

تذكّرت المرة السابقة حين قرأ لها التعوّيذاتِ بصوتٍ جميلِ وكيف تلاشى خوفها بعدها

راودتها فكرة إيقاظه، وتطلب منه قراءتها لعلها تنجح كما في المرة السابقة في إبعاد ذلك الخوف عنها لكنها ترددت و بقيت الفكرة معلّقة في رأسها، تتأرجح بين الحاجة والأمان وشيء خافت في داخلها يمنعها و لا يريد الاقتراب منه لأنه لا يريد أن يظهر ضعفها أمامه قالت تحادثُ نفسها:

ــ لماذا سأوقظه؟ لماذا سأتركه يشعر بأني أحتاجه؟ أنا لا أريد أن أظهر ضعفي أمامه وأيضا لا أريد أن  يفكر بأن  لديه مكانُ في قلبي .

لكن عينَيها التقتا بكتفه بقربه بقدرته على طرد هذا الظلام عنها فقط بكلمات.

والليل كان أطول من قدرتها على المقاومة فمدّت يدها، ولمست كتفه بخجلٍ لم تستطع إخفاءه.

ــ أحمد إستيقظ .

قالتها بخفوتٍ يختلط بالخجل.

فتح عينيه ببطء، حدّق فيها للحظة قبل أن يهمس:

– خيرا هل حدث شيء.

تبا لماذا يبدو صوته لطيفًا بهذا الشكل؟ لماذا لم ينزعج؟ ازدادت ضيقًا منه ومن نفسها معًا.

ثم ترددت قليلًا قبل أن تقول:

– الكوابيس عادت من جديد..

لم يسألها لماذا أيقظته ولا بدا منزعجًا. جلس مباشرة، وكأنه وجد فرصة جديدة ليكون قريبًا منها، فرصة لم يرد أن يضيّعها.

مرر أصابعه على جبينه بترددٍ خفيف كي لا يخيفها، ثم قال:

– هل تريدين أن أقرأ لك مثل المرةِ الماضية.

عضّت شفتها محاولةً منع نفسها من الظهور بمظهر المحتاجة لكنها أومأت بإيجاب.

وهو ابتسم ابتسامة صغيرة ليست انتصارًا، بل طمأنينة. ثم بدأ يقرأ لها المعوّذات، بصوتٍ هادئ، متمهّل، كأنه يسكب دفئه بين الكلمات.

ورغم أنها لا تريد الاعتراف بذلك، إلا أنها شعرت أن صدرها يهدأ مع كل آية؛ وأن الليل أقل سوادًا بقربه.

كان يميل قليلًا نحوها، ليس اقترابًا متطفلًا بل محاولة ليصل صوته إليها، ليحميها بشيء لا يملك سواه مرر أصابعه على شعرها بحنانٍ مطمئن دون أن تنفر منه مثل مرةِ سابقة وحين انتهى كانت قد نامت على فكرةِ  أنّ النوم قد عاد إليها، لا بسبب التعويذات وحدها، بل لأنه هو أحمد من أيقظته، هو من أعاد السلام إلى قلبها حتى وإن كانت تكرهه قليلًا أو تظن أنها تكرهه, لم تستطع تجاهل تلك السكينة التي تحيط بهِ ويغمرها بها .

ضمّ يدها بين يديه وقال بخفوتٍ محمّل بكل ما يشعر به:

– نامي بسَلام !

.

.

.

.

لا تنسو التصويت...☆

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية|سُبُلُ ٱلسَّلَامِ

المؤلف سديم 'ے
2025/02/25 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة