الفصل07:الن تموت الذكريات مع الموتى؟
أنا الآن في السابعة عشرة من عمري.
"صباح الخير."
"صباح النور."
أردّ التحية وأنا أعبر الممر الطويل. الأصوات طبيعية، والوجوه مألوفة. اعتبر شخصية معروفة هنا.
أنا الآن طالب في أكاديمية وريل الراقية؛ الوجهة المفضلة لأبناء النبلاء والأغنياء، وتمنح مقاعدها القليلة للعباقرة. في هذه المدرسة تُقاس قيمتك بقدر اسمك في العالم الاجتماعي… أو بقدر عقلك.
أفتح باب القاعة وأدخل. تتردد بعض التحيات، فأجيبها بإيماءة خفيفة.
قد يتساءل بعضكم: ماذا أفعل هنا؟
دخلت بعد أن وصلني طلب انضمام، مرفق بمنحة تقديرية. وافقت.
هربت و ابتعادنا !
فأنا احتاج وقتًا.
وقتًا أرتّب فيه أفكاري، وأعيد رسم خطتي بعيدًا عن جدران ذلك القصر.
أجلس في مقعدي.
تقترب مني فتاة، خدّاها محمران قليلًا.
تقول بتردد:
"اعذرني… هل يمكنك شرح هذا الجزء؟"
أفهم من نبرة صوتها أنها لا تحتاج الشرح فعلًا.
لكنني، كي أتوقف عن التفكير، أبدأ في الشرح بهدوء.
أشعر ببعض النظرات حولنا. لا أعرف إن كانت فضولًا أم ضيقًا أم مجرد ملل. لا يهم.
بعد انتهاء الحصة، يخبرني ليو بشيء يربكني أكثر من النظرات.
"هل تعلم أن لديك مجموعة معجبات في المدرسة؟"
أحدق به.
"ماذا؟"
يضحك كأن الأمر بديهي.
هذا جنون.
وحتى لو كان صحيحًا… فهو إعجاب سطحي. اسم، صورة، فكرة عني… لا أكثر.
لا أحد منهم يعرفني حقًا.
يرن الجرس أخيرًا بعد حصة مملة عن أمور تعلمتها وأنا في العاشرة.
أخرج من القاعة، فأرى ليو يقترب من بعيد.
شعره الأشقر غير المرتب، وعيناه الزيتونيتان تلمعان بالحماس المعتاد.
ليو مشاغب، صريح، ومزعج أحيانًا.
لكنه أقرب صديق لي هنا.
وهو الوحيد الذي يعرف شيئًا عن حياتي مع والدي.
أثق به.
نسير معًا في الممر.
يقول بحماس:
"فريق الكرة سيفوز بنسبة سبعين بالمئة… بل مئة بالمئة لو شاركت معنا!"
أضحك رغمًا عني.
"أنت تبالغ."
"أنا لا أمزح! لماذا لا تنضم؟ نستمتع قليلًا. أنت أصلًا في نادي المبارزة، وقد تفوقت على المدربين. ماذا ينقصك؟"
أنظر أمامي وأنا أجيبه بهدوء:
"لا ينقصني ملء الوقت… بل أحتاجه."
انضممت إلى نادي المبارزة لأن كل طالب يجب أن ينتمي إلى نادٍ ما.
هذا يكفي.
أنا لا أبحث عن شهرة هنا.
ولا عن تصفيق.
ولا عن إعجاب.
أنا فقط أبحث عن وقت…
قبل أن يصل الماضي إليّ مرة أخرى..
خرجتُ أنا وليو إلى الحديقة الخلفية للأكاديمية. جلسنا تحت شجرة بعيدة عن بقية الطلاب.
نظر إليّ ليو قليلًا ثم قال:
"لا أشعر أنك بخير يا ثيودر".
نظرت أمامي وقلت بهدوء:
"ومتى كنتُ بخير أصلًا؟"
حلّ صمت طويل بيننا. صمت يعرف كل شيء، ولا يحتاج إلى شرح.
تنفست بعمق ثم قلت:
"لا تفارقني الكوابيس يا ليو. أصبحت لا أفرّق بينها وبين الواقع."
شدَدتُ على يدي دون أن أشعر.
"وفوق هذا… أنا مضطر أن أعود إلى مملكتي في نهاية هذا الأسبوع."
نظر إليّ ليو، وفهم دون أن أزيد كلمة. اقترب قليلًا وربت على ظهري.
قال:
"لست خبيرًا في هذه الأمور، لكن إن احتجتَ شخصًا، سأكون إلى جانبك."
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:
"شكرًا."
رد بهدوء:
عفوًا.
بعد لحظات رفع نظره إلى السماء وقال:
"ما الهدف الذي تريد الوصول إليه بعد كل هذا التفكير؟"
لم أحتج إلى وقت لأجيب. الجواب ثابت في عقلي منذ زمن.
قلت بهدوء:
"التخلّص من شخص."
لم أذكر الاسم.
أومأ ليو برأسه وقال:
"فقط لا تؤذِ نفسك… وكن حذرًا".
نظرت أمامي مرة أخرى.
أنا أعلم أن الطريق لن يكون سهلًا.
لكنني اخترته.
-----------------------------------------------------------------
تتوقف العربة أمام بوابة القصر.
الخدم مصطفّون عند المدخل، والحراس يقفون باستقامة.
ما إن أنزل حتى أسمع صوتهم يرتفع بالتحية.
أبتسم لهم ابتسامة هادئة.
أعرف وجوههم واحدًا واحدًا. بعضهم رآني أكبر أمام عينيه.
أدخل القصر.
الأرضية الرخامية اللامعة، الأعمدة العالية، والستائر الثقيلة… لا شيء تغيّر.
أرفع بصري فأراهما على العرش.
جلالة الإمبراطور… والدي.
وجلالة الإمبراطورة… أمي.
أمي تبتسم لي ابتسامة واسعة، دافئة.
أبادلها ابتسامة خفية بالكاد تُرى.
أتقدم خطوات، ثم أركع.
أقول بثبات:
"ألقي التحية على شمس الإمبراطورية."
يأتي صوت والدي عميقًا وثابتًا:
"ولي عهد مملكة فالتيا… من الجيد أنك لم تتأذَّ في طريقك."
أومئ برأسي.
يتابع:
"لابد أنك متعب من طول الدرب، يمكنك الذهاب للاستراحة."
أخفض رأسي قليلًا وأقول:
"شكرًا، جلالتك."
أنهض وأغادر القاعة.
أسير في الممرات الطويلة.
كل خطوة تعيد إليّ شيئًا لا أريد تذكره.
أصل إلى زاوية بعيدة، أضغط على أسناني وأهمس:
"هذا القصر يخنقني."
أسمع خطوات خلفي.
ألتفت.
أجد أمي تقترب مني وهي تبتسم.
وفي لحظة… تعانقني بقوة.
أتجمد مكانِي.
أشعر بيديها تحيطان بي .
ثم تسقط دموعها على كتفي.
أبتعد قليلًا وأنظر إليها.
أقول بقلق:
"أمي… لمَ تبكين؟ ما بكِ؟"
تمسح دموعها سريعًا وتقول بصوت مرتجف:
"لماذا لم تأت..... ثلاثة أشهر؟ لم تأتِ يا ثيودر."
أشعر بالخجل.
أخفض بصري وأقول:
"أنا آسف".
تهز رأسها بلطف وتقول:
"لا بأس… أعلم أنك لا تحب هذا المكان."
لا أجيب.
نسير معًا في الممرات حتى نصل إلى غرفتي.
تتوقف أمام الباب، تنظر إليّ لحظة طويلة، ثم تبتسم وتغادر.
أدخل الغرفة.
أغلق الباب.
وفي اللحظة التي يلامس فيها المقبض مكانه…
يعود كل شيء.
ليلة منتصف الليل.
الغابة.
صوتها وهي تهمس باسمي.
الدم على يدي.
أتنفس ببطء.
أدرك أنني عدت.
ولم يعد هناك مجال للهروب.
يصلني استدعاء إلى مكتب الإمبراطور.
أدخل بعد أن يُؤذن لي. المكتب واسع، والستائر نصف مغلقة. والدي يجلس خلف مكتبه يقلب بعض الأوراق.
أنحني قليلًا.
أقول:
استدعيتني يا جلالتك؟
لا يرفع نظره فورًا. يشير إلى المقعد أمامه.
يقول بهدوء رسمي:
عندما تعود إلى الأكاديمية، ستتوجه بعدها إلى مملكة نويل. نريد تعاونهم في هذا المشروع.
يدفع نحوي مجموعة أوراق.
أتناولها وأبدأ بالقراءة. تفاصيل تجارية، تحالف استراتيجي، تبادل موارد، بنود دقيقة.
أقرأ لدقائق دون أن أرفع رأسي.
أفهم الهدف. وأفهم ما وراء الهدف.
أومئ.
وأقول في سري:
دعنا نستغل هذا.
أضع الأوراق على المكتب وأستعد للمغادرة.
وقبل أن أصل إلى الباب، يقول والدي بنبرة خالية من الاهتمام، لكن يختلط بها انزعاج واضح، وهو ما يزال ينظر إلى الأوراق:
"توقف عن إزعاج الإمبراطورة كاثرين. هل فهمت؟"
أتوقف.
ألتفت ببطء.
أقول:
"لم أفهم، جلالتك."
يترك الأوراق هذه المرة.
يرفع نظره نحوي مباشرة.
عيناه باردتان.
يقول:
"لا أحبذ أن تبكي زوجتي بسببك."
أصمت لحظة.
أقول بثبات:
"لم أفهم… كيف بكت بسببي؟"
يرد بحدة خفيفة:
"بكت بسبب بعدك عنها. لذا—'
أقاطعه دون أن أرفع صوتي:
"ولِمَ أنا بعيد؟"
يسود صمت ثقيل.
لا يجيب.
أتنفس ببطء وأقول:
"صحيح… بسببك، جلالة الإمبراطور."
أثبت نظري عليه.
"إذا كان سبب حزن أمي هو ابتعادي…
فسبب ابتعادي هو أنت، جلالتك.
لا تُدخلني في الأمر."
أستدير.
أفتح الباب.
وأخرج دون أن أنظر خلفي.
خرجت من مكتب الإمبراطور وأتجهت مباشرة إلى جناح أمي.
لا أطرق الباب بقوة، بل أفتحه بهدوء بعد أن يُؤذن لي.
أجدها جالسة قرب النافذة.
أتقدم خطوة وأقول:
"أمي… هل بكيتِ بسببي في فترة غيابي؟"
ترفع نظرها إليّ بسرعة.
يظهر الارتباك في عينيها.
تقول:
"لا تسأل عن هذا."
يصمت المكان بيننا.
أنتظر.
تتنهد أخيرًا وتقول بصوت منخفض:
"نعم… بكيت. لأنك مؤنسي الوحيد في هذا القصر."
أشعر بشيء يضغط على صدري.
أقترب منها دون تفكير.
أنحني قليلًا وأقبّل جبينها.
أقول بهدوء:
"لا تبكي بسببي مرة أخرى".
أنظر في عينيها وأكمل:
"إذا أردتِني… أرسلي لي رسالة، وستجدينني أمامك. حسنًا؟"
تبتسم من بين دموعها وتقول:
'إذًا سأرسل لك رسالة كل يوم."
أضحك بخفة، لأول مرة منذ عودتي.
وأقول:
"لن أمانع."
في ذلك الليل الطويل...
عاد الكابوس.
لم يبدأ بالصراخ… بل بالصمت.
رأيت اليانا أمامي.
لم تكن ممددة على الأرض أولًا.
كانت حيّة. تبتسم لي تلك الابتسامة الهادئة التي كانت تجعل العالم أبطأ.
اقتربت مني.
قالت اسمي.
ثم… تغيّر المشهد.
رأيتها ساكنة.
الابتسامة اختفت.
العالم من حولها باهت.
حاولت الوصول إليها، لكن المسافة بيننا كانت تتمدد كلما خطوت خطوة.
ثم ظهر مارتن.
لم يكن غاضبًا.
لم يكن مخيفًا.
كان يضحك معي… كما لو أننا نتحدث عن أمر عادي.
صوته واضح.
ثم فجأة… صمت.
سقط.
واختفى الصوت.
تبدل المشهد مرة أخرى.
أمي.
دموعها تنزل بصمت.
تبتسم لي رغم ذلك.
تقول إنها بخير.
ثم صوت والدي يخترق كل شيء:
"ليتني رميتك من النافذة."
ترددت الجملة في الفراغ.
مرة… مرتين… عشر مرات.
رأيت أمي تبكي بسببي.
رأيت كم تحملت من أجلي.
كم تنازلت.
كم صمتت.
ضغطٌ حادٌّ اعتصر قلبي في الحلم.
ثم أدركت شيئًا.
اليانا قالتها.
مارتن قالها.
أمي قالتها.
كلهم قالوا لي كلمة واحدة:
"أحبك."
وفجأة… شعرت أن الكلمة تحولت إلى ثقل.
استيقظت مفزوعًا.
جلست بسرعة، أنفاسي متقطعة، ويدي ترتجفان.
حاولت تهدئة نفسي.
وضعت يدي على صدري.
قلت بصوت خافت:
لا… لا تفكر.
حاولت نزع الفكرة من رأسي.
لكنها جاءت.
أنا السبب.
أنا السبب في قتلهم.
هززت رأسي بعنف.
مستحيل.
لكن الفكرة لم تغادر.
ازداد الضغط في صدري.
أنفاسي صارت أقصر.
الغرفة بدأت تدور.
حاولت أن أستنشق الهواء… لكنه لم يدخل.
ارتجف جسدي.
رؤيتي تشوشت.
دقات قلبي صارت تضرب أذني.
ثم لم أعد أستطيع التحمل.
سقطت.
والظلام ابتلعني قبل أن أتمكن من أخذ نفس واحد كامل.