الفصل الرابع
رسالة ميت
"جيرمي"
فتحت الباب، وكانت المفاجأة كبيرة، فقد اتسعت عيني كثيرًا، ومن الصدمة لم أعرف بماذا أحرك شفتاي!
- جيرمي بدهشة : "شيري! "
شردت بمنظر "شيري"، وهي تقف أمام باب المقر، لقد اختلف مظهرها تمامًا، ها هي الآن أصبحت فارسة بشكل رسمي، كان زي الفارسات رائع عليها، كما أنه يليق بها كثيرًا، وما زاده جمالًا تطابق لونه الأحمر مع لون عينها الأحمر، حتى أن ملامح وجهها اختلفت الآن، كانت الثقة بنفسها تطغى عليها الآن.
اختفت كل آثار التعب والذل، ظهر وجهها مشرقا وشعرها مرتب، الآن فقط عرفت كم كانت بشرتها شاحبة، لم أدرك أن لها ملامح فتاة ناضجة، كيف نعتناها بالطفلة وهي تحمل مثل هذا الوجه الجميل؟
جاء صوت "سام" في دهشة من خلفي.
- سام : " شيري! ما الذي أتى بكِ لهنا؟ "
- رين : " أليس من المفترض أن تكوني مع كلارا ؟ "
أشرت لها بالدخول، وتنحيت عن مدخل الباب.
- جيرمي : " تفضلي بالدخول. "
دخلت وظلت صامتة والجميع يعلوا وجوههم الدهشة، بما فيهم أنا.
- جيرمي : " ما الذي حدث معك يا شيري ؟ "
- شيري : " أريد مساعدة أحدٍ منكم."
دُهش الجميع لسؤالها الغريب، هل هي من بدأت بالسؤال، ونحن من كنا نخطط ونحيك القصص؛ لنساعدها.
- جيرمي : " في ماذا؟ "
- شيري : " لقد قبلت رهان مع رأس الموزة."
تعجبت أنا و "رين" ونظر كلانا لـ "سام"، فقد ظننا أن "شيري" قبلت رهان معه، وجهت كلامي لـ "سام" وبدت عليه علامات التعجب.
- جيرمي : " متى قُمْتَ برهان معاها؟"
نظر إليّ "سام" ورفع حاجبيه، وأشار لنفسه بيده في ذهول.
- سام بتعجب : " أنا!"
- شيري : " ليس هذا، بل رأس الموزة الأخرى، مساعدة رأس الطحالب."
لم أدري عن ماذا تتحدث، لكن "سام" فكر لثوانٍ في هذا اللقب، وكأنه سمعه من قبل.
- سام : " رأس الطحالب.. الطبيبة لوريا!"
- رين : " أتقصدين ليزا ؟ "
- شيري : " أجل."
- سام : " إذن أصبحنا إثنين. " ثم ضحك.
- جيرمي : " عن أي شيء هذا الرهان ؟ "
- شيري : " إذا لم أعثر على مطعم المعسكر في خلال ثلاثين دقيقة ستخبر القائد بنقلي إلى فرقة أكثر إزعاج منكم."
- رين : " وأنت قبلتي الرهان؟ "
- شيري : " أجل."
- رين : " وماذا ستفعل إن خسرتي؟ "
- شيري : " ستتطفل على شؤوني."
- جيرمي : " منذ متى بدأ الوقت؟ "
- شيري : " منذ حوالي عشر دقائق."
- سام : " وهل وصلتي لهنا في طريق بحثك بالصدفة؟ أم سألتي أحد الفرسان؟ "
- شيري : " لا، للسؤالين."
اتسعت عيني من إجابتها، ورفعت كلتا حاجبي.
- جيرمي : " هل حفظتي الطريق إلى هنا!"
- شيري : " أجل. "
- سام باندهاش : " من مرة واحدة! "
شبكت يديها بانزعاج.
شيري " وماذا في ذلك؟ "
ابتسم "رين" ونظر لـ "شيري" ليخفي اندهاشنا من مقدرة حفظها السريعة.
- رين : " لا شيء، إذا أنت هنا لطلب المساعدة منا في هذا الرهان؟"
- شيري : " أجل."
تتدخل "إيان" الذي ظل يستمع إلينا في صمت، واعتلت نظرة عليه وكأنه انتصر في شيء ما، برق ضوء انتصار في حدقتيه السماويتان، وكأن النجوم قرعت أجراسها لتظهر في فضاء عينه.
- إيان : " سنوافق، لكن على شرط واحد. "
- سام : " لا دخل لك في هذا، إيان."
كان يحاول "سام" إيقافه حتى لا يحدث ما حدث مجددًا، لكن "شيري" كانت تنظر له، وتريد أن تعرف ما سيقول، لسبب ما فكرت أن نظراتهما لبعض وكأنها حديث بالأعين ونحن تم استقصاؤنا عنهم.
- شيري : " ما هو شرطك ؟"
- إيان : " لمدة أسبوع."
ثم رفع معصمه وأشار بسبابته، وأكمل
" سبعة أسئلة ،سنسألك في كل يوم سبعة أسئلة، وعليك الإجابة."
علت ملامحها الغضب، ورفعت حاجبها الأيمن إعلان عن غضبها الشديد، وبالتأكيد ضمت يديها.
- شيري : " أتمزح معي! "
- إيان : " يمكنك الرفض إذا رغبتي، لكن ليزا أكثر إزعاج مني، فهي ثرثارة أكثر من اللازم، ولعلك تصدقين كلامي، فحقيقة أنك قبلتي الرهان خير دليل على أنك لا تودين منها الحديث معك.
ألست على حق؟"
أعجبتني فكرة "إيان"، فربما تتقرب "شيري" لنا، ومن ناحيتها كانت تنظر بإتجاه "إيان" في غضب، بدت تلك الأعين الحمراء وكأنها حمم بركانية تغلي في غضب، في الحقيقة راودتني رغبة في الضحك عليها، لكن لا يليق هذا بشخصيتي.
- جيرمي : "عرض جميل شيري، لا تقلقي لن تكون الأسئلة صعبة."
- شيري : "وماذا إن لم أرد الإجابة على السؤال؟"
- إيان : " يمكنك سؤالنا سؤال بدل عنه."
- شيري : "وما دخلي بكم، لا أريد معرفة شيء عنكم. "
- إيان : " وما أدراك بالزمن، ربما ستشعرين بالفضول اتجاهنا في وقت ما، من يدري؟"
- شيري : " مستحيل أن يحدث ذلك."
أشار "إيان" بيده على ساعة الجيب الموضوعة على الطاولة، والتي تخص "رين".
- إيان : " الوقت يمضي، اتخذي قرارك بسرعة. "
- جيرمي : " يمكنك الموافقة شيري، على الأقل نحن أعضاء فرقة واحدة. "
- شيري : " ما الفائدة من سؤالي، لماذا تستميتون لمعرفة من أكون ؟ "
- سام : " لأننا أصدقاء."
- شيري : " مقرف. "
- رين : " في الحقيقة إنه الواقع لذا تقبليه. "
أنزلت "شيري" يديها، وفكرت في عرض "إيان"، لحسن الحظ أستطيع قراءة تعبيرات وجهها، فعيناها لا تكذب، وربما هذا ما كانت تفكر فيه.
( إن "إيان" على حق في أن "ليزا" أكثر إزعاج منه، لكننا مزعجون أيضًا، لذا سأختار من هم أقل ضرر منها.)
لكنها بالتأكيد لا تقول سوى ألقابنا الغريبة التي اخترعتها لنا، ولحسن حظى جاءت إجابتها مثلما خمنت تمامًا.
- شيري : " حسنًا، موافقة. "
ابتسم "إيان" وخرج من الغرفة دون أن ينطق بكلمة واحدة، نظر "سام" بتلهف لـ "شيري" .
- سام : " هيا بنا إلى المطعم بسرعة " وهَمَّ مسرعًا للخروج.
- شيري : " لا. "
- سام بتعجب : " لا!"
- شيري : " لا أريد منك القدوم."
- سام ببكاء مصطنع : " لماذا؟ "
- رين : " من منا تريدين أن يأتي معك؟ "
أشارت بإصبعها إلى "رين" .
- شيري : " أنت."
- رين : " حسنًا، هيا بنا."
عبس "سام" لاختيار "رين" وليس هو، فاستدار وجلس مجددًا على مقعده، ثم نظر لـ "رين" .
- سام : " يا لك من محظوظ."
********
"رين"
خرجنا متجهين إلى المطعم، كنت أسبق "شيري" ببضع خطوات، وكنا نسير صامتين، كنت بين الحين والآخر ألقي بنظري عليها؛ لأرى ما الذي يشغلها، فوجدتها تنظر حولها بتمعن شديد، فأدركت أنها تحاول حفظ الطريق.
لم أكن أتخيل أن من تقف خلفي هي نفسها الفتاة التي رأيتها صباحًا، نظرتها عينها، شعرها، مظهرها اختلف تماما، لم تعد تعطي تلك الهالة الغير مستقرة، أو بتعبير أدق لم تعد نفس الفتاة من الصباح، كانت خطواتها بطيئة نوعا ما، وسأرجح ذلك لارتدائها الحذاء، إلا أنها الآن تعطى هالة قوية، رغم أنني حاولت الإسراع من وتيرة سيري إلا أنها استطاعت مواكبتي بمشيتها العرجاء، كما أن عينها تجول وتصول بين الأشجار لتمعن في تفاصيل الطريق المؤدي للمطعم، ربما ندمت على طلب مساعدتنا، لذا تحاول الإعتماد على نفسها.
مطعم المعسكر هو بناء كبير يتوسط مساحة المعسكر، ويحتوي أيضًا على مخزن الطعام، فنحن نتناول وجبتين في اليوم، وجبة بعد التدريبات الصباحية، ووجبة في منتصف اليوم، وموعد الوجبة الثانية مفتوح إلى غروب الشمس، لذا لم تكن الشمس قد غربت، ففكرت بإحضار طعام الباقي معي، لا يسمح لشخص بأخذ وجبة لأحد، لكني أملك تصريحًا من القائد بهذا، لأن أعضاء فرقتي غريبي الأطوار لا يتواجدون كثيرًا خارج مقرنا.
وصلنا إلى هناك في حوالي عشر دقائق تقريبا أو ربما أقل، لأنه لا يبعد كثيرًا عن مقرنا.
- رين : " وصلنا في الوقت المناسب، هيا بنا لنذهب، ونأكل، سأرشدك كي تتعلمي كيفية إحضار الطعام، وهناك تلك المقاعد يمكنك أخذ طعامك وتناوله هناك، كما يمكنك أخذه وتناوله في المقر أو المسكن، لكن يشترط عدم رمي المخلفات في أي مكان سوى مكانها المخصص. "
بينما كنت أشرح لها القواعد الخاصة هنا، جاء صوت من بعيد.
-... :" شــيــري."
ما إن سمعت "شيري" الصوت حتى بدت ملامح الانزعاج عليها، فلم تلتفت إلى صاحب الصوت، التفت قليلًا لتواجه صاحب الصوت بظهرها. فتحت شفتها لتقول شيء بصوت منزعج.
- شيري : " تلك الثرثارة من جديد. "
ابتسمت لرؤيتها بهذا الشكل المنزعج، فقد تحدثت رغمًا عنها، ربما هذا ما كانت تفكر فيه، وقالته بشكل عفوي، الآن فقط تحطم بداخل رأسي المنطق، كيف لهذه الفتاة أن تكون بقوة وحش كما يقول هنا الناس؟
أن تنزعج من تصرف طفولي مثل تصرف "ليزا" ؟
كيف لشخص بهذا الهدوء أن يستطيع تحمل حبل الإعدام حول رقبته، ويقف بيننا هكذا؟
صدقا لا أدرى أين المنطق في هذه المتضادات؟
ليس وقت أسئلة منطقية الآن.
أتت "ليزا" مسرعة نحونا، ونظرت لنا باندهاش، وخاصة لي.
- ليزا : " رين؟ ماذا الذي تفعله مع شيري؟ "
- رين : " جئت لآكل. "
- ليزا : " ولماذا الآن؟
شيري هل غششتي ؟"
- شيري : " وما دخلك، لقد وصلت في الوقت المحدد، لذا اغربي عن وجهي."
عقدت "ليزا" حاجبيها، التفت "شيري" ببطء وهي تواجه "ليزا" وجه لوجه، وكأنها شخص قد صدأت عضلاته فتحرك في شكل متقطع.
- ليزا : " هذا غش، والرهان باطل هكذا."
أردت إنقاذ "شيري" من مأزق "ليزا" ذاك، ففي الحقيقة أنا أنقذ نفسي أيضًا، فإن خسرت شيري الرهان فسنجد كل يوم "ليزا" في المقر لدينا، ونحن لا نحب التطفل، كما أنها تعتبر "آلن" كأخ لها، وستمطرنا بوابل أسئلة لا حصر لها عنه، و"آلن" لم يعد معنا، لذلك سأخلصها من هذا، ويجب عليها أن تتذكر هذا الجميل.
- رين : " أنت لم تحددي طريقة وصولها لهنا، لذا هي على حق، والآن لا تتدخلي في شؤونها مجددًا. "
- ليزا : " هاه، هذا ليس عدلًا."
في هذه اللحظة كانت "شيري" قد استدارت بشكل كامل، ووقفت وجها لوجه لها، رمقتها بنظرة خبيثة، وضحكت ورفعت رأسها.
- شيري : " أمازلتي هنا؟ "
- ليزا : " يا لك من لئيمة."
استدارت "ليزا" وقد عبس وجهها، ثم قالت بصوت خافت.
- ليزا : " وتقولين عنهم مزعجين، انظري من ساعدكِ ."
لم تسمع "شيري" ما قالته جيدًا، لكني سمعت ما قالته "ليزا".
- شيري " ماذا تقولين؟ "
- رين بضحك : " لا تشغلي بالكِ بها، وهيا لنأكل فمعدتك قد تقتلك الآن، سأخذ طعام الباقين فهم كسالى ولا يريدون النهوض. "
شعرت "شيري" بخجل، ولم تتكلم، أحضرت الطعام لكلانا وللباقي أيضًا، وبعد أن أنهينا طعامنا ودعتها، ثم ذهبت في طريقها إلى مسكن الفارسات، وذهبت أنا في طريقي للمقر.
*******
في غرفة المقر
"إيان"
كنا نحن الأربعة نجلس حول الطاولة الموجودة في الغرفة الكبيرة وأمام كل واحد منا، مجموعة من الأوراق نقوم بفحصها، وأخرى نكتب عليها، في العادة لا يسمح للفرسان منخفضي الرتب أن يتولوا مهام إدارية، لكن القائد هينري يرى فينا أننا نصلح لهذا العمل، ولأنه عمل غير شرعي، فلا يجوز أن يكشف الأمر وأن يصل إلى أذان المعسكر أو للكتائب الأخرى، لذا كان هذا أحد أسباب عزلنا عن الباقين.
كنا جميعًا نركز في ما نفعل، لكن كالعادة قرر "سام" قطع هذا الصمت، ربما سأعطيه جائزة لاختياره الوقت غير المناسب للحديث دائمًا.
ألقى القلم من يده فسقط على الطاولة، محدثا صوت مزعجًا، لكنه مازال يمسك الورق بيده الأخرى.
- سام : " خطوة رائعة أليس كذلك، لقد طلبت مِنا المساعدة."
- جيرمي : " ذاكرتها على الحفظ رائعة، من مرة واحدة استطاعت الوصول لهنا. "
أجابه دون أن يرفع نظره إليه، بينما نظر "رين" إلى "سام" بنظرة ساخرة.
- رين : " تمامًا مثلك يا سام، فأنت تحفظ من المرة الأولى ولكن بجانب الواحد العديد من الأصفار."
هنا ألقى "سام" الورق الذي في يده على الطاولة بقوة، ونظر لـ "رين" بغضب، أما أنا و "جيرمي" فقد ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتانا.
- سام : " ها! ماذا دهاك الآن؟ لأنك لم تعد الصغير هنا تجرأت على التكلم على من هم أكبر منك."
- تنهد جيرمي : "هاه، غدًا يوم حافل بالتأكيد لنا جميعًا " ووضع يده على رأسه.
- رين : " لماذا اخترت هذا الرهان ، إيان ؟ "
- إيان : " لن نستطيع السيطرة عليها ما لم نعرف ما هي الظروف التي نشأت فيها. "
- رين : " وهل تعتقد أنها ستجيب بصدق ؟ "
- إيان : " إنها لا تجيد إخفاء كذبها، لذلك سنعرف ما إن كذبت أم لا "
حقيقةً كونها صادقة أمر جيد للغاية، فهذا دليل على أنها لم تتلوث من ضغائن الحياة، أو لم تترك هي لها أى سبيل؛ ليتسلل لقلبها، فعمدت إظهار شخصية تلك الفتاة التي لا تهاب شيء، حتى تحمي ضعفها، وطبيعتها، والأكيد أنها لا تدرك ذلك، هذا هو خيط النجاة الذي أحاول ملامسته.
- جيرمي : " وكيف سترتب الأسئلة ومن سيسأل؟ "
- إيان : " إنهم سبعة أيام وتسعة وأربعون سؤالًا، ونحن أربعة أشخاص ، لكل واحد فيكم اثنا عشر سؤالًا وأنا ثلاثة عشر سؤالًا."
اعترض "سام" على كلام.
- سام : " لماذا أنت أكثر منا؟"
- إيان : " لأني أكثر شخص مزعج بالنسبة لها، لذلك ستكون حذرة في الإجابة معي. "
عقد "سام" يديه، وأبعد مقعده عن الطاولة.
- سام : " إذا كيف ستسأل يا ذكي؟ "
- إيان : " سأكون أنا أول من يسألها غدًا، وستكون أسئلتي عشوائية وطبيعية."
- رين : " مثل ماذا؟"
- إيان : " لونها المفضل، طعامها المفضل، ما هى الأسلحة التي تفضلها، أشياء من هذا القبيل."
أنزل جيرمي نظارته التي كان يرتديها.
- جيرمي : " فهمت غايتك، تود منها أن تشعر بأننا لسنا مهتمين بتفاصيل حياتها، وإنما نريد منها التحدث معنا فقط."
- إيان : " أجل، وعندما نبدأ في التفاصيل، ستغير السؤال بسؤال آخر إلينا."
- رين : " هل تود أن تعرف من خلال ردود أفعالها الإجابة ؟"
- إيان : " بالتأكيد، فهي لا تعلم أن العين تتكلم قبل الفم، كما أنها لا تستطيع الكذب."
كنت أعلم حق اليقين أن هذه الطريقة ستطرح لنا ثمارها، بالإضافة إلى أن "شيري" سهلة القراءة وباردة، فهذا سيعطينا مجالات أكثر في معرفة حقيقتها.
تغيرت تعابير وجه "سام" كثيرًا، بدت عليه ملامح الجد والحزن، ولسبب ما عرفت بماذا يفكر، رغم كل تلك التفاهات التي يعيشها ويقوم بها، إلا أني أعترف أنه يمتلك قلبا كبيرًا ورحميًا، ويحب الخير للغير.
- سام : " إيان. "
- إيان : " ماذا؟ "
- سام : " هل حقًا تود أخذ هذه الفتاة معنا لساحة المعركة ؟"
عم الصمت المكان، ونظر كل واحد منا إلى الأوراق المتناثرة أمامه، سؤاله ضرب الوتر الحساس لنا، فقد تعاهدنا أن نأخذ انتقامنا وحدنا، لكننا لا نكفي، لذلك كان يجب أن نجد الشخص المناسب، لقد بحثت كتيرًا، وهي من استوفت تلك الشروط، أعلم أنني ربما أظلمها بذلك، لكنها كانت ستعدم، فهذا موت بشرف بدلًا من أن يكون موتها هباءًا بلا أى دفاع.
- جيرمي : " أعتقد أنه مازال مبكرًا عليها الذهاب، ربما كانت قاتلة، لكن ساحة المعركة لا ترحم. "
- إيان : " لذلك علينا التعجل في ذلك، لقد انتظرت طويل، لن أنتظر أكثر من ذلك. "
- سام : " كما تشاء."
- إيان : " لنناقش موضوع الأسئلة غدًا، جيرمي عليك بشرح التدريبات لها.
سام عليك بشرح نظام المملكة.
رين أنت المسؤول عن تعاملها مع الجنود الأخرين، لا أريد أخطاء. "
- جيرمي : " حسنًا."
- رين : " حسنًا."
- سام : " حسنًا. "
*******
في مقر القيادة ..
"هينري"
كنت أجلس على مقعدي أمام مكتبي، وكنت غاضبًا للغاية، وكان سبب غضبي هو تلك الرسالة الموضوعة على مكتبي، وعلى غلافها ختم ملكي، اللعنة، لم أعد أشعر بأى شعور سوى الغضب والحنق عندما تسقط عيني على شعار العائلة المالكة، ذلك الحيوان الجميل الذي يرمز للعائلة المالكة، حيوان النسر، قد تلطخ سجلك الحافل بالإنجاز بتلك الترهات التي تشغل أذهان حكام هذا العصر.
كان يقف بجانبي مساعدي "جون" .
- هينري : " سحقًا لذلك، لماذا الإمدادات قليلة مجددًا. "
- جون : " وماذا عساك أن تفعل لذلك. "
- هينري : " صحيح أننا أقل كتيبة، لكن ليس لهذا الحد، إن الإمدادات تكفي لألف شخص، ونحن ألفين، أتعي ما أقول؟
غير أن الأمور تأتي لنا بأن نرسل رحلات استطلاعية دورية، ونادر ما نرسلهم بخيول."
- جون : " أجل أتفهم ذلك، لكن لأننا نعتبر كتيبة الطوارئ فقط. "
- هينري : " إن هذا ليس عدلًا، يموت منا فرسان أيضًا، لكل شخص منهم حياة وأحلام وطموحات، لما يعاملون كالآثاث، سحقًا لهذا النظام اللعين. "
ضربت بيدي على مكتبي بقوة، لربما يخفف من غضبي، لكن بلا أي فائدة، أبعدت الكرسي الذي أجلس عليه عن مكتبي.
- جون : " لا أدرى لكن أتعلم أيها القائد. "
- هينري : " ماذا ؟ "
- جون : " أنت لا تناسب قائد كتيبة حقًا، أنت لا تتناسب مع هذه الوظيفة. "
هدأت نسبيًا، ولم أعد منفعلًا كما كنت، ثم نظرت إلى الفراغ الذي أمامي، وأغمضت عيني بعد أن أسندت رأسي على ظهر الكرسي.
- هينري : " لست أول من أسمع منه هذه الجملة، لكن هل تظن أني سأسعى لوظيفة كهذه؟"
- جون : " لا أظن ذلك. "
- هينري : " ولا أنا أظن ذلك. "
- جون : " إذًا كيف انتهي بك المطاف هنا؟ "
- هينري : " مثل ما انتهي بك. "
- جون : " لا ، أنا أقصد .. "
رفعت رأسي وأمسكت بعض الأوراق التى وقعت عليها من على المكتب، وأعطيتها بقوة لـ "جون" .
- هينري : " خذ هذه الأوراق وأعطها للفرق العشرين ذات الخمس أفراد ."
- جون : " عُلم. "
خرج "جون" من الغرفة ومعه الأوراق، وأغلق باب الغرفة خلفه، وتركني وحيدًا أفكر في هذه المصائب التي تتوالى عليّ من كل حدب وصوب.
وقفت ثم ذهبت إلى جانب الغرفة والذي يحتوى على بعض الصناديق، أخذت كرسيًا صغيرًا، وجلست عليه بجانب الصناديق، وهممت بفتح أحد الصناديق، والتي تحتوي على مجموعة من الرسائل.
أخذت منها رسالة وفتحتها وبدأت بقراءتها.
" اسمي جاك.
وعمري اثنان وثلاثون عامًا.
ربما تكون هذه هي رسالتي الأخيرة، فقد نجوت من الموت عدة مرات بأعجوبة.
لا أعلم لماذا نكتب رسائل قبل ذهابنا للحرب كل مرة، لكن هذه هي القواعد هنا.
لقد سألت القائد عنها وقال لي أننا نكتب هذه الرسائل ونكتب عناوين ذاوينا، لأنه عند موتنا تُرسل هذه الرسائل إليهم.
أرى أن هذا سبب لا يستحق الكتابة، فمن سيتحمل عناء قراءة رسالة أحد قد مات فعلًا، لكنه القانون وسأكتب.
والحقيقة أنني لا أملك أهلًا لأكتب إليهم، كان لي أخت صغيرة أرعاها، لكنها توفيت بمرض لا أدري ما هو.
لذلك سأكتب إلى أي أحد سيقرأ هذه الرسالة - مع أنني أشك أن أحدًا سيفتحها - مرحبا بمن يقرأ هذه الرسالة، هنيئًا لك على بقائك على قيد الحياة، أنا لا أحسدك لأنك حي وأنا ميت الآن، أنا فقط أريد أن أخبرك أن الموت مؤلم كما الحياة مؤلمة، لذلك ابتسم الآن، ففي يومًا ستكون رسالتك تُقرأ مثل رسالتي.
سنموت جميعًا وسَنُنسَى، سنكون بعض أسماء تُمحَى من القائمة، وبعض أوراق تُلقى في الحاوية، ابتسم فأنت مازلت جسد يتحرك.
ربما تَلتقي بأشخاص جيدين في حياتك، حافظ على علاقتك بهم فقد يتذكروك بعد موتك.
هناك طلب لي، إذا كنت تستطيع الذهاب يومًا لجيش فرسان العنقاء، فأرجو منك الذهاب إلى الكتيبة العاشرة، أود منك أن ترسل تحياتي إلى القائد هينري، فقد كان خير قائد وداعم لنا، أعلم أنني أخبرك بأن تتمسك بمن حولك وها أنا أخبرك بأن ترسل سلامي لشخص ما، لكن القائد هينري حقًا كان شخصًا طيبًا، ولم أستطع أن أتقرب منه، هو لم يفشل أبدًا في دعم فرسانه، لا أدري كيف انتهى المطاف به هنا.
يا إلهى يبدو أنني أطلت الحديث، فهذه آخر كلماتي رُغم كل شيء.
أود أن أشكرك لأنك تحملت عناء قراءة رسالة شخص قد مات بالفعل.
شكرا لك على وقتك، فقد تذكرني أحد ما الآن ."
ما إن انتهيت من قراءة هذه الرسالة حتى إغرورقت مقلتاي بالدموع، واحتضنت الرسالة بقوة.
- هينري : " أنا أسف.
حقًا أنا أسف.
لم أستطع حمايتك من الموت، سامحني أرجوك."
كنت دائمًا أرى أنني السبب في موت الفرسان؛ لأني لم أكن مسؤول جيدًا بما يكفي عنهم، فربما كانت هناك طريقة لنجاتهم، أو ربما هناك تدريب معين يساعدهم على التكيف في هذه الحياة القاسية.
ولأني أرى أنني مقصرٌ دائمًا معهم، كنت آخذ الرسائل وأقرأها كلها؛ لأتذكر من ماتوا، هكذا كنت أقضي وقت الليل في مكتبي، بين بقايا الأموات، لأسمع آخر كلماتهم، وأشيع ذكرى الراحلين.
*******
Shizoka More