كذبة مميتة
في العيادة .
"لوريا"
يومٌ جديدٌ بمرضى جدد، يوم جديد في نفس المكتب الكئيب ونفس الأوراق، أبقى طوال اليوم هنا إلى أن استدعى في حالاتٍ خاصة، إما الفحص على أحد الفرسان، أو تدريب ممرضين جدد، أنا لا أشتكي من هذا العمل، لكن هذا العمل لم يكن لي منذ البداية.
كنت أحد تلاميذ معلمي الطبيب "سايمون"، كم أحن لتلك الأيام، كنت تلميذته المفضلة، لكن ساقت الأقدار وعمل الطبيب "سايمون" في المعسكر وقت حدوث الفاجعة الكبرى؛ لقلة الطاقم الطبي، تلك الفاجعة التي سلبت منا حياتنا وطموحتنا.
ثم بقيت تلميذته إلى أن تُوفِيَ بمرض معدي كان قد انتشر بين الفرسان، بعد ذلك توليت عمله لأنني كنت من ينوب عنه، أذكر أني كنت فتاة في ربيعها الواحد والعشرين، ومنذ ذلك الحين وأنا عالقةٌ هنا، لا أخرج إلى الخارج إلا للمهمات الطارئة.
أنا فتاة يتيمة لذلك ليس لي عائلة تنتظرني في أيام الإجازات التي توزع علينا كبقايا طعام، لكني أعتبر الفرسان هنا عائلتي.
لذلك لنعد للحاضر، أمضي يومًا روتينيًا مملًا، أستيقظ في الصباح أذهب للعيادة، تحضر لي ليزا الطعام هنا، أقوم بفحص الفرسان، أملأ التقارير الطبية عن حالتهم، أمنح تصريحات لأصحاب الأمراض المميتة بترك الجيش، لا أمرُ بأي مشاكل مع أحد، سوى صاحب هذه الورقة، صاحب التقارير التي تغضبني في كل مرة، وتجعل قلبي يعتصر ألمًا.
كنت أجلس على كرسي، وأمسك التقارير التي تجعلني أعجز عن فعل شيء بعلمي.
- لوريا : " إلى متى تريد مني التستر على هذا ؟"
- .... : " لبعض الوقت فقط. "
كان يجلس على الكرسي المقابل لي، ويضع رأسه بين كلتا يديه.
- لوريا : " أليس إخفاء مرضكَ عن زملائك أمر سيئ؟ عاجلًا أم آجلًا سيعرفون عن ذلك."
- ... : " أعلم، لكن أرجوكِ أمهليني بعض الوقت، حاولي إخفاء الأمر عن الجميع. "
وضعت الأوراق على مكتبي، ونظرت له أعاتبه.
- لوريا : "ما أفعله هذا يعد جريمة وأنت تعلم، أنا أتستر على مرضك، أنت لا تريد مني أن أكتب حتى عن ذلك في سجلك المرضي، ناهيك عن إخبار زملائك، كل شيء هنا يعكر صحتك، المجهود المبذول يؤثر على جسدك.
سام، أنت تنتحر، لا أريد أن أكون سببًا في موتك. "
- سام : " أعلم أن هذا يسبب لكِ متاعب، لكن أرجو منكِ ذلك، إذا تم إلحاق هذا في سجلي المرضي لن أذهب معهم إلى ساحة المعركة، بل سأُعزل وأُعامل مُعاملة الميت، سأتحرر من قيد الجيش، لكني بلا منزل وبلا أهل، من سيعتني بي؟
لا أريد الموت بعيدًا عن من أعتبرهم إخوتي، أرجوكِ يا حضرة الطبيبة. "
قال جملته الآخيرة بتوسل.
- لوريا بغضب : " ذهابكَ وأنت مريض هكذا يعد أسوء، ألا يجب أن تنظر إلى صحتك، إنها تسوء بمرور الوقت، لا أعرف إلى متى سأظل أحضر لك الدواء خِلسة عن عيون الباقين، إنه مسكن للآلام فقط يا سام، لا يعالج حالتك.
مرضك بلا علاج.
أرجوك أعد التفكير."
- سام : " إن مرضي لم يتطور بعد أليس كذلك، لم يصل لتلك المرحلة الحرجة. "
- لوريا بتنهد: "معك حق في ذلك، لكن إذا أجهدت نفسك سيتفاقم مرضك، لن نستطيع لا أنا ولا أنتَ التستر بعد ذلك عليه. "
رفع سام رأسه ونظر لي بابتسامة حزينة.
- سام : " إذًا متى سأصل إلى المرحلة التي لن أتمكن من الوقوف فيها بصحة يا طبيبة ؟"
صمت، ونظرت له نظرة شفقة وألم .
- لوريا : " سام، أنا لا أستطيع التخمين لأنك مهمل في الحفاظ على سلامة صحتك، لكن على أقل تقدير أمامك نصف عام. "
ابتسم سام ووقف.
- سام : " جيد."
- لوريا بصراخ : " ما الجيد في ذلك ؟"
- سام : " يمكننا التحضير لمعركتنا الأخيرة."
- تنهدت لوريا : " مهلًا، أنا حقًا لا أدري ما يدور في رأسك. "
ضحك ونظر لي.
- سام : " أنا أدري، فقد أصبح مؤخرًا ما يدور في رأسي هو الموز."
- لوريا بضحك : " رأس الموز. "
نظر لي بمكرٍ .
- سام : " ماذا! أنسيتِ لقبكِ يا طبيبة !"
- لوريا : " لا! توقف! لا تقله، لم أنسى. "
أخذ عبائته وهَمَّ بالخروج .
- سام : " جيد، سأغادر لا تنسي."
- لوريا : " أجل أجل، لقد صدمت قدمك في الباب."
- سام : " لا، ليس الباب هذه المرة، لقد صدمت قدمي في الكرسي."
- لوريا : " حسنًا، حسنًا، الكرسي."
هم بالخروج، لكن ألمًا اعتصر فؤادي فجأة.
-لوريا: " سام!"
التفت ونظر لي.
-سام :" نعم!"
-لوريا:" لا أريد خسارة الموز، فالموز مفيد لجعلنا مبتسمين دائمًا، أنا أحب تناول الموز."
ارتفعت زوايا شفتيه بحزن، لكنه حاول الضحك.
-سام:" أفهم من هذا، أنه اعترافٌ بحبكِ لي."
احمر وجهي خجلًا لسماع هذا، ليس هذا ما قصدته يا مغفل، أنا كنت أريد أن أخفف عنك.
-لوريا بخجل:" مـ... ما الذي تقوله يا مغفل، كيف لي أن أعترف لطفل، أنا أكبر منك بعشر سنوات."
-سام :" ثماني سنوات فقط يا أنسة لوريا!
لكن أشكركِ يا حضرة الطبيبة، أعلم أنك تحاولين التخفيف عني، لا أظن أن شخص مثلكِ يفكر في بناء عائلة بعد ما شاهدتِ من موتى حولكِ.
أتعلمين لستِ نوعي النفضل."
قمت بخلع نظارتي، وتنهدت.
-لوريا:" إذًا من هي تعيسة الحظ التي تريدها؟"
-سام:" أريدها أن تتحمل مزاحي."
-لوريا:" إذًا لن تجدها ما حييت."
-سام بصوتٍ خافت:" ربما أحب المزعجين أيضًا."
-لوريا:" ماذا قلت؟"
-سام:" لا شيء، سأتأخر عن الباقين وسيشكون في الأمر."
-لوريا:" حسنًا رافقتك السلامة."
خرج وتركني وحدي في العيادة، أمسكت بالأوراق مجددًا، عَلِق بصري بآخر مكان كان يجلس فيه، تتسل الحزن والشفقة إلى قلبي.
لا أدري ما الذي يجب عليّ فعله معكَ "سام"، ستموت على هذه الحال قريبًا، ومع ذلك أنت مُتقبل لموتك ومبتسم له، أتمنى أن تنظر لصحتك، فأنت تتعايش وكأنك بخير، أتمنى حقًا أن تكون بخير.
******
في اليوم التالي.
"رين"
كنا أنا و "سام" و "جيرمي" نجلس في الغرفة الكبيرة، أما "إيان" فهو يستيقظ آخر واحد فينا، لأنه آخر من ينام دائمًا، كنت أجلس على الأريكة أنتظر انتهاء "جيرمي" من كتابة التقرير، صحيح أنه أخبر "شيري" أن كل شخص يكتب تقارير ويسلمها لمساعد القائد.
لكن الحقيقة أن "جيرمي" هو من يكتب التقارير فينا، فهو أكثرنا جدارة في الكتابة وتنسيق الكلمات، حتى أنه يتفوق على "إيان" في هذا المجال، لذلك قال ذلك لها حتى نعرف مدى قدرتها على القراءة والكتابة، ثم إن وجود عبد يستطيع القراءة والكتابة كالذهب وسط الرمال، كما أن هذا يرفع من سعره، وهذا ينطبق عليها، فقد سمعت أن سعرها كان عالي، على الرغم من مشاكلها وهروبها المتكرر.
ها قد انتهى "جيرمي" من كتابة التقرير، بقى فقط وصولها لأذهب معها؛ لتسليمه، هيا أسرعي أرجوك، فصوت نحيب الموز عالٍ.
طُرق باب المقر أخيرًا بعد حوالي نصف ساعة رملية من سماع هذا النحيب.
قام "سام" بفتح الباب وهو يبكي، وما إن فتح الباب حتى قال بصوت عالٍ.
- سام : " لماذا؟ "
تفاجأت "شيري" من سلوك "سام" الطفولي، وهذا السلوك الغريب.
- شيري بتعجب : " لماذا ماذا؟ "
- سام : " هل حقًا شكرتهم من دوني؟"
- شيري : " وماذا في ذلك؟ "
- سام : " إنها الخيانة. "
تدخل "جيرمي" في الحديث، بينما كان يرتدي باقي زيه، كان يغلق أزرار القميص الخارجي الخاص بزية الأزرق.
- جيرمي : " كفاك نحيبًا وسلمها التقرير."
وهنا كان يجب أن أتدخل، فإن لم أوقفه فقد يذهب معاها ويبكي طول الطريق بلا توقف، بالتأكيد بكاء مصطنع، فأنا لم أرى دموعًا لـ "سام" رغم السنوات التي قضيتها هنا.
- رين : " اليوم هو دوري في التسليم، هيا بنا شيري. "
تغيرت نبرة "سام" من بكاء إلى نبرة حادة، ولمعت عيناه الخضراوتان ورفع إحدى حاجبيه، بعد أن أخذت منه التقرير وأعطيته لشيري؛ لتقرأه.
- سام : " انتظر ! "
- رين : " ماذا هناك؟ "
- سام : " أود أن أسلم التقرير اليوم. "
وضع "جيرمي" يده على كتف "سام" محاولة لمنعه من الخرج، والحقيقة التي نعرفها جميعًا أن "سام" لن يقوم بأي فعل يخالف القواعد، هو فقط يطفي جوًا مرحًا بيننا، كما أنه يحاول جعلنا يدًا واحدة، ليس بيننا شخص يكره أسلوبه - باستثناء شخص نعرفه جميعًا بالتأكيد- ، لكنه أحيانًا يسيئ اختيار الأوقات الصحيحة للمزاح.
- جيرمي : " لا تحاول، فمحاولاتك بلا فائدة، أنت مزعج أكثر بالنسبة لها، أما نحن فأقل إزعاج، أليس كذلك شيري ؟ "
لم ترد عليه واكتفت بالنظر في الأجواء.
- رين : " إن السكوت علامة الرضا، إلى اللقاء أيها المسكين سام.
لحظة نسيت عبائتي، هكذا سيتم معاقبتي، دقيقة يا شيري سأرتديها وأتي إليك."
دخلت وإلتقطت العباءة لأرتديها، بينما بقيت "شيري" بالخارج.
- سام : " لا، أنا أريد الذهاب، دعني أذهب معهم."
- جيرمي : " لا لن أدعك، هيا لنستعد للذهاب للساحة. "
عبس وجه "سام" وعقد يديه ونظر للاتجاه الآخر، زفر بشدة.
- سام : " يا لكم من أشرار. "
- جيرمي : "ما أخبار قدمك أيها المتهور ؟"
تركه "جيرمي" كي يرتدي حذاءه.
- سام : " بخير. "
- جيرمي : " ألا يجب أن تهتم قليلًا بنفسك، أنت دائم الإصابات. "
نظر "سام" لقدمه بحزن وأجاب بصوت هادئ، للحظة تخيلت أني أرى نسخة أخرى من "سام"، نسخة هادئة رزينة، نسيت أني انتهيت من ارتداء العباءة ووقفت أسمع حوارهما.
- سام : " معك حق، يجب أن أهتم بنفسي قليلًا. "
- جيرمي : " رين ألم تنتهي بعد، هكذا ستتأخر وستقف في صف طويل، أسرع. "
-رين :" حسنًا حسنًا، سأخرج."
-جيرمي :" إيان سنسبقك."
لم يكن "إيان" قد ارتدى زيه بعد، لأنه استيقظ متأخر عنا، فقد جاء إلى المقر في وقت متأخر من الليل.
- إيان : " حسنًا. "
خرجنا نحن الأربعة معًا، لكني اتخذت طريقًا مختلف عن صياح "سام".
في طريقنا، لم أتحدث في البداية وبقيت صامت، بعد أن إنتهت هي من قراءة التقرير، نظرت لي، لم أجعل عيني تقابل عينها مباشرة، إلا أني أستطيع النظر إليها وهي لا تشعر، وبما أنها لا تستطيع الكذب، فكان السؤال الذي يدور في خلدها، والذي تراقص على شفتايها هو ( لماذا لم يتكلم؟ وهل هو من سيسألني؟)، بالتأكيد أنا المعني.
كانت خصلات شعرها الأسود ترفر باتجاه الرياح، عكس طريقنا، قررت أن أتخطاها قليلًا؛ لأجعلها تظن أني لا أعيرها أي انتباه، حتى تسألني، وجاء تحليلي لهذا الموقف صحيحًا.
- شيري : " أهو دورك اليوم لتسألني؟ "
- رين باتسامة : " أجل."
- شيري : " ألن تسأل ؟ "
- رين : " لن أسأل طالما أنت لستِ مستعدة للسؤال. "
أخذت نفسًا عميقًا، واحتضنت التقرير بكلتا يديها، ونظرت للأمام.
- شيري : " يمكنك السؤال أنا بخير ."
- رين : " أمم، حسنًا، لنبدأ السؤال الأول، ما هو أكثر جزء في اليوم تحبينه ؟ "
- شيري : " الليل. "
- رين : " وأكثر جزء لا تحبيه ؟"
- شيري : " أنا لا أكره أجزاء اليوم، لكن لا أحب الحرارة العالية. "
- رين : " إذًا أنتِ لا تفضلين الصيف."
- شيري : " أجل. "
- رين : " السؤال الثاني، ما أكثر المواقف التي أزعجتك في المعسكر ؟"
- شيري : " حديثي مع ذلك المزعج. "
ضحكت على تعبيراتها التي تظهرها حالما يتحدث أحد عن "إيان"، أبطأت من خطواتي كي أواكبها.
- رين : " حسنًا، السؤال الثالث، هل أنا أيضًا مزعج ؟ "
- شيري : " أجل "
- رين : " السؤال الرابع، هل إزعاجي لكِ بنفس نسبة الباقي؟ "
فكَرت لثواني وأمالت رأسها.
- شيري : " أمم، لا أظن، فأنت أقلهم إزعاج. "
- رين : " حقًا! شكر لكِ."
- شيري : " على ماذا تشكرني؟ "
- رين : " هل يجب أن أشكركِ لسبب؟"
- شيري : " أجل..
أنا أعتقد ذلك. "
-:رين : " نحن أصدقاء أليس كذلك؟"
- شيري : " بالطبع لا. "
- رين : " لهذا أنا أشكرك."
- شيري : "لم أفهم مقصدك؟ "
- رين : " لا يهم، لننتقل للسؤال الخامس هل يمكنني أن أسأل عن فترة من فترات حياتك ؟ "
- شيري : " هل هذا ضروري؟"
- رين : " إذا أردتي، يمكنك تبديل السؤال بسؤال آخر لي. "
- شيري بلا مبالاة : " اسأل. "
- رين : " جيد.
إذًا السؤال السادس كيف استطعت الهروب من أول شخص اشتراكِ ؟"
- شيري : " ذهبت في أحد الأيام مع أحد الخدم خارج المنزل لأشتري شيء طلبته مني من كنت خادمتها، حفظت طريقة الخروج والطريق من المنزل للغابة، لأني كنت أعيش في المنطقة الجنوبية، وكانت الغابة تحيطها من جانبين.
خرجت بعد أن عزمت الهرب بعد سنوات من الدخول والخروج من المنزل، ولم يعثر عليّ إلا عندما تم إمساكي في الغابة، ثم تم بيعي مجددًا في سوق العبيد. "
كنت أصغي بعانية لهذه القصة، فها هي خطوتنا الثانية مع التفاهم معها، لقد سمحت لي بسؤالها عن حياتها، لكنها تظل سرًا لا تريد من أحد معرفته.
- رين : " يا لها من مغامرة كبيرة، لابد من أنك مررتي بمشاكل وصعاب كثيرة.
السؤال السابع والأخير، ما رأيك بحياة المعسكر هنا ؟"
- فكرت شيري للحظة : " لا أدري فلم يمر سوى يومين. "
- رين : " في خلال اليومين، بماذا تشعرين ؟"
- شيري : "أشعر بشعور أفضل نسبيًا. "
- رين : " جيد، شكرًا لكِ. "
- شيري : " مجددًا لم أفعل لك شيء. "
- رين : " أخبرتكِ.
لأننا لسنا أصدقاء أنا أشكركِ، فلا شكر بين الأصدقاء."
بدأت ملامح الإزعاج تأخذ طريقًا لوجها .
- شيري : " هل سيستمر هذا كثيرًا ؟ "
- رين : " إلى أن نكون أصدقاء. "
- شيري : " يا لهذا الإزعاج. "
انتهت هذه المحادثة وعم الصمت من جديد، أكملنا طريقنا في هدوء وبلا أي كلام، وحين شارفنا على الوصول لوجهتنا ظهر شخص ما، يرتدى زى الفرسان الأزرق بالإضافة إلى معطف أسود طويل وبغطاء للرأس يغطي أغلب ملامح وجهه، لم أستطع تميزه من هذه المسافة، لكنه بالتأكيد تعرف على وبدا وكأنه ينتظرني لأصل إليه، فقد توقف عن المشي، وظل رأسه معلق معي، تجاهلته وتقدمت في السير وعندما صار فارق المسافة بيننا صغير بحيث أستطيع سماع كلامه، تحدث.
- ... : "هذا أنت رين!
كيف حالك؟
لقد شككت في أنه أنت حالما رأيتك. "
عرفته من صوته الغريب، لا أستطيع وصف صوته لكن نبرة صوته غريبة وكأنها تهتز أثناء الحديث.
- رين : " ديفيد، لم أرك من مدة! متى عدت؟ ولماذا ترتدي هذا المعطف الأسود، أمازلت تخاف كلارا يا رجل."
تصافحنا وكانت علامات السعادة تخيم علينا، وضحكت عليه، فنحن نعرفه منذ عام فأكثر، وهو فتى مرح، لكنه ثرثار أيضًا، كما يخاف من "كلارا" أشد الخوف، لربما أصفها كوحش بالنسبه له، يخاف منها كما يخاف الأطفال الوحوش الوهمية.
- ديفيد : " لقد عدت اليوم.
لا تخبرني باسمها يا رين، لعلي أجدها خلفي.
أنا أرتدي هذا المعطف، لأني عدت اليوم ولم أغير ثيابي المتسخة بعد.
كنت أسلم التقارير لمساعد القائد، كيف هي الأحوال معكم؟
حالما وصلت سمعت أنكم ضممتم قاتلًا لفرقتكم، كما هو متوقع منكم، لقد رفضتم كثيرين، لقد أخبرني القائد بأن إيان... "
حاولت إسكات "ديفيد" فأمسكت بيده بشدة، فقد كان "ديفيد" يلقي كلام بلا أي حساب، كيف أغلق فمه هذا، لحسن حظي شعرت بضمادات على يده، فنظرت ليده، فوجدتها ملفوفة.
- رين " يا إلهي! هل أُصبت في يدك؟ "
- ديفيد : " أه أجل، قوي الملاحظة كعادتك، لقد إنزلقت من على صخرة في الجبل، وأصيبت يدي وقدمي، لكني بخير الآن. "
- رين : " يجب أن تكون أكثر حرصًا في المستقبل."
- ديفيد : " ما الذي تفعله هنا؟ "
- رين : " جئت لأسلم التقرير اليومي. "
وهنا انتبه لوجود شخص ما يقف خلفي، جيد أنه لاحظ، وإلا كان أطلق العنان لثرثرته، ولكن بعد حديثه هذا يا ليته لم يلاحظ.
- ديفيد : " لحظة! أنت لست وحدك، المعذرة لم ألحظ وجود شخص ما معك."
- رين : " لا عليك في الحقيقة، إن هذه... "
اقترب من أذني، وهمس فيها.
- ديفيد : " هل هذه الفتاة فتاتك أو ما شابه؟"
إحمر وجهي خجلًا، فما هذا الهراء الذي يتفوه به؟
مجرد تخيل أني أتقدم إلى فتاة مثل "شيري" لهو نهاية العالم، ثم كيف سيحدث هذا؟
ألم ينظر لنظراتها التي تحتقر العالم بمن فيه؟
نفيت ذلك بصوت عالي.
- رين : " بالتأكيد لا، هذه هي عضوتنا الأخيرة كما أنها هي القاتلة التي تحدثت عنها للتو. "
توتر "ديفيد" لأنه تكلم عنها أمامها، جيد، يستحق هذا لثرثرته الفارغة، لكنه تعجب من أنها لم تلقي له أي بال أو أي أهمية له، هذا طبيعي فنحن نتحدث عن "شيري".
- ديفيد : " أنا أعتذر عن سوء الفهم هذا، أنا ديفيد من الفرقة الثامنة والسبعين، سررت بلقائكِ. "
لم تقم "شيري" بأي رد فعل لهذا الترحيب، بل ظلت صامته كما هي، اكتفت فقط بالنظر له لثواني، ثم أشاحت بنظرها عنه، أشك أن هذه النظرة التي رمقته بها؛ لتخترع لقب مضحكًا له في رأسها.
- رين : " والآن اتركنا واستعد للذهاب للساحة.
هيا بنا شيري."
ابتعدت عنه وسرت متخطيًا إياه، تبعتني "شيري" في صمت ولم تلتفت وارءها، والحققيقة أني كنت متوترًا من كلمات ذلك "الثرثار الأحمق" التي لازالت تتردد في أذني، خَشِيت أن تكون "شيري" قد سمعتهم، وعندما نظرت لها، وجدتها كما هي بنظرتها اللامبالية.
- رين : " أعتذر عن سلوك ديفيد، إنه فتى مرح وساذج، كما يتحول لفتى غريب الأطوار وثرثار في بعض الأحيان."
- شيري : " مزعجون آخرون. "
- رين : " ما هي مواصفاتك عن الشخص الغير مزعج؟ "
- شيري : " ألا يكون مزعجًا."
- رين : " أنا أدري هذا، شيء أخر؟"
- شيري : " ألا يزعجني."
- رين : " أجل، ألا يوجد شيء غيره؟ "
فكرت لثواني قبل أن تعطيني إجابات سريعة مثل الأجوبة السابقة.
- شيري : " ألا يكون مزعجًا ومخادع. "
- رين : " إذًا ألا يكون مخادع يعني ألا يكون مزعجًا ؟"
- شيري : " ربما."
- رين : " يبدو أن مواصفتك واحدة لكن تأخذ عدة أشكال .
لقد قَرأتِ التقرير أليس كذلك ؟ "
- شيري : " أجل. "
- رين : " جيد لنقم بإعطاءه لمساعد القائد جون ونذهب للساحة. "
أومأت "شيري" بالموافقة وأعطتني التقرير، سلمته ثم عرجنا إلى طريق الساحة، ووصلنا في سلام والحمد لله.
في الساحة.
وصلنا إلى مكان فرقتنا، ووجدت الثلاثة مجتمعين، تحت أشعة الشمس التي تتوسط السماء، كانت الفرق مجتمعة في أماكنها، الفرق ذات الخمسة أعضاء وذات العشرة أعضاء، كان الجميع يتحدثون في آن واحد وكأنهم سرب نحلٍ خرج توًا من الخلية؛ ليهيم في الأراضي باحثًا عن رحيق.
ألقيت نظرة سريعة على الباقي قبل وصولي لهم بخطوات، سمعت حديثهم، كالعادة كان "سام" يتصنع البكاء والحزن لا أدري لماذا؟
أيعقل أنه بسبب ما حدث بالأمس، عندما شكرتنا "شيري"!
لست متأكدًا، وكان "جيرمي" يحاول التخفيف عنه ومواساته.
- جيرمي : " كفاكَ نحيبًا، سام. "
- سام : " لن تفهم ما أمر به الآن، فشعور الخيانة مؤلم. "
ضحك "جيرمي" على تعبيرات سام الطفولية، فربت على كتفه.
- سام : " يا لكم من مزعجين بحق. "
- جيرمي : " ماذا ماذا ؟ الآن نحن مزعجون؟
انظر! لقد وصل رين وشيري. "
- سام : " لن أتحدث معهم. "
التفت "سام" وأدار ظهره إلينا وعبس وجهه، وعقد ذراعيه وزفر بقوة.
- رين : " جيد لقد وصلنا في الوقت المناسب، خمنوا من وصل من رحلة الاستطلاع. "
- إيان : " الفرقة الثامنة والسبعون. "
- رين : " انتظر حتى يفكر الأخرون، لا تكن متسرعًا هكذا. "
- جيرمي : " لقد تأخروا يومين عن موعدهم الأساسي. "
- رين : " أجل كالعادة أصيب المتهور ديفيد أثناء نزوله من على الجبل."
- جيرمي بضحك : " لا لا، انتظر، لا يوجد متهور هنا أكبر من سام. "
لم يرد "سام" على كلام "جيرمي" الساخر، فتعجبت من هذا، فـفي العادة يثور "سام" على هذه السخريات.
- رين : " سام، لماذا أنت واقف هكذا؟ "
اقترب "جيرمي" من سام وأمال رأسه باتجاهه وتحدث معه بنبرة ماكرة وابتسامة ماكرة.
- جيرمي : " آخبرهم ؟ "
- سام : " أصمت."
- رين : " ما به، لا تخبرني، هل هو غاضب من حادثة أمس. "
- جيرمي : " ربما أجل، وربما نعم. "
- سام : " كفا حديثًا، سنبدأ الآن "
ضحك "جيرمي" لأنه يعلم أن "سام" يحاول تغيير الموضوع.
وفي عالم موزاٍ لنا، كانت "شيري" تقف وكأنها حقًا في عالمها الخاص، بلا نظرات تدل على أنها تشاركنا نفس المكان ونفس الهواء، تقف بلا مبالاة، بلا أي اهتمام لما حولها، يا إلهي أهي صنم أم ماذا؟
بدأت المدرب يقول التعليمات بصوت عالي.
بدأنا تدريباتنا وكانت اليوم مختلفة، إذ أنها على شكل مبارزات ثنائية أي محاكاة تدريبة لساحات المعركة، حيث يتم الاختيار عشوائيا بين الفرسان، ويتنافس أربعون فارسًا في نفس الوقت، كما أن زمن الجولة الواحدة عشر دقائق، وهناك فاصل بين كل جولة والأخرى ثلاث دقائق.
كانت تقال أسماء الفرسان من قبل المدربين، بالإضافة إلى مساعد القائد، ومن ثم يتجمع كل ثنائي؛ ليتعارفوا ويتناقشوا في كيفية القتال ونوعه الذي سيشكلانه معًا، حيث قسمت أسمائنا على المدربين، وهم من يخترون.
وقع اخيار "شيري" و "كلارا" كثنائي، وكانت "كلارا" مرتاحة لذلك، كنت أتحرق شوقا لرؤيتها تقاتل مع "إيان" لكانت انسحبت وخسرت على أن تتقبل معها "إيان" في نفس الفريق، حمدلله فقد تم اختيار شريك تعرفه سلفًا، وهذا لن يضعنا في بعض المشكلات.
- كلارا : " يبدوا أنني سأرى أخيرًا قوتك يا فتاة، لا أريد أخطاء. "
- شيري : " الأمر ينطبق عليكِ في الأخطاء فقط. "
- كلارا : " حظًا موفقًا."
ووقع اخياري مع فتى يدعى"أرثر" كثنائي، ربما سمعت بعض الأقاويل عنه، أنه فتى قوي أيضًا، يبدو أكبر مني سنًا، أشعر بالضيق لأنني أبدو صغير السن، رغم أن عمري تسعة عشر عامًا.
- أرثر : " مرحبًا، أنا الفارس أرثر من الفرقة الرابعة عشر. "
- رين : " أنا رين من الفرقة 44. "
- أرثر : " سمعت عنك، ألست عبقري السيف ؟"
- رين : " أجل. "
- أرثر : " إنه لشرف لي أن أراك تقاتل، لنبذل جهدنا."
أومأت برأسي موافق على كلامه، فأنا ألقب بعبقري السيف منذ سنوات، لكن على ما أذكر كانت بداية مناداتي بهذا اللقب عندما حميت القائد "هينري" من القتل، في محاولة لقتله دُبِرت له، لا يهم التفاصيل الآن، المهم أنه بخير الآن.
وقع اختيار "إيان" و "ألبرت" كثنائي، يا لِحظه السيئ!
أرجو ألا يجعله "إيان" يفقد صوابه، فإذا ما أطلق العنان لتحليلاته، سيجعل مستمعه يصاب بالجنون، لنأمل أن يمر هذا اليوم على خير.
- ألبرت : " لا أصدق أنني مع عبقري الخطط إيان نفسه، أه نسيت أن أقدم نفسي أنا..."
قاطعه "إيان"، وهو لا ينظر له من الأساس.
- إيان : " ألبرت من الفرقة التاسعة والخمسين. "
- ألبرت : " حقًا! أنت تعرف من أنا! إنه شرف لي. "
نظر له "إيان" نظرات إزدراء، إلا أن هذا لم يفلح مع "ألبرت"، فحماسه يطغى عليه بشكل كبير، بالتأكيد سيعاني هذا المسكين من شريكه.
- إيان : " من الأفضل أن تقلل الكلام، وتعمل قدر الإمكان. "
- ألبرت بحماس : " بالتأكيد فشريكي هو إيان. "
أجزم أن "ألبرت" يظن أن "إيان" يشجعه، والحقيقة أنه يريد أن يغلق فمه.
وقع اخيار "سام" و "روبرت" كثائي، والجيد في الأمر أن "سام" يعرف "روبرت" سلفًا، لذا لن يكون هناك مشاكل كثيرة هنا في هذا الثنائي.
- سام : " روبرت! يا للمصادفة، من الجيد أنك بخير ."
- روبرت : " أنا خجل من نفسي، فبفضل مساعدتك لى يومها كنت سأكون في عداد الموتى لا محالة. "
- سام : " لا تقل هذا، هذا واجبي، من الجيد أنك هو شريكي. "
- روبرت : " أليس من الأفضل أن يكون معك أعضاء فرقتك ؟"
- سام : " لا، فهذه المعارك أُسست؛ لتعزيز العمل الجماعي في أثناء الحروب، من المحتمل أن تكون مع شخص لم تره من قبل، وواجب عليك القتال معه، فكيف ستواكبه أو كيف ستجعله يواكبك؟
هذا ما تُعلمنا إياه هذه المعارك الثنائية. "
- روبرت : " إن هذه الأمور ما زالت مبهمة قليل بالنسبة إليّ، لكنني سعيد برؤيتك بصحة جيدة أخى، شكرا لك. "
- سام : " لا شكر بين الإخوة. "
وقع اختيار "جيرمي" و "آلن" كثنائي، أخيرًا ثنائي يحق القول عليه ثنائي.
إن "آلن" كان العضو الخامس في فرقتنا لفترة امتدت سنة تقريبًا، كان رجل بحق، ذكي وقوي ومواكب لنا، في الحقيقة من لا يعرف "جيرمي" و "آلن" جيدًا سيقول أنهما إخوه، فكلاهما متشابهان في كثيرًا من الخصال، وضف على ذلك تشابه بنيتهما الجسدية، فـ "جيرمي" أطولنا بأكتاف عريضة وبنية جسدية متينة وكبيرة.
و"آلن" نفس الحديث أيضًا، فالاختلاف الجوهري بينهما هو لون بشرتهما، "جيرمي" بشرته سمراء، أما "آلن" فبشرته حنطية، وأيضًا لون الشعر متقارب، لكن لون شعر "آلن" فاتح بعض الشيء، أما لون العيون ف"جيرمي" عيناه صفراء وأحيانا أراها ذهبية، أما "آلن" فهي زرقاء تمامًا.
- آلن : " أُنظر لأعضاء فرقتك، يبدو فقط أن سام هو من يشعر بشعور جيد، أما إيان فيبدو كالطفل الصغير الذي يأكل البروكلي مجبرًا."
- جيرمي بضحك : " أجل معك حق، إن إيان شكله يجعلني أضحك عندما يغضب، أما سام فيعتبر روبرت كأخاه الصغير، بالإضافة إلى أنه قد أنقذه من الموت في أول تجربة له في القتال، وروبرت يدين له بمعروف. "
- آلن : " رين ما زال صغيرًا، من الجيد عدم ظهور العمر على وجه."
- جيرمي : " ربما نعم، وربما لا.
انظر هناك إلى كلارا، أترى تلك الفتاة ذات العيون الحمراء بجانبها؟"
وأشار بإصبعه إلى "شيري".
- آلن : " أجل، تبدو غير مألوفة، لا أظن أني رأيتها من قبل هنا، عيناها مميزتان. "
- جيرمي : " إنها العضو الخامس لفرقتنا."
تعجب "آلن" من سماعه لهذا الكلام.
- آلن : " فتاة؟!"
- جيرمي : " أجل ."
- آلن : " غريب! ظننت أنكم ستختارون فتى، لكن باختياركم لها، أعتقد أن لها مهارات تستحق المشاهدة، وإذا اختارها إيان فبالتأكيد هي ذات نفع كبير. "
- جيرمي : " أصبت في ذلك تمامًا."
- آلن : " كعضو أسبق، بالتأكيد سأعرف ذلك. "
- جيرمي : "معك حق، كنت أفضل عضو انضم إلينا.
هيا بنا لنأخذ مواقعنا. "
ذهب كل ثنائي في الأماكن المحددة لهم، حيث يتقاتلون جميعًا في الساحة، وكل شخص عدا شريكه يعتبر خصما له، والفائز من يهزم خصمه، أو يصمد إلى حين نهاية الوقت، ويخسر الفريق الذي يستسلم أحد أعضائه، أو ينهار أحد منه.
قُسمت الكتيبة إلى أربعين مجموعة تحتوي على أربعين ثنائي، لكن بحساب عدد الأعضاء المتغيبين عن التدريب لعدة أسباب، أصبح العدد ثمانية وثلاثين مجموعة، ويتم اختيار المجموعات عشوائيًا.
كانت مجموعة "شيري" و"كلارا" هي الأخيرة، أما أنا و "إيان" ففي المجموعة الثالثة، ومجموعة "جيرمي" و"آلن" في الحادية عشرة، ومجموعة "سام" و"روبرت" في الخامسة والعشربن.
كان القائد "هينري" يراقب هذه المحاكاة التدريبة من الأماكن المخصصة للقادة، وبجانبه مساعده جون.
- هينري : " أنا متحمسٌ لأداء الفرسان.
جون! أعلن بداية المعارك. "
أومأ "جون" بالموافقة، والتفت للفرسان وقال بصوت عالٍ.
- جون : " انتباه، أعلن بداية المعارك التدريبة، فلتبدأ المجموعة الأولى. "
******
Shizoka More