اتفاق

اتفاق

11 0

الفصل التاسع

اتفاق

"كلارا"

بقيت دقيقة على انتهاء المعركة الأخيرة، وأنا ما زلت في عجزي عن الحراك وحيرتي، كل ما يسَعُني فعله هو الاستماع لما تلتقطه أذني من بعض العبارات الطائرة من أفواه الفرسان.

-... : "لا أصدق هذا! أهذه بشرية حتى؟"

-... :" لم أرَ سرعة مثلها قط!"

-... "لا بدَ من أن هناك سببًا في إحضار أمثالها لهنا."

-... " هل قتلت ابن ذلك المالك بهذه الطريقة؟ كم كان حظه عاثرًا لوقوعه مع هذا الوحش!"

-... "هل هذا الوحش في نفس كتيبتي؟ حرى بي تأمين نفسي."

-... "سرعتها حقًا أمر مذهل!"

لا استطيع لوم أحد على خوفهم منها، فالنظر إليها كما لو أنها شخص عاش حياته مترنحًا بين الحروب والمعارك، فمن التمعُن في مقلتيها ستجد القتل فعلًا مسليًا لها، ضحكتها مرعبة، تلك الرمقة التي ترمق بها الجميع على أنهم بعض الحشرات الزاحفة تجمد الدم في العروق بحق! رغم أني فارسة قوية إلا أن هذا الموقف طبع على قلبي خوفًا كنت قد نسيته.

أما هي كما هي لا تستجيب لأي شيء، دمية تتحرك بخيوط شخصٍ ما، خنجرها كان على رقبة الفارس الذي أوقعته سلفًا، رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة إقشعر لها بدني، أنزلت جفونها بخفوت، لم تظهر حدقتاها الحمراء كلها، أخيرًا تحدثت بكلماتٍ لم استوعبها، أتوتري هو السبب؟

- شيري : " ----. "

كان الفارس يرتجف من الخوف، جميع المشاركين معه كانوا على الأرض بجانبه، حاول طلب المساعدة من أي أحد، بلا جدوى، فقد خسر الجميع، كما أنَ القواعد تمنع تدخل أحد من خارج المعركة.

- الفارس : " أ..أرجوكِ أنا استسلم، دعيني!

لقد خسرت أنا لم أعد شـ...شخصًا قد يفوز، لا تقتليني! "

ران الصمت بيننا، وأقل ما يقال أن الجميع مستعد لرؤيتها تفصل رأس الفارس عن جسده لتسقط على الأرض، وتنساب تلك الدماء الدافئة على حبات الرمال، وأنا كنت منهم، لماذا لا يتدخل الحكم أو المدرب ويعلن انتهاء الوقت؟

سحقًا لمتعتهم التي تكون على حساب الأقل مرتبة منهم.

آلأن الجميع تعود على تقبل حقيقة وجود مصابين في هذه التدريبات! يريدون تجربة شيء غير مألوف وهو وجود قتلى؟

بدأ الخنجر يلامس رقبة الفارس بشكل أقرب، أحكمت قبضتها عليه، ستقطعه، ستقطع رقبته، سيرى الجميع حقيقة أنها قاتلة أمر حقيقيّ.

إلى أن جاء صوت عالٍ ينادي عليها من بين الحشود.

-... : "شــــــيــــــــري..."

توقفت "شيري" فجأة، أغمضت عينيها ثم فتحتها، تجمدت في مكانها، أتوقفت عن الحركة لأنها استوعبت أنها ستقتل الفارس الذي يبكي أرضًا متوسلًا لها لتبتعد عنه؟

أم ماذا؟ بِتُّ لا أفهم ما يجري!

وأخيرًا الخلاص، قطع صوت مساعد القائد "جون" الأنفاس التي حُبست مترقبة رأس يتتطاير، ودماء تنهمر.

- جون : " انتهت المجموعة الأخيرة بفوز ثنائي واحد وخسارة الباقي.

أُعلن انتهاء المعارك التدريبة اليوم. "

لم تقم "شيري" بأي حركة سوى أنها أبعدت خنجرها عن عنق الفارس، ففر هاربًا منها وهي ما تزال واقفة مكانها، استقامت في وقفتها، نظرت للخنجر الخشبي، ضغطت أسنانها بقوة، أغلقت أجفانها، وتركت يديها تتدلى بجانبها.

وهنا بدأت استعيد قوتي، أو بمعني أدق تركيزي، تحركت مسرعة إليها لأرى هل هي حقًا أم أن وحش ما تلبسها؟

كان الذعر يعلو محياي فلم استطع إخفاءه.

' كلارا : " شيري! هل أنت بخير ؟ "

لم ترفع رأسها ولم تجب عليّ، حتى وضعتُ كلتا يديّ على كتفها وقمت بتحريكها بقوة، حدثتها بصوت مرتفع كنت أمل أي إجابة منها، إجابة واحدة فقط تكفيني، هل أنت بخير؟

كيف تشعرين؟

ما هذا الذي حدث لك؟

- كلارا : " أجيبي هل أنت بخير ؟"

نظرت لي نظرة أسفٍ وحزنٍ وأومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة واحدة، ألقت بنظرها للجانب الآخر، مبتعدة عن أعيني الخائفة، إنها تتهرب مني!

تنفستُ الصعداء بعدما تأكدت من مظهرها، لقد أصبح المعتاد، لم تعد عيناها تشع أي شرارة.

لا استطيع تفسير شيء واحد مما رأيته قبل قليل، فقد أخذ عقلي استراحة عن العمل بعدما  ذُعِر ربما، لكن لا يهم المهم أنها بخير وأنها لن تلقى عقابًا على أي شيء، الحمد لله لقد شعرت أن قلبي سيُقتَلع من مكانه.

على الرغم من أني ذهبت إلى ساحة المعركة وقتلت الكثير، وشاهدت مناظر جثث قتلت بأبشع الطرق، ولم يمس الخوف طرف مني، لكن رؤيتها وهي بهذه الحالة ذكرتني بالخوف الذي غلفته منذ سنوات في أعماق قلبي، سحقًا لكِ يا "شيري" أنّ لفتاة في مثل عمركِ أن تجعلني استرجع هذه الذكريات التي حَرصت على دفنها؟

- كلارا بتنهد : " من الجيد أنكِ بخير ."

وهنا بدأت أصوات الفرسان في الارتفاع من جديد، فما لبثت أن تنخفض، لكن هذه المرة كانت أعلى، فقد أصبحت محادثتهم الجانية وأفكارهم على مسمع من آذان "شيري"، ترددت العبارات في ما بينهم .

- ... : " يا إلهي إنها حقًا تلك الجارية القاتلة! "

- ... : " أرأيت نظرتها، وكأنها وحش! التفكير في الأمر مخيف إنها معنا في نفس الكتيبة!"

- ... : " لولا إنهاء المعركة لكانت قتلت ذلك الفارس! "

- ... : " أنا أشفق على الفارس، لكان سيموت في لمح البصر على يديها. "

- ... : " جيد أنها إنضمت لتلك فرقة، فكما يبدو يلقبون بالوحوش. "

- ... : " أخشى أن تقتلهم في حين غرة منهم."

- ... : " ألا يجب أن نفكر في شيء يمنع اللعنات، فقد سمعت أنها جالبة حظ سئ؟ "

ما مر كل هذا الكلام على مسامعي حتى إنفجرت غاضبة من هؤلاء الجبناء، أنزلت يدي من على كتفها، وجهت نظري لهم، وقلت بصوت عالٍ.

- كلارا ؛ " إخرسوا أيها الجبناء! أشفقوا على أنفسكم لأنكم ضعفاء و... "

وضعت يدها على يدي، ماذا! هي من بادرت؟ كانت يدها ترتجف أقسم أني شعرت بذلك في نبرتها الخافتة التي تحدثت بها معي.

- شيري : " لا عليكِ كلارا، أنا بخير."

كان صوتها كصوتٍ كُسِر آلاف المرات، صوت هُزِم وخُذِل، بدى عليها الألم والأسى، ثم لحظة واحدة! هي لفظت اسمي!

لم تقل لي أي لقب!

- كلارا : " ما الذي تقولينه! يجب أن أسكِتهم جميعًا، إنهم مجموعة من الحمقى الضعفاء! "

- شيري : " إنهم يقولون الحقيقة، أنا أصيب من حولي بلعنتي. "

أنزلتْ يديها من على يدي بهدوء وإلتفت، ذهبت ولم ترد على نداءاتي لها بالتوقف، وضعتْ الخنجر على حافة الساحة، وسارت بهدوء وسط كل تلك الانتقادات، كان رأسها ينظر للأرض، لم ترفع نظرها لأي مكان، وجهتها كانت باقي أعضاء فرقتها.

أنزلتُ الفأس بقوة على الأرض مما أثار صوتًا قوي وصاخب أربك حبات الرمال من تحتي، كما جفل الفرسان لصوت ارتطامه فصمتوا للحظة، وضعت يدي على رأسي بغضب.

- كلارا بغضب : " انتظري ...

هؤلاء الأوغاد..

أنا لم أرى شيري هكذا من قبل، كم عانت تلك الفتاة لتقبل هذه الكلامات!

وعن أيه لعنة تتحدث؟"

******

"إيان"

كنت غارقًا في تفكيري، أيعقل ما أفكر فيه حقيقيّ؟ لكن مستحيل لا يوجد دليل واحد! بالإضافة أنه لا يوجد أي تشابه بينهما! يا لي من هائم يستحيل أن تكون مثلها! لكن هناك صوت داخلي يخبرني أني قادرٌ على رؤيتها فيها، أفق يا "إيان" مستحيل أن تراها.

تحدث "سام" لينبهني على انتهاء التدريبات.

- سام : " تبدو شيري في غاية الألم والحزن، يجب أن نشجعها، لا تذكروا أي شيء عدا أن أدائها كان رائعًا وسريعًا. "

- جيرمي : " ها هي قادمة."

استقبلها "رين" باتسامة وكانت الدهشة والإعجاب واضحًا عليه، أو لأنني أعلم أنه اصطنعهما، وشاركه هذه المسرحية المصطنعة "سام" أيضًا.

- رين : " شيري!

لا أصدق أداؤكِ كان رائع للغاية! لِم لَم تخبرينا أنكِ سريعة لهذه الدرجة؟ "

- سام : " أجل معه حق، لم أتمكن مجاراة تحركاتكِ. "

- جيرمي : " يبدو أنني سأحتاج تعلم حركاتك تلكِ، ستعلمينني لكن لا يجب على المعلم أن يدعوا طلابه بألقاب غريبة، فهذا غير جيد أبدًا. "

لم أتوقع أن يمثل معهم "جيرمي".

قاطعتهم بصوتها الغاضب، مازال رأسها موجهًا للأرض، وقبضة يدها مشدودة بإحكام، حتى أنها إستحالت للون الأبيض من كثرة الضغط وعروق في يدها برزت.

- شيري بغضب : " توقفوا!"

تظاهر "رين" بأنه لا يفهم عن ماذا تريد أن يتوقفوا، حسنًا لقد أعجبتني يا فتى أنت تمثل ببلاهة، سأرفع لك القبعة.

- رين : " نتوقف؟"

صرخت بقوة وغضب.

- شيري : "توقفوا عن هذا، لا أحتاج شفقتكم هذه !"

- جيرمي : " نحن لا نشقق عليك، نحن نساندك. "

هنا عاد "جيرمي" الذي أعرفه، ابتعد عنهم واقترب بخطواته منها، وبعده تبعه الباقين في إزالة قناع البلاهة، فلم تنطلي تلك الخدعة عليها.

- سام : " أجل فنحن فرقة وقبل ذلك نحن أصدقاء. "

- شيري بصوت عالٍ : " لا أحتاج شيء من هذا، كم مرة أخبرتكم أنكم بلا فائدة."

- رين : " وحتى إن كان رأيك ذلك، فهذا لا يغير هذا الواقع. "

هدأ صوتها وتغلغل الحزن فيه، غطت وجهها بكفايها.

- شيري : " ألا تفهمون؟ سأصيبكم بلعنتي، ابقوا بعيدين عني! "

- جيرمي : " لن نبتعد عنك. "

- شيري : " ألا تفهم؟ ستصاب باللعنة. "

رفعت رأسها لتنظر لـ "جيرمي" بنظرة تملؤها الكثير من المشاعر، حزن وغضب وخوف وربما عتاب، هذا ما استطعت معرفته.

- سام : " نحن نريد أن نصاب باللعنة."

- شيري : " أنتم لا تفهمون شيء، ربما أقتلكم كما كنت سأقتل ذلك الفارس. "

- سام : " أنت لم تقتليه، لذا نحن لن نموت."

- شيري : " مخطئ. قد لا أتحكم في نفسي وأقتلكم. "

- جيرمي : " نحن لسنا ضعفاء كما تظنين، كما أنكِ أبليتِ بلاءً جيدًا، فلا تهتمي لما يقولوه هؤلاء الفرسان، إنهم فقط ضعفاء وجبناء."

- شيري بصراخ غاضب : " أنا لا أهتم لما يقال عني، لو كنت أهتم لقتلت المئات الآن! أنا لا أود إصابة أحد أخر بلعتني، يكفي هذا. "

ركضتْ بإتجاه الغابة ولم تجب على نداء "سام" و"جيرمي" لها بالانتظار، تركتهم في حيرتهم، لم تنظر للخلف، ولأنها سريعة اختفت بسرعة عن الأنظار، لكن والذي أنا متأكد منه أن هناك دموعًا خَلّفتها ورائها، لم يستطع أحد رؤيتها غيري، فقد كنت أشعر بهما منذ أن أتت تحاول التحكم فيها.

- سام : " يجب اللحاق بها، سأذهب ورائها."

هم "سام" بالذهاب خلفها، لكني أوقفته، أمسكت بكتفه بقوة، مما جعله يقف مكانه، لقد كانت يدي قوية على شخص يحاول إيقاف شخص آخر، لكن فكرة أن يراها "سام" وهي في ضعفها أزعجتني، لأنها حاولت الحفاظ على قوتها أمامنا.

- إيان : " لا ، سأذهب أنا."

- جيرمي : " هل أنت واثق من مقدرتك على تهدئتها، أعتقد أن سام أفضل منك في هذا، دعه يذهب. "

تحدثت بجدية.

- إيان : " لا، جزء من لومها لنفسها يقع على عاتقي، لأني من طلبت منها ذلك، سأذهب وأبحث عنها، لا أظن أنها ستغادر، لذلك سأسرع في الذهاب، كما أن هناك شيء أود التأكد منه."

- رين : " إذن لا تكن باردًا معها، إيان. "

قال جملته الآخيرة وشدد على نطق اسمي، لا تقلق "رين" لن أقتلها فهذه الحالة التي تمر بها أنا أعلم علاجها جيدًا.

-إيان: " لقد تركتْ أغراضها هناك ولم تحضرها معها، أحضروها واسبقوني إلى المقر، أنت تعلم مهمتك يا رين."

إلتفت لأذهب خلفها لكن قبل ذلك عرجت على المكان الذي وضعتْ فيه أغراضها، وبعدها ذهبت بالاتجاه الذي سلكته، وحشد من التساؤلات يتزاحم في رأسي، ما الذي تعنيه بأنها لا تريد أن تصيب أحد آخر بلعنتها؟ أهناك من قتلتهم؟

ثم ما هي اللعنة التي تتحدث عنها من الأساس؟

ربما أخطأتُ في بعض التقديرات التي وضعتها لها، حسنًا لنحلل الموقف بهدوء، إنها تخاف علينا ولا تحاول أذيتنا، لأنها جاءت لنا وتحدثت بأسف، كانت تود الإعتذار عما حدث لكن العبارات خاناتها، أو ربما لا تود أن تظهر بمظهرٍ ضعيفٍ أمامنا، لكن قبل كل هذا، ما سبب تعطشها للدماء؟

لا تبدو في حالتها الطبيعية أنها تتلذذ بالقتل! إذن ما رأيته في الساحة أكان خيالًا مني؟

لا لقد أجمع الآخرون على رؤيتها بتلك النظرة والابتسامة الغريبة، إذًا ما الذي أَلم بكِ لتصبحي على هذه الحالة؟

وإذا كنتِ صدقًا هكذا لما لَم تهربي من حكم الإعدام؟

والسؤال الأهم هل ستتقبل وجودي أنا من بين الباقي أمامها في هذه الحالة؟

أرجو أن يصيب توقعي.

*****

"شيري"

في  الغابة.

بعد هروبي المخزي من أمامهم، أخذتني أقدامي بين الأشجار، المكان الذي دائمًا ما تحمل إخفاقاتي وهزائمي، تحمل معي كل معاناتي وأواني بين نسماته في حين تخلى عني الجميع، لا أدري كم من الوقت بقيت أمشي إلى أن توقف قدامي عن حملي وأعلنت استسلامها أخيرًا، وقعت أرضًا حتى ارتميت في أحضان إحدى الأشجار.

لم أجد أشخاص حولي، فبالتأكيد هم مازالوا في الساحة، جلست القرفصاء ووضممت قدماي إلى صدري وأرخيت رأسي عليهما، تشبثتْ يداي ببعضمها حول قدماي، أغلقت أجفاني لأجعل تلك الدموع التي هربت مني رُغمًا عني تكف عن خروجها.

بعد أن حاولت السيطرة على نفسي حدثت تلك اللعنة مجددًا، لم أتمكن السيطرة على نفسي، لولا صوت "إيان" لكنت قتلت ذلك الفارس، كم أكره هذه القوى التي لدي، أنا لا أريد هذا، لم أطلب أن أكون قوية، لماذا كل هذه القوى وأنا عجزت عن حماية من أحب؟

لماذا يحدث هذا دائمًا لي؟

لم أكن قاتلة بإرادتي، لم أرد أن يرفق لقب القاتلة باسمي، حتى دموعي أبت الإنصات لي، فها هي تنسل من بين أهدابي معلنةً تمردًا عليّ.

بقيت هكذا لوقت لا أعلمه، هدأ تمرد عَبَراتي وسكنت أخيرًا، لكن الألم المتأجج في قلبي لم يهدأ.

- ... : " لذلك كانوا يجدونكِ سريعًا، يا له من هروب فاشل. "

تجمدت أوصالي، رفعت رأسي لأرى من يحدثني، على الرغم من أن صوته كان قد حُفر في عقلي، لكن كنت أود أن أُكَذِب عقلي، عَلت الصدمة وجهي، انتصر عقلي عليّ وتأكدتُ من أنه يقف أمامي، بابتسامته الهادئة، لا أخفي أنني هدأت لوجوده، رغم توقف دموعي عن النزول إلا أن آثار الدموع لا يزال يتراقص على وجهي، أتتعمد إهانتي أمام أكثر شخصٍ أود أن أكون أمامه في كامل قواي؟

إلتقت أعيننا، إلتقى اللونين السماوي والأحمر، إلا أن الأخير آثر الصمت عن التحدث من الصدمة.

- إيان : " عندما تريدين الهروب ألا يَجب تضليل المطاردين، عليكِ إخفاء آثار أقدامكِ وصنع العديد من المسارات الخاطئة، حتى لا يجدكِ أعداؤكِ، كما لا يجب عليكِ المكوث في نفس المكان لفترة طويلة. "

كان يقف بهدوء شديد، يستند على إحدى الأشجار المقابلة لي، يرفع قدمه اليمنى على الشجرة ويعقد يديه، كما أنه يميل رأسه على الشجرة، وينظر لي بتمعن، لماذا أشعر أنه تحدث أكثر من المعتاد؟

لم يتحدث بعدما ألقى هذه الجملة، أحسدته؟

أم أنه ينتظر مني التحدث؟

لم أتقبل الصدمة، فكيف وجدني بهذه السرعة؟

ولماذا جاء من الأساس؟

هل جاء ليسخر مني؟

وفوق كل هذا لم هو بالذات؟

مسحت آثار الدموع من وجهي بسرعة بطرف أكمام ردائي، وتحدثتُ بثبات.

- شيري : " ماذا تريد ؟ "

- إيان : " الاتفاق."

- شيري : " اتفاق ؟ "

أنزل قدمه التي كانت على الشجرة، واقترب بخطواتٍ ثابتة مني، وأعينه لا تنفك تحدق بعيني، لوهلة صار أمامي لا يفصل بين قدمه وقدمي سوى بضع إنشات!

متي أصبح أمامي، سرحت في تلك العيون الهادئة ونسيت ما يعصف بداخلي، مد يده لي وتلك الابتسامة الهادئة لا تغادر شفتيه.

- إيان : " أنا معلمكِ الآن، هل نسيتي؟ "

اتفاق! يا لي من حمقاء! لقد أنهيت جزئي من الاتفاق، وقد جاء ليبدأ جزءه، تذكرت للتو فقط اتفاقنا قبل المعركة، بأني إذا ما أبليت بلاءً حسنًا سيدربني، شعرت بالخجل فأنزلت رأسي، هل حافظ على كلامه؟

لم يحدثني عن ما حدث، لقد أسأت إليه، لقد أخطأت الظن بأنه سيسخر مني، هل يجب أن أعتذر منه على هذه الأفكار الحمقاء؟

رفعت رأسي فرأيت يده ماتزال ممدودة لي، وهو يميل ليكون في مستوى قريب مني، ترددت في إمساكها، لكن شعور غريب شعرت به اتجاهه، لم يكن بارد كالعادة بالعكس كان هادئ ويعطي شعور بالأمان.

وأخيرًا.

بعد صراع داخلي دام لثوان علميًا لكنه عمليًا دام لدهور داخلي، مددت يدي برفق، فأمسكت يده شعرت برعشة خفيفة في يدي.

ساعدني على النهوض، وقفت بجانبه حتي أنه لم يرفع نفسه بسرعة ويعتدل في وقفته حتى أنني شعرت بأنفاسه تضرب رأسي، سحبت يدي بسرعة من يده، لم أرفع عيني بالتأكيد لأنها ما تزال حمراء من الدموع.

*****

"إيان"

نظرت لها وضحكت ضحكة صغيرة رُغم عني على مظهرها الفوضوي، فقد خجلت مني وسحبت يدها بسرعة، اعتدلت في وقفتي، ولأول مرة أدقق في خصلات شعرها رغم أن السواد هو الذي يغلب لونها، إلا أن هناك بعض خُصلٍ حمراء اللون متفرقة وقليلة، إنها تزيده جمالًا، انظروا إلى هذه الفتاة، هل هذه هي من يهاب منها الجميع؟

بدون سابق إنذار، أمسكت قبعتي وانتزعتها عن رأسي ووضعتها على رأسها، كانت كبيرة قليلًا عليها فأملتُها للأمام حتى تُخفي عينها الحمراء إثر البكاء، لا أريدها أن تشعر أني أخبأ وجهها من أن يراه أحد بهذا الشكل.

- إيان : " الشمس شديدة الحرارة."

اتسعت عينيها، ورفعت كلتا يديها وأمسكت بالقبعة بشده، اغرورقت عينها بالدموع، شعرت بها رغم أنها تدمع بلا صوت، لم تتحدث وتبعتني بصمت، وأنا لم أتحدث وتركتها تخرج ما بداخلها وخطوت خطواتي بهدوء، وهي خلفي ببعد خطوتين.

كنت ألقي نظرة عليها فقط لأرى هل ما زالت تبكي أم لا، وعندما لاحظت توقف الدموع، توقفت فجأة، والتفت لها، مما جعلها تقف هي الأخرى، تقدمت منها الخطوتين التي كانت تفصلنا، نظرت لها وهي ترتفع رأسها كثيرًا لتراني لأن القبعة انزلقت على عينها، فباتت كالطفل الذي يحاول الرؤية، لقد حاولتُ جاهدًا إمساك الضحكة التي على أطراف شفاهي من الخروج.

- إيان : " ألا تظنين أنكِ مهملة في أشياءك؟ "

بدى الإحمرار حول عينها واضحًا، لم تتحدث لكن عينها كانت تسألني سبب نعتي لها بالمهملة؟

رفعت الخنجر  الخاص بها والذي كان يخصني قبلها، والذي كان بين أغراضها، حالما رأته اتسعت عيناها ووضعت يدها على حزامها فلم تجده فيه، إنها مهملة وتنسى كثيرًا؟

يبدو أنها نسيت أنها تركته عند الساحة، هنا فشلتُ في القبض على الضحكة التي اكتسحت شفتاي.

- إيان بضحة : " ألم أقل لكِ أنتِ مهملة! كما أنكِ نسيتي أنه لم يكن معكِ أثناء وجودكِ هنا وقد تركتيه خلفك عند الساحة."

أوقفت ضحكتي وأخذت نفسًا عميقًا ونظرت لها وهي ما تزال في حالة ذهول، أردفت قائلًا.

- :"هكذا ستجعلين تدريباتي لكِ قاسية حتى لا تنسي أي شيء بعد الآن، إذا كنتِ تنسين أشياءكِ هكذا. فالعثور عليكِ أمر بسيط للغاية."

مدت يدها لتأخذ خنجرها، لكني سحبته ورفعته عاليًا عنها، ولآن فارق الطول بيننا ليس بالقصير فَفُزت في رفعه عنها، مما جعلها تعقد حاجبها في انزعاج.

- شيري : " ماذا؟ "

- إيان : " أنت معاقبة. "

- شيري : " معاقبة! لماذا؟ "

تلبست ابتسامتي الباردة .

- إيان : " لقد نسيتي سلاحكِ في أرض المعركة.

لإرتكابكِ لمثل هذا الخطأ الفادح تحتاجين إلى عقابٍ مميتٍ، لكن لن أكثر من التدريبات في المرة الأولى، كما أنني المدرب هنا لذا عليكِ اتباع أوامري. "

عقدت حاجبيها وسحبت يديها، ألقت ببصرها للجانب الأخر وهي تزفر الهواء، مما جعلني أضحك، لم أضحك هكذا منذ مدة، التفت وأكملت السير متخطيًا إياها بنفس الخطوتين، بعد أن أعطيتها الخنجر، شعرت بأنها بدت مرتاحة الآن وليست كما قابلتها عند الشجرة، وهذا أراحني في الواقع.

تبعتني وأسرعت من خطواتها؛ لتكون فى نفس مستواي، تحدثث بجدية.

- شيري : " لماذا لم تسأل عن ما حدث؟ "

هي من بدأت هذا تقدمٌ غير مُسبق! لا يجب أن أُبدي أي دهشة، كن هادئًا.

- إيان : " لماذا أسألكِ؟ "

- شيري : " كنتُ سأقتل شخصًا ما! "

- إيان : " أنا من طلبت منكِ أن تكوني قوية، وقد نفذتِ أوامري بشكل مثالي، فلما أكون غير مرتاح؟ "

هنا ألقيت نظري عليها فوجدتها تمسك كلتا يديها ببعضهما، وتنظر للأرض، أتى صوتها هادئ متقطع.

- شيري : " نادئك لي، لقد...

لقد جعلني أرجع لطبيعتي، أ.. أشكرك."

كنت أستمع إليها بتمعن وأحلل كلمتها وأفعالها، لقد صدمني شكرها لي؟ أنا من تعده خام الإزعاج!

لقد جاهدت لتخرج هذه الكلمات، لا يجب أن أجعلها تعاني أكثر، سأمرر الكلمات كأني لم أسمعها.

- إيان : " إذا سألتكِ هل ستجيبين؟ "

صمتت للحظة، ورفعت رأسها، أغمضت عينها بقوة، ثم أخذت زفيرًا ليس بطويل، وأتت بإجابة واثقة.

- شيري : " أجل. "

- إيان : " ما الذي شعرت به أثناء قتالك؟ "

- شيري : " ربما تجد ما سأقوله غريبًا.

لكن أنا لا أكون واعية وأنا أقتل، يتملكني شعور غريب وكأنني في مكان آخر، لا استطيع الرؤية جيدًا، كما تمتلأ عيني بضباب أحمر يعيق رؤيتي، ولا استطيع سماع أي شيء حولي، كما أنني أفقد القدرة على السيطرة على يدي.

وكأن شخص ما يتحكم بي.

ربما تجد كلامي غريب، فهذه أول مره أقول لشخص عن ما يحصل لي. "

ما هذا الذي تقوله؟ أيتحكم بها شخص ما؟ مَن؟ ولماذا؟ ولأي هدف؟

حسنًا لأهدأ، لا يجب أن أفزعها فقد تخطت كل توقعاتي وتحدثت وأنا أول شخص تقول له!

هل هذه هي اللعنة التي تخاف علينا منها؟

- إيان : " إذن هل هذه هي اللعنة التي تحدثتي عنها؟ "

- شيري : " أجل."

- إيان : " هل في كل مرة تقتلين أحد تكونين هكذا؟ "

- شيري : " لا."

- إيان : " كيف تتوقفين؟ "

- شيري : " بعدما أقتل، لا أعود لطبيعتي إلا عندما أقتل. "

- إيان : " لكن عندما ناديتك توقفتي؟"

- شيري : " أنا لا أدري كيف عدت لرشدي!

لكني عندما سمعت صوتك، أمم توقفت، ولا أدري ماذا حدث! "

- إيان : " جيد. "

لا أرى ملامح وجهها الآن لكني أقسم أنها تعجبت وغضبت، ها هي ترفع رأسها لترمقني بنظرة الغضب.

- شيري بصراخ : " ما الجيد في هذا؟

ربما أقتل أي أحد أخر؟

ربما لا ينفع ندائك معي مرة أخرى؟ أخبرني ما الجيد؟ "

أملت رأسي لها فوجدتها عادت لطبيعتها، اختفت آثار البكاء من حول عينها، ها هي عينها عادت كالمعتاد، فأخذت قبعتي من على رأسها، وضعتها على رأسه، ثم وضعت يدي على حزامي، وتحدثت ببرود.

- إيان : " لم تعد الشمس شديدة الحرارة، كما أننا نمشي تحت الأشجار. "

صمتتْ، وأبعدتْ نظرها عني، أرختْ قبضها وأخذت نفسًا عميقًا، تهدأ نفسها، سبقتُها بخطوة، اختلستُ بنظري عليها، لكنها وجهتْ عينها في عيني مباشرة وابتسمتْ، لقد ابتسمتْ في وجهي!

ربما علمتْ أني وضعتُ القبعة عليها لتخفي آثار دموعها، لذلك ربما ابتسمتْ لأنها لم تتوقع هذا الفعل مني، على كل حال نحن في طريقنا إلى المقر، عدلت من اتجاه رأسي إلى الأمام.

- شيري : " أيها المدرب! "

تفاجأتُ لوهة، لم تدعوني بالمزعج! هل فهمت ما فعلته؟ أدرت رأسي لها وابتسمتُ، أن تتجاوب معي بهذا الشكل، صدقًا إنه أمر لم أتوقعه بهذه السرعة! فلا يسعدني سوى الابتسام ابتسامة هادئة بشكل مريح تبعث في نفسها الاطمئنان، هَبتْ بعض الرياح الهاربة فتتطايرت خصلات شعري الزرقاء مع أوراق الأشجار، كما تطايرت خصلات شعرها الأسود وتوقفتُ أمامي.

- إيان : " ماذا أيتها المهملة؟ "

-  شيري : " سأطلب ما كنت أريده. "

- إيان : " ماذا؟ "

- شيري : " علمني كيف أسيطر على قوتي."

توقفتُ واستدرتُ بجسدي إليها، رأيت العزم يلمع في حدقتها الياقوتية، ها هي تبدأ أول خطوة لها خارج عالهما الذي نسجته، كوني قوية يا "شيري" حتى استطيع الإستفادة منك بأفضل شكل ممكن، لدى إنتقام ينتظرني، أريد قوتك الوحشية هذه.

مدَّتُ يدي إليها لنتصافح معلنين عن اتفاق جديد بيننا، وأتمنى ألا يكون الآخر.

- إيان : " لا تلوميني إذا كسرتُ عظامكِ من تدريباتي. "

مدتْ يدها لتصافحني، ارتفعت زوايا شفتيها، كانت ثقتها بنفسها تملؤها، اختفت آثار تلك الفتاة الضعيفة مع الرياح التي أتت إلينا.

- شيري : " عليك ألا تتراجع عن كلماتك إذا ما أذهلتك قوتي. "

وهكذا تم الاتفاق بيننا، سار كل شخص والصمت يخيم على الأجواء، كنتُ من يقود الطريق إلى المقر، كان الطريق طويلًا عن المعتاد وتعمدتُ ذلك، لم أسرع خطوتي بل كنت أمشى بهدوء، أحاول نسج خيوط المخططات التي يعج بها فكري، أحيك طرقًا لتدريبها وأهم شيء.

هو أنني وضعت قدمي على أولى خطوات انتقامي، لا تقلقي لن يطول الأمر وسأنتقم لكِ.

*********

في المقر

"جيرمي"

كنا أنا و "سام" نجلس على مقاعدنا في الغرقة الكبيرة، نفكر بقوة "شيري" التي أذهلتنا برؤيتها، ولماذا شخص مثلها صار من العبيد؟

كان الكرسي المقابل للطاولة من نصيبي، فقد جلست عليه، وأسندت رأسي على الطاولة، وجعلت رأسي مقابل لوجه "سام" الذي احتل الأريكة ليتمدد عليها.

كان كل ما يدور في عقلي هو أنهما قد تأخرا، عادةً لا يأخذ الطريق من الساحة إلى هنا كل هذا الوقت، إلا إذا هربت "شيري" وتم إمساكهم بتهمة الهروب حينها سنقع في ورطة كبيرة، إلهي لا أريد تخيل هذا!

لا، لن يحدث هذا، "إيان" يستطيع التصرف، لكنهما تأخرا، سحقًا لهذا الانتظار، كما أنني جائع و"رين" لم يذهب ليحضر لنا الطعام، تنهدت، ماذا علي فعله؟

- جيرمي : " ألا تعتقد أنهما تأخرا؟ "

- سام : " لا تقلق عليهما."

- جيرمي : " الأمر مخيف، مجرد التفكير بالأمر برمته يجعلني أقشعرّ، ذهب الوقود لإطفاء النار!"

ضحك على تعبيري، غريب أنا من يلقي النكات! هذا دوره هو ليس أنا! قام بخلع معطفه ووضعه جانبًا.

- سام : " أنا أعرف إيان، هو أنسب شخص لهذه المهمة، ولأتأكد من ذهابه هو قمت بتمثيل أنني من سيذهب، ولأنه لن يذهب إذا طُلِب منه ذلك، فحرصت على أن أجعله يذهب من تِلقاء نفسه.

كما أن إيان لديه جانب جيد من شخصيته الملتوية تلك، فلا تقلق على شيري. "

- جيرمي : " أعلم هذا، لحظة! أنت تلاعبت بإيان؟"

رفعت رأسي في تعجب مما جعله يضحك بصوت عالٍ، ثم أردفتُ:

"لكن شيري لمْ تكن على طبيعتها، ربما تحاول مضايقته، فقد كانت تريد أن تعرف كيف ضايقناه أنا ورين."

- سام بضحك: " أخبرتك لا تقلق. "

عدت ووضعت رأسي مجددًا على الطاولة.

- جيرمي: " لقد أذهلتني قوتها حقًا."

- سام : " إذا كانت قوية هكذا، كيف انتهى بها المطاف أسيرة لأكثر من مرة؟"

- جيرمي : " ربما لم يكن لديها أهلٌ فتم بيعها! "

ابتسم "سام" بحزن شديد ونظر للسقف، أربما ذكرته بذكرى حزينة؟

- سام : " ربما معكَ حق، لكن لماذا في كل مرة ينتهي بها الأمر إلى الإمساك بها؟ "

- جيرمي : " من الظاهر لي أنها تجهل كيفية الهروب."

صمت كلٌ منا لفترة، ثم تحدث "سام" بصوت حزين.

- سام : " جيرمي، ماذا ستفعل إذا ما جاءت شيري لقتل أحد منا؟"

لم أتحدث وفكرت في هذا السؤال، كان "إيان" يقول لنا قبل أن يحضرها، أنه سيحضر وحش، إذا ما حدث وحاول قتلنا فيجب علينا قتله، لم نصدق كلامه، لكنه على حق، بعد ما شاهدناه اليوم، تعطشها للدماء لهو أمرٌ مخيفٌ.

لقد ذهبنا إلى ساحة المعركة أكثر من مرة على مدار سنواتنا في المعسكر، لكننا كنا على حِدة، لم نذهب معًا من قبل، تعطشها للدماء ذلك يذكرني بفئة معينة من أعدائنا، نادرةٌ أيضًا، لكنها كانت سببًا في تدمير كل شيء تقريبًا.

أقتل شيري؟

مستحيل حتى الفكرة نفسها لا استطيع تخيلها، إذا حاولت قتلي سأتركها تقتلني على أن أقتلها أنا، فهي كما لو كانت ضالتي التي أبحث عنها منذ هروبي، أرجو ألا يحدث هذا من الأساس.

أرجو أن تكون بخير.

وهنا تم قطع تفكيرنا.

فُتح الباب ودخل "رين" ومعه زجاجة كبيرة، لم يغلق الباب خلفه، ألقى نظرة فاحصة في الغرفة، فلم يجد "شيري" و "إيان"، رفع حاجبه الأيسر في تساؤل.

- رين : " ألم يأتِ إيان بعد؟ "

- سام : " لا،

ما هذا الذي في يدك؟ "

- رين : " إنها زجاجة عصير من القائد، يقول أنها جاءته هدية من أحد القادة الرئيسيين في المعسكر الرئيسي، وبما أننا فوتنا فطورنا فهذه الزجاجة ستفي بالغرض. "

ألقيت نظرة على الزجاجة، فتعكر تفكيري وتشتت كل ما كنت أفكر به، هذه اللغة، هذه العلامة وهذا الاسم، رفعت رأسي من على الطاولة.

- جيرمي : " هذه الزجاجة، ليست من مملكتنا. "

اقترب مني ووضع تلك الزجاجة أمامي على الطاولة، لماذا يا "رين" ضعها في مكان آخر غير أمامي.

- رين : " أجل، قال القائد أن هذه الزجاجة أُخذت من الغنائم، إن هذا العصير مصنوع من فاكهة تسمى... ، أمم.. أعقد أنها تسمى التوت البري! "

ضحك "سام" على هذا الاسم العجيب.

- سام : " بري؟ هل هو فاكهة مفترسة؟ لماذا تذكرت شيري؟ "

أدرت بصري في الاتجاه الأخر، تعالى الغضب داخلي، لكني حاولت دحضه.

- جيرمي : " لا يا ذكي، إنه بري لأنه ينمو في البرية، وليست مزارع تحت تصرف البشر."

- رين : " أجل، كلامك منطقي.

لا يهم الكلام الآن لنفتحها ونشرب. "

أريد الهرب من هنا، لكن هذا كان من الماضي، تفاءل يا "جيرمي" أنت بين أصدقائك الآن، ولن تشكل علبة عصير فرق.

- جيرمي : " ألن تنتظر شيري وإيان؟ "

- رين : " أمم هما متأخران، سنترك لهما بعضًا منه في الزجاجة، أنا متشوق لتذوقه. "

- سام : " سأحضر بعض الأكواب. "

- رين : " حسنًا "

******

أمام المقر

"شيري"

لا أدري ما الذي حدث قبل قليل، لقد شعرت براحة تنساب داخلي، لم أعلم أنه بِبَوحي لهذه اللعنة لأحدٍ سأشعر بهذا التحسن! لكن لماذا لم أخبر أحد من قبل؟

أه تذكرت فأنا لم أملك أحد لأثق به، فيا لجمال السنوات التي قضيتها تحت الأرض في القبو أُعذب، وحتى لو قلت ذلك لأحد لا أظن أنه سيصدق كلامي، فأنا في نظرهم وحش على هيئة إنسان يتحرك.

أبعدت طيف تلك الأيام من التشكل في رأسي سريعًا، فلا أريد لهدوئي الذي أشعر به أن يتلوث بذكرى مثل تلك.

كنت أسير خلفه في صمت، وهو كذلك لم يتحدث في أي شيء، رغم أني أعرف الطريق إلى المقر، إلا أنه لا يتسم بهذا الطول، هل يتعمد سلك طريق طويل! لا تقل لي يريد مني أن أكون بخير! تبًا لك، يا لك من "مزعج"! تتصرف دائمًا بطريقة صحيحة لدرجة أنها تزعجني.

مرت الدقائق وها نحن أمام المقر، وها هو الإهمال على مرأى بصري إن بابه مفتوح.

اقتربنا من المقر، خطوتين أو ثلاث تفصلنا عن الباب، كان يتقدمني بتلك الخطوات، فرفعت عيني لأُلقي بصري داخل المقر، لكن ما إن شممت رائحة غريبة حتى تغيرت تعابيري للغضب والخوف، هذه الرائحة لا بدَ من أنها هي، طيف الذكريات يلوح لي من خلفهم، أيتعمد الظهور في وقتٍ أردت ألا أراه؟

ركضت بأقصى سرعتي لأدخل المقر، تخطيته فلم أسلم من نظرته المتفاجئة.

أتاهم صوتي بصراخ عالٍ من خلفهم، مما جعل ثلاثتهم يفزعون في مكانهم.

" لا تـــــــشـــــرب!"

وصوت تحطم أحد الأكواب.

********

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Athera - آثيرا

المؤلف Shizoka More
2025/10/19 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة