الفصل05:اقفلت كل الابواب في وجهي
عندما أُغلق باب غرفتي خلفي، ساد الصمت.
لم يكن صمتًا عاديًا… كان ثقيلًا، يضغط على صدري أكثر من الصفعات نفسها.
وقفت في منتصف الغرفة للحظة، أحدّق في الفراغ.
كنت أسمع أنفاسي فقط. بطيئة… متقطعة.
رفعت يدي ولمست خدي.
كان يؤلمني، نعم… لكن الألم لم يكن هنا.
الألم كان في تلك الصورة التي لم تغادر رأسي:
دموع أمي.
صوتها وهي تتوسل.
وهو… يهمس لها وكأن شيئًا لم يحدث.
شدَدتُ قبضتي.
لأول مرة، لم أشعر فقط بالغضب.
شعرت بالاختناق.
همست لنفسي:
"لن أبقى هنا…"
كنت أعرف أن البقاء يعني أن أراها تُكسر مرة أخرى بسببي.
وكنت أعرف أنني، وأنا في هذا القصر، مجرد ظل تحت سلطته.
اقتربت من النافذة.
الليل كان ساكنًا، والحديقة تمتد تحتها مثل بحر مظلم.
فتحت الخزانة بهدوء، أخرجت معطفًا داكنًا، وبعض الأشياء القليلة التي أستطيع حملها دون أن تُحدث صوتًا.
لم أرد أن آخذ شيئًا يربطني بالمكان.
لا أريد ذكرى… لا أريد أثرًا.
ترددت للحظة.
فكرت بها.
ماذا لو استيقظت ولم تجدني؟
هل سيغضب أكثر؟
هل سيؤذيها؟
أغمضت عيني بقوة.
لا… وجودي هنا لم يكن يحميها.
وجودي كان يمنحه سببًا آخر ليمارس سلطته.
تنفست بعمق، ثم فتحت النافذة ببطء.
الهواء البارد ضرب وجهي، لكنه أنعشني.
وضعت قدمي على الحافة.
قلبي كان يخفق بسرعة، ليس خوفًا… بل لأنني كنت أخطو أول خطوة حقيقية في حياتي.
همست في الظلام:
"سامحيني…"
ثم تسللت إلى الخارج، متشبثًا بالحافة الحجرية، متجنبًا الحراس الذين يتمركزون عند البوابة الرئيسية.
كنت أعرف ممرًا جانبيًا قديمًا يستخدمه الخدم… بابًا صغيرًا لا يُغلق بإحكام.
عندما وصلت إليه، توقفت للحظة أخيرة.
نظرت إلى القصر من بعيد.
ذلك المكان الذي تربيت فيه…
لم أتردد طويلًا.
تسللت إلى الإسطبل وأخذت أحد الخيول دون أن أسمح لنفسي بالتفكير.
قفزت على ظهره، وشددت اللجام، ثم انطلقت نحو إقطاعية الكونت.
كان الليل يمزق وجهي برياحه الباردة، لكنني لم أشعر بشيء.
كنت أركض… وكأن قلبي يعرف أن هناك شيئًا سيئًا ينتظرني.
كلما اقتربت، ازداد خوفي دون سبب واضح.
القلق كان يضغط على صدري، يسرق أنفاسي.
وعندما وصلت، لم يكن المكان كما اعتدته.
لم يكن هناك ضوء مرحّب، ولا صوت خدم يتحركون بهدوء.
كان الصمت ثقيلًا.
دخلت القاعة بخطوات سريعة، ثم سمعت همسات وبكاءً مكتومًا من إحدى الغرف.
توجهت إليها دون أن أسأل.
عندما فتحت الباب، رأيت الجميع ملتفين حول السرير.
بعضهم كان يبكي، وبعضهم يخفض رأسه بصمت.
لم أستوعب المشهد في البداية.
لكنني شققت طريقي بينهم، دفعتهم برفق، وكأنني أرفض تصديق ما تراه عيناي.
وعندها رأيته.
الكونت… مستلقيًا، بشرته شاحبة، وعيناه نصف مغمضتين، كأنهما على وشك الإغلاق إلى الأبد.
تجمّدت في مكاني.
شعرت بشيء بارد يسري في أطرافي.
ثم… فتح عينيه بصعوبة.
بحث بنظره بين الوجوه… حتى استقر عليّ.
وهمس بصوت متعب:
"أخيرًا… جئت، ثيودر…"
في تلك اللحظة، سقطت دموعي دون أن أشعر.
اقتربت من السرير بسرعة، أمسكت بيده الباردة.
قلت بصوتٍ مكسور:
"كيف أُصبت؟ ماذا حدث؟ أخبرني… من فعل هذا؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد ظهرت على وجهه المتعب.
رفع يده ببطء، ولمس خدي كما كان يفعل دائمًا حين يريد تهدئتي.
وقال بصوتٍ واهن:
"ثيودر… لقد أحببتك مثل ابني…"
اختنق صوتي.
كنت أريد أن أقول له إنني أيضًا رأيته أبًا… لكن الكلمات خانتني.
توقفت أنفاسه لحظة، شعرت بالرعب يجتاحني، لكنّه أكمل بصعوبة:
"من فضلك… اعتنِ بابنتي… إيرا…"
دمعة انزلقت من زاوية عينه.
همس أخيرًا:
"سأشتاق لك… ولها…"
ثم بدأ صوته يخفت.
عيناه تثاقَلتا أكثر.
صرخت، ولم أعد أهتم بمن حولي:
"لا! لا… افتح عينيك! أرجوك!"
ضغطت على يده، وكأنني أستطيع أن أعيده بقوتي.
لكن أصابعه ارتخت بين يدي.
والغرفة امتلأت بالبكاء.
أما أنا…
فشعرت أنني خسرت أبًا للمرة الثانية في حياتي.
"لا…"
همستها وأنا أبكي.
"لا تتركني…
لكن عينيه أُغلقتا… هذه المرة إلى الأبد.
لم أكن أعرف متى بدأ صوت البكاء يعلو حولي.
كل ما كنت أراه هو يده… ساكنة بين يدي.
ثم سمعت صرخة.
لم تكن صرخة عادية.
كانت ممزقة… كأن قلبًا انشطر في الهواء.
استدرت.
كانت إيرا.
كانت واقفة عند طرف السرير، عيناها متسعتان وكأنها لم تستوعب ما حدث بعد.
ثم تقدمت خطوة… وأخرى… حتى سقطت على ركبتيها بجانب السرير.
"أبي…؟"
قالتها بصوت خافت، وكأنها تنتظر منه أن يجيب.
لكن الصمت كان أقسى من أي جواب.
مدّت يدها ولمست كتفه برفق.
"أبي… استيقظ… أرجوك…"
عندما لم يتحرك، بدأ جسدها يرتجف.
تحول صوتها إلى بكاءٍ حقيقي، عميق، مؤلم.
انحنت فوق صدره، وكأنها تحاول أن تسمع نبضًا لم يعد موجودًا.
شعرت بأن قلبي يتمزق من جديد.
لم أكن أحتمل رؤيتها هكذا.
وقفت بصعوبة، واقتربت منها.
مددت يدي ووضعتها على كتفها.
كانت ترتجف تحت لمستي.
همست:
"إيرا…"
لكنها دفعت يدي فجأة، وهي تبكي:
"لا! لا… هو لن يتركني… لن يتركني!"
صوتها كان مليئًا بالإنكار.
بالخوف.
بالطفلة التي لم تكن مستعدة لتوديع والدها.
ابتلعت ألمي.
كنت أشعر أنني أنا من يحتاج إلى من يسنده، لكن لم يكن هناك وقت لذلك.
جلست بجانبها، وأمسكت بيديها رغم مقاومتها.
نظرت إليها، وكانت الدموع تحجب رؤيتي.
قلت بصوت مبحوح:
"إيرا… أنا هنا."
هزّت رأسها بعنف.
"لا أريدك أنت! أريده هو!"
تلك الكلمات أصابتني… لكنها كانت محقة.
أنا أيضًا أردته.
لكنني شددت على يديها أكثر، وضممتها إلى صدري.
قاومت في البداية، ضربت بقبضتيها صدري بضعف، ثم انهارت.
تشبثت بي كما لو كنت الشيء الوحيد الذي لم يختفِ بعد.
شعرت بدموعها تبلل ملابسي.
وشعرت بدموعي أنا تسقط فوق شعرها دون أن أستطيع إيقافها.
همست لها، رغم أن صوتي كان يرتجف:
"وعدته… أن أعتني بك."
لم ترفع رأسها.
لكن أصابعها تشبثت بقميصي أكثر.
أغمضت عيني، وضممتها بقوة.
كنت محطمًا من الداخل.
أشعر بأن الأرض سُحبت من تحتي.
لكنني أدركت في تلك اللحظة…
أنني لم أعد أملك رفاهية الانهيار.
لأنها الآن… أصبحت مسؤوليتي.
ولأول مرة، لم يكن حزني وحدي هو ما يثقل صدري…
بل الخوف من أن أفشل في حمايتها كما فشلت في حماية من قبل.
____________________________________________
لم تمضِ سوى دقائق على انهيار إيرا على السرير، وكنت أحاول تهدئتها قدر استطاعتي، حين اقتحم الحراس القاعة فجأة.
كان صوتهم صارمًا وباردًا:
"أمر الإمبراطور… حضور ولي العهد ثيودر فورا!"
تجمدت في مكاني لبرهة.نظرت إلى إيرا، عيناها ممتلئتان بالدموع، لكنها لم تقل كلمة.
همست لها بهدوء، وأنا أشد على يديها:
"إيرا… لا أعلم متى سأرجع… لكن لا تقلقي. وعد، لن أطول."
رفعت رأسها قليلاً، وبكت أكثر، لكنها فهمت ما أقصد.
كان هناك قبول مؤلم في عينيها، وكأنها تعرف أن لا شيء يمكن أن يوقف الأمر.
ثم نظرت حولها، ورأيت اليانا
كانت تحدق بي بعينين مليئتين بالقلق، وكأنها تعرف ما كان يختلج في قلبي من خوف ومسؤولية.
قلت لها بصوت منخفض:
"اعتني بإيرا حتى أعود…"
كانت الكلمة مجرد همس، لكنني شعرت بثقلها في الغرفة.
اقترب الحراس مني، وحاولت إيرا أن تتشبث بي، لكنني أمسكت بيدها لآخر مرة.
ضغطت على يدها بحنان، وهمست:
"ابقِ قوية… سأعود."
ثم أخذني الحراس بعيدًا، بينما كانت دموع إيرا تلمع في الضوء الخافت خلفي، ووعيها بما يعنيه غيابي يثقل قلبي.
كنت أعلم أن هذا الرحيل لن يكون سهلاً، لكن لم يكن أمامي خيار.
كان عليّ أن أذهب… وأن أعود.
حين وصلت إلى القصر الإمبراطوري، كان والدي ينتظرني في مكتبه، ووالدتي موجودة أيضًا هناك، نظراتها مليئة بالقلق.
نظر إلي والدي بهدوء، صوته ساكن لكنه ثقيل و قال:
"ستسجن لشهر في السجن الملكي لماخلفتك الاوامر الملكية…"
لم أجب.
كنت متعبًا جدًا، وكل ما أردت فعله هو الابتعاد عن كل ذلك الصخب والسلطة.
استأذنته بهدوء، وخرجت من المكتب متجهًا إلى الزنزانة الملكية.
دخلت الزنزانة وأُغلق الباب خلفي.
جلست على الأرض، ووضعت يدي على عينيّ، وحاولت أن أهدأ… دون صوت، دون أي حركة.
ثم جاءت والدتي، اقتربت من الحديد الذي يفصلنا، ومدت يديها عبر القضبان.
لمست وجهي برفق، وعيناها مليئتان بالقلق:
"ثيودر… هل أنت بخير؟"
رفعت رأسي قليلًا، لكنني لم أستطع الصمت.
قلت بصوت متهدج:
"لست بخير، أمي… غادري."
نظرت إليّ بصدمة، لكنني استمريت وأنا أغطي عينيّ بيدي:
"ماذا سيفعل الإمبراطور بك إذا علم أنك عندي؟"
همست والدتي مطمئنة، وكأنها تعلم أني بحاجة لسماع كلماتها:
"لا يهم، أنت أولى بالنسبة لي… سأتحدث معه لأخفض الحكم. أنا واثقة أنه سيتنازل… أما أنت، أرجوك، اهدأ، حسنًا؟"
في تلك اللحظة، جاء الحارس وقال بهدوء:
"جلالتك… عليك العودة الآن."
تنهدت والدتي، أمسكت وجهي خلف القضبان، وقبلت جبيني بحنان.
ثم ابتعدت… وغادرت.
تركها غيابها فراغًا كبيرًا، وأنا ما زلت جالسًا على الأرض، أشعر بثقل العالم كله على كتفيّ.
مرحبا😘الفصل الخامس و لحقت 1284كلمة .رأيكم!؟