الفصل 04:كيف هاذا؟.
كنت أظن أن مشاعري مجرد اعتياد، مجرد صداقة راسخة منذ الطفولة… شيء يعرفه قلبي لكنه لا يُقاس بكلمة.
لكن عندما بلغت الخامسة عشرة، بدأ شيء يخرج عن سيطرتي.
بدأت أغار بشدة… أغار على كل نظرة تذهب إليها، على كل ابتسامة تهديها لغيري، على كل حركة صغيرة تجعل قلبي يخفق بطريقة لم أعرفها من قبل.
لم أفهم نفسي… لم أستطع تفسير هذا الشعور.
لذلك، قررت أن أبتعد عنها، أن أخلق مسافة آمنة، حتى أهدأ… حتى أتمكن من فهم ما يحدث داخلي.
لكن المصير أحيانًا لا يتركنا نبتعد بسهولة.
في أحد الأيام، حين زارنا قصر الكونت، اقتربت مني فجأة.
لمست ذراعي بيدها بخفة، وعيونها… كانت حزينة،
تسألني بصوت منخفض:
"ثيودر… لماذا ابتعدت عني؟ هل فعلت شيئًا خاطئًا؟"
كان قلبي يتألم.
لم أستطع أن أجيبها فورًا،
شعرت بالذنب لأنها ظنت أنها هي السبب، بينما أنا الذي أبتعد لأن قلبي أصبح رهينة مشاعره.
نظرت إليّ بصدق… بالحزن، بالاهتمام، بالقلق.
وكنت أرغب في أن أصرخ لها:
"ليس خطأك، كل شيء داخلي هو السبب… كل هذا الخوف، كل هذه الغيرة، كل شيء أنا!"
لكن الكلمات لم تخرج.
وقفت هناك، صامتًا، أراقب عينيها…
وأدركت أنني لم أعد أستطيع أن أبتعد،
وأن قلبي كان قد اختارها منذ زمن… حتى قبل أن أفهم نفسي.
كنت أجلس في القصر الإمبراطوري حين دخل خادم فجأة ووضع رسالة على الطاولة.
التقطها والدي، فتحها بسكينه المعدني، وعيناه لم تفارق الرسالة.
نظرت أنا وأمي إليه، صامتين، ننتظر سماع الأخبار، لكن بيننا لم يصرح أحد بكلمة.
ثم قال والدي، صوته جاف وبرود يلف الجو:
"الكونت مارتن… قد أصيب في محاولة اغتيال. الأوضاع خطيرة… وقد تودي حياته."
تجمد قلبي.
لم أستوعب الكلمات.
ارتجف لسماع ذلك الخبر الصادم، ثم تجرأت وسألته:
"هل تقصد… الكونت الذي تقع أقطاعيته خارج العاصمة؟"
أومأ والدي بهدوء، بلا أي تعبير آخر.
تجمد الدم في عروقي.
قفزت من مكاني دون استئذان، واندفعت نحو باب القاعة، عازمًا على الوصول إليه بأي ثمن.
وقف الحراس أمامي. حاولت دفعهم، صرخت:
"ابتعدوا! افسحوا الطريق!"
لكنهم لم يتحركوا.
سمعت صوت والدي خلفي، ببروده المعتاد:
"منذ متى لا تستأذن؟ أين أدبك؟"
صرخت، والقلق يملأني:
"دعني أخرج! سيموت!"
نهض والدي ببطء، وجهه جامد، ثم صفعني على وجهي بقوة:
"هل تصرخ علي؟"
تجمدت ثانية، لم أستطع الكلام، لكن قلبي كان يحترق.
قلت بصوت مكسور:
"أرجوك… دعني أخرج… لأني… لا اريده أن يتركني!"
ابتسم والدي ابتسامة باردة، ثم صفعني مرة أخرى.
نظرت إليه، أبحث عن أي رحمة، لكن عينيه كانت خالية من الشفقة.
كانت تصرخ باسمي أولًا… ثم قالت بصوتٍ اختلط فيه القهر بالخوف:
"لا… لا يا ثيودر… جلالتك، توقف عن صفع ثيودر ودعه يذهب!"
لم أستطع النظر إليها.
ثم جاءت الصفعة التالية.
لم تكن مؤلمة بقدر ما كانت مهينة. شعرت برأسي يميل إلى الجانب، لكنني رفضت أن أرفع عينيّ. كنت أعرف أن نظرتي وحدها قد تزيد الأمر سوءًا.
سمعت أمي تكررها:
"جلالتك… توقف عن صفعه…"
لكن والدي لم يتوقف.
توالت الصفعات، يمينًا ويسارًا، وكل واحدة كانت تسحب شيئًا من داخلي. لم يكن الألم في وجهي… كان في صدري.
لم أعد أفتح عينيّ.
كنت أحاول أن أبدو ثابتًا، أن أتحمل، أن لا أُظهر ضعفًا أمامه. لكن في داخلي كنت أختنق.
ثم سمعت صرخة أمي.
لم أسمعها تصرخ بهذه الطريقة من قبل.
"توقف! هو لا يفتح عينيه… توقف!"
شعرت بها تقترب، حاولت أن تمسك بيده لتمنعه.
لكنني سمعت حركة مفاجئة، وصوت احتكاك، وعرفت أنه أمسك بها.
فتحت عيني للحظة قصيرة، ورأيت دموعها.
ذلك المشهد كان أقسى من أي صفعة.
سمعتها تقول باسمه، ليس بلقبه:
"كاي… توقف… أرجوك…"
ترك يدخل فورا و امسك بفكها قال:
"اذا سمعتك تنادينني مرة اخرى بجلالتك ..سترين الاسوء يا حياتي."
عندها فقط، شعرت بشيء في داخلي ينكسر.
لم أكن أتحمل أن تتوسل بسببي.
فتحـت عينيّ بصعوبة، ونظرت إليها.
لم أعد غاضبًا. لم أعد حتى أشعر بالألم. كنت فقط… متعبًا.
قلت بصوتٍ ضعيف لم أعرف كيف خرج مني:
"دعني… أذهب…"
اقتربت مني فورًا.
وضعت يديها على خدي، وكانت يداها دافئتين رغم ارتجافهما.
قالت لي:
"آسفة…"
وعندما قبّلت جبيني، تمنيت لو أستطيع أن أقول لها إن الخطأ ليس خطأها. لكنني لم أستطع الكلام.
ثم فجأة، شعرت بها تُسحب بعيدًا عني.
رأيت يد والدي تمسك خصرها، ورأيته يقربها إليه، كأن شيئًا لم يحدث.
قال للحراس ببرود:
"خذوه إلى غرفته. لا يخرج."
بدأ الحراس يقودونني بعيدًا، لكنني التفتُّ للحظة أخيرة.
رأيته يقرب وجهه من وجهها…
وسمعته يقول بصوتٍ هادئ بارد:
"اشتقت لكِ… يا روحي."
في تلك اللحظة، لم يكن ما يؤلمني هو وجهي.
كان يؤلمني أنني لم أستطع حمايتها.
ولأول مرة في حياتي… شعرت أنني ضعيف حقًا.
اذا حبيباتي؟شو رأيكم؟انا كنت انتضر عشان اكتب هذا الفصل ❤️😘