"جيرمي"
أجلس بجانب "إيان" أرضًا، بعد أن ودعنا "سام" وأخذ قوسه، استأنف مساعد القائد "جون" المعارك بعد مرور الاستراحة.
- جون: " لتبدأ المجموعة الخامسة والعشرون."
هذه مجموعة "سام" و"روبرت"، لم يقلق "سام" من مهاراته أو حتى فكرة خسارته، قلقه كان "روبرت"، لأنه ليس قويًا، ولا يتمتع بأي مهارات، كل هذه الأفكار تدور في رأس "سام"، فقد كانت باديةٌ على محياه، أضف إلى ذلك تفكيره في كيفية حماية "روبرت"، وإذا أُصيب فسيخرجه، ويكمل إسقاط الفرسان الباقين، حتى وإن خسر، أخبرنا "سام" بهذه القرارات قبل ذهابه.
وقف "سام" أمام المعدات وشدّ على قوسه، وأعطى لروبرت سيفًا خشبيًا.
- سام : " استعد يا روبرت."
- روبرت : " حسنًا ."
بدأت المنافسة وأخذ كل واحد مكانه، اهتم "روبرت" بالدفاع عن "سام"، بينما كان "سام" يقوم بضرب أقدام الفرسان؛ ليوقعهم أرضًا باستخدام الأسهم، حيث يحتل إحدى زوايا الساحة البعيدة؛ ليضمن موقعًا مميزًا للرؤية والرماية، إن هذا ما يريد إيصاله للجميع، لكن في باطن الأمر كان "سام" يبعد الفرسان عن "روبرت"، كان هذا جليًا أمامنا لأننا نعرف طبيعته جيدًا، لكن الحقيقة أنه يريد أن يجعل "روبرت" يشعر بالثقة.
-رين :" لا يختلف سام أبدًا، فهو دائمًا مراعي لمن حوله، سهل التعامل."
-جيرمي:" لابد للأخ أن يحمي أخاه."
لا أدري أيُسمح لشخصٍ مثلي بقول هذا أم لا؟
أشعر أنني أنتهك القواعد والأعراف المُسلم بها.
-رين:" حسنًا إن روبرت في حقيقة الأمر فتى ساذج، لذلك أرجو أن يحقق سام مبتغاه وهو جعله يظن نفسه قد حمى سام ولو قليلًا."
-جيرمي:" أن متأكد من مهارات سام القتالية، وأعرف أنه لن يظهر سوى خمسة بالمائة منها، لكن حالما يصاب روبرت لست متأكد من ردة فعله."
-رين ضاحكًا :" لربما يتعامل معه مثل إصبعه الذي يصيبه دائمًا في آثاث المقر."
شاركت "رين" الضحك، فمعه حق دائمًا ما نرى "سام" مصاب، أيجرح نفسه عمدًا ليذهب للطبيبة؟ عقلي يقول لي هذا، لكن قلبي ينكر عكس ما أره، فلا أظن أن شخص مثله يحب الذهاب للعيادة بحجة تافه مثل جرح في الإصبع أو اليد، لا يهم هذا الآن، عليّ التفكير في كيفية تدريب "شيري"، ومباراتها.
دقائق حتى استطاع "سام" الفوز على أغلب الفرسان، كما توقعت تلك المهارات التي يستخدمها ليست كل ما يملك بل أقل القليل.
لكن ليس كل ما نريده يتحقق، حدث ما كان يفكر فيه "سام"، أصيب "روبرت" ووقع أرضًا، إذ هجم عليه فارسان من جهتين مختلفتين، فعجز "روبرت" عن مواجهتهما معًا، مما جعله صيد سهلًا ، فأصابه واحد في قدمه اليمنى، استطاع المقاومة ولم يسقوط.
لكن الضربة الآخرى جاءت لتزيد الألم أضعاف، فخارت قواه وفقد توازنه، فوقع أرضًا، وأسقط سيفه، جعل هذا المشهد "سام" يترك موقعه ويذهب له، ما استطعت رؤيته في عينه هو القلق والخوف، كخوف الإخوة الذي لم أراه عندما كنت طفلًا، لكن قرأت عنه في الكتب، واليوم رأيته حقيقة!
- سام بقلق: " هل أنت بخير ؟"
- روبرت : " أجل ، إنه خدش بسيط، أنا أسف، لقد خسرت بسببي."
- سام : " لا عليك، المهم أنك بخير."
- روبرت بأسى: " أنا أسف حقًا، لقد جعلتك تخسر. "
سام " لا يهم، سأكمل إسقاط الفرسان ، فأنا لم أصب بعد، انتظر انتهاء الوقت وإذهب أنت للعيادة ."
- روبرت : "حسنًا ."
انتهت المعركة بفوز أربعة ثنائيات، وثلاثة فرسان خاسرين منهم "سام".
تقدم بخطواته باتجاهنا، بعد أن تأكد أن "روبرت" ذهب لرؤية الطبيبة، ارتسم حزن وكسرة على وجهه، أسبب "روبرت"؟ أم بسبب خسارته؟
- سام : " المعذرة رفاق، لقد خسرت."
- إيان : " لا يهم، بل كان جيدًا، ثم إنك لم تسقط وهذا جيد."
- جيرمي : " كنت أعلم أن روبرت سيورطك في الخسارة، فهو ليس ماهر ومازال صغير السن، وأنت تخاف عليه كثيرًا."
سقطت نظراته للأسفل بابسامة صغيرة تكسوها قسمات الحزن.
- سام : " أنا أعتبره أخي الصغير بعد كل شيء."
ثم أردف بعد أن تثائب.
أخيرًا انتهيت من هذا العبث، أريد فقط أن آكل. "
- رين : " لن نستطيع المغادرة قبل انتهاء الجميع."
- سام : " أجل أعرف، لم يتبقى سوى صغيرتنا. "
نظر "إيان" لـ "سام" بابتسامته الماكرة وهدوؤه المعتاد، لم أفهم في ماذا يفكر، لكن الأكيد أنه لا ينوي خيرًا.
- إيان : " سام، يجب ألا تنادي تلك الفتاة بالصغيرة. "
اندهش "سام" واتسعت عينه لهذه الصدمة، فأخذ يغمض عينه ويفتحها أكثر من مره، ثم التفت ليرى من الذي تحدث، أصحيح ما سمعت أذنه؟ لأكون صادقًا أنا أيضًا تعجبت لكلام "إيان"!
- سام : " ماذا!
هل أنت بخير؟ قل لي إن كنت تمزح؟
آنت من يخبرني بذلك ؟ أمتأكد أن أشعة الشمس الحارقة لم تفعل أي شيء بتفكيرك؟
لست أتوهم صحيح ؟ أنت إيان البارد؟"
- إيان : " أجل، وكفاك هراء.
فالذي اكتشفته هو أن رين يتضايق من وصفها بالصغيرة، لأنهما قريبان في الطول، لعله يشعر بالحزن أيضًا."
ضحكنا أنا و "سام"على طريقة "إيان" لمضايقة "رين"، فقد اعتادنا أن يضايقه لأنه أصغر أفراد الفرقة، وهذه الطريقة تجعلنا نتقرب من بعضنا، تتضايق "رين" كثيرًا من كلامهما، وعلا الغضب وجه.
- سام : " لم أكن أعلم أنك حساس لموضوع الطول رين، ألأنك لم تعد الصغير بيننا صرت تريد الاهتمام منا الآن!"
تزايد انزعاج "رين" لدرجة كبيرة، وألقى بسيفه على الأرض بقوة مما جعل الرمال تتناثر حولنا، وكأنها تشاركنا الضحك.
- رين " كفا، من قال هذا؟ لما سأغضب من طولي وأنا ليس لي شأن بالتحكم به، أنتم حقًا مزعجون."
كان "سام" يضحك بشده، فكان يمسك معدته من كثرة الضحك، ويأخذ نفس طويلًا بين كل ضحكة والآخرى حتى لا يموت من الضحك.
- سام : "يا إلهي! لقد أصبحت تصفنا بالمزعجين مثلها."
استدار "رين" وتركنا نضحك حتى أدمعت أعين "سام" من كثرة الضخك، لا ألومه حتى "إيان" ضحك ضحكات مسموعة وهي من النوادر التي تسجل له، إلا أن وجه "رين" الغاضب لا يفوت، خطى "رين" خطواته ليذهب بعيدًا عنا، لكن أوقف شخص ما خطواته.
- ... : " ما الذي أصابك رين، تبدو غاضبًا للغاية ؟"
تفاجأ "رين" من ظهور القائد هينري المفاجئ، والذي من المفترض أن يكون جالس في مكانه يشاهد التدريبات، ويراقب الفرسان، تفاجأت أيضًا من هذا الحضور الغريب، مثلي كمثل "سام"، لكنه حاول إخفاء دموع الضحك التي إنسالت من مقلتيه، وحاول الوقوف باعتدال حتى لا يثير ريبة القائد.
- رين : " القائد هنري !"
- سام : " القائد! "
وقفت من مكاني باعتدال احترامًا للقائد وألقيت التحية عليه، كما أن "إيان" وقف كذلك، لفت انتباهي اختلاف الأجواء المحيطة بـ "رين" ، إذ ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة وطرف بعينه نحو "سام" و "إيان" ثم عاد ببصره للقائد، والأكيد أن سبب تغير مزاجه هو علمه المسبق بأن القائد سيقف في صفه، لذلك حاول إخفاء غضبه وتحدث بجدية.
- رين : " لقد كانوا يستمتعون بمضايقتي."
حرك "سام" يده بسرعة بحركات متتالية؛ لينفي ما قاله "رين".
- سام : " لا لا حضرة القائد، نحن كنا نمزح معه."
- هينري : " هل حقًا ذلك رين ؟"
نفى "رين" كلام "سام" وحرك رأسه لينفي ذلك.
- رين : " لا. "
تتدخل "إيان" في الحديث وقال بصوت جاد وبثقته المعهودة.
- إيان : " كنا نضايقه. "
التفت "سام" بسرعة لـ "إيان" ونظر له بتهديد ووعيد، أجزم أن ما يدور في عقل "سام" الآن ( ما الذي تقوله يا أحمق؟ أنا أحاول أن أخفي الأمر وأنت بكل برود تؤكده!) ، هربت ضحكة صغيرة رُغمًا عني إلى ثغري، لم أستطع منعها خصوصًا أمام محاولات "سام" الغير مجدية في إخفاء فعلته، بعد ذلك نظر للقائد مجددًا وهو يبتسم بتوتر.
- سام : " ما الذي تقوله! إيان!
نحن كنا نمزح معه، حضرة القائد."
تنهد هينري وأنزل جبهته، وأمسك قبعته بيده وأدارها ببطء جهة اليمين، ونظر لـ "سام" و"إيان"، لقد أدرك أن "سام" يحاول إخفاء مضايقته لـ "رين"، فهذه عادته دائمًا مشاكس ومرح.
- هينري بتنهد : "أرى أنكم جميعًا مازلتم أطفال، يبدو أن حيوية الشباب رائعة حتى تجعلكم دائمًا تتشاجرون، لا أعلم من أين لكم بهذه الطاقة لتتفرغوا لمضايقة بعضكم."
وهنا لحظة انتصار "رين" فالقائد أعلن انتصاره، فابتسم ابتسامه نصره، وارتفعت زوايا شفتيه معلنة الفوز علينا، لكن الحق أنا لا أتدخل كثيرًا في هذا الأجواء، فلا أحب أن أوضع في موقف أختار أحد الطرفين فيه، أحب أن أكون محايدًا.
شعاع الفرحة بالنصر يخرج كالشهب من عين "رين"، فتطير إلى أن تستقر أمام "سام" و"إيان" الواقفان، ربما حركت إحدى تلك الشهب "إيان" فاقترب "إيان" من "رين" وأمال رأسه ليصل لمستوى قريب من رأسه، همس في أذنه وكان كعادته يتحلى بذلك الهدوء التام الذي يسكن عينيه السماوية.
- إيان : " لقد قال أنكم جميعًا، أي أنك مازلت طفل أيضًا، لذا لا تشعر بالوحدة."
تلاشت ابتسامته، وانطفأت أشعة النصر وخمدت الشهب المنبعثة من عينه، وحل محلها غضب وجهه كله نحو "إيان"، ثم رفع رأسه له ورفع حاجبيه وضغط قبضته.
اقتربت من القائد، للحظة نسيت أن القائد معنا! لكثرة هذه الشجارات الصغيرة بيننا، إلى الآن لم يدلي القائد بماذا يريد؟ أو السبب الذي دفعه لترك مكانه والقدوم إلينا؟
- جيرمي : " ما الأمر حضرة القائد ؟ "
- هينري : " جئت لأشكركم على مشاركتكم الرائعة، فقد كنتم أقوياء كالعادة، استمتعت بمشاهدتكم. "
ابتسم "سام" ابتسامة خجل ووضع يده على رقبته أسفل خصلاته الصفراء.
- سام : " قمنا بالواجب فقط حضرة القائد."
عقد "رين" يديه، ونظر له بسخرية، وتكبر.
- رين : " لقد خسرت يا سام، لذلك لا يجب عليك التحدث عن الواجب."
- سام : "انتظر! أنا أكبر منك يا رين، لذا تحدث معي بطريقة أفضل من هذه، نادني بمعلمي. "
- رين : " مستحيل، ثم ماذا سأتعلم منك؟"
قطع صوت "إيان" الجاد صوت شجار "سام" و"رين" الذي يكاد يكون كشجار أطفالٍ في الروضة، وَجَهَ "إيان" نظره للقائد، يبدو أن "سام" نسيّ أن القائد مازال موجود وما ذكَّرهُ هو كلام "إيان".
- إيان : " وماذا أيضًا؟"
- سام بتعجب : " ماذا أيضًا!"
ابتسم القائد "هينري" وأخفض نظره للأرض، كانت ومازالت أحد مزايا "إيان" هي قراءة الغير، فقد علم أن شيء ما وراء قدوم القائد، وأن وجوده هنا ليس لشكرنا فقط، ثم أعاد نظره لـ "إيان" مجددًا.
- هينري : " لم تكتب لي تقريرك عن تلك الفتاة بعد، لذا تسألت عن سبب تأخرك في الكتابة."
- إيان : " لم أرى شيء ذو أهمية بعد لأكتب عنه لك."
- هينري : " وهل تستحق عناء طلب الثلاثة أشهر؟"
صمت "إيان" لوهلة وألقى نظرة خاطفة على مكان ما بين الحشود على الجانب الآخر مننا، فوقعت عينه على مراده، وبالتأكيد كان ينظر إليها، فهذا هو المكان الذي تجلس فيه، لم يكن بعيدًا عنا كثيرًا، ثم تلاقت عينه بعين القائد، أما أنا فلاحظت أنه أغلق يده بقوة.
- إيان : " لا أدري، قريبًا سأعرف."
- هينري : " ستذهبون في رحلة استكشافيه قريبًا، لذلك تأكد من إرسال التقرير قبل ذهابكم، أريد أن أعرف إذا كانت تستحق عناء البحث عنها كل هذه المدة."
- إيان : " أمرك."
وجه القائد نظره تاليًا لـ "رين" الذي كان مازال منزعج من "سام" و "إيان"، أحيانًا أشك أن "رين" فتى في التاسعة عشر، لذكائه الغير معهود، وكلامه الحكيم والهادئ، كما يذهلنا كثيرًا ببعض الآراء التي تجعلنا عاجزين عن الحديث، وفي بعض الأحيان يظهر لنا الطفل بداخله والذي أشك أنه عاش طفولته.
- هينري : " رين!"
- رين : " نعم حضرة القائد ."
- هينري : " بعد انتهاء التدريبات هناك أمر أريد مناقشته معك، تعال إلى مكتبي."
- رين : " عُلم حضرة القائد. "
ذهب "القائد" وتركنا، كنت سأنعم ببعض الهدوء إلا أن "سام" يرفض البقاء هادئ، لم يغب ظل القائد عن أعيننا كليًا حتى ضحك "سام" ووضع يده على فمه وأغلق عينه وأمال رأسه، وقال بصوت غريب ليس صوته، وكأنه يحاول جعل صوته لطفل صغير، صوت حاد والحقيقة أنه مزعج للأذن.
سام " صغيرنا المدلل رين، ها قد تم استدعائه. "
هنا تدخلت، كان لابد من إيقاف مضايقات "سام"، لأن هذا جزءٌ حساسٌ بالنسبة لـ "رين"، فخلف اهتمام القائد بـ "رين" جزء من ماضيه، فاللعب على الأوتار الحساسة يسبب مشاكل قد لا تزول، كنت أعلم حق المعرفة أن "سام" يمزح معنا ولا يضمر أي شر له، لكنه ينسى الحدود في بعض الأوقات، وأي مزاح ثقيل يؤدي إلى نشوب الخلافات، فالأمر ظاهره المرح، وباطنه حزن وكره.
- جيرمي : " يكفى سام! لا تتدخل في هذه الأمور، كفا مضايقات."
- سام : " حسنًا حسنًا ."
هدأ "سام" أخيرًا، وعم الهدوء المكان، جلست على الأرض من جديد، وودت الإستلقاء لكن كيف أستلقي والشمس تتراقص على رأسي، فألقيت بنظري بين الحشود، فوجدتها تجلس منتبه للفرسان في الساحة، لا تتحدث مع أحد، تركيزها ينصب على حركات الفرسان وأسلحتهم، جالسه هي في مكانها، لكن عقلها وعينها يدوران مع كل فارس، كيف كانت تعيش قبل أن تأتي هنا؟
أي حجيم عاشته لتضطر للّجوء للقتل والحكم عليها بالإعدام؟
ثم لماذا كان الجميع يعلم أنها لا تتردد في القتل، يشترونها؟ألديها مهارات جديدة كعاملة؟ أم ماذا؟
صدقًا لا أعرف كيف استطاعت النجاة من كل ما مرت به، سوى أنها ذات حظٍ جيد، لكن إن كان هذا حظًا جيد، فلماذا مرت بكل هذه الصعاب؟
بات تفكيري بشأنها مشتت وغير منطقي، ولا أعرف الحقيقة، سوى أنني أشعر بالمسؤولية اتجاها، وأشعر أنه واجب عليّ حمايتها.
وهناك حقيقة أعرفها جيدًا، وهو أن "إيان" أنقذها من عالم العبودية، وحررها ولو قليلًا من أغلال الظلم، ففي هذه البلاد أسمع العجائب عن حياة العبيد، لو أن باستطاعتي لألغيت كل نظم العبودية وجعلت الجميع متساوين في حقوقهم.
لكن هيهات! بماذا أحلم!
تنهدت، لنترك هذه الأفكار جانبًا.
- جيرمي : " إيان. "
- إيان : " ماذا؟ "
- جيرمي : " ربما تجد ما سأقوله غريبًا، لكني أشكرك على إنقاذ شيري."
- إيان : " أنا لم أنقذها، وحتى لو لم أفعل لكانت بالتأكيد ستهرب، فهي وحش في النهاية، لن تموت لأمر كهذا."
- جيرمي : " لا أظن ذلك، لن تهرب من حكم إعدام، ربما ارتكبت بعض الجرائم، لكنها كانت تأخذ الهرب طريقة كي لا تَقْتُل، أنا أعتقد أن قَتلها كان للضرورة، أنا أقول هذا بناءًا على تحليل تصرفاتها التي رأيتها، لا تبدو شخصًا عدوانيًا ليّ."
لم يجلس "إيان" بعد مغادرة القائد بل فتح أزرار زيّه، لأن الجو حارٌ اليوم، أخذ زجاجة مياة وسكب القليل منها على يده وقام بغسل وجهه، حتى تداخلت قطرات المياة في شعره الأزرق، كان وجهه الشاحب هادئًا للغاية، لوهلة كانت ملامح الضيق تكسوه، لكن سرعان ما تلاشت مع قطرات الماء التي تساقطت علي.
- إيان : "لكل شخص فكره وطريقته في التفكير، ومازلت أجهل ما تفكر فيه تلك الفتاة، هناك شيء غريب وغامض أشعر به يحوم حولها، وكأن الموت يطاردها."
- جيرمي : " لازلت أتذكر كيف بحثت عن شخص ليحل محل آلن في فرقتنا."
ابتسم "رين" وتلاشت كل ملامح الغضب منه وعلا وجهه ملامح الرضا.
- رين : " أجل أجل، أذكر أنه كان يقدم الكثير من الأوراق للقائد هينري يطلب منه شراء شيري، عندما كنت أجلس مع القائد كنت أكتشف العديد منهم بالصدفة فوق مكتبه. "
شاركته بالابتسام، وكلما تذكرنا شيء ضحكنا، كنا نضحك على "إيان"، فقد بذل كثيرًا ليضمها إلى الجيش.
- جيرمي : "أتذكر عندما أعطى راتبه للقائد يطلب منه أن يبحث عن شيري بسرعة بهذا المال."
ارتفع صوت ضحكة "رين" .
- رين : " أجل، وعندما كان يحاول إقناع جون بذلك، لم أتوقع أن يكون إيان شخصًا لَحوحًا."
- سام بخوف : " شباب، توقفوا الآن، ربما نكون عشاء اليوم."
نظرنا أنا و "رين" لـ "إيان"، فتملكنا الخوف من نظرة التهديد التي تعلو وجهه، وهناك تلك الهالة السوداء المشؤمة التي تحوم حوله.
أدرك "رين" أنه حان وقت انسحابه واختفاءه من أمام "إيان"، فابتسم كي يخفي خوفه ووضع يده على رأسه.
- رين : " يا إلهي لقد نسيت بعض الأوراق المهمة هناك."
انضمت له في تمثيلة فأنا أردت الهروب من "إيان" أيضًا، وقفت ومسحت الغبار الذي علق في ملابسي بسرعة ووقفت بجانب "رين".
- جيرمي : " لا لا، لقد نسيت سلاحك سأذهب معك لأحضره."
ذهبنا أنا و "رين"، أو بالأدق هربنا من "إيان".
******
"سام"
بعد ذهبهما نظرت إلى وحشنا الرابض في مكانه، لأنني تعودت على هذا الوجه المخيف لم أهرب مثلهم.
- سام : " ألن تحاول إخفاء نية القتل التي تعلو وجهك دائمًا!"
- إيان : " إنه وجهي كيف سأخفيه."
- سام : " لم أقل وجهك قلت نية القتل، أنت حقًا هكذا، لكم أخبرتك كثيرًا ستموت قبل أن تتزوج."
- إيان : " أنا لا أفكر في مثل هذه الأشياء، إنها عديمة الفائدة، أنا أعيش للانتقام."
استدارت وتركت "إيان" خلفي، فهذه المحادثة يعلم كل طرف نهايتها سلفًا، رفعت كلتا كتفي، والأسف يعلو وجهي.
- سام : " حاد الطباع كالعادة، إذا كنت ستعيش للانتقام ألن تخبرنا على الأقل مِن مَن ستنتقم؟ نحن فريق وسنساعدك."
- إيان : " لا دخل لأحد في شؤوني، لقد صادف أنني لا أستطيع الإنتقام وحدي، وأنتم كنتم الخيار الوحيد."
- سام : " حسنًا حسنًا، لا تغضب فأنت معك حق في ذلك، رغم أننا فريق إلا أن لكل واحدًا منا عالم مختلف."
رفع "إيان" رأسه للشمس لتبخر قطرات الماء العالقة على وجهه وخصلات شعره الملتصقة بجبينه بفعل قطرات الماء، وأغمض عينيه، ثم أنزل رأسه، لابد أنه شعر وكأن الشمس تطهوه، ففتح عينه ببطء فلم يجد سوايّ حوله.
- إيان : " أين ذهب جيرمي ورين ؟"
أشارت بإصبعي على المكان الذي سبق وألقى هو نظرة خاطفة عليه.
- سام : " انظر إلى الجهة الأخرى، لقد ذهبوا لشيري. "
- إيان : " هل يهربان ؟ "
-سام: " ربما، فالحل الأفضل هو الابتعاد عنك عندما تكون غاضب."
- إيان : "كم بقى على آخر مجموعة؟"
- سام : " ثماني مجموعات."
- إيان : " حسنًا."
جلس "إيان" على الأرض وأخذ قبعته ووضعها على وجهه؛ ليبعد عنه أشعة الشمس مع إغلاق عينه كالعادة، هل سينام هذا الفتى هنا، سحقا لعادات المعسكر التافهه، أريد النوم على السرير.
******
في الجهة الآخرى.
"جيرمي"
ذهبنا مسرعين أنا و "رين" لمكان "شيري"، لنبتعد عن سخط "إيان"، والحقيقة أنه لن يفعل أي شيء لنا، لكنا أحببنا الدراما التي نصنعها معًا، فهنا أنت رهن اعتقال الملل.
لذلك حرى بك أن تصنع ترفيهك بنفسك، وكل متطلبات حياتك يجب عليك صياغتها حسب القالب المقدم إليك.
وصلنا للمكان التي كانت تجلس فيه.
- جيرمي : "كيف حالكِ شيري."
- شيري بتعجب : " لماذا أنت هنا؟"
- جيرمي : " أهرب من وحش ما. "
تفاجأت "شيري" من كلامي، ما الذي أهرب منه؟ وأنا الذي يهرب منه الناس عادة؟ لكنني شخص طيب في الحقيقة، يخافني الناس لطولي وغرابة لون حدقة عيني.
- شيري : " تهرب! مِن ماذا؟"
- رين : " بل مِن مَن؟"
- جيرمي " من غضب إيان."
- شيري بدهشة مبالغة فيها: " ماذا الذي حدث ؟"
- جيرمي : " لقد أزعجناه وتتضايق."
اتسعت عينيها، ولكن ليس هذه المرة من الصدمة بل من فرحتها، فقد رأت فرصة لمعرفة شيء يزعج "إيان".
- شيري : " حقًا؟ ماذا فعلت لتزعجه؟ أخبرني!"
ماذا؟ ماذا؟ أتريدن أن أخبركِ كيف تجعلين الليث يكشر عن أنيابه؟ مستحيل يا صغيرة وألف مستحيل، لن أخاطر بحياتكِ، لذلك تحدثت معها بحزم.
- جيرمي : " لا، لن أخبركِ. "
- شيري بانزعاج : " لماذا؟ "
اقترب "رين" من "شيري" وانحنى ليصل إلى مستوى قريب منها فهي تجلس على الأرض، ووضع يده على كتفها، وعيونه مُلئت بالحزم.
- رين : " لا نريد خسارة حياتنا أو حياتكِ، فنحن نعلم أننا لو أخبرناكِ ستذهين وتحاولين مضايقته وإزعاجه، أليس كذلك ؟ "
- شيري : " أجل، بالطبع سأخذ حقي منه بطريقتي."
تنهدت، هذه الفتاة أتحب المخاطرة هكذا؟ يبدو أنني لست الوحيد الذي تنهد فَ "رين" أيضًا تنهد.
- جيرمي : " إنسي الأمر، يجب عليكِ اكتشاف الأمر بمفردكِ حينها لا تلومي إلا نفسكِ، كما أن الأمر سيكون أكثر متعة إذا اكتشفتي أنتِ ذلك، لذلك إذا أردتي إزعاجه اكتشفي نقاط ضعفه. "
نظرت "شيري" لـ "رين"، تلاقت الأعين الحمراء مع الأعين البرتقالية، لكن هذه المرة كانت أعين الياقوت هي الجادة، والتي كانت تفيض بالكثير من التساؤلات، بددت أنها تحاول الوصول لحقيقة في تلك الأعين البرتقالية الغامضة.
- شيري : " أنت! لماذا لَم تحارب بجدية؟"
اندهش "رين" لسؤالها، ارتعشت يداه فأزالها بسرعة من على كتفها، وقف باعتدال، حاول مدح نفسه أمامها، إنها وسيلة هروب لإبعاد نظره عنها كي لا تكتشف كذبه، هذه إحدى طرقه في الكذب، لقد حفظتها عن ظهر قلب، يالا المصادفة فهي لم تبعد عينها عنه، أتدري أنه يكذب؟
- رين : " من قال هذا؟ لقد كنت أقاتل وأوقعت عشرين فارسًا بمفردي، كما أنهم ضعفاء فلماذا أحاربهم بجدية! "
- شيري : " كانوا ثماني عشرة فارس، أنت تكذب."
أدار ظهره وحاول التحدث بثقة أكبر لكن بلا فائدة، تم كشفك على يديها.
- رين : " لا لست أكذب، لقد نسيت عددهم فقط، فكيف لي أن أتذكر من أوقعتهم."
- شيري : " أنت تكذب، فلست وحدك ذلك المزعج لم يقاتل أيضًا بجدية، وأنت يا صاحب الأربعة عيون."
علت الدهشة وجهي للحظة لمقدرتها من كشف خداعنا الذي لم يُكشف سوى لقلة، حسنا لقد وقعت في شباكي، فالخداع صار جزء أصيل من نمط حديثي، فأنا أستطيع الكذب بمهارة أكبر.
- جيرمي : " أجل أجل، لقد كنت أتحدث مع آلن عن الأيام الخوالي، فلم يتسني لي وقت لأجلس معه مؤخرًا."
- شيري : " من هذا؟"
استطعت استدراجها لفخي وغيرت الموضوع، فأطلت الحديث عنه، وهي بدورها لديها فضول كبير، لكن إلى الآن لم تكتشف ذلك.
- جيرمي : " آلن كان العضو الخامس في الفرقة قبل قدومكِ، ولكن لسبب ما خرج من الفرقة، كان صديق حقيقيًا كما لديه مهارة كبيرة وذكاء أيضًا، ذات مره حاول أن يذ... "
نظرت لي تلك العيون الحمراء التي سئمت من الحياة، أعين تملك الشجاعة لملاحقة أي فريسة، حتى وإن كانت أقوى منها، لو كانت أعينها كجواهر وقمت ببعيها لأصبحت من الطبقة المخملية بلا أي شك.
- شيري : " لا تحاول الابعتاد عن السؤال، فلن تنطلي حيلتك عليّ. "
لم أستطع الإجابة، لذلك كان لابد لنا من المغادرة.
- رين بتنهد : " يبدو أننا سنغادر من هنا أيضًا، تذكر ذلك! ثاني مكان نرحل منه بكرامتنا. "
- جيرمي : " معك حق هيا بنا، لم يعد المكان أمنًا، حظًا موفقًا في معركتكِ. "
لوحت بيدي لها مودعًا، تركناها وذهبنا لنجلس فى مكاننا من جديد، إلا أن هذه المرة كنا بعيدين عن "إيان" الجالس، ليس هذا المهم، كيف لها أن تدرك أننا كنا غير مباليين بالنزال؟
بدأت أشك في هذه الفتاة، إن كانت حقًا تحاول خداعنا بعدم معرفتها للعديد من الأمور، لكن في نفس الوقت هناك هاجس داخلي يتردد صداه في عقلي بأنها لا تخدعنا، ويجب عليّ تصديقها وحمايتها.
أخذت زفيرًا عميقا ونظرت إليها من بعيد، في كل مرة أنظر إليها أشعر كما لو أن أحدًا أخبرني عنها، لكن مَن؟ ولماذا؟
الكثير من الأسئلة التي تتضارب في عقلي، وذكريات طفولتي المشوشة تنهش في طاقتي، وتقتاد من روحي، لا يجب أن أبوح لأحد عن هذا، صدقًا إن الأمر مؤلم.
شعرت بيد أحد توضع على ظهري فالتفت ووجدت أنه "رين"، لم أتحدث وحدقت بعينه البرتقالية، وهو بالمثل لم يتحدث، وإنما فقط ارتفعت زوايا شفتاه بابتسامة عذبة صغيرة.
أشعر باضطرابي؟
ولهذا هو يحاول طمأنتي؟
كأنني امتلكت ملاكًا، ولم أره بسبب الأهوال التي نعيشها، "رين" فتى قضى طفولة بين الجثث والمؤامرات، لكن رغم ذلك مازال يمتلك قلبًا نقيًا، لم أستطع منع عيني عن شكره، لأن فمي أضرب عن الحديث، فابتسمت له وشعرت بأن أطنان من حملي تطير في مهب الريح جراء مواسته فقط.
إن المواساة الصادقة من شخص نحبه في وقت الحاجة أشبه بلمسه سحر تمحي معها ندوب الحياة.
*********
●ملاحظة: الفقرات القادمة سيتحدث بها أكثر من شخص.
"شيري"
دقائق تلو الأخرى، لم أعدها من الملل.
لم أرى مباراة تستحق أن تُذكر، سوى قتالٌ من فتاتين لفتا نظري، إيقاع حركاتهما مميز، رغم أني لمست بعض التردد من الفتاة الأصغر، إلا أنه يظل الأداء الذي جذبني، فلا أشعر فيه نفاق أو تخاذل مثل الحمقى.
اقترب موعد الجولة الأخيرة، وهي معركتي أنا و"رأس التفاح" ، يجب عليّ الاستعداد فهناك اتفاق لابد لي من إتمامه، نهضت وافقة أنفض ذرات الرمال العالقة بردائي، أمسكت بخنجري بإحكام وهو متعلق بحزامي، أخرجت زفيرًا رُغم عندي عندما هممت بفكه ووضعه على الأرض، لعلي أشعر بالجنون فأحيانًا أشعر كما لو أن هذا الخنجر يتحدث معي!
أمسكت الخنجر الخشبي الذي أحضرته لي "رأس التفاح"، أملت رأسي، وتجمعت نظراتي على الخنجر الخشبي، شعرت بذلك الشعور المشؤوم يتدفق إلى قلبي من جديد، غضة تعصف بجدران قلبي المتهالك.
فقدت السيطرة على معصمي القابض على الخنجر لثوانٍ معدودة، أغمضت عيني وفتحتها أكثر من مرة، وها قد عدت أتغلب على فقدان سيطرتي، واستطعت قبض يدي وبسطتها كما أريد.
أتمنى أن أُلَبي توقعات "المزعج" ، لا أريد أن أكون عقبة في طريقهم، أخيرًا بعد أحد عشر عامًا أنا أقف بلا أغلال تقيدني، بلا نظرات ازدراء، هناك من ينتظر مني فعلًا جيدًا، لا تفسدي الأمر يا نفسي، جملة واحدة تتخلل صدى عقلي وهي:
( لا تتهوري يا يدي، لا يجب أن أقتل أحدًا هنا.)
قُطع تركيزي بصوتها، وهي تقترب مني.
- كلارا: " هل أنتِ مستعدة ؟"
أبعدتُ عيني عن معصمي ونظرت لها، توهج لهب خافتٌ في عيني أشعر به، ألقيت بقبعتي بجانب خنجري ثم خلعت عباءتي ووضعتهما أرضًا.
نظرت حيث يجلس "المزعج"، والذي لاتزال قبعته على وجهه، صدقًا! ألم يقل إنه ينتظر مني أداء مبهرًا؟
أين حماسه ذاك الذي أمطر قطرات الغبار التي حولنا، حتى جلست تترقب بجانبه؟
لا يهم هذا، انظر إلى ما سأفعله أيها "المزعج"، لأجعلنّك تُدربني رُغمًا عنك، سأعرف لماذا أنت مزعج وقوي، سألقنك درسًا لتحطيم برودك ذاك.
أخذت أجعل الهواء يتخلل بداخلي، وأخيرًا فتحت فمي بعد أن ودَعتُ رحلة الهواء القصيرة بداخلي.
- شيري : " أجل. "
- كلارا : " أنا لن أتساهل كما تعلمين، ولن أترك لكِ أحد حاولي سرقة خصومي مني إن استطعتي. "
انسلت ابتسامة صغيرة إلى شفتاي، وأنا أتخيل منظرها عندما تري شخصيتي الأخرى أثناء القتال.
- شيري : " لنرى مَن مِنا سيترك للآخر خصوم."
تقدمت للأمام بعدَّة خطوات عنها.
____
"كلارا"
رأيت عينا "شيري" تتغير! أقسم! لقد كانت حمراء لكن لونهما صار يضئ! أهذا حقيقيًا في الأساس؟
لا أدري على ماذا أقلق؟
رأيتها وهي تلقي بأغراضها أرضًا، وعندما شردت تتأمل الخنجر الخشبي، سرت قشعريرة في جسدي، ربما لأجل البريق المشؤم الذي لمع وهجه لحظيًا في مقلتيها!
أبعدت عيني عنها وأمسكت بالمنجل الخشبي، سحقًا لهذا! كيف لي القتال بشيء قد يتحطم في يدي؟ تأكدت من أن غرتي تغطي عيني، نظرت نحو "إيان".
تبًا! يا لك من متغطرس! لماذا عليّ أن أتبع تعليمات ذاك المتغطرس ذو الأعين الميتة، لماذا أوفر لها الحماية؟
أنا أريد خوض المعركة أيضًا، أريد أن أشعر بحماس إسقاط الفرسان من حولي، بعد التفكير في الأمر هو معه حق في أن الجميع يعلم مقدار قوتي، بالإضافة أنني لن أخسر شيء إذا شاهدتها وهي تحارب.
أريد أن أحصل على متعة مشاهدة مهاراتها، ربما تكون مفيدة، فبعد كل شيء "إيان" من إختارها، سحقًا لك يا ذا الأعين الميته! إنك دائمًا على حق.
صوت عالٍ قطع الصمت الذي دام طويلًا بالنسبة للمشاهدين، وقصيرًا بالنسبة للمشاركين.
- جون : " فلتبدأ المجموعة الثامنة والثلاثون، والآخيرة. "
_____
"شيري"
تقدم كلانا للساحة، وقفت في منتصفها وأغلقت أهدابي، ملأت جوفي بهواء لعله يهدأ توتري الذي يلعب على أوتار فؤادي.
يجب عليّ الفوز لأجل اتفاقي، أشعر بحرقةٍ في حلقي، كما أن الجو حار والشمس تتوسط السماء، لا يهم، يجب أن أسقطهم جميعًا، بيدي هاتين أستطيع أن أقتلهم إلا أنه لا يجب عليّ فعل ذلك، لا يوجد تهديد على حياتي هنا، إهدأي أنتِ تتدربين فقط، لا تتعطشي للدماء، لا تتعطشي للدماء، لستِ مضطرة لقتل أحد.
هيا لنبدأ.
فتحت عيني على إعلان البدء، تحركت بسرعتي الهجومية بالتأكيد إن حركاتي غير ملحوظة للفرسان من حولي، فها أنا أسقطهم تباعًا ولا أحد يقاوم، بل لا أحد يستطيع التنبؤ بضربتي، رغم أن هدفي هو رقابهم، أريد أن أنهي هذا وأذهب للنوم سريعًا.
_____
"كلارا"
صُدمت منها، عجزت عن تحريك فأسي المتمسك بقبضتي، أهو خوف أم ذهول؟
حركتها سريعة، مستحيل ! هل هي نفس تلك الفتاة منذ دقائق؟
كما لو أنها تقفز بينهم تنقض عليهم!
لماذا أشعر وكأنها وحش؟
نفس الرجفة التي اعترت جسدي لتقابل عيني بعينها، لا يمكن!
تلك الهالة التي تبعثها إنها أشبه بمـ ...!
____
"إيان"
كنت لا أزال مستلقي على الرمال أشعر بضجر وملل وما زاد ضيقي هو أشعة الشمس الحارقة التي ورغم وضعي للقبعة فوق رأسي إلا أنها تتخلل إليها من بين خيوطها وتحرقني.
أخيرًا بعد أن جعلت مني الشمس فارسًا نصف مطهو، سمعت كلمة "الأخيرة" فأعلنت فتح جفوني وأبعدت القبعة عني، شعرت بنظراتها نحوي، فرميت ببصري لها ولوهلة لم أعرفها من ذاك الوميض الذي ومض بعينها ومضة واحدة، انتابني غضة بكياني، وكأن ذاك الوميض قد رأيته من قبل.
التفتَتْ وسارت مع "كلارا" نحو الساحة، هنا وقفتُ كي أشاهد من لم يتوقف عقلي عن طلب إحضارها.
أكيدٌ أن راتبي لم يُنفق سدى.
ألقيت نظرة خاطفة على باقي فرقتي، كانوا يقفون أمامي ويراقبون عن كثب، لاحظتُ تفاوت التعابير على وجوههم، تقدمتُهم، لم أبعد حبات الرمال التي لم تعلق بالأساس على ردائي فأنا كنت أفترش عباءتي.
لاحظتها وهي تتقدم بخطوات سريعة أسرع مما رأيتها عندما حاولت تهديدي، إلا أنها هنا مختلفة لسبب ما، أبسبب المساحة الكبيرة وعدد الخصوم؟
- إيان: " جيد، تبدوا قوية لن أتعب في تدريبها هكذا."
- جيرمي: " أنا أتفق أنها قوية، لكن لم أتوقع هذا الأداء منها، إيان! ألا تظن أنها مختلفة قليلًا، عينها تبدو غريبة عن المعتاد، لا أعتقد أن الحماس يفعل هذا؟ ما رأيك؟ "
- رين: " كما لو أنها تكبح نفسها عن القتل، أتستطيع هي أيضًا إخفاء قوتها؟ إذًا هذا سبب كشفها لنا! "
- سام : " ألا تبدو وكأنها وحش ينقض على الفرائس؟ طريقة قفزتها غريبة!"
- إيان : " هناك شيء غريب، لم تكن هكذا عندما هددتني، لكن لا يهم طالما أنها تستطيع السيطرة على الأمر."
- سام : " أرجو أن تكون بخير. "
لم يكن الفرسان قادرين على صد هجماتها، فقد كانت المنطقة التي تصوب عليها رقابهم وإن لم تستطع الوصول لها كانت تصيب أرجلهم لشلهم عن الحركة، وتسقط أسلحتهم، حسنًا سأتراجع عن وصفها بالحيوان البدائيّ، فقد تفوقت على توقعاتي.
استطاعت إسقاط واحد وعشرين فارسًا بمفردها في أول خمس دقائق، حدسي يخبرني بأنها ليست بخير، ضرباتها زادت حِدة عن البداية، "شيري" ماذا تخفين؟
____
"شيري"
بهذه السرعة والضربات لن يتكلم "المزعج" معي مجددًا ويقول أني ضعيفة، فلو كنت ضعيفة بحق فما كنت لأكون واقفة بينهم.
جيد أسقطت الكثير منهم، ابتسمت ابتسامة جانبية، هذه هي النظرات التي اعتدتُ رؤيتها على وجوه من رأني، الخوف والذعر ينهش في أعينهم، يا إلهي بدأت أشعر بالحماس، أريد إنهاء هذه المعركة.
مجددًا، لم أعد أستطيع الرؤية جيدًا، ذاك الضباب الأحمر الذي يزحف ببطئ حول عيني، أأتخيل أم أن الجو أصبح أكثر حرارة؟ حلقي يؤلمني، أريد أن أذهب من هنا، لم أعد أشعر بالحماس بل القلق قد تسرب إلى عقلي، الكثير من الكلمات والآلام تكتسح عقلي.
تحملي لم يبقى الكثير، رأسي بدأ يؤلمني، أريد قتلهم، يجب علي التخلص منهم، لا انتظري! ليس هذا ما أريده! التخلص منهم لا أريد!
_____
"إيان"
بدأت هجماتها تصبح أعنف وبدأت تصيب الفرسان بجروح أكبر، رغم أن ما بيدها هو مجرد قطعة من خشب، لكنها أكسبته قوة لجرح الفرسان!
بدأ الذعر والخوف يتفشي بين الفرسان، منهم من يحاول الابتعاد عنها، والبعض الآخر من حاول بكل كبرياء الوقوف أمامها، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فهي لم تترك شخص يهرب منها، لم يتبقَ سوى ثلاثة فرسان بدون "كلارا"، اسقطت "كلارا" اثنين منهم، وتبقى واحد كان مبارز بالسيف، حاول مقاتلها، لكن لم يكن لديه فرصة أمامها، بدت وكأنها مغيبة عن الواقع، تحارب وكأنها دمية، لم تكن تهدف إلى الإطاحة به، تلك النظرات!
أنا أعرفها! إنها تعتزم على قتله!
كانت تصوب سلفًا على رقبته، اختفى الضوء الخافت الذي كان ينبعث من عينها وحل محله ظلام داكن، سأكون كاذبًا لو أني قلت أني لم شعرت بذاك الظلام يخرج من عينها ليغلف كل شيء أمامها.
صرخ "جيرمي" بصوت عنيف، جعلني ألتفت له.
- جيرمي : " إيان! هذا خطير، إنها تريد قتله! أشعر بطعتشها للدماء."
كانت تلك الملامح التي تسود على ثلاثتهم، الخوف عليها؟ أم شفقة على الفارس؟
- رين بنفس ذات الملامح : " إيان! علينا إيقافها قبل فوات الأوان. "
- إيان : " هناك شيء ما خاطئ، هذه ليست شيري! "
كان الفارس يرتجف من الخوف، ربما لأنه لم يواجه موقفًا وضع فيه على المِحك، أشعر بالشفقة عليه لأنه لم يجرب أن يكون بينه وبين الموت سوى بضع خطوات، تحدث بكلماته مرتجفة من الخوف وبشفاه ترتعش.
- الفارس : " تـ.. توقفي، نـ.. نحن نتدرب، ابتعدى عني لا تقتلني، أنا أستسلم أسـ... أستسلم."
بدت لي كما لو كانت صماء، لم يشكل استسلام الفارس لها فارقًا، كغارقة في عالمٍ آخر، كان ظلام عينها يزداد مع كل خطوة تخطوها نحوه، أدرت عيني لأرى جموع الفرسان والقائد والمدربين، كان الخوف الضيف الغير مدعو الذي يعانق وجوهم، أما المدربين كانوا سعداء! لكن القائد بدى متوتر.
ارتفع صوت "جيرمي" أكثر، يبدو أن الضيف الغير مدعو ألقى تحيته عليه.
- جيرمي : " إيان! ستقتله! يجب التدخل."
كانت "كلارا" عاجزة عن الحراك من الصدمة، من تلك التي توفر لها الحماية؟
يالي من فتى، أتطلبت منها حماية القاتل؟
هي نفسها تحتاج لمن يحميها منها!
سقط الفارس أرضًا عندما أصابت قدمه بضربه بمقبض الخنجر، وهو يتوسل إليها لتتركه، وكما هي صماء، اقتربت منه ووضعت خنجرها على عنقه، وأخيرًا ارتفعت زوايا شفاها معلنة عن خروج بعض الأحرف، فمنذ بداية المعركة لم تنطق بكلمة واحدة، ارتفعت زوايا شفاهها أبتسامة نصر هي أم ابتسامة وحش؟
تحدث ولكني لم أفهم ما قالت! ألأني بعيد عنها أم أن كلمها غير مفهوم؟
- شيري : " ----- "
لم يتدخل أحد لإيقافها، أينتظرون قتلها لهذا الفارس لإكمال مخطط إعدامها؟
ألهذه الدرجة ينوون التخلص منها؟
بِتُّ متمسكًا بها أكثر من ذي قبل، ما اللغز الذي يُحاك خلفكِ في الخفاء؟
_______
"كلارا"
لا أدري ما الذي علي فعله؟
جسدي يأبى استماع عقلي ويتحرك ليفعل أي شيء، أما قلبي فهو المهين!
وحتى لو تحركت فما الذي علي فعله؟
أأذهب لأنقذ الفارس؟ أم أبعد "شيري"؟
لا أملك خيالًا بعد وضع يدي على كتفها، أستحاول قتلي مثله؟
ما الذي جعلها تتغير هكذا؟ أتمنى أن تحدث معجزة لايقافها.
فجأة! جاء صوت عال من بين الجموع!
" شـــــــــــيـــــــــــري. "
*********
Shizoka More