قبلة من شفتي الموت

قبلة من شفتي الموت

9 0

الفصل 06:قبلة من شفتي الموت

كان منتصف الليل تقريبًا عندما شعرت بأنفاسٍ قريبة مني.

فتحت عيني ببطء، فرأيت والدي واقفًا عند رأسي، مرتديًا ملابس النوم الملكية.

كان هادئًا على نحوٍ أربكني.

قال بصوت منخفض، خالٍ من أي انفعال:

"ستحبس أسبوعين في غرفتك فقط."

لم أجب.

لكنني فهمت فورًا.

أمي تحدثت معه.

شعرت بشيءٍ ثقيل يستقر في صدري. لم يكن ارتياحًا، بل كان إحساسًا بأن شيئًا ما حدث… شيء لم أكن أريد أن أعرفه.

كنت على وشك أن أتكلم، حين رأيتها تأتي من خلفه.

كانت أمي ترتدي ملابس النوم أيضًا.

شعرها كان منسدلًا، وعيناها تحملان أثر دموعٍ سقطت منذ وقتٍ قريب.

قال لها والدي بهدوء:

"كان الأفضل أن تبقي في السرير حتى أعود."

أجابته بصوت متعب:

"لم أستطع."

ثم اقتربت مني، ومدّت يدها عبر المسافة، ولمست خدي برفق.

قالت لي بهدوء حاولت أن تجعله مطمئنًا:

"اذهب للنوم في غرفتك… ولا تفكر في أي شيء."

لم أرد.

لكنني لاحظت شيئًا جعل الدم يبرد في عروقي.

كانت شفتيها مجروحتين قليلًا.

رفعت نظري فورًا إلى والدي.

كان متكئًا على الجدار، يراقبنا، وعيناه مثبتتان عليها بطريقة جعلتني أشعر بالتقزز.

قلت بهدوء، رغم أن الغضب كان يشتعل داخلي:

"ماذا فعلتِ؟"

نظرت إليّ بسرعة، وكأنها تخشى أن أقول أكثر.

قالت لي بصوت خافت:

"اذهب إلى غرفتك فحسب… غدًا نتحدث."

صمتُّ.

كنت أعرف أنها لن تخبرني الآن.

وكنت أعرف أنني إن بقيت هناك لحظة أخرى، قد أفقد هدوئي.

وقفت، وغادرت بصمت.

دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي.

جلست على السرير طويلًا دون حركة.

عندما حاولت النوم، لم أستطع.

كلما أغمضت عيني، رأيت شفتيها.

رأيت نظرة والدي.

سمعت بكاء إيرا.

ورأيت الكونت وهو يهمس باسمي للمرة الأخيرة.

تداخل كل شيء في رأسي حتى تحوّل الليل إلى سلسلة من الكوابيس.

لم أنم حقًا تلك الليلة.

كنت فقط أهرب من صورة إلى أخرى…

ومن ألمٍ إلى آخر.

و من كابوس إلى واقع!

في اليوم التالي، لم أخرج من غرفتي.

بقيت مستلقيًا على السرير، أحدّق في السقف، كأنني أنتظر أن يمر الوقت وحده. لم أكن أملك طاقة لأي شيء… لا للغضب، ولا للكلام، ولا حتى للحركة.

طرقت الخادمة الباب بخفة، ثم دخلت حاملة صينية الطعام.

كنت أعرفها منذ كنت طفلًا. كانت دائمًا تعاملني بلطف، وكنت أحرص ألا أسيء إليها يومًا.

قالت بصوتٍ دافئ:

"سيدي… حاول أن تأكل."

جلست قليلًا دون أن أنظر إليها وقلت بهدوء:

"ضعيه… واخرجي."

لم يكن في صوتي قسوة، فقط تعب.

وضعت الصينية على الطاولة، نظرت إليّ لحظة وكأنها تريد أن تقول شيئًا، ثم خرجت بهدوء.

لم ألمس الطعام.

مرّ الوقت، وبقي كما هو.

وعندما عادت لاحقًا لتأخذ الصحن، وجدته كما وضعته. لم تسأل، لكنها فهمت.

وفي المساء، جاءت أمي.

دخلت بهدوء، وجلست قرب السرير.

قالت لي بنبرةٍ خافتة:

"ما بك؟"

لم أجب.

اقتربت أكثر، وجلست إلى جانبي، ومدّت يدها إلى شعري.

بدأت تلمسه بلطف، تلعب بخصلاته كما كانت تفعل حين كنت صغيرًا.

ذلك الهدوء… كاد يكسرني.

بعد لحظة صمت، سألتها وأنا أحدّق في الفراغ:

"ماذا فعلتِ… قبل أن أخرج؟ لماذا كانت شفتاكِ مجروحتين؟"

توقفت يدها للحظة، ثم عادت تتحرك في شعري وكأنها لم تسمع السؤال.

قالت بهدوء:

"لا شيء… لا تفكر."

لكنني لم أستطع التوقف عن التفكير.

عاد المشهد إلى رأسي فجأة—

رأيت والدي وهو يقترب منها،

رأيت نظراته،

في تلك اللحظة شعرت فيها أنني لا أستطع حتى التنفس.

شعرت بالضغط يزداد في صدري.

اقتربت مني أكثر، وقالت بلطف:

"اهدأ…"

لكنني فجأتها عندما صرخت:

"لماذا حدثتِه؟! أخبرتكِ أن تغادري فقط!"

ارتفع صوتي رغمًا عني.

"ما الذي كان سيفرق لو نمت في زنزانة لشهر… أو في غرفة لأسبوعين؟! لماذا تستسلمين له؟!"

شعرت بحرارة في عينيّ.

ولأول مرة منذ زمن، سقطت دموعي أمامها.

صُدمت للحظة… ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة.

اقتربت مني أكثر، عانقتني، ودفنت وجهي في كتفها كما كنت أفعل وأنا صغير.

ظلت تلعب بشعري، وقالت بصوتٍ دافئ:

"لأنك ابني… يا ثيودر. أحبك. وقلبي لا يسمح لي أن أتركك هناك."

سكتُّ طويلًا.

ثم قلت بصوتٍ منخفض بعد مدة:

"صدقيني......سأخلصكٍ منه!"

لم ترد.

كانت فقط صامتة، تواصل تمرير أصابعها في شعري،

كأنها تخاف أن تتكلم…

أو كأنها تعرف أن الطريق أصعب مما أتصور.

وأنا…

كنت أعرف أن تلك اللحظة لم تكن نهاية شيء،

بل بداية حربٍ لم أعد أستطيع تجنبها.

-----------------------------------------------------------------

انتهى أسبوعا العقاب…

لكنني بقيت في غرفتي أشهرًا بعد ذلك.

لم يمنعني أحد من الخروج، لكنني لم أرد.

كنت أشعر أن شيئًا في داخلي لم يشفَ بعد.

كنت أحتاج أن أكون وحدي… أو ربما كنت أهرب من مواجهة كل شيء.

وعندما خرجت أخيرًا، لم أذهب إلى القاعة، ولا إلى والدي.

ذهبت أولًا إلى الإقطاعية.

كنت بحاجة أن أطمئن على إيرا.

عندما رأيتها، كانت أضعف قليلًا… لكنها كانت صامدة.

عيناها لم تعودا تحملان نفس البراءة، لكنهما كانتا قويتين.

تحدثنا طويلًا.

اطمأن قلبي… أو هكذا أقنعت نفسي.

ثم عدت إلى القصر.

مرّ شهران بهدوءٍ ثقيل.

حتى وصلتني رسالة.

كانت مختومة على عجل، وخطها لم يكن ثابتًا.

عرفت الاسم قبل أن أفتحها.

إليانا.

فتحت الرسالة، وكانت الكلمات متقطعة، كأنها كُتبت بيدٍ مرتجفة:

"ثيودر… هناك مطاردون خلفي… أنا في غابة ديموس… لا أستطيع الهرب…"

لم أكمل القراءة.

شعرت بالدم يتجمد في عروقي.

لم أفكر.

ركضت إلى الإسطبل، امتطيت أول حصان أمامي، وانطلقت نحو الغابة.

كان الطريق أطول مما تذكرت.

الأشجار كانت كثيفة، والهواء أثقل من المعتاد.

كنت أنادي اسمها بين الحين والآخر، وصوتي يرتد بين الجذوع.

ثم رأيت آثار صراع…

أغصان مكسورة.

أثر دم على الصخور.

تتبعت الأثر حتى وصلت إلى حافة جرفٍ صخري.

وهناك…

رأيتها.

كانت أسفل الجرف، جسدها ملقى بين الصخور.

نزلت بسرعة، كدت أتعثر وأنا أقترب منها.

كانت مصابة بطعنة واضحة، وملابسها ممزقة من السقوط.

جسدها بدا متكسرًا من الوقعة.

ركعت بجانبها، ويدي ترتجفان.

"إليانا…"

لم أعرف إن كانت تسمعني.

كل ما كنت أعرفه…

أنني وصلت.

لكني خفت أن أكون قد وصلت متأخراً

عندما ناديت اسمها، تحركت شفاهها.

بصوتٍ خافت بالكاد سمعته، قالت:

"ثيودر… وصلت…"

تجمّد قلبي لثانية.

لم أتوقع أن أسمع صوتها.

انحنيت فورًا فوقها وقلت بسرعة، ويدي ترتجفان:

"إليانا، اهدئي… لا تتحركي. سأحملك إلى المشفى. فقط ابقي مستيقظة."

لكنها أمسكت يدي.

كانت قبضتها ضعيفة… لكنها مصممة.

شدّتني نحوها قليلًا، فاقتربت دون أن أفهم ما تريد.

رفعت يديها بصعوبة، وضعت كفيها على وجهي،

ثم… قبّلتني.

قبلة قصيرة، لكنها كانت مليئة بكل شيء لم يُقال.

صُدمت للحظة.

عقلي توقّف، والوقت كأنه تجمّد.

لكنني لم أبتعد.

بادلتها القبلة دون تفكير، وكأنني كنت أخشى أن تكون تلك آخر لحظة بيننا.

ابتعدت قليلًا، وأنفاسها متقطعة.

نظرت إليّ بعينين فيهما ألم… وصدق.

قالت:

"ثيودر… أريد أن أعترف لك… هنا… قبل أن أموت."

كلمة أموت ضربتني بقوة.

تذكرت الكونت.

تذكرت تلك اللحظة التي أُغلقت فيها عيناه.

وشعرت بالبرد يجتاحني من جديد.

قاطعتها بسرعة، وكأنني أستطيع إيقاف الواقع بالكلمات:

"لا! لن تموتي. اهدئي. المساعدة في الطريق."

لكنها لم تستمع لي.

همست:

"ثيودر… أنا أحبك. أحبك منذ مدة طويلة."

سقطت دموعها أكثر، وارتجف صوتها:

"آسفة… لم أستطع التظاهر أكثر."

اختنق صوتي وأنا قلت:

"أنتِ لن تموتي! أنا أيضًا أحبك… لا تتركيني!"

ابتسمت ابتسامة صغيرة… متعبة.

قالت بهدوء:

"لن تصل المساعدة، ثيودر… لا تحزن بسببي. أكثر ما آلمني… هو بُعدك، وحزنك على الكونت. أنا لا أحب حزنك… حسنًا؟"

ثم تأوهت بخفة.

شعرت بأطرافها تبرد بين يدي.

نظرتها بدأت تضعف، كأنها تبتعد عني ببطء.

قلت اسمها مرة أخرى، لكن صوتي بدا بعيداً.

أغلقت عينيها.

وبقيت أنا…

جالسًا هناك لدقائق، غير قادر على الحركة.

كأن الزمن توقف، وكأنني لم أعد أفهم ماذا حدث.

ثم سمعت أصواتًا في أعلى الجرف.

صراخًا… وضحكات بعيدة.

عندها أدركت الأمر.

لم يكن حادثًا.

رفعت رأسي ببطء، والهواء لم يعد يكفي رئتيّ.

ثم صرخت.

صرخة مزّقت هدوء غابة ديموس،

صرخة خرجت من أعماقي،

كأنني كنت أصرخ على العالم كله…

ولم يجبني أحد.

أحبابي.!شو رأيكم!

♥️🥰❤️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هل انا لعنة

المؤلف amira
2026/02/13 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة