قبل أذان الفجر بقليل، حين كان الظلام والسكون لا يزالان يخيمانِ هلى المكان ،
كان أحمدُ مستلقيًا في فراشه، غارقًا في نومٍ عميق، دليلًـا على أنه يحظى بنومةٍ هنيئة، بعدما أنهكه يومٌ شاقّ.
على خلـافِ مريم، التي تملّكتها الهواجسُ والوساوس، فلم تذق طعمَ الكرى المريح طوال الليل، فزاد تعبُها تعبًا.
كانت تتقلّب في مكانها مفزوعة، وهي ترى الكوابيسَ المخيفة التي لم تُفارقها يومًا، بل زادت وطأةَ حضورها سَواءً ووَحْشةً، منذ إعلان زواجها.
بين ثنايا كابوسها، كان هناك وحشٌ مخيف يلاحقها، وهي وسطَ غابةٍ موحشةٍ مُرعبة، والظلامُ الدامس يحيط بها، وبردٌ قارص يسري في جسدها، لا تعلم إن كان مصدرُه من الجوّ أم أنه ناتجٌ من شدّة الفزع.
وبين الفينةِ والأخرى، كانت تسمع أصواتَ نساءٍ عاليةً مخيفة، متصدّعةً كأصوات الساحرات الشريرات في الرسوم المتحرّكة، تخترق صدغيها.
أيادٍ طويلةٌ شاحبة تمتدّ من أشجارٍ يابسة، وتضربها في أماكنَ عشوائيةٍ من أنحاء جسدها، وهي تركض هاربةً من كلّ هذا: من الوحش، من الغابة.
ركضت مسافاتٍ طويلة حتى صارت تلهث، لكن لا جدوى؛ لم تستطع الخروج من تلك الغابة، وكأنها تتوغّل في أعماقها في كلّ محاولةٍ للفرار.
اختفى الوحش فجأةً، فهدأ رَوْعُها قليلًا.
توقّفت عن الركض، ودخلت كهفًا مهجورًا لتختبئ فيه، وهي تحاول حبس أنفاسها وكتم شهقاتها كي لا يعرف الوحشُ مكانها.
وبينما هي على هذه الحال، إذا بيدٍ متصلّبةٍ قوية تمسك بمرفقيها من الخلف.
تجمّدت في مكانها، وشعرت برجفةِ الخوفِ تقطع فؤادها وتمزّق أحشاءها، وتسارعت دقّاتُ قلبها حتى كاد يغادر صدرها.
كانت تحاول التملّصَ من بين يديه، لكنّها لم تستطع؛ كان متشبّثًا بها بقوّة، أو لعلّها كانت واهنةً فلم تقدر على الإفلات منه.
في لحظةٍ ما، بدأ كلّ شيءٍ مشوّشًا؛ هي الآن في نصف وعيها، ترى ما حولها بوضوحٍ جزئي، لكنها عاجزةٌ عن الحركة بسبب اليد التي تمسكها.
راودتها أفكارٌ كثيرة: كيف الخلاص؟ وأين المفرّ من كلّ هذا؟
كانت تعلم أنه كابوس، وليس حقيقة، لكنها لم تستطع الاستيقاظ، رغم محاولاتها نفضَ هذا الكابوس أو نفضَ نفسها منه.
وفي لحظةٍ خاطفة، شيءٌ ثقيل جثم على صدرها، وبدأ يضغط عليه بقوّة، فزاد رعبُها رعبًا، وشلّ حركتها، وعرقل تنفّسها، وعطّل عقلها عن التفكير.
فأخذت تصيح وتستغيث وتبكي، كاسرةً سكون المكان.
كانت ترتجف رجفَ أوراق الخريف عندما تعبث بها الريحُ، يمينًا ويسارًا، إلى الأعلى والأسفل، مُحدِثةً فوضى وضجيجًا كبيرين
---
استفاق أحمد النائم بجانبها مذعورًا، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، بعد أن أحس بحركة غريبة بقربه، وصوتٍ كسيرٍ اخترق مسامعه، وضرباتٍ عشوائيةٍ ضعيفةٍ أصابت ظهره.
تسمّر في مكانه وهو يرى مريم تبكي وتتخبط في مكانها، لكن سرعان ما تبدد تسمره هذا، فراح يحاول تهدئتها وهو يقرأ آياتٍ قرآنيةً عليها.
كان يدرك أنها ترى كوابيس مخيفة، وكان هذا الإدراك نابعًا من قناعته بأنها لم تقرأ أذكار النوم، فسقطت فريسةً سهلةً للشيطان.
استيقظت مريم أخيرًا جالسةً، مذعورةً تتلمّس الخلاص من هذا الكابوس، وراحت تحدّق في أحمد تحديقَ الخائف المذعور، الذي كان يربّت على كتفها أو رأسها بحنانٍ ويتلفظ بكلماتٍ ليست جديدةً عليها، لكنها غريبةٌ نوعًا ما.
انسيبت دموعها وقالت بصوتٍ مرتعشٍ اختلط ببكائها:
«Ah... un cauchemar terrifiant... J'ai l'impression que les veines de mon cœur vont éclater...»
«آه! كابوسٌ مفزع... أحسّ أن أوردة قلبي ستنفجر...»
شهقت شهقاتٍ متتالية، وأضافت بخفوت:
«لماذا دائمًا أرى هذه الكوابيس؟ لماذا دائمًا أتأذّى بها؟»
أحس أحمد بوخزٍ في قلبه وهي تشتكي له، فخاطبها بنبرةٍ حنونة:
ــ اهدئي... لا شيء سيؤذيك، هذه مجرد أوهامٍ من الشيطان، ولن تضرك. ستختفي ولن تعود عندما ينير نور الله في قلبك ؛ اجلسي معي، تنفّسي بعمق، وسأقرأ لك شيئًا يهدّئ من روعك
سكت برهةً يتأملها بحنوّ، ثم أضاف يرتّل:
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ؛ بسم الله الرحمن الرحيم...»
بقيت كلماته ترنّ في رأسها. لقد خابت توقّعاتها فيه.
شعرت باليأس منه، فقاطعت قراءته بصوتٍ مبحوح، ودموعٍ قد ملأت عينيها المتورمتين من فرط بكائها:
ــ ما الذي تفعله؟ أتستخفّ بي أم تمزح معي؟ أتقول إنها مجرد كوابيس ولن تضرّني، وهي دومًا تفسد وتعيق نومي؟ هااا!
ــ أتظنّ الأمر بهذه البساطة؟ وتريد أن تقرأ لي بعض تعويذاتٍ لأرتاح منها؟
سكتت لحظةً تستجمع أنفاسها، ثم تابعت بنبرةٍ واثقة:
ــ مهما فعلت، ستعود لي مرةً أخرى. زرتُ أحسن طبيبٍ نفسي مرارًا وتكرارًا، لكنه لم ينجح في إيقافها، وأنت ستوقفها ببعض كلمات؟!
لم يعلّق على كلامها، وبقي ينظر إليها بدهشة.
شدّت اللحاف لتغطي به سائر جسدها، متعمدةً إزعاجه، وقبل أن تغطي رأسها خاطبته بنبرةٍ فيها نوعٌ من الاستهزاء، وهي تشير إليه بسبابتها:
ــ عد إلى نومك، لا تتعب نفسك، فهذا لن يجدي نفعًا.
كانت تظنّ أنه ربما يأخذها في أحضانه، أو يطبع قبلةً على جبينها ليخفّف عنها الخوف، ويطرد الوحوش التي تحاصرها كما يفعل الأزواج في المسلسلات العاطفية.
متناسيةً للحظةٍ أنه رجلٌ عربيٌّ مسلم، تعرف مسبقًا أنه يفتقر إلى الرومانسية، رجلٌ لا يجيد سوى الصمت والتديّن البارد.
لكن منذ أن اتّهم الشيطان بأنه السبب في حضور كوابيسها، وطلب منها أن تقرأ التعويذات لتتخلّص منها، استفاقت على حقيقتها، ورأت بوضوحٍ أن من ينام بجانبها ليس بطلًا من أبطال الروايات، بل رجلٌ غريب الأطوار، متديّنٌ يغلفه الجفاء، ولا يرى في خوفها إلا ابتلاءً يجب أن يُقاوَم بالدعاء، لا بالعناق.
أما أحمد، فأحسّ بسكّينٍ ينخر كبرياءه بسبب أسلوبها الفظّ في معاملته، رغم أنه لم يُسِئ إليها إطلاقًا.
لكن غلب على كل ذلك إحساسه بالشفقة نحوها، لكونه يعرف مدى جهلها بدينها، فخفّف ذلك من استيائه قليلًا، وخاطبها بنبرةٍ حانيةٍ قائلًا:
ــ لن تعود بإذن الله إذا استعذتِ بكلمات الله. النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا أن نقرأ آية الكرسي، والمعوّذات، والفاتحة قبل النوم. هي ليست كلماتٍ عادية، إنها حصنٌ يحميكِ من كل شر. تعالي نقرأها الآن معًا.
تجاهلت كلماته، ولم تُبدِ أيّ ردّة فعل.
رفع الغطاء عن رأسها، ثم مسح برفقٍ عليه، ونفث النفث الخفيف كما علّمنا الرسول صلى الله عليه وسلم، وبدأ بالقراءة بصوتٍ هادئ:
الفاتحة، آية الكرسي، المعوذات...
---
في نفسِ الوقتِ و في مكان آخر :
إستفاقت تراتيل قبل أذان الفجر بقليل بدون المنبه هذه المرة.
كونها عودت نفسها الإستيقاظ في هذا الوقت لكي لا تفوتها هذه الفريضة؛ التي كانت قد داومت عليها منذ قررت الرجوع لله تعالى
فعلى الأقل إن لم تفرح في الحياة الدنيا فستفوز بنعيم الآخرة غافلة على أن من يطع الله يفوز بكلتيهما .
نهضت من فراشها بنشاط وخرجت من الغرفة لتوضأ إستعداد لصلاة .
بعد أن كانت شبه متأكدة من أن والدها خَرج للمسجدِ لأنها لا تريد مقابلته لكي لا يلقي على مسامعها كلامه السَّام ،
لكن تَوَاقُعها خاب لأنها إلتقت به في ممر يمر بجانب الحجرةِ التي تنام فيها
لحظة إنتبه لنور الذي يتسلل منها كأنه يشك في أنها تفعل شيئًا سيء في هذا الوقت بينما الجميع نائم فهو أساسا لا يثق بها ..ولحسن الحظ وجدها ترتدي عباءة الصلاة ..فخاطبها بنبرة إستحقار :
ـِـ صَلِي صَلِي ...لعل صلاتك تغسل ذنبك!
أصابت كلماته قلبها كسكاكين ؛ زادت جرحها قلبها عمقا وألمًا .
لكنها - رغم ذلك - لم تكرهه؛ فقد كانت تعلم أنه لا يُدرك الحقيقةَ المخفية، تلك التي تُعاكس ما يظنه بها.
فما جرى قبل أربع سنوات لم يكن ذنبًا اقترفته، بل كانت مكيدةً نُسجت خيوطها في الخفاء، وكِيدَت لها دون أن تدري مَن كادها ولا لِمَ.
بكت كثيرًا، كما لم تبكِ من قبل...
رفعت كفَّيها إلى السماء، وقلبُها يئنُّ بالدعاء، ترجُو من الله أن يُبرِّئها من تهمةٍ أُلقيت عليها ظلمًا، كما برَّأ ربُّنا أمَّنا عائشةَ رضي الله عنها من قبل، فكان النور بعد الظلمة، والحقُّ بعد البهتان.
---
و كان الأب يسير على الطريق المؤدي إلى المسجد بخطواتٍ ثابتة، وهو يشعر بشيءٍ يحترق في صدره، ربما هو حبُّه لابنته الذي تَدَنَّس بخطيئتها.
كان مشتاقًا إليها كثيرًا، يودّ لو يأخذها في حضنه ويقبّلها وينسى ما فعلت، لكن هيهات، هيهات أن ينسى ، فكرامته وكبرياؤه يقفان كحاجزٍ يمنعانه من ذلك، فذنبها كبير لا يُغفَر.
ومع ذلك، كان بعض الشك يتسلّل إلى قلبه بين الحين والآخر، فربما هو يظلمها بفعلته هذه.
فراح يسأل نفسه ويجيبها ليبدّد هذا الشك:
"ما أسوأ شيءٍ قد يحدث لك في الحياة؟"
"أن تُطعَن في ظهرك كمغفَّل..."
"وما هو الأسوأ من ذلك؟"
"أن تستدير فتجد أن الطعنة جاءت ممن أفنيتَ عمرك لأجله..."
"كابنتك!"
ولم يكن يعلم أن الأسوأ من ذلك كله أن يكون ما حدث مجرد كذبةٍ ومؤامرةٍ للإيقاع بها، وأن ابنته كانت ضحيةً، كان عليه أن يقف معها لا ضدها، فينصف الجاني.
وصل أخيرًا إلى المسجد بقلبٍ مُثقلٍ بالحزن والضياع.
أدّى صلاته، ودعا الله أن يهديه ويريه الطريقَ الصحيح للتعامل مع ابنته، خاصةً وأنه لم يُكَلِّمها منذ أربع سنوات. فهي - رغم ما فعلت - قد أخطأت، وجلّ من لا يخطئ.
لكن المجتمع له رأيٌ آخر ؛
إلا أن الله جلّ جلاله غفورٌ رحيم، فمن يكون هو حتى لا يسامح؟
---
حين فرغ من صلاته وخرج من المسجد، مشى في الزقاق بخطواتٍ بطيئة مترددة، غارقًا في أفكاره.
لم يكن يقصد العودة إلى المنزل، بل قرّر أن يخلو بنفسه ليتّخذ قرارًا حاسمًا بشأن علاقته بابنته ، فثمة ما يعجز القلب عن مواجهته.
علّه يجد في صمت الطريق ما يعينه على اتخاذ قراره الأخير بشأن ابنته.
لهذا، عندما اقترب من منزله، تراجع وغير مساره.
كان الليل ساكنًا إلا من وقع خطاه..
ولكن في لحظةٍ ما، شقّت صيحةٌ حادّة سكون الشارع، وقطعت شروده، وأجفلت كيانه.
كانت صرخة استغاثة، أحسّ معها بالفزع، فهرول يتبع مصدر الصوت.
قبل دقائق من هذا.
كان عبد الحق ـ وحده من دون صديقه أحمد ـ يمشي في الزقاق نفسه بخطواتٍ هادئة،
وعيناه تتابعان الأرض أمامه بلا اهتمام.
فجأة، توقّف. لم يكن هناك سبب واضح، كأن الزمن تعثّر به في منتصف الطريق.
رفع رأسه قليلًا، وثبّت نظراته في الفراغ، جامدة لا ترى.
لم يُجب حين ناداه أحدهم باسمه، كأن الصوت مرّ من جواره دون أن يلامسه.
يده لا تزال تمسك بالمصحف، لكنها بدأت ترتجف بخفة، رجفة صغيرة بالكاد تُرى،
قبل أن تتصاعد إلى ذراعه، ثم إلى كتفه.
بدأ جسده يتمايل، خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الجانب، كأن الأرض تميد تحته.
ثم فجأة، تصلّبت عضلاته، وتجمد في وضعٍ غريبٍ لا حياة فيه،
قبل أن تخونه قدماه ويسقط أرضًا.
اصطدم رأسه بالأرض بخفة، وارتجف جسده كله في ارتعاشاتٍ متتابعة، متقطعة،
تزداد حدّة ثم تخبو...
و خرجت منه صرخةٌ واحدةٌ مبحوحة،
تسلّلت عبر الزقاق، لتصل إلى مسامع من لم يكن قد ابتعد كثيرًا.
---
عند تراتيل .
طرقاتٌ مفاجئةٌ على الباب بثّت الرعب في أوصالها. كان وقعُها قويًّا، مألوفًا حدَّ الوجع، محفورًا في ذاكرتها، تخشاه كما تخشى ذنبًا قديمًا.
أيقنت في لحظةٍ أن الطارقَ هو والدُها الغاضب ؛ فارتجفت أنفاسُها، وبدأت أفكارُها تخونها، تعيدها قسرًا إلى تلك الليلة قبل أربعِ سنوات، حين كانت نفسُ الطرقات تطرقُ بابَها والخوفُ يسكنُ عينيها.
ترددت و نظرت إلى أختيها النائمتين، وأرادت أن توقظهما لتطلب من إحداهما فتح الباب، لكنها لم تفعل.
حاولت تجاهل الصوت، إلا أن الطرقات ازدادت حدّة، فشعرت أن الصمتَ لم يعُد ملجأً، وقررت أخيرًا أن تفتح الباب.
فتحته بتوجس، فإذا بوالدها يقف هناك، وجهُه متعبٌ لا غاضب، يحمل بين ذراعيه رجلًا مغمًى عليه، شاحبَ الملامح كأنه يعاني من نوبةٍ قاسية.
دخل والدُها مسرعًا، أدخله إلى الصالة، ووضعه برفقٍ على الأريكة.
حينها فقط أدركت - بدهشةٍ وارتباك - أن الخوف الذي رأته في عينيه لم يكن غضبًا، بل كان خوفًا على الرجل الذي بين يديه.
ــ بنيتي أحضري الماء بسرعة ..!
تجمدت لوهلة ليس إستغرابا من طلبه بل من الكلمة الحنونة التي قالها "بُنَيَتِي" تردد صدها في أذنها ــ لا تريده أن يتوقف ــ تبعها ترقرق دموعها..
أعاد والد طلبه بنبرة صارمة :
ــ تراتيل ألم تسمعي قلتُ لك أحضري ماء بسرعة !
انتفضت من مكانها بسرعة وإتجهت لمطبخ لتحضر الماء و هي تستمتع بنبرة والدها صدى إسمها يتردد في أذنها كعتابِِ خفيف لها وفي ترديدة تحس بسعادة لاتوصف فقد مر وقت طويل لم تسمع إسمها من فم والدها .
عادت له وهي تحمل إناء ماء ثم إنسحبت خارجة من الغرفة قبل أن يستيقظ الرجل المغمي عليه ويراها بدون حجاب و قبل أن تنصرف تماما ألقت نظرة عميقة على والدها الذي كان منحني الظهر يغسل وجه الغريب ودت لوهلة أن تحضن والدها لأنها إشتاقت له ،وتشكر الغريب هذا على صنيعه الذي لم يقصده .
ثم غادرت وهي تحس بشيء ما يهمس لها أن هذا الرجل الذي أدخل السعادة إلى قلبها مدِينُ لها طوال حياتها .
---
مستلقيةٌ على فراشها نائمةٌ بعمق، وكان هذا واضحًا من صوت شخيرها المتقطع الذي ملأ الغرفة، كأنها بهذا تعوِّض ما فاتها بعد أن ألمَّ بها التعبُ ليلةَ أمس.
دخل زوجها إلى الغرفة بعدما طرق الباب، مع أنه كان يدرك أنها لن تجيب، التزامًا منه بأدب الاستئذان.
اقترب منها ليوقظها، إذ إن والدها طلب رؤيتها قبل مغادرته. وقبل أن تلامس يداه كتفيها، تأملها قليلًا.
كانت ملامح التعب باديةً على وجهها، خاصةً مع بروز هالاتٍ سوداء تحت عينيها المنهكتين.
شعر بالأسى عليها، وتزامن ذلك مع إحساسه ببعض الخجل، كونها أول ليلةٍ معه وقد أفسدتها الكوابيس، وها هو الآن سيُفسد نومها بعد أن غفت منذ وقتٍ قصير.
لكنه تَجاوَز ذلك وقرّر إيقاظها، لأن عليها رؤية والدها قبل سفره، فربما تغضب منه أكثر إن لم يوقظها.
فربت بهدوءٍ على كتفها وناداها بحنان:
ــ مريم ؛ مريم .
تقلّبت على جنبها الآخر وسحبت اللحاف لتغطي رأسها كاملًا، وهي تمتم بنعاس:
ــ نورسين؛ دعني أنام!
استغرب الاسم الغريب الذي نطقت به، لكن استغرابه تبدّد حين أدرك أنها ربما كانت تقصد إحدى صديقاتها من منزلها القديم.
أعاد المحاولة مرارًا وتكرارًا:
ــ مريم، استيقظي، والد ..
بتر كلمته في اللحظة التي رفعت فيها رأسها وقالت بتذمّر:
ــ دعني وشأني، لا أريد رؤيته ؛ أخبره بذلك.
ثم عادت إلى وضعيتها، والدموع تنسدل بصمتٍ من جفونها المغمضتين، وفي قلبها غصّة تشكّلت فور استرجاعها ما فعله بها والدها.
فها هو سيعود إلى فرنسا ويتركها هنا وحدها، كأن ابن أخيه ملكٌ مقدس لا يُخشى منه.
لم يكن غضبها الحقيقي بسبب الزواج ذاته، ولا من هذا الرجل تحديدًا، بل لأن والد رفض البقاء معها خاصة وقد قال لها بصريح العبارة أن أجله قريب .
أما أحمد، فقد استغرب سبب رفضها رؤية والدها.
لم يكن يدري ماذا يفعل، أيسحب نفسه أم يحاول معها مجددًا؟
ناداها مرارًا، لكنها لم تجب - ليس تجاهلًا، بل لأن غصّة في حلقها منعتها من الكلام.
ربما أدرك هو ذلك، فراح ينزع الغطاء عنها بلطف، فرأى الدموع التي أغرقت وجهها والوسادة.
وفي تلك اللحظة، لم تَعُد شهقاتها حبيسةَ حنجرتها، فأطلقتها واحدةً تلو الأخرى.
لم يتخيل ردة فعلها كهذه، فشعر بقلقٍ عليها وقال بلهجةٍ جادة، وهو يلمس كتفها كأنه يحاول أن ينقل إليها بعض الطمأنينة التي لم يشعر بها هو نفسه:
ــ خيرًا، مريم ! هل فعلتُ شيئًا أغضبك؟"
هزّت رأسها نفيًا.
ــ هل فعل عمي شيئًا سيئًا؟
هزّت رأسها إيجابًا.
عقد حاجبيه بقلق وقال:
ــ حقًا؟
نظرت إليه بعينين غارقتين، كأن الكلمات ثقيلةٌ على لسانها، وقالت بصوتٍ متحشرج:
ــ سيذهب ويتركني وحدي.
رأى أحمد أن الأمر بسيط ولا يستدعي كل هذا التذمّر، فعزا ذلك إلى فرط دلال والدها لها فقط .
فضمّها إلى صدره وقال:
ــ أنا معكِ، لا تخافي لن يحدث لكِ شيءٌ سيئ، أنا بجانبك. ثقي بي سأكون سندك بعد والدك.
ساد الصمت بعد كلماته، ولم تكن مريم قد أجابته، لكن دفءَ ذراعيه حولها خفّف شيئًا من وجعها كأنها كانت بحاجة له .
كانت الدموع ما تزال تتسلل على وجنتيها، لكنها لم تقاومه هذه المرة، فقط أغمضت عينيها كأنها تبحث عن مأوى مؤقت من خوفها عند أحمد.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى مريم وقال بلطف:
ــ سأعود سريعًا ؛ حاولي أن تهيّئي نفسك، والدك لن يتأخر.
غادر الغرفة بخطوات مترددة. و في صدره خليط من قلقٍ لا يعرف سببه، ومسؤوليةٍ بدت أكبر عليه أكثر مما كان يتوقع.
----
بعد مدة دخلت مريم إلى الصالة حيث والدها ..
وفور رؤيته لها وقف من مكانه و ناداها بصوتٍ خافتٍ :
ــ اقتربي يا ابنتي..
إقتربت منه بخطواتٍ مترددة، ففتح ذراعيه كمن يخشى هذه اللحظة منذ زمن ، وضمّها إليه ضمًا في حضن طويل .
لم يقل شيئًا في البداية، فقط تنفّس عند كتفها وهي كانت تسمعها وهي مغمضة العينينِِ كأنها تودّع أنفاسه الأخيرة، ثم تمتم بصوتٍ مبحوح:
ــ كنتِ السبب في أن أحب الحياةِِ ..لا تنسي أني أحببتك وأحبك وسأبقى أحبك لأبد ، حتى ولو ظننتِ أني لا أبالي.
ردت عليه بقسوةِِ وهي تحاول إخفاء انزعاجها و حزنها لأنه تظن أن أخطأ في طريقة حبهِِ لها :
ــ فاجأتني يا أبي ! لم أكن أعلم أن رحيلك سيكون بهذه السرعة دون أن تطمئن أني أعتدت على مكان .
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
ــ لم أرد أن أشغلكِ بالتفاصيل، أردت فقط أن أراكِ سعيدة قبل أن أعود.
سكتت لحظة ثم قالت بهدوء:
ــ كنت أتمنى لو بقيت أكثر معي ؛ وهذا غير ممكن !
نظر إليها طويلًا وقال:
ــ سامحيني إن قصّرت معكِِ، المهم أن تكوني بخير. وأنا متأكد أنك ستكونين بخير مدام أحمد معك .
أطرقت برأسها تنفي في قلبها ثقة والدها بأحمد لسبب غير معروف ، ثم تمتمت:
ــ الله يحفظك يا أبي... عدْ سالما فقط ، وسأكون بخير.
ابتسم، ودّعها بالعناقِِ حار ، ومضى.
وبقيت تنظر إلى طريقه، تحبس دمعةً حارة، وتهمس في نفسها :
ــ في أمان الله، يا أغلى الناس.
---
خرج والد مريم مع أحمد الذي رافقه للبابِِ فلاحظه وإستغرب الصرامة بارزة في ملامح عمه ، التي ليست جديدة لكن اليوم بدت أكثر وضوحا وكأنه أنهى شيئًا كان يؤرقه منذ فترة .
صوب نظره نحوه قبل أن يركب السيارة ويغادر ، وقال بصوتٍ حازم :
ــ اقترب يا أحمد.
وقف أحمد قبالته باحترام.
فأردف الشيخ بنبرةٍ يغلب عليها الرضا، مشوبة ببعض الحزن:
"أعلم أن الأمور لم تكن سهلة، لا عليك من ما بدا من مريم ، هي فتاة طيبة، لكنها عنيدة قليلًا، ومرهقة مما مرّت به.
هزّ أحمد رأسه مؤكدًا:
ــ أدرك هذا يا عمّي، وسأصبر حتى تهدأ. أريد أن تشعر بالأمان معي قبل أي شيء.
ابتسم الشيخ للمرة الأولى منذ فترة ، وقال برضا واضح:
ــ هذا ما كنت أرجوه. لقد اخترتك لأنها تستحق رجلاً يفهمها لا يُجبرها، وأظنك أهلًا لذلك.
سكت قليلًا، ثم أضاف وهو ينهض :
ــ اعتنِ بها جيدًا، فقلبي سيبقى مطمئنًا ما دمتَ أنت بجانبها.
ــ مريم زوجتي و إبنة عمي هي أمانة عندي لا تقلق مادامت معي.
ثم وقف أحمد يودّعه باحترام، فابتسم الشيخ ابتسامةً دافئة وغادر.
ظل أحمد واقفًا حتى غاب صدى خطواته، ثم رفع بصره إلى الأعلى كمن يتعهّد نفسه بصمت أن يكون على قدر تلك الثقة.
-----
نهاية الفصل رأيكم يهمني أعزائي..🤍
لا تنسو التصويت..☆
سديم 'ے