|ـ هُوَّةٌ بَيْنَنَا|

|ـ هُوَّةٌ بَيْنَنَا|

13 0

[فرنسا وبالتحديد مدينة ليون _الساعة العاشرة صباحا ]

أَشـَرقت الشمس من مشرقها بإذن خالقها من جديد معلنةً بداية يوم آخَر علَى منْ هم على قيد الحياةِ في أرجاءِ الكوكب لكلِ منهم حَالهُ وأحوالهُ ومخططاتهُ لهذا اليومِ ؛ فهنيئا لمن عَرف الطريقَ وإستثمرَ هذَا اليَومَ الجديدَ في إرضاء الله تعالَى .

ـ فِي أحدِ زوايَا منزلِ واسعِ وَفخمِ يفُوح منهُ عبقٌ الثراءِ والهيبةِ المبني في أحدِ أزقةِ مدينةِ ليونْ الفرنسيةِ.

كانتْ مريمْ تجلسُ أمامَ مكتبِ وَالدهَا ، مطأطأةً رَأسهَا نحوَ الـَأسفْل مشَبكةََ يدَيها فِي حجرهَا منْ فرطِ توترهَا ، تتَجنبُ النَظرَ إلى والدهَا ، لكنَ عينيهَا لم تتوقَفا عنِ التسلّلِ خلسةً إليهِ فتصطَدَم نظَرَاتها بيدَاه المعْقودتَين خَلف ظهرهِ وقبضتَاهُ المشدودتَانِ مع بروزِ عرُوقِهما وهمَا تحبسانِ غضبًا يقاومُ الـِانْفجارَ ؛

وٰهو مازادَهَـا رُعْـبًا مِن غَضبهِ الذِي سيفجرُه فيهَا الآن بعَد أن سمعَ بفعلتهَا ،

تحسَست نبْض قلبهَا الذِي يكادٌ يغادرُ صدرَهَا مِن شدَة ذُعر الذِي يسطِر عليهَا وتمَْتمتْ متَحسَرة بيْنها وبيَن نفْسِها .

' يا إِلهِي ماالذِي جنيتهُ على نَفسِي بفعلتِي هذه!كانَ يجبُ علي تفكير مرارًا وتكرارًا قبل أن أقدمَ علَى تجاوزِي حدودهِ ؛ ترَى كيْف ستُكون نهايةُ فعلَتِي ..وماهو عقابِي ؟ لـَأول مرَة أرَاه غاضبًا مني لهذه الدرجةِ! '

طَال صامتُه كثيرًا ممازادَ من خوفهَا منَ القادمِ ؛ أما هو فكانَ الكلـَام محبوسًا فِي حَلقِه بسبب غضبهِ مثلما تحبسُ هي أنفاسَها بسبب ذُعرها ، خاصَة عندما تخيلتْ لكمةً مباغَتةً منهُ تسْتقِرُ علَى وجْههَا بسبَب ما فعلتْهُ.

كانتْ تدركُ في قرارَة نفسِها أنهَا تجاوزتْ

حدودَه ، لكِن شيئًا ما زالَ يُحاولُ إقنَاعهَا أنَ مَا قامتْ بهِ كَان "حرية شخصية" ، وأنه يُبالغ، كعادتهِ.

نعم، ربما كان الـَأمر عادياً بالنسبَة لمن حولها في فرنسا، لكنه ليس كذلك على والدهَا فهو ليس كأي رجل فرنسي أو أوربِي عامة .

هو ' عربي' وهذَا وحدَه يكفِي، فـِي نظرها، ليجعلَ الأمورَ أعقدْ مِما هيَ عليهِ.

وهنا، كانت ترى فيه "ذلكَ النموذج الشرقِي" الذِي حذّرتْها منْه أمّها طويلًـا...وعَلى ذكر أمها فقد كانت هي و صديقاتها منْ زرعن فيها هذه الجرأة ، هنّ من أقنعنهَا بأن من حقّها أن تحب، أن تختار، أن تعيش كما تشاء، لا كما يُملى عليها من طرف والدها ، الذِي هو في نظرهِم رغم ما يدّعيهِ من تحضُّر، لم يتجاوز أفكار القرون الوسطَى.

'ما دمتِ لا تؤذين أحدًا، فأنتِ لا ترتكبين خطأ ؛ أبوك يعيش في الماضي، لا تدعيه يجرّك إليه '

هكذا كانت جملٌ التي تكررها والدتها على مسامعيها دوما .

'لا تدعيه يتحكّم بحياتكِ ، الحب لا يحتاج إذنًا من أحد'

قالتها صديقتها ذات مرة وهي تشعل سيجارة على درج الثانوية كان هذا عندما أخبرتها سبب عدم إرتباطها ذات مرة ، كانت صديقاتها يتعاملن مع الحياة ببساطة، في نظرها دون أوهام اسمها "الشرف" ، لهذا أصبحت تعتقد أن والدها يضغط عليها بما يمليه عليها ؛ فقررت تمرد عليه وتجاوزه.

وكان الـِإرتباط أول محاولة لها في تمرد وقد باءت بالفشل وتم القبض عليها ؛ وهاهي الان في مكتبه ستحاسب عليها معتقدةً أن من يقف أمامها -والدها- مجنون لأنه يرى في علاقة عاطفية جريمة ؛ و أن الارتباط خارج إطار الزواج إساءة لشرف العائلة.

' ما فعلتهُ؟

لم يكن يستحق كل هذا الغضب.

هو فقط يُضخّم الأمور لـأنّه ينتمي إلى عقلية لا ترى في المرأة إلا ما يهدد شرفه عقلية بدائية لا تعرف شيئًا عن الحب ولا عن الـِاختيار.

'ما العيب أن أرتبط بمن أحب، حتى لو لم نتزوّج بعد؟'

كانت تردد هذا السؤال في رأسها مرارًا وتكرارًا ليتوقف ضميرها عن تأنيبها ؛ ثم تذكرت ما كانت أمّها تؤكد لها عليه دوما :

"الزواج ليس هو ما يمنحُ العلـَاقة قيمتها، بل الاحترام المتبادلِ، والثقة فأغلبُ علـَاقات الزواج تفشل ، بينما علـَاقات الحب لـا "

توفقت أوصالها عن الارتجاف لوهلةِ وهي تشحن نفسها بالجمل المناسبة التي لقنتهَا لها أمها مسبقًا لتبرر موقفهَا .

'إن كنت ترى أن ما فعلته إساءة لشرفك، فالمشكلة في شرفك، لـَا فيّ!'

'كلامك هذا يعني أنك ترى كل فتيات أوروبا بلـَا شرف؟!'

شعرت بموجةِ من الشجاعةِ حتى كادت أن تصرخ الآن في وجهه لكنها كبحت نفسها؛ ما الفائدة من الحديث مع عقلٍ لم يغادر زمنهْ؟

المهمٌ أني لم أفعل شيئًا محرج ، هو المخطئ كما كان دائما هذا ليس جديدًا عليه .

لن يتغير مالم يغير عقليته القديمة، وتفكيره الذكوري المهووس بالتحكمِ والسيطرةِ ،

و هذَا مستحيل حدوثُه فمن شب على شيء شاب عليه، هو يريد أن يملك حياتي باسم الدين، بإسمِ التقاليد لكني لن أسمح له !

"رجل شرقي حتى النخاع"

هكذا كانت تصفه في نفسها وهي تنظر إلى ظهره 'نظرة إستحقار وإشمئزاز ' .

---

لكن سرعان ما تبدلت ملـَامح وَجْهها إلى شحوبِ الموْتى فِي اللحْظة التِي إستدارَ فيهَا فجأة !

مُتقدمًا نحوها بخطواتِ بطيئةٍ ؛ رافعا يده في الهواء ، أغمضت عيونها ووضعت كفيها على وجهها تحبس دموعها ؛ وهو ضرب الطاولة بقوةٍ ، حتى كادت روحها تغادر جسدها.

'شهقة عالية '

خرجت من حلقها ثم أغلقت فمها تكتمها بكلتا يديها ، ولم تتجرأ على رفع عينيها نحوه مجددًا بلْ غرستهم في سجادة المفروشة تحتٰ قدميها .

ــ تريدين أن تصبحي مثل أمك، ها؟! فقط لـَأنك ترنيني معقد ، وأن ما أطلبه منك ليس سوى عادات ٌ قديمة بالية ؟!

صاح بكلماته هذه بصوتٍ عالِ وأكمل بنبرة غاضبة.

ــ هل تحسبين الحرية أن تتجري البنت خلف شهواتها؟!

كان وجهه أحمر محتقنًا بالغضبِ وهو بحبسَ أنفاسه، عروقه بارزة تضغطُ على جانب رقبته، و هالةُ من اليأسِ تحيطُ به لم تحسها مريم .

سكت برهة يلتقط أنفاسه ثم أكملَ وهو يرفع سبابته المرتعشة نحوها :

ــ كم مرة قلت لك؟ كم مرة؟!

ألم أحذّرك؟ ألم أُقسِم أن هذا الخط الأحمر لا يُتجاوز؟!

ممنوع يعني ممنوع ؟

البيت له قواعد، وأنا لن أكون أضحوكة الناس بسبب تصرفاتك!

قالها بتحسرِ ووضع كفيه على وجهه يتحسرٌ :

ــ يا آسفي أهذه تربتي لكِ .

لكنه كان يدرك في قرارة نفسه أنه قَصَر في تربتها خاصة عندما كان يسمح لها بزيارة والدتها السيئة.

اقترب خطوة منها، حتى صار ظلّه يغطي جسدها المرتجف ؛ ففقدت القدرة على التنفس وإزداد بكاؤها .

لـَاحظ هو هذا فقال بصوت خفيض لـأنها ليست وحدها المُلامة .

ــ أنا لم أُربّ فتاة لتكون مثل هؤلاء!

أنتِ ابنتي، وابنة رجلٍ له عز وله كرامة،

لا أريد بنتًا تُمسك يد شابٍّ في الشارع وتقول هذا حب لا أريدك ان تكوني لعبة في يد مجتمع يتقيأ الحرية كلما أراد.

ثم نظر إليها طويلًا وأضاف بصوت غاضب موجع :

ــ ستندمين ، ستتمنين لو أنك لم تفعلي،

وسأريك ما معنى أن تستخفي بي كأب.

لن يمرّ هذا، لن يمرّ،

العقاب قادم، وستدفعين ثمن هذه الوقاحة،

أنا لا أربي بناتًا بلا ضوابط.

لا أريد فتاة تشبه أولئك اللـَاتي بلا شرف،

فهمتِ؟! ويعشن كالحيوانات .

سأريك وسأكون أوّل من يذكّرك بعواقب ما اقترفتِه.

وقبل أن يغلق الموضوع تمامًا، عاد صوته، حادًا هذه المرة، وقال بنبرة آمرة :

ــ اذهبي لغرفتك فورًا، ولا أريد أراك أمامي هذه الليلة ، وإنتظري جزائك .

نهضت وخرجت من مكتبه مسرعة مغلقة الباب خلفها ؛ وفقت قليلًـا عند الباب تلتقط أنفاسها ؛ صعدت السلالم ببطء، خطوةً بخطوة ؛ تجرّ أقدامها جَرًّا، وتهديدات والدها تتردد في أذنها كترنيمة مرعبة.

حتى وصلت و فتحت باب غرفتها، ودخلت، ثم أغلقته بهدوء،

لم تُشعل النور و جلست على طرف السرير ،تتنفس بسرعة و هب تمسح أثار دموعها التي أحرقت خديها ، وهي ممسكة بطرف قميصها وتشده للأسفل حتى كاد يتمزق ، لا تعلم لماذا تفعل ذالك؟!

همست لنفسها:

ــ لم أكن أستحق كل هذا ، ما فعلته ليس جريمة! فقط أنا فقط إرتبطتْ .

لكن شيئًا ما في داخلها ، ظل يسألها لماذا فعلت هذا حقا ؟

لم تكن تحبهُ، ولم تكن ترى فيه شيئًا يحرّك مشاعرها أصلًـا

كل ما أرادته، بكل بساطة، أن تجرب و تتجاوز أباها، أن تثبت له أنها ليست تابعة له، ولـَا لقراراتهِ القديمَةَ.

لكن هل كان الأمر يستحق كل هذا؟

'الصدمة في عينيه ، الكلمات التي قالها، والغضب العارم في وجهه،'

إسترجعت كل هذا من ذاكرتها في ومضة خاطفة و هي تمسح دمعةً صغيرة نزلت دون أن تنتبه ، كانت دمعة حيرة، من فتاة اعتقدت أن التمرّد سيجعلها أقوى !

---

أما عنده هو فما إن أغلقت إبنته الباب خلفها، حتى خيّم السكون في أرجاء المكتب الواسع ، بينما داخله كان يضج فأفكاره ومخاوفه ، أسند رأسه بكفيه على مكتبه وأقسم لنفسه :

ــ لن أسمح بأن تُهزمني زوجتي السابقة مادلين مرتين، لا في زواجي منها، ولا في تربية ابنتي.

في لحظة خاطفة داهمته ذكرى قديمة ذكرى زواجه بمدلين التي أحبته وأحبها و إعتنقت الإسلام و تزوجا وعاشَ معها الأعوام الثلـَاث الـأولى بسلـَام و أنجبا مريم ، لكن بعدها تمردت عليه بعدما غرتها الحياة الدنيا و إنصاعت لكلـَام النساءِ في الخارج في أمرِ إستردادِ حريتها لـَأن ماتعيشه بائسُ و منعدم التسلية و أيضا أوصاف بشعة نعتوهُ بها لتكرهه ، وغيرها من الترهاتِ التي جروها إليها ؛ و حدث ماحدث و ركضت خلف أهواءها ؛ و طلقته في النهاية وهي تحملُ له كرها دفينا لا يعرف سببه.

تجاهل كل هذا وهو يشعر كأنما بُتِر شبر من كرامته ، ليس بسبب فعلتها فحسب بل بسب تقصيره ، وإهماله لها أيضًا.

كم مرّ من عامٌ دون أن يعلّمها معنى الإيمان و الحياء؟ كم غفل عن تفاصيل تربيتها؟

تركها في يد أمٍ غافلة لا تؤمن بشيء،

وعاد الآن ليلومها على ما تجرعته طوال تلك السنين.

ضغط على صدغيه بأصابعه ؛ كأنه يحاول إيقاف تدفق هذه الأفكار من رأسه .

ثم فتح درج بعصبية، و سحب أوراقه الطبية التي تشخصُ مرضه الخطير ، كانت حالته تزداد سوءا بمرورِ الأيام و هو ما أخافه مؤكدُ أنه سيغادرُ الحياة قريبا و يتركها وحدة وسط مجتمع قذرِ و قبضة أمِ سيئة.

فكر مليا ثم و ضع أوراقه جانبا و أخرج جواز سفرها :

ــ الجزائر هناك فقط يمكنني أن أُنقذ ما تبقى منها.

هو لا يكرَه فرنسا، لكنه لم يعد يثق فيها كبيئة مناسبة لابنته خاصة لو وافته المنية ، خاصة أصبحت كما لو أنها غريبة عنه، تنظر إليه على أنه متخلّف و بدائي، لكنها لا تدرك أين تكمن مصلحتها لأنها لم تذق طعم الإيمان، ولا معنى الانتماء.

لذالك قرر ان يعيدها إلى بلـَاده، إلى جذورها

وسيزوّجها بابن أخيه، ذلك الشاب المهذّب، المتدين، الذي يعرف كيف يحتويها بصبر، ويكون لها السند.

ربما ستكرهه الآن لما سيفعله ، لكنه كان مستعدًا لذلك.

فهو يفضّل أن تكرهه الآن،

على أن تفقد نفسها كلّيًا، ولا تعود تعرف من تكون وبعدها لن تستطيع العودة.

وهاهو الآن يتجه لغرفتها ليعلمها بقرراه ؛ طرق على الباب بهدوء ثم دخل بعد أن أذنت له ، لـَاحظ تفاجأها بدخوله

أما هي فقد إستقامت في جلستها مستغربة تغير نظراته من الغضب إلى مزيج من الـإنهاك والـأسى.

اقترب وجلس قبالتها، تنهد، ووضع كفّيه على ركبتيه، وقال بنبرة هادئة عميقة:

ــ مريم بُنَيَتِي ..

إن كنت مستغربة من سبب غضبي لما فعلته و تظنين أنني أبالغ بغضبي عليك ، فإنك مخطئة لأنك يا عزيزتي ما رأيتِ ما وراءه ،

لم أغضب لأنكِ أخطأتِ فحسب، بل لأنكِ اخترتِ أن تخطئي بعيدًا عني، لأنكِ لم تثقِي جعلتِني آخر من يعلم، وأنا الذي ما حييتُ إلا لأحميك..

سكت برهة ، ثم أكمل :

ــ أنا لست عدوّك يا ابنتي، ولا حجرًا من زمن غابر كما تُصور أمكِ .

أنا رجلٌ يحمل في داخله ما لا تعرفينه عشتُ، ورأيت، وخُدعت، وسقطت، ونهضت.

ولا أريد لكِ أن تمري بما مررت به، ولا أن تُلدغي من ذات الجُحر الذي كدتُ أهوي فيه.

نظر إليها طويلًا وأمسك بيديها في حنان، ثم واصل:

ــ قد ترينني صارمًا، منغلقًا، وربما ظالمًا، لكن صدقيني ، ليست تلك الحقيقة

كل ما في الأمر أنّ هذا القلب الذي بين ضلوعي لا يحتمل فكرة أن تُستهان بكِ

أن يُؤخذ قلبكِ باسم الحب، ثم يُترك

أن يُمسّ جسدكِ، ثم يُرمى.

مال بجسده قليلًا نحوها، و أكمل :

ــ مريم، يا بنيّتي...

إن الشرف ليس كذبة، ولا أمرا سخيفا كما تتصورين ، إنه درع يحفظ كرامتكِ إنه ما يرفعكِ .

ــ بنيتي ، صدقيني

أنا ما طلبتُ منك الطاعة لأقيدكِ ، ولا العيش في قفص كما يهِيمُونك أنا أطلب منك هذا بدافع أن أصونكِ.

أطرق برأسه للحظة ثم أعاده لمكانه ، و تابع:

ــ قد أكون فشلت في التعبير عن حبّي لكِ، وربما قصّرت في كثيرِ

لكنني اليوم أقف أمامكِ لا كـ"رجل شرقيّ" كما تكرهين .

بل كأبٍ يخاف عليكِ، ويحبك أكثر مما تتخيلين.

قال بهدوء:

ــ مريم أعلم أنني لست الأب المثالي، وأنكِ ترينني متحجرًا، متسلّطًا، خارج الزمن الذي تعيشين فيه.

لكن صدقيني ! ما أفعله الآن، ليس لأنني أريد السيطرة على حياتك، بل لأنني أعرف هذا العالم أكثر منك.

رأيتُ ما يفعله الانجراف بلا حدود، والتجريب بلا قيود !

أنا لا أريدك أن تتألمي !

سكت كأنه يقتني كلمات مناسبة ليخبرها بقراره ثم قال بثقة:

ــ لقد قررت بعد تفكير طويل

سأعيدك إلى الجزائر

ليس لأجلي، بل لأجلكِ لتعرفي ذاتكِ، وتعرفي دينك، وتفتحي قلبكِ على نورٍ لطالما أُغلق في وجهكِ ، وستتزوجين بإبن عمك !

إتسعت عيناها وحدقت فيه للحظة كأنها لم تسمع جيّدًا :

ـ تـ... تزوج؟

بالكاد نطقتهامن هولِ الصدمة !

فقال بصوت هادئ وهو يربت على كفيها :

ــ مريم.أعرف أنك مصدومة، لكن أريدك أن تفهميني، هذا لمصلحتك ! خاصة و أن مرضي يزداد سوء فلو وافتني المنية لن أرتاح و لن أطمئن إن تركتك هنا وحيدة .

لم تُجب، أجهشت بالبكاء وهي منكسة برأسها للأسفل، تتجنب نظر إليه خاصة عندما ذكر مرضه و أنه سيموت و يتركها وحيدة.

ــ أبي لا تقل هذا قل إنك بخير ؛ قل إنك ستبقى معي لن تموت ولن تزوجني ، أعدك لن أفعل شيء يغضبك مرة أخرى .

تنهد، ثم تابع:

ــ أعلم أن وضعي الصحي و قراري المفاجئ صعب تقبله لكن صدقيني، ما عساي أفعل و زواجك ما كنت لأقرره لولا أني لم أرى فيه مصلحتك.

رفعت عينيها أخيرًا، و سحبت كفيها من بين يديه وقالت :

ــ أريدك بجانبي أرجوك ، أحضر إبن عمي ليعيش معنا هنا في فرنسا !

ــ لا يمكن حبيبتي ، البلد الذي نشأتِ فيه لا يلؤمنا ، إنهم يجعلونك تكبرين بلا ضوابط تحت غطاء الحرية المزعومة أما بشأن قراري بإعادتك للجزائر هذا بدافعي إعادتك لذاتك، لدينك، لعائلتك. لا أريدك أن تكوني مثل أمك و لا صديقاتك .

نظرت إليه بدهشة، وعينُها امتلأت دموعًا:

ــ أنا لستُ أمّي! ولم أطلب منك أن تُدير حياتي بهذه الطريقة أنت لا تعرف حتى ما أشعر به ، أريدك بقربي و لا اتحمل فقدانك بأي طريقة أرجوك إبحث عن حلِ آخر .

اقترب منها، ووضع يده على كتفها بلطف وضمها إليه :

ــ ربما لا أدرك شعورك ، لكني والدك أدركُ مدى حبكِ لي و أحبكِ أنا أكثر من ذالك.

ــ أعرف أنك خائفة و تحتاجين إلى من يحميك من التيه لو كانت لدي بصيص أمل في حياة طويلة لما أقدمت على ذالك!

ــ لكن صدقيني على الزواج ليس نهاية الطريق، بل بدايته مع شخص يُعينك ويصونك وأنتِ في الثانية و العشرين من عمرك أي عمرُ مناسب لزواج .

همست بانكسار باكي تحاول إبعاد فكرة موته من رأسه لأنها أبت أن تصدق قرب رحيله :

ــ أنا لن تموت ، الطبيب سيجد حلـًا ، وأيضا لـَا أريد الزواج من شخصِ لا أعرفه و لا أحبه !

ردّ بنبرة أكثر لينًا:

ــ ولم أطلب منكِ أن تحبّيه من اللحظة الـُأولى لكن امنحي نفسكِ فرصة .

هدأت قليلًا لكن قلبها لم يهدأ، ولم تتملك القوة للجدال معه أكثر

أحس هو هذا فقال كأنه يُطمئنها :

ــ لـَا تقلقي عائلة عمكِ عائلة مستقرة و لطيفة وهم الأشخاص الوحيدن الذين أثق بأنهم سيرعونكِ .

أما هي فلـَا تعرف هذا الرجل ، ولم تكن تريده ولم تكن يومًا تحلم بفستان أبيض لـَاسيما في وطن لم تشعر نحوه بأي انتماء.

لكن والدها بدا لها انه واثقًا بأن ما يفعله صواب و رغم كُلّ ما يضطرب في داخلها، لم تجد سوى الصمت ردًّا و بذكر والدها هل ستفقده قريبا أحست بأنها إبتعلت جمرة و هي تتخيل ذالك.

أما والدها نهض مغادرا ، وقال قبل ذالك وهو يضع يده على كتفها بلطف:

ــ هناك أشياء لا تفهمينها الآن، لكنكِ يومًا ما ستشكرينني عليها .

•○••••••○•••••

[الجزائر وبالتحديد ولاية بِسكرة _الساعة السادسة مساءً]

كان أحمد جالسًا إلى جوار والده، مروحة تدور ببطء فوق رأسيهما تنثر الهواء ، بينهما طاولة خشبية وُضعت فوقها صينية صغيرة عليها فنجانان من القهوة وبعض حبات التمر، كعادةٍ مسائية في بيتٍ محافظ .

كان احمد ينصت بإنتباه صدى القرآن الذي يتردد من المآذن بين الأزقة فيبعث السكينة في قلبه.

فيما انشغل الأب بتقليب فنجان القهوة بين يديه ، وعيناه تتأملان ابنه الجالس أمامه بعد أن أخبره في هذا المساء بقرار عمه الذي يريد تزويجه بإبنته.

أحمد. ، لم يكن بحاجة إلى كثير من الكلمات ليُفهم. كان شاردًا، كأنّه يحاور قلبه بتئني ،

فمنذ أشهر قليلة، تكسّر شيء بداخله...

حبٌّ قديم لم يُكتب له التمام، وفتاة ظنّها من نصيبه، فإذا بها تختار غيره وتمضي ، لم يُظهر ضعفه، لكنه احتاج وقتًا طويلًا ليُلملم ما تبعثر من روحه.

ولم يكن والده غافلًا عن ذلك لذا حين وصله خبر عودة مريم، ابنة أخيه، من فرنسا، ومعه رغبة أخيه في تزويجها لإبنه قريبًا، لم يذكر لأحمد شيئًا في الحال، بل انتظر. حتى هذا المساء وها قد أخبره بهدوء العارف بأحوال القلوب، بدأ الحديث معه عن إبنة عمه التي ستعود إلى وطنها الذي لا تعرفه ،بالرغم من أن نصف جذورها فيه، لكنها تجهل مَتْنَهُ ، وتخشى ملامحه .

لم يكن في هذا الزواج إكراه له ، بل عرضٌ فيه حكمة وتجربة.

أحمد، الذي تعوّد على اتخاذ قراراته بروية، لم يُجِب على الفور كانت داخله معركة ، لا بين الرفض والقبول، بل بين الآن وما قد يأتي لكنه يدرك في قرارة نفسه أنه ما يأتي من عند الله خير حتى ولو بدا غير ذالك .

وأخيرا بعد صمت وتفكير طولين كانت إجابته :

ــ أعطني مهلة صغيرة لآفكر ، وأتخذ قراري

○○○○○○••••

كان ليلُ حولهما هادئ و السكون يملأ الأرجاء لكن داخلهما كان يضج بأفكارهكليهما غارقٌ في تسؤلاته وتصوراته الخاصة عن ما يخبأه المستقبل له.

---

عند مريم كانت متربعة على سرير في غرفتها تضع يدًا على خدها والاخرى على فخذها ..، محاطة بالعتمة إلا من ضوء خفيف من القمر ينير الغرفة الذي يتسلل عبر نافذتها الصغيرة .

كانت تسبح في أفكارها عن حياتها التي ستتغيرقريبا جدا خاصة زوجها القادم

الرجل العربي الذي سيغزو حياتها، كيف سيبدو؟ هل سيكون طويلًـا؟ هل سيكون سمينًا كما كانت ترى رجال القرى، أم سيكون نحيفًا، ذا لحية كثيفة؟

كيف سيتعامل معها هذا الرجل؟ هل سيتقبل شابّةً في مثل مرحها ، عاجزة عن تحمّل الأوامر؟ وهل سيتأقلم مع طريقة تفكيرها الحرة، التي لم تقبل القيد يومًا؟

حتى غاصت في قاع أفكارها حتى أصبحت تتخيل نفسها في حياته كإجابة على سؤالها زوجة تُشبع رغباته، تمضي أيامها بين الطهي والتنظيف والرعاية.

كاد رأسها ينفجر من التفكير في كل تلك التساؤلات، لكن صورة من كان يدعى ' زوجها ' كانت تطغى على ذهنها؛ هل وسيكون متسلّطًا سيفرض على أعمالا كثير، وإن رفضت يعاقبها ويبرحها ضربا ، لكن سرعان ما تبدد كل هذا فهذه سنريوهات من إقتباساتٍ أمها التي تكره العرب ، ربما لن يكون الأمر سئ خاصة و أنها ترى الكثير مما يتزوجون العرب ويعيشون حياة سعيدة و مستقرة أفضل من الأوربين بكثير ، طمئنت نفسها ثم غطت في نومِ عميق بسبب دواء الذي شربته محاولة النسيان خاصة و هي لم تتقبل نبأ سوء مرضه .

----

أما أحمد ، فقد كان يجلس في صالة منزله، القهوة التي احتسها تملـأ فمه بطعم

مرير..

كان يفكر في اليوم الذي سيُكمل فيه زواجه من مريم،

أغمض عينيه للحظة،

يسترجع ماقاله والده الفتاة في الواحد و العشرين من عمرها ، لكنها مدمجة في بيئة غير بيئته ، ترى كيف سيتعامل مع فتاة في هذه العقلية ؟

لكنه يدرك جاليا مايفعله عندما يحتار المرء في أمر جللٍ كهذا يصلي صلاة الاستخارة ،

فصلى هو هذه الصلاة العظيمة لأنه يدرك أن هذا القرار يحتاج إلى بركة الله، ليجد فيه الراحة والاطمئنان لم يكن يعلم إن كان الزواج من مريم سيكون هدية الله له أم امتحانًا يجب أن يواجهه بصبر !

في صلاته، شعر بطمأنينة خفيفة، كما لو أن الله قد أراح قلبه، فهدأت نفسه بعض الشيء ،

لكنه مع ذلك كان يعلم أن التحديات ستكون كبيرة لتكييف حياته مع حياتها.

في سرّه، شعر بقلق من هذه الحياة الجديدة التي ستتحول بها كلّ مجريات أيامه، لكنه بلا شك كان مؤمن بقضاء الله وقدره فكل ما يأتي من عند الله خير .

----

أجريت تعديلـَات على الفصلِ لـَا تهم طبيعة الـَأحداث سابقًا؛ إستمتعوا !

لـَا تنسو التصويت وكتابة تعليق جميل ..♡

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية|سُبُلُ ٱلسَّلَامِ

المؤلف سديم 'ے
2025/02/25 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة