سوار مكسور

سوار مكسور

22 0

"جيرمي"

في طريقنا لمسكن الفتيات، لم يكن طويلًا بل ربما يستغرق عشر دقائق سيرًا على الأقدام، كان مقرنا يقع في أطراف المعسكر، لذا يكون تواجد الفرسان حولنا قليلًا، مقارنة بباقي الفرق، لم تنطق "شيري" بكلمة واحدة، ولم أكن أستطيع قطع هذا الصمت، فقد كانت تبدو شاردة البال تمامًا، وكأنها تفكر في شئ أثار ألمها، فقد ارتسمت ملامح الحزن عليها، ربما أثار حديثها مع "إيان" بعض الندوب داخلها.

كنت ما بين الحين والآخر أنظر لمعصمها الذي يحتوي على سوار من حديد، وهو السوار الذي يدل على العبودية، قد صمم هذا السوار بتصميم معقدٍ بعض الشئ، فهو لا يفتح إلا بطريقة معينة، حيث يتم الضغط على نقش العبودية الذي عليه بنمط معين بكلتا أصابع اليدين، لذلك لا يستطيع العبد تحرير نفسه، كما أنه بدون مفتاح، فإذا وضع على اليد لا يُفتح إلا بتلك الطريقة.

بالإضافة إلى ملابسها البالية، كان ثوب يصل إلى أسفل ركبتها ببعض السنتيمترات، لا أدري ما كان لونه الحقيقي لكنه صبغ بلون بني مهترء، وذلك القميص البالي الذي تتدلى أكمامه القصيرة من تحت الثوب، يبدو أنها ارتدته لمدة طويلة، كما أنها لا ترتدي حذاء في قدمها، وقد امتلأت بالخدوش والجراح وأسالت دم، لفت فقط ببعض قطع القماش البالي، إنها لا تبدى أى آلم.

أهي لا تشعر؟ أم تتظاهر بالقوة؟

لا يسعني سوى الحزن والشفقة عليها.

كانت هناك درجات في مكانة العبيد، رغم أن في جميع الأحوال هم أشخاص مسلوبي الكرامة والإرادة، إلا أن هناك من ربما يحالفه الحظ ويشتريه شخص صالح ويعطف عليه وربما يعطيه أدنى حقوق الإنسان المطلوبة، وهكذا يكون من الطبقة العليا للعبيد، فذاك يعطي ملابس جيدة وطعام جيد وربما ينام في سرير من قش، وهذه كلها أشياء لا تأتي في عمر العبد سوى مرة.

وهناك الأغلبية التي تسود على الباقي، وهي فئة العبيد الدنيا التي تُحرم حتى من حقوق الكلام فلا يسمح لها التعبير عن ما تريد حتى ليس رأيها فقط بل متطلباتها الشخصية، بالإضافة إلى أنه لا يجوز لهم ارتداء ثياب جيدة سواء أكنا صيفًا أو شتاءً، كما أنه لا يجوز ارتداء حذاء، فارتداء الحذاء في ناظري المالك يعد تعديًا على سلطته.

وبعد دقائق قررت قطع هذا الصمت المميت، فلم يعجبني ترك "شيري" غارقة هكذا في تفكيرها، لا أريد أن أراها هكذا.

- جيرمي : " شيري! "

- شيري : " ماذا تريد ؟"

- جيرمي : " لماذا لم تقومي بخلع هذا السوار، أنتِ لم تعودي من العبيد بعد الآن. "

نظرت "شيري" للسوار حوار معصمها، وأرسلت نظرة مليئة بالذكريات الأليمة والحزينة، وربما تذكرت أنها ترتديه من زمن بعيد، ذلك السوار الذي دائمًا ما يجلب المشاكل لمن يرتديه، لكنها كانت في وضع مختلف، فقد جلب لها اسمها أيضًا العديد من المشاكل، أطالت النظر فيه بملامح ضيق، ولم تجب على سؤالي.

- جيرمي " إذا هل يمكنني أن أفتحه لك؟ "

أومأت "شيري" موافقة، ثم رفعت يديها لي، فأمسكته بكلتا يدي وبسرعة استطعت رسم النمط بالضعط على الوشم، وما إن إنتهيت حتى بدأ يتشقق السوار ويتكسر ويترك يدها أخيرًا بعد سنوات، وها هو الذي كان يجلب لها المشاكل مجرد قطع حديدية على الأرض.

نحن هكذا، عندما نمر بمحنة صعبة للغاية، نظن أنها هي النهاية، لكن الحقيقة تكون أنها مثل غيرها، فنمر بالصعب، وبعدها الأصعب، ثم نرتاح، ونرى ما كان يؤرقنا من قبل فنضحك على سخافتنا وقتها، لكن الحقيقة أنها لا تكون سخافة، فنحن نكون منهارين وفي أمس الحاجة للمساعدة .

دهشت "شيري" من مقدرتي على كسر السوار، ولكن الحقيقة أن السوار لم يكن قويًا إلى درجة تجعل من المستحيل كسره.

أنزلت يدها، وظلت تحدق في يدها الخالية من سوار العبودية، الآن فقط بدأت تشعر باختلاف بين حياة العبودية، وحياة المعسكر، شعرت بأن "شيري" شعرت بارتياح بإزالة السوار، فأسعدني هذا كثيرًا، ربما لأنها ابتسمت ابتسامة صغير.

أريد أن أعرف المزيد عن هذه الفتاة، من هي؟

ولماذا وصلت بها الحال إلى هنا؟

- جيرمي : " كم عمركِ ؟ "

- شيري : " لماذا تريد أن تعرف ؟ "

- جيرمي : " أنا المسؤول عن البيانات الشخصية للأعضاء، لذلك يجب أعرف كل شئ عنكِ. "

- شيري : " ثماني عشرة عامًا."

- جيرمي : " أين ولُدتي ؟ "

صمتت لبرهة، فيبدو أن أكثر ما تمقته هو تذكيرها بماضيها، يبدو أن هذا ليس شئ جديد، فالقصص المتداولة عنها تحكي فترة العبودية فقط، فهل ولدت هكذا؟ أم أنه حدث شئ آخر.

- شيري : " لا أذكر. "

- جيرمي : " إذا هل تعرفين يوم ميلادكِ ؟ "

- شيري : " لا أذكر."

- جيرمي : " ألا تتذكرين أي معلومات عن طفولتك ؟"

- شيري : " لا أذكر شئ. "

كانت إجابات "شيري" غير مبالية، ومتكررة، إلا أنها كانت تكذب بالتأكيد، فهي لا تستطيع إخفاء كذبها، فالكذب ظاهر عليها، إذ أنها تنظر بعيدًا وتحاول الإبتعاد عن السؤال، إحساسي يقول لي أن هذه المحادثة بلا فائدة لذا قررت الصمت، لكن الخلاص جاءني، فقد وصلنا للمسكن.

- جيرمي : " انظري ها قد وصلنا. "

- شيري : " يبدو قديمًا! "

ألقت "شيري" نظرة على المبنى، والذي يبدو وكأنه كان قلعة أو حصن فيما مضى، يتكون من أكثر من طابق، وبه بوابة واحدة ضخمة في المنتصف، والعديد من النوافذ والتي ربما كانت تستخدم للمراقبة.

- جيرمي : " أجل، فأغلب الأماكن هنا كانت قِلاعًا وحصونًا في الماضي.

لكنها قوية ومتينة، لذلك لا تقلقي إن واجهت أي دخيلٍ، فمن الصعب دخول أحدٍ هنا لأن مكان هذه المسكن في منتصف المعسكر. "

نظرت إلي بنظرتها الباردة المعتادة، أو لنقل التي اعتدتها أنا.

- شيري : " أنا لا أخاف أحدًا."

- جيرمي : " بالتأكيد هناك شئ تخافين منه، فلكل إنسان مهما بلغت قوته ومتانتة لديه مخاوف، تختلف باختلاف شخصيته.

و لأنك قوية، عادة ما تحاولين التخلص من هذا الشعور، أو تحاولين أن تتناسي شعور الخوف، لذلك يُخيل لك أنك لا تخافين، إلا أن هذا خاطئ، اعترفي بمخاوفك وحاولي مواجهتها، وإلا ستتفاقم عليك وتصبح وحشًا يطاردك ويريد الإنتقام منك."

صمت "شيري" ولم تجب، و أشاحت بنظرها بعيد عني، فتأكدت أن ما قلته كان صحيح، إلا أنني ظننت أن كلامي قد أذى "شيري"، نظرت لها ووضعت يدي على رأسها، وتحدثت معها بلطف، وصوت هادئ .

- جيرمي : " ليس عيبًا أن نخاف لأننا في النهاية بشر، ونحن مخلوقات حية، وللمخلوقات الحية مهما اختلفت أشكالها وأحجامها مخاوف، فربما من مخاوفكِ تكمن نقطة قوتك، فلا تحاولي إجهاد نفسك بأخذ شخصية ليست لك، كوني على طبيعتك فحسب. "

أومأت "شيري" برأسها موافقة على كلامي، كما أنها لم تزل يدي، انتابتي إحساس وكأنه إحساسها، وكأن يدي كانت أول يد توضع على رأسها لتُربِت عليها منذ أعوام كثيرة، لا أدري لماذا شعرت بهذا لكني أنزلت يدي بهدوء.

لمحت فتاة جالسة على مقعد خشبي في الاتجاه الذي نقصده، فتاة طويلة القامة و يبدو عليها أنها قوية للغاية، فقد برزت عضلات ذراعها الكبيرة، بشعر أحمر قصير و بغُرة طويلة تغطي عينها اليمنى، وبعين خضراء، لا يظهر على ملامحها سوى الجد والغضب .

- جيرمي : " أوه إنها كلارا!"

- شيري : " ومن هذه ؟ "

- جيرمي : " إنها المسؤولة عن هذا المسكن، ربما تستطيعين التواصل معها، لأنها حادة الطبع وقوية للغاية، إنها فارسة مثلنا، لكنها أقوى فتاة هنا، لذلك حازت بامتياز وهو الإشراف على مسكن الفارسات. "

اتجهت إليها وخلفي كانت تسير "شيري" بخطوات مماثلة لسرعتي، كانت "كلارا" تقوم بشحذ منجلها الضخم الذي عرفت به، فكانت ذات بنية جسدية صخمة، وذلك المنجل الأخضر الضخم الذي لم يفارقها، كل ذلك أعطها لقب الغدارة، للتصحيح هي غدارة لأنها تغدر بالأعداء وليس الأصدقاء.

تقدمت في الخطوات وقفت أمهامها.

- جيرمي : " كلارا ، مرحبًا."

- كلارا : " أراك تتسكع يا هذا، آنهيت تدريبك اليومي ؟"

نظرت لـ "كلارا"، وابتسمت وتعمدت مضايقتها، فهي سهلة الإغضاب، كما أنها تثور بشكل مضحك.

- جيرمي : " اليوم إجازة."

نظرت لي "كلارا" ، والتي رفعت حاجبها الأيسر بانزعاج، وألقت الحجر الذي كانت تشحذ به منجلها الضخم على الأرض.

- كلارا : " لماذا إجازة؟ هل أنت مريض؟ أنت لم تمت بعد؛ لذلك عليك التدرب وإلا أخذتك للتدريب تحت أوامري."

أدرت رأسي ونظرت لـ "شيري" وأشرت بيدي بإتجاه "كلارا".

- جيرمي : " هذا ما كنت أقصده، شيري. "

- كلارا : " شيري؟؟ "

- جيرمي : " أنا لم أتي هنا للعلب، أتيت لأحضر شيري، وهذه هي عضوتنا الآخيرة، ستمكث هنا، فأعطها زى الفرسان الخاص بها. "

- كلارا باستنكار : " هذه الطفلة ! "

- جيرمي : " إنها ليست طفلة، لذا توخى الحذر من كلماتك. "

توجه نظر "كلارا" لـ "شيري"، وقالت بحزم شديد وهي تمسك بمنجلها الثقيل، والذي من مهارتها في التعامل معه يخيل للناظر له أنه خفيف جدًا.

- كلارا : " يا فتاه، نحن هنا آخر محطة لكِ قبل موتكِ، لذا لا أريد تراخي منك.ِ "

هنا تدخلت، فأنا أعرف طبع "كلارا" جيدًا، فهي لم تخلق لشئ سوى التدريب والقوة.

- جيرمي : " كلارا، شيري ليست تحت مسؤلياتكِ في التدريب، لا تطلبي منها شئ اليوم."

- كلارا : " هـاا، من أنتَ لتأمرني؟"

تتدخلت "شيري" في الحديث بيننا، لا أدري ما تلك الملامح التي أظهرتها، لكنها بكل تأكيد كانت تحيك شئ ما في رأسها، كانت نظراتها حادة، والعديد من الكلمات كانت تكتب بعينها قبل نطقها، لكن لقلة حيلتي لم أفهم كلماتها.

- شيري : " أنا شيري، وأنا مستعدة لكل أوامركِ "

- كلارا : " أنتِ العبدة الهاربة إذًا، إلى متى سنُجند العبيد، إنهم بلا فائدة، أتحاولين إقناعي بعكس ذلك بنظرتكِ تلك، يا لها من نظرة سخيفة "

- جيرمي : " كلارا هذه المقدمة بلا فائدة، ولا تحاولي جعلها تغضب، ولا تتمادي فلا ذنب للعبيد أن كانوا عبيدًا، فلا أحد يختار  مصيره، ثم إنه لا داعى لتفكير العبيد بأنهم عبيد يا كلارا."

ابتعدت عننا "كلارا" وسارت باتجاه البوابة الكبيرة في المبني، كنت أرى بعض الفتيات يخرجن من البوابة أيضًا.

- كلارا : " أجل أجل سيد حر.

هيا بنا يا فتاة "

اقتربت من "شيري" وأملت رأسي، إليها وقلت لها بصوتٍ منخفض.

- جيرمي : " غدًا صباحًا تعالي إلينا، بعد أن تغيري ثيابك وتتناولي طعامك، مفهوم "

أومأت "شيري" برأسها موافقة، و ذهبت خلف "كلارا"، ليدخلا المبنى من البوابة الكبيرة، وقفت مكاني أراقب شيري إلى أن دخلت المسكن، فاستدرت وغادرت المكان متجهًا إلى مقر فرقته.

******

"شيري"

دخلت تلك "الفتاة الضخمة" في أحد الحجرات في نهاية الممر في الطابق الأول، وتبعتها صامته، كانت الحجرة كبيرة، وتحتوي على العديد من الخزائن، كما كانت تحتوي على مقاعد طولية خشبية، وفي جزء منها كان يوجد حائط كامل عليه مرآة كبيرة، كما أيضًا يوجد باب في أحد جوانب الحجرة.

فتحت تلك "الفتاة" خزانة الملابس وأحضرت زى الفارسات الأحمر وأعطته لي، لكنها قبل أن تعطيه لي ظلت تنظر لي وكأنها تعاين بضاعة ما، ربما تحاول أن تخمن مقاسي، وأمرتني بارتداءه، بعد أن أستحم، وأن أذهب إلى حوض الاستحمام من خلال ذلك الباب الذي رأيته في أحد جوانب الغرفة، ثم جلست هي على أحد المقاعد، و انتظرتني إلى أن أنتهي، فتركتها ودخلت الباب وأغلقته خلفي.

بعد أن دخلت فوجئت من جمال المكان، كان فيه حوض كبير للغاية، والعديد من المناشف الموزعة على أركان المكان، كانت الأضواء صفراء وأغلب الألوان الطاغية على المكان هي الذهبي والبني، في الحقيقة ما جذبني هو تلك الرائحة الذكية التي امتلأ أنفي بها، لا أدري ما هي، لكنها ذكرتني عندما كنت أقضي أيامي بالغابة، شعرت بالحنين لمكوثي في مكان أنعم بالحرية فيه، لكن لا يهم على أى حال، سأبتعد عن هنا عاجلًا أم أجلًا.

خلعت ملابسي البالية ووضعتها في صندوق كبير مُلئ بالملابس المتسخة، ورأيت العديد من الندوب على جسدي إثر كل ما ممرت به، لم تكن الندوب تؤلم جسديًا بقدر ما تؤلم بنفسي، أه أتمنى لو أكون أحلم وأن أستطيع إيجاد من أبحث عنه، لكن لا فائدة بالتأكيد سيكون ميتًا الآن، بعد كل تلك السنوات، لم أعتد أهتم.

نزلت في ذلك الحوض الكبير، فغمرني شعور بالراحة والإطمئنان، أخر مرة استحمت في حوض عندما كنت أخدم فتاة صغيرة غنية، كانت تحب أن تشاركني أشيائها، شعور جميل حقًا، غسلت شعري الذي أصبح تالف من قلة الإهتمام، لكنه أصبح جيدًا نوعًا ما الآن، كنت أريد الاسترخاء لدرجة النوم، لكن تذكرت تلك التي تجلس فيالخارج، فنهضت من الحوض، وأخذت إحدي المناشف، واستخدمتها ثم وضعتها في الصندوق.

أخذت زى الفرسان، وارتديه، كان كثير القطع، أولًا يوجد شئ بدون أزرار ضيق لونه أسود لا أدري ما اسمه، أرتديه أولًا، ثم قميص بلون أسود ورمادي أرتديه، ثم بنطال رمادي، ثم ذلك المعطف أو أي ما يكن طوله يصل لأعلى ركبتي، يحتوي على أشكال غريبة بالأحمر والأسود، والذي يتصل به عباءة من عند كتفي لتغطي ظهري لونها رمادي، ثم ذلك الحزام الذي على خاصرتي لأثبت به أسلحتي، و أخيرًا هذه الزهرة التي تثبت على ياقة المعطف، فى الحقيقة أعجبني لونها الزهري.

بعد أن إنتهيت، نظرت لمرآة صغيرة في الزاوية، لم أعرف نفسي، لقد تغيرت كثيرًا، لم يعد مظهر العبيد طابع عليّ، بل أصبحت وكأني فارسة حقيقة، صدقًا الملابس تغير المظهر، ارتديت الحذاء الذي قدمته لي تلك "الضخمة"، يبدو ضيقًا، ربما لأني لم أرتدي أحذية منذ كنت طفلة، لكن أنا الآن أشعر بالاطمئنان وكأني قريبة من مصدر يبعث لي بالحنين، فهل سيزول كل هذا؟

خرجت من غرفة الاستحمام، فوجدت تلك "الضخمة" تجلس على أحد المقاعد، لكني لم أنتبه أن منجلها الضخم ليس معها، إلا عندما رأيت يدها فارغة، نظرت لي في تساؤل.

- كلارا : " هاي أنتِ، هل حقا قتلتي شخص؟ "

أجبت وأنا أعدِل من شعري المبعثر إثر ارتدائي للملابس.

- شيري : " أجل. "

- كلارا : " إذا كيف كان شعوركِ بعدما قتلته؟ "

- شيري : " و ما دخلكِ بشعورى ؟ "

- كلارا : " أنتِ هنا عليكِ الإجابة فقط، أنا لستُ مجبره على إجابة تساؤلاتكِ "

- شيري : " هل تحاولين معرفة رد فعلي إذا ما دخلت حربًا، وقتلت شخص أخر "

- كلارا : " يبدو أنكِ ذكية ، أجل. "

- شيري : " حسنًا، أنا لست مجبرة على أن أكون صادقة معكِ، لكن كان شعورًا جيد أن تخلصت من تلك الحشرة التي أزعجتني. "

- كلارا : " ربما تستحقين لقب القاتلة.

كما أني لست مجبرة على إختباركِ أيضًا،

مرحبا بكِ في محطتكِ الأخيرة، بوصولكِ يمكن لهؤلاء الحمقى أن يذهبوا لساحة المعركة "

حمقي! أهناك غيري يراهم مزعجين؟

' شيري : " حمقى ! "

- كلارا : " فرقتكِ، إنتظري ألم تشعري أنهم حمقى، كل شخص فيهم لديه قدرة غريبة وذكاءهم غير طبيعي، إنه يتخطى حدود البشر، و قدراتهم القتالية في مستوى آخر. "

- شيري : " أنا أراهم مزعجين. "

- كلارا : " أجل أجل .. إنهم يتعمدون إغاظتي ليوقعونني في المشاكل "

- شيري : " مشاكل ! "

اندمجت معي في الحديث، كما أنني كنت أتجاوب معها، فلا ضير من محادثة الأقوياء .

- كلارا : " أجل، في أحد الأيام، قام ذلك الفتى صاحب اللسان المعسول بإغاظتي، مما جعلني أعاقبه بتدريبات قاسية، وهذا ممنوع هنا لأنه ليس في فرقتي، وما إن إنتهى من التدريبات حتى ذهب وأخبر القائد هينري بما فعلته معه، و عوقبت أنا بهذه التدريبات. "

- شيري : " أتعنين رأس الموزة ؟ "

وضعت يدها على ذقنها وأمالت رأسها قليلًا، وظلت تفكر.

- كلارا : " رأس الموز ! تقصدين سام، أليس كذلك ؟ "

وما إن أومأت برأسي موافقة، حتى انفجرت في الضحك، أمسكت معدتها من شدة الضحك، حتى كانت تسقط من على المقعد، لا أدري لكني شعرت بأنها مختلفة عندما كانت تقف مع صاحب العيون الأربع.

- كلارا : " يا إلهى، إنها تشبه حقًا.

أنا أعتذر منكِ يا فتاة، يبدو أنك مرحة على عكس مظهرك هذا. "

و ما أوقف ضحكها هو دخول أحد الفتيات الغرفة، والتي كانت تراقب ما يجري في صمت، كانت صغيرة، بشعر أصفر قصير يصل إلى أذنها، وعينان زرقاء كلون سماء الليل، وترتدي تنورة بلون سماوي تصل إلى ركبتها، وقميص أزرق قد أدخلته في تلك التنورة، ومعطف أبيض طويل، كما لحظت أنه كبير عليها، فقد قامت بثني أكمامه لتلائم طول يدها.

- ... : " يبدو أنك وجدتِ صديقًا جديدًا، سيدة كلارا. "

- كلارا : " ليزا ، ما الذي أحضركِ إلى هنا ؟"

نظرت لها ثانيًا، فوجدت التطفل يطفو على عينها .

- ليزا : " ماذا ؟؟ أتودين منعي من القدوم."

- كلارا : " بالطبع لا، لكن هذا مسكن الفارسات، وأنت تقيمين في العيادة. "

- ليزا : " إذا مرحبًا بي هنا، كنت أتجول ومررت بك لألقى التحية."

- كلارا " أجل أجل، أعرفكِ على الفارسة الجديدة، شيري. "

- ليزا : " مرحبا بك أنا ليزا، و أنا مساعدة الطبيبة لوريا، تشرفت بمعرفتكِ."

- شيري : " مرحبًا. "

نظرت لي تلك "الصغيرة"، ثم نظرت للفراغ، ثم أمسكت ذقنها بيدها وفكرت لبرهة .

- ليزا : " أممم، إذا كنتِ فارسة جديدة، فأعضاء كتيبتنا شبه مكتملة، ولم يأتي اليوم فتيات كثر أعتقد فتاة واحدة، هناك نقص في الفرقة 44 ، انتظري لا تخبرني.

أنت أخر فرد في الفرقة 44 ؟ "

- كلارا : " ذكية كالعادة ليزا، أصبتي. "

- ليزا : " أخيرًا سيذهب هؤلاء الفتيان إلى ساحة المعركة."

- كلارا : " أجل، لقد سئمت من إلحاحهم على الذهاب، لكن لا أدرى لماذا يريدون الذهاب بهذه القوة. "

- ليزا : " أمم، ربما ... "

قطع حديثهما صوت معدتي الجائعة، فأنا لم أكل منذ أيام غير تلك الوجبة الفاسدة التي كانوا يعطوها لي في السجن، وغالبا لا أكل أثناء سفرنا بالعربات، لأنهم يبعدوني عن الباق؛ خوفا من أن أقتل أحدا من بضاعتهم الثمينة.

نظرت لي كلٌ من "الصغيرة" و"الفتاة الضخمة" .

- ليزا : " هل أنتِ جائعة ؟"

أومأت برأسي في حرج.

ضحكت "الصغيرة" عليّ، ووضعت يدها على كتفي،

- ليزا : " إذًا تعالى معي لأطعمك."

لم أنزل يدها، لأني لم أشعر بشعور سيئ اتجاها، غير إحساسي بالتأكيد إتجاه كل البشر هو الإزعجاج .

- كلارا : " إذًا اذهبا وعندما تنتهيان أحضري شيري لهنا يا ليزا، كي أدلها على غرفتها."

- ليزا : " غرفة لها لوحدها ؟ "

- كلارا : " أجل هذه أوامر القائد. "

اقتربت "الصغيرة" من أذني، وهمست لي.

- ليزا : " يبدوا أن الجميع يخاف منكِ، على الرغم من أنكِ لطيفة."

نظرت لها بتعجب، لكني لم أتكلم، خرجنا من تلك الحجرة، ولاحظت أن المكان أغلبه فارغ.

وفي أثناء الطريق واصلت تلك "الصغيرة" الحديث معي، فقد كانت تحدثني عن نظام المعسكر تارة، وتارة أخرى عن كيفية سير عمالها في العيادة مع "رأس الطحلب"، وكيفية معاملة الفرسان لها.

وما كان يدور بخلدي هو " أريد الخلاص أنقذوني " ، صدقًا إنها مساعدة تلك المزعجة رأس الطحلب.

- ليزا : " إذا لنكتفي عن الحديث عني، و الآن أخبريني عنك، منذ متى وأنتي من العبيد ؟"

- شيري : " هل أنت أيضا مسؤولة عن البيانات الشخصية للفرسان؟ "

تعجبت من سؤالي .

- ليزا : " مسؤولة عن البيانات الشخصية ؟ "

- شيري : " أجل. "

- ليزا : " أين سمعتي عن هذه المهنة ؟"

- شيري : " أخبرني ذا العيون الأربع أنها مهمته. "

- ليزا : " أممم، أربع عيون، تقصدين جيرمي؟"

- شيري : "أجل."

-ليزا :" أمممم، في الحقيقة هذه الوظيفة لم أسمع بها، فبيانات الفرسان تكون مع نائب القائد هينري، وهو يدعى جون."

- شيري : " انتظري هل كذب علي ؟"

ترددت الفتاة، وحاولت الابتسام لتخفي ترددها.

- ليزا : " بالتأكيد لا، إنها ليست من صفاته

وبصوت خافت " أو ربما من صفاته."

- شيري بغضب : " ذلك المزعج. "

- ليزا : " لا تغضبي منه، بالتأكيد كان يريد أن يتحدث معك فقط. "

- شيري : " ولماذا جميعكم متطفلون ؟"

- ليزا : " لسنا متطفلين، لكن هذا ما يفعله الأصدقاء. "

- شيري : " أنا لم أطلب أصدقاء، كما أنهم بلا فائدة. "

- ليزا : " لماذا تقولين هذا ؟ "

- شيري : " ليس من شأنك.ِ "

- تنهدت ليزا : " حسنًا حسنًا، لن أتدخل في شؤونك، لكن لدى رهان صغير."

- شيري : " وما هو ؟ "

- ليزا : " لن أدلكِ على مكان الطعام، وإن عثرتِ عليه بدوني فلن أتدخل في شؤونكِ بعد الآن، و لكن إن لم تعثري عليه فسألكِ العديد من الأسئلة، وستجيبين معي بصدق عليها."

- شيري : " وماذا سيحدث إن لم أوافق على هذه السخافات ؟ "

تقدمت بضع خطوات ووقفت أمامي، وأشارت بيدها على رءسها.

- ليزا بضحكة شريرة : " لا أبشركِ بخير، فأنا أستطيع منعكِ من الطعام، وسأجعلك تعيدين تدريباتكِ أكثر من مرة "

- شيري : " أنا معتادة على عدم تناول الطعام والأعمال الشاقة، لذا ليس تهديدًا حتى لي "

- ليزا : " إذًا، ماذا لو جَعلتُ القائد هينري يضعكِ في مجموعة أكثر إزعاج من مجموعتكِ فهناك من هم أكثر إزعاج منهم. "

أجبت بسرعة وبملامح جادة .

- شيري : " قبلت التحدي، لنرى مَن مِنا سيفوز ."

- ليزا : " أمامكِ نصف ساعة، سأنتظركِ في المطعم ."

- شيري : " حسنًا."

ابتعدت عنها، ومشيت في الاتجاه المعاكس، أسير وأنا لاأدري أين أسير، كان المعسكر في الأساس مبنيًا على أرض غابة كثيفة الأشجار، لذا كانت طرقاته متشابه، بالإضافة إلى أنها تستخدم في تشتيت الأعداء إذا ما حاول أحد الدخول، لكن من حسن حظي أني قضيت أغلب حياتي في الغابة، وهي كالصديقة لي.

لم أكن أعلم ماذا سأفعل، إلا أن خطرت على بالي فكرة .

لا أريد لهذه "المزعجة" التطفل في شؤوني، و لا أريد أشخاص مزعجين أكثر من هؤلاء، هـااا ، إذن لا يوجد سوى حل واحد.

*****

في غرفة الفرقة.

"جيرمي"

كنا جميعًا مجتمعين في الغرفة الكبيرة، كان "رين" يتفقد سلامة أسلحته، كنت أنا و"سام" نكتب بعض الأوراق، كان كل واحد منا يركز على عمله.

نظرت إلى قطع من السوار الذي قمت بكسره صباحًا من يد "شيري"، ليجعلها هذا فتاة حرة أمر حقيقيًا، فقد أحضرت أجزاءه معي، لا أدري لماذا، لكن تفكيري مشغول بها.

- جيرمي : " أري أن شيري تعاني من العديد من الصدمات، كما أنها كذبت بشأن عيد ميلادها، ومكان ولادتها، بالإضافة إلى أنها لا تحب التواصل مع الآخرين، أشك في أنها كانت منبوذة منذ صغرها. "

- سام : " يجب أن نجعلها طبيعية بقدر الإمكان، لأننا إن لم نستطع السيطرة عليها سنكون ... أممم

لا أريد الإعتراف بذلك، لكن إيان على حق "

- رين : " أجل كونها قاتلة هذه أمر سيئ علينا، و في نفس الوقت جيد لنا "

- سام : " تبًا لذلك العبقري الوسيم، إنه حقًا على حق. "

- جيرمي : " أشفق عليها، لابد أنها عاشت أيام سوداء للغاية."

- رين : " إذًا لنجعلها تتحسن. "

- سام : " وهل تَرى أنها من النوع الذي يتقبل شئ من أحد ؟ "

- جيرمي : " لنحاول، لن نخسر، كما أننا يجب أن نفعل ذلك في أقرب وقت لنا، قبل المعركة القادمة، فلدينا جدول زمني سئ للغاية، بالإضافة إلى تلك المهمات الموكلة إلينا كأفراد."

- رين " أجل معك حق."

قطع حديثنا دخول "إيان" الغرفة بنظرته الباردة المعتادة، كما يبدو فقد سمع حوارهم، أخذ زجاجة ماء من على الأرض، وفتحها وشرب منها.

- إيان : " إذا حاولوا، ولن أشفق على رأس أحد منكم. "

- سام : " إذا سيد عبقري، هل تعتقد أنها يمكن أن تتغير ؟ "

- إيان : "وهل للحيوانات أن تفهم لغة البشر، لكن ربما يعتادون على العيش معهم، وربما هي حالة نادرة فتستطيع ذلك. "

نظر "رين" لـ "إيان"، ثم أسند رأسه على الحائط، للحظة عرفت ما يدور في خلد "رين"، فتلك النظرة تعني الكثير.

- رين : " أتعلم إيان، إذا كانت هذه رؤيتك عنها، فلماذا إذا بقيت قرابة ثلاثة أشهر .. "

سمعت صوت خطوات قادمة نحو المقر ، فأشرت للجميع بأن يلتزموا الصمت .

- جريمي : " انتظر ، هناك أحد قادم. "

ذهبت لأفتح الباب، وقد كانت المفاجأة.

******

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Athera - آثيرا

المؤلف Shizoka More
2025/10/19 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة