قراءة ممتعة..♡
الساعة الثالثة صباحا..
كانت تراتيل جالسة على طرف سريرها، ضوء القمر يتسلل من النافذة ليضيء نصف وجهها. كانت يداها ترتجفان قليلًا، ليس من البرد، بل من أثر الحلم الذي كرر نفسه الليلة بعد إنقطاعهِ مدة أربعِ سنواتِ قلبها ينبض بسرعة، وذكريات النظرات الغريبة والحركة المريبة لأختها تتكرر في رأسها لا تأبى التوقف ..
[..كانَ ليلًا طويلًا كان يجثم فوق دارٍ عربيةٍ واسعة، جدرانها من الطين، ونوافذها تُظلّلها ستائر مطرّزة بخيوط الذهب. وكانت رائحة القهوة تعبق في الفناء، لكن في قلبي كان شيءٌ مُرّ لا يشبه طعمها.
جلستُ عند نافذة تُطلّ على السطح، فرأيت أختي سلمى تتسلل فوقه بخطى خفيفة، كأنها تخشى أن تُوقظ من في الحيّ. كانت تحمل في يدها صندوقًا صغيرًا من الخشب المنقوش، أعرفه... إنه الصندوق الذي خبّأت فيه أسراري مذ كنتُ طفلة...
تتبّعتها بعيني، فلمحت امرأةً تُغطي وجهها بنقابٍ أسود واقفة عند طرف السطح. تقدّمت أختي إليها و قدمتها له وفتحته مرأةَ ، حاولتُ الصعود للسطح لأمنعهم ، لكن الدرج كان يطول ويطول، كأنّ البيت يرفض أن يوصلني إلى الحقيقة. وكلما تقدّمت خطوة سمعتُ نواحًا خافتًا لامرأةٍ مجهولة، كأنّه آتٍ من باطن الجدرانِِ وحين وصلتُ أخيرًا ؛
وجدت الصندوق مفتوحًا، وأختي واقفةٌ وحدها، تنظر إليّ بعينين دامعتين. لا أثر للمرأة المجهولة ثم هجمت علي تمزقني بوحشية..]
تذكرت تفاصيله كأنه حقيقة أغلقت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا. همست بصوت خافت، كأنها تخاف أن يسمعها أحد:
ــ اللهم يا من لا يخفى عليه سرّ شيء، احفظني من كل مكيدة، ونجني من كل سوء، واجعل بيني وبين من يريد بي سوءًا حجابًا لا يُخترق ..
ثم صمتت للحظة، تسمع صوت قلبها كأنه يردد الدعاء معها. أعادت الدعاء بصوت أعلى قليلًا، كلماتها تتصاعد مع الرجاء:
ــ اللهم اكشف عني ما أغلق عليّ، وأفضح كل من يريد أن يضرني، واملأ قلبي بالطمأنينة واليقين، واجعل لي من كل حلم مخيف أمنًا وحماية...
جلست دقيقة أخرى، تشعر بالهدوء ينساب في داخلها ببطء ورغم أن قلبها ما زال يتذكر الحلم، لكنه بدأ يخفف من وقع وقائعهِ الغامضة..
ثم نهضت ، نظرت إلى النافذة، همست أخيراً:
ــ يا رب، اجعل هذا مجرد حلم، ولا تدع له أثر في حقيقتي.
ثم عادت لتغطيتها، وشعور بالأمان يبدأ يزحف إليها ببطء، كأن دعاؤها رسم حاجزًا خفيًا بين الحلم والواقع.
---
في مكانِ آخر من أرجاء البيتِ ..
كان أبوها جالسًا على حافة سريرهِ يصارعُ نفسهُ للحديث معها ، لكنه لم يستطع رغم كل محاولاتهِ ففي كل مرة يتراجعٌ حين يدكرُ أحداث تلك الحادثة من خيبة و خيانة وطعنة و نظراتِ الناسِ التي كانت وكأنها تنتظر شيء مخزيًا كهذا من أحدى بناتهِ ليأكدوا حقيقة أن الأنثى حملُ ثقيلُ يجلبُ العارَ والتي طالما كانَ ينفيها وقد رزق بثلاثِ بناتَ فقط دونَ لذالك أعتبرَ ناقصا في محيطهِ لكنه لم يعطي لموقفهم أي إعتبار ، فشكر الله على نعمتهِ و صان بناتهِ ورعاهم و لم يشعرهم إطلاقا بأنهم سوءة وأنه ناقم منهم لأنهم ليسوا ذكورا كما يفعلُ غيرهُ ،
ولكن تحطمَ كل هذا بعد مافعلته إبنته ذالك الاثم الكبير الذي لا يرضاهُ احد فخابت توقعاته وصدقت توقعاتُ الناسِ وها قد أصبحت تراتيل وصمة عارِ بالنسبة له ونقطة سوداء في حياته ..
لكن لا يعلم لما تغير هذا بعد مرور أربعِ سنواتِ لما يحسُ أنه مخطئ وأنه يجب أن يسمعَ منها لقد أصبحَ يشكُ في أن ماحدث ربما يكونُ فيه خطأ و ربما مصيدة لتقع فيها فيتأذى هو ، راجع كل هذا وحاولَ أن يستجمعَ قوتَه ويتحدث معها بجدية أن يفتح ذالك الموضوع الذي لم يغلق بل حشرَ في الصمتُ حتى كادَ أن ينفجر لكنه لم يستطع وتراجع إنه يخَشى من الحقيقة الجميع يخشها أكثر من محاولة كشفها ومعرفتها إنها شكلُ من أشكالِ الموتِ أحيانًا و فرجُ بعد ضيقِ في أحيان أخرى وهو يخشى الأولى لأنها الأقرب ربما شكوكه كلها أوهامْ ربما ليست بريئة وأنه عقله يصورهُ له ذالك ليربت عليه فقد إنهار لذالك فضل العيش في الشكَ على تذوقِ مرارةِ الحقيقة.
---
استيقظت على ضوء الصباح المتسلل من خلف الستارة، ضوءٌ دافئ لم تعتد عليه بعد في غرفةٍ ليست غرفتها، وفي بيتٍ لم يكن يومًا حلمها.
تحركت قليلًا، لتتفاجأ بوجود شيء فوق يدها
' يده'.
كانت يد أحمد موضوعة فوق يدها، كما لو أنه تحسسها أثناء النوم ؛ أو كأنه كان يحرس أحلامها دون وعي.
سحبَت يدها بسرعة، مرتبكة، لكن أصابعها بقيت تشعر بآثار دفئه.
ــ ما هذا؟ لماذا قلبي يدق بهذه الطريقة ا؟!
نظرت إليه وهو لا يزال نائمًا؛ هذه المرة لم ترَ فيه الرجل الذي تكرهه، بل الرجل الذي بقي مستيقظًا نصف الليل لأجل كوابيسها .
الرجل الذي قرأ لها المعوذات بصوتٍ ثابت رغم ارتباكه.
الرجل الذي لم يطلب منها كلمة شكر، ولم ينظر لها نظرة شفقة.
اقتربت قليلًا دون أن تشعر، وكأن شيئًا في داخلها يريد التحقق منه ، يريد أن يرى إن كان حقيقيًا أم مجرد خيال صنعته في الليل.
كانت تنظر إلى ملامحه الهادئة، إلى رموشه التي تستريح فوق خده، إلى خصلات شعره التي سقطت على جبينه بشكل عشوائي.
ــ إنه وسيم ، وليس بشعا كما يصوره خيالي!
تحرك فجأة، فتح عينيه ببطء، والتقت نظراتهما.
لم تكن مستعدة لهذا القرب شعرت بأنفاسها تضطرب، وكأن شيئًا لا تعرفه يشتعل تحت جلدها.
ابتسم ابتسامة صغيرة، ناعسة، لكنها صادقة بطريقة مؤلمة.
- إستيقظتي ..
هزّت رأسها بإيجاب دون كلام.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، ثم قال بصوتٍ مبحوح من النوم:
- إذن الكوابيس ذهبت ، الحمد لله.
سكت لحظة، ثم أضاف:
- وأنا.ليس عندي مانع أن أبقى جنبك طوال الليلِ أقرأ لك إن كان يريحك.
كلماته إخترقت قلبها بسلالسةِ، كأنها قطرات ماء على حجرٍ بدأ يلين.
لم تستطع الرد. لم تثق بصوتها.
كل ما استطاعت فعله هو أنها حرّكت الغطاء قليلاً لتغطيه هو هذه المرة لا تعرف لماذا، ولا تعرف منذ متى أصبح هذا الفعل طبيعيًا.
ــ يمكن ، يمكن فقط هذه المرّة أتركهُ قريبا مني ليس لأني أحبه؛ بل يمكن لأني محتاجة إليهِ فقط...
وبينما هو يحدّق بها بدهشة خفيفة، لم تستطع منع نفسها من فكرة مفاجئة عبرت خجلًا في داخلها:
ــ لكن يمكن أني لم أعد أكرهك مثل قبل!
بعد مدة جلسا أمام الطاولة، ليتناولوا طعام الإفطار..
كان أحمد يبتسم ، كمحاولةِ لبدء الحديث معها بودية، فكر في طريقة لتي يبدأ حديث معها وجملةِ التي ستجذبُ إهتمامها ، هل يسألها عن نومها أو عن طعم الفطور ، أم شيء آخر ..
كان داخلهُ مليء بالحماس والأمل، يرى في هذا الصباح فرصة للاقتراب منها وبناء رابط جديد.
أما مريم، فكانت جالسة بهدوء، تتناول طعامها ببطء، عينها تتجنب النظر في عينيه و قلبها غير مرتبط بمشاعره، وربما تشعر بثقلِ الموقف أو بالارتباك ، وكانت تتظاهر بالانشغالِ بتناولِ الخبز و بالشاي، لتجنب الدخول في محادثة عاطفية.
الجو بينهما مليء بصمت غريبِ، كلمات قليلة تتبادل بينهما منذ صباحِ، وكل واحد منهما تعيش إحساسه الخاص: هو بالأمل، وهي بالابتعادِ. هو يشغرُ بتوتر وهو يحاولُ لفت انتباهها، بينما هي تشعرُ بالخجلِ من نفسها وهي تحاول الحفاظ على مسافة عاطفية.
قطع أحمد الصمتَ بينهما وهو يقول بصيغة مباشرة:
ــ كنت أفكر ربما نأخذ اليوم بعض الوقت لنتحدث؟ عن ، أي شيء.
مريم نظرتْ في عينهِ وردتْ:
ــ لا أعرف إن كان هناك شيء نتحدث عنه.
ــ أحيانًا مجرد التحدث يجعل الأمور أسهل ، يمكننا أن نعرف بعضنا أكثر.
أجابها وهو ينظر لها وهي أكملت طعامها بصمتِ كأنها لاتريد إسترسال معه في الحديث فأضاف:
ــ أعلم أن الأمور لم تكن سهلة ربما لم نشعر بأي شيء في البداية، وهذا طبيعي لأن زواجنا حدث سريعًا..
سكت برهة وأردف :
ــ إذا كنتِ مستعدة، يمكننا أن نحاول أن نفهم بعضنا أكثر، خطوة خطوة..
مريم تتفادت النظر في عينيه في بداية، لكنها لاحظت أنه يحاول بصدق، وليس بطريقة متصنعة فشعرت بشيء غريب، نوع من الاحترام أو الانجذاب، لكنها بقيت محتفظة بمسافتها العاطفية.ورفعتَ نظرها له وإبتسمت وهي تحرك رأسها موافقة وهو بدوره بادلها إبتسامة وشعر برضى هذه المرة.
---
في مكانِ آخرِ وفي إحدى المقاهي الشعبية في بسكرة ..
كانَ مقهى مكتضا يعجُ بالرِجالِ وأصواتُ ثرثرتهم مرتفعةُ فمنهم من كان يتحدث عن السياسة و آخرونَ عن الإقتصادِ والمنتوجاتِ التي يتم قطعها ويستنكرونَ ذالك و الشيوخُ يتحدثون عن الثورةِ و بطولاتهمْ ..
لكن عبد الله والدُ تراتيل كان بعيدًا عن كل هذا وكأن ضجيج في داخلهْ قد أخرسَ كل تلكَ الاصواتِ جلسَ في ركنِ منزوي يترشفُ فنجانَ قهوتِه ببطء ينتظر صديقه الذي طلبَ رؤيتهُ على غير عادتهِ لأمرِ مهم كانَت الحيرة يتأكلُ قلبهُ .
ــ هل أمرُ مهم جدًا حتى لا يطلعني عليهِ في الهاتف ؟
سأل نفسهُ وأجابها:
ــ بالتأكيد أمر مهم.
وغاص في شبكةِ تحليلاتهِ وتوقعاتهِ بعد مدة قُطعَت خيوطها من طرفِ صديقهِ صادقْ الذي حياهُ بحركةِ حواجبهِ كما هي عادةُ عند كل الجزائريين!
ــ كيف حالكَ ؟
سألهُ صادق فأجابهُ ..
ــ على قيدِ الحياةِ و الحمد لله وأنتَ ؟
ــ بخير ..
ــ دايمة يارب
قالها بإطالةِ ثم أردف لأنه يتوقُ لمعرفِة الأمر المهمِ :
ــ طلبتَ رؤيتي لأمرِ مهم أخبرني ماهو ؟
ــ أه صحيح سأخبرك لكن لا أعلم كيف سأبدأ
قالها وهو يمسح على لحيته ويشيحُ بعينهِ لأسفلِ من شدةِ توترهِ ..
حرك عبد الله كفيهِ بمعنى تكلم أنا أنتظرك ..
تزحزح صادق من مكانه وصغ مرفقه على الطاولةِ وقبض يدهُ ثم عدلَ وضعيته وقد إنزاحتْ عنه الرهبة وقال بجدية:
ــ لا يهمني كيف ستفهم الأمر أني أراقب منزلكَ لكني أريد مصلحتك صدقني حدث ذالك بالصدفة و أنا بعدها تتبعتُ الأمرَ .
سكت برهة ينظر للذي أمامه يكاد يفقد اعصابهُ وأردف قائلًا بصوت خفيض :
ــ هناكَ شابُ غريبُ عن ولايةِ بسكرة يراقبُ منزلكَ و تحريتُ أنا عن الأمر و عرفتُ أنه كان يسأل عن منزلكَ منذ مدة وقد دلوهُ عنه ..
ــ إن أمرهُ مريب ويظهر في أوقاتِ يخلو فيها الناسُ إلى منازلهم يحدقُ في بيتكَ بطريقة غير مفهومة حاولت مرة الإمساك به لكنه فر مني .
ــ حمم عبد الله وقالَ يستغربُ أمر :
ــ هل أنت متأكد ؟
ــ بالطبع متأكد..
إحتارَ عبد الله من هذا الخبرِ و راح يسأل نفسهُ عنهُ ترى من هو هذا الرجلُ وهل يعرفهُ و مالذي يفعله أمام منزلهِ و ماذا يريدُ منه؟ أسئلة كثيرة تقفزُ في ذهنهِ ليس لها إجابةُ ، وكان يجبُ البحثُ عنها لذالك قرر رسم خطةِ لإمساكِ به ..
---
الساعة الواحدة إلا ربعا ظهرا..
عند عبد الحق كانَ قد إنتهى لتوهِ من أداءِ صلاةِ الظهرِ لهذا وجدتْ أمه فرصةَ لتتكلمَ عن خطبةِ فهو الآن صفيُ الذهنِ.
أحضرتْ له بعد حلوى تقليدية وجلست أمامه تحدّثه أحاديث عدةِ عن صغرهِ وهو مستمتعُ بها حتى تطرقتْ إلى الموضوعِ الحساسِ الذي لم يغضبهُ عكسَ ماتوقعتْ فقال :
ــ نعم سأخبرُ والدها بأمرِ زيارتنا له للخطبة ونحدد موعدِ لكن قبلَ ذالك من هو والدها .
إبتسمت إبتسامة عريضة وقالت:
ــ عبد الله منصورْ إنه ليس بعيد من منزلنا كما أنك تعبر من أمام بيتهِ في كل مرةِ عند تذهب للمسجدِ .
عقد حجبيهِ برهة وقالَ عابسا :
ــ آه تذكرتْ نفس الرجلِ الذي آخذني إلى منزلهِ وقتَ النوبةِ .
سكت لحظة و أضاف :
ــ الرجلُ الذي رآني في أسوءِ حالاتِ ضعفي لن يرضى أن يزوجني إبنتهُ .
قاطعتهُ أمه قائلة بإسترسالِ :
ــ لماذا تقول هذا عن نفسكَ ؟ المرضُ ليس عائقا عن الزواجِ إنهُ إختيارُ الله لا يجب أن تحرم نفسك من عيش حياةً طبيعية فقط لأنكَ مريض ..
ــ ألاف أشخاص كانو مرضى مثلك بل كانت حالتهم أسوء ووجدوا إبنة حلال و تزوجها..
سكتت برهة وأضافت بخفوت ودموعُها تكادُ تسقط من محجريها :
ــ أرجوكَ لا تفعل ذالك إنكَ تجرحني ..
نفى كل ماقاله وضمها إلى صدره ثم مسح تلك قطراتِ عالقة قال:
ــ أرجوكِ يا أمي لا تبكي سأفعلُ ماطلبتهِ مني أنتِ الأدرى بمصلحتي..
أومأت برأسها مطمنةً وأكملتْ :
ــ لديهِ ثلاثُ بناتِ عازباتُ الوسطى فيهم بكماء لا تتكلم ليست إعاقة منذ الصغر بل نتيجة صدمةِ لا أعرفُ سببها .
تراجع قليلًا وقال:
ــ هل تردين مني خطبةَ الوِسطى لأنها مثلي ناقصة.
ــ آه لست ناقصا ولا هي ناقصة إفهم ياولدي كما أني أخبرتك فقط بما أعرفه وانت لك القرار..كما أني أتوقعُ أن ألا يزوج الوالد الصغرى قبل الكبرى مهم أنت أخبره و سيحدث ماكتبه الله فقط ثق بهِ .
ــ سبحان الله العظيم..
قالها وهو في حيرةِ من أمره لكن يقينهُ بالله وقدرهِ غلبَ كل ذالكَ ، وقد قرر قبل ذالك أن يصلي الاستخارة بعدها يخبرهُ .
---
في المساء :
كانـت مريم قابعة في غرفة النوم منذ الصباح ولم تغادرها إلا عندما ذهبت للحمام كانت التوتر يجتاحها فراحت تدور على نفسها في أنحاء الغرفة لعله يخف ..
ــ إنتهت حلول النجاة !
قالت تخاطب نفسها بعبوسِ لكن شيئًا ما في داخلها همسَ لها بقسوةِِ :
ــ وهل إستسلمت بهذه السرعة؟ ألن تحاولي إنهاء هذا الزواج المهزلي مرة أخرى ؟
تجاهلت إجابة عن هذه الأسئلة التي بغتتها فجأة وإتجهت نحو نافذة ووقفت عندها تتفحص الطريق كل دقيقة ، ثم تعود لتوبّخ نفسها:
ــ ولماذا أنتِ مترقّبة؟ هو لا يعنيكِ لقد أقسمتِ أنكِ لا تطقينه .
ــ أم أنه حدث مالم نتتوقعه بسبب كلماتِ إهتمام مزيفة قالها في الصباح جعلكِ تخضعين لهذا العربِي المخادعِ بسهولةِ أيتها الضعيفة ؟!
تنهدت وردت على نفسها وهي تبتسم ابتسامة مكسورة:
ــ سخافة! كلّ ما في الأمر أنني أدركت أنه لا قدرة لي على تغيير قدري ما حدث قد حدث وانتهى ، هناك أشياء لا يستطيع المرء تغييرها وعليه أن يستسلم لها .
ــ ثم من قال أني أنتظره ؟!
لكنها لم تستطع أداء الجملة بإقناع حتى أمام نفسها ، لأن مافي صدرها كان يعرف الحقيقة قبل عقلها أحست بفراغ صغير تحت عظام الترقوة ظلّ يؤلمها منذ خرج فراغ تشعر به تتظاهر أنه لا يخصّه، لكنه يتحرك كلما تذكّرت نبرة صوته الحانيةحين ناداها باسمها صباحًا و عزيزتي أمس وخوفه عليها .
شدّت على أصابعها ببعضها حتى ابيضّت أطرافها؛ شدّت عنق رداءها حول عنقها كمن يُحاول خنق دفءٍ لا يريد أن يعترف به.
قالت بصوت منخفض، وكأنها تهدّد قلبها نفسه:
"سأكرهكِ حتى النهاية ، إن ضعفتِ أمامه أرجوكِ توقّفي عن الحنين له ."
ثم سارت إلى المرآة و هي تُحدّق في وجهها طويلًا عيناها تحملان قلقَ مَن ينتظر، وفمها يحمل عنادَ مَن يرفض الاعتراف.
مرّرت يدها على شعرها و هي تهمس بحنق:
ــ لو كان وجوده لا يهم لماذا أخاف أن يأتي؟ ولماذا أخاف ألا يأتي؟
وعندما سمعت طرق الباب ، شعرت كأن قلبها انفجر في صدرها وشعرت بحرارة تسلل إلى سائر جسدها شهقت خفية، ووقفت بسرعة، مسحت دمعة لم تعرف متى هربت منها ثم رسمت على وجهها قناع الصلابة، وسمعت صوتا من داخلها يقول لها بصرامة:
ــ لا تفضحي نفسك ! هذا الرجل يجب أن تبقى كرهك له إنه درعك الوحيدُ .
وقبل أن تفتح الباب عرفت أن الطَارق أمه .
.
.
لاتنسو التصويت. ☆
سديم 'ے