تقرير
اليوم الأول.
"شيري"
فتحت عيني بعد نوم دام لساعاتٍ، أشعة الشمس الذهبية التي تتسلل إلى فراشي من تلك النافذة الصغيرة هي من أيقظتني، رفعت يدي من تحت الغطاء ووضعتها على رأسي لأبعد أشعة الشمس عن عيني، أغمضت عيني مجددًا.
يقولون أن النوم راحة، لكني لا أجد راحة في النوم، بعض الأحلام الضبابية التي تلاحقني، وبعض الأشخاص مجهولي الهوية والوجوه الذين يظهرون لي فيدمرون لحظات راحتي، صرت أكره النوم بسببهم، والآن عليّ النهوض والذهاب لفرقة المزعجين الخمسة.
لحظة أنا من هؤلاء الخمسة، أقصد المزعجين الأربعة، لا يهم.
رفعت يدي عن رأسي وفتحت عيني، ثم رفعت الغطاء من على جسدي، ونهضت من على الفراش، ونظرت لنفسي في المرآة الصغيرة الموضوعة بجانب خزانة الملابس، لم أعتد بعد على مظهري هذا، كنت أرتدي منامة سوداء وجدتها في الخزانة، من الظاهر أنها توزع على الجميع هنا، كانت أكمامها كبيرة علي، كما أنها فضفاضة أيضًا، لكنها كانت مريحة، لم أرتدِ شيئًا مثلها منذ أن كنت صغيرة.
هل يا ترى سأستطيع الشعور ببعض مشاعر طفولتي؟ أم أن هذا مثل ما أسمع الهدوء قبل العاصفة، هل ستأتي عاصفة أخرى تمحي هذا الاطمئنان؟
ويحي! فيمَ أفكر؟ لا يجب أن أنظر إلى ما هو محرم بالنسبة لي، لا يجب أن أحلم بالكثير، فأنا أحمل ذنبًا عظيمًا، لن أستطيع العيش كباقي البشر ما لم أتخلص من هذا الماضي الأسود، ولن أستطيع التخلص منه حتى بموتي، تنهدت، لا يهم هذا الآن فالباقون ينتظرونني.
عدلت شعري المبعثر إثر نومي بيدي، وخلعت تلك المنامة السوداء، وارتديت زيّي، وخرجت من غرفتي، واتجهت إلى الحمام الموجود في طابقي وهو الثالث، انتهيت ثم نزلت إلى الطابق الأول وسجلت حضوري هناك، بالتأكيد لم أكتشف ذلك وحدي، فقد بقيت "رأس التفاحة" تخبرني بالكثير والكثير حالما عدت أمس من مطعم المعسكر.
وبالطبع كانت تثرثر عن إنجازاتها في إدارة ذلك المسكن، وأنها رفضت الكثير من المناصب الإدارية لأنها لا تريد تغيير لون زيها، فهو يليق بلون شعرها، واكتفت ببعض الشارات الموضوعة على كتفها، ربما جال بفكري أننا سنمضي دهورًا هكذا، وهي تقص لي عن أمجادها، وأنا أجلس مثل الصنم أستمع لها، وما حطم هذا التفكير هو دخول إحدى الفارسات برسالة من القائد يطلب فيها "رأس التفاحة"، وهكذا انتهت جلسة الأصنام تلك.
خرجت من المسكن متجهة إلى مقر الفرقة، وقد بدت الطرقات لي مألوفة بعض الشيء، كما أن نظرات الفرسان من حولي لم تعد تلك التي كنت أتلقاها وأنا أرتدي سوار العبودية، يخيل لي أحيانًا أنني فارسة مثلهم، لكن كابوسي الأكبر يطاردني، ويحطم أي فكرة جيدة عني.
وصلت مقر الفرقة، أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته، لأزيل التوتر عنّي، ثم ألقيت نظرة سريعة على زيّي وتأكدت أنه جيد، ثم رفعت يدي وطرقت الباب مرتين، وانتظرت دقائق.
ألقيت نظرة سريعة حول المقر فلم تتح لي الفرصة سابقًا أن أعرف مكان عملي الجديد، فوجدت جذع شجرة كبيرة على يمين المبنى، وفأس وبعض قطع الأخشاب المكسورة سلفًا، إذن الفرسان هم من يتولون تقطيع الأخشاب؛ ليتدفئوا رغم أننا في الشتاء لكن لا أشعر ببرودة الغابة التي كنت أشعر بها، ربما لأننا في نهاية فصل الشتاء.
أعلم كم يكون العمل مؤلم بالذات في فصل الشتاء، كنت أبقى اليوم بطوله وأنا أقطع تلك الأخشاب، وكنت أوَبَخ دائمًا لأنها تتلطخ ببقع من دمائي إثر الجروح التي كانت تغطيني آنذاك، ويزداد الأمر سوءًا عندما تسقط السماء ثلوجها، كم كانت أيامًا صعبة ومؤلمة.
قُطع انغماسي في ذكرياتي المريرة بفتح الباب، بظهور شخص ما.
- رين: "مرحبًا شيري، كيف هو يومك؟"
نظرت له بتعجب، فاليوم لم يبدأ بعد، فكيف سأعرف كيف هو؟ كما أنني لم أتلقَّ أمرًا واحدًا بعد، فكيف أحكم على هذا العمل وأنا لم ألبث فيه سوى ليلة تقريبًا!
- شيري: "لم يبدأ لأعرف."
- رين: "إذًا أجيبي بأنه كان جيدًا."
- شيري: "لم يبدأ فكيف لي أن أعرف أنه جيد لأجيبك؟"
عقد حاجبيه وذراعيه، وعبس وجه.
- رين : "قولي هكذا فحسب، قولي أنه سيكون جيدًا."
- شيري : "أتعلم، سيكون مزعجًا بوجودكم في هذا اليوم. "
ابتسم بمرح رغم أنه كان منذ ثواني عابس الوجه، أنزل كلتا ذراعيه، وأشار لي بالدخول، فدخلت، وجدت "رأس الموزة" و "صاحب العيون الأربع" في الغرفة الكبيرة.
- سام : "مجددًا، بدلًا من أن تقولي صباح الخير، أو مرحبًا، أو ها قد وصلت.
تقولين مزعج بوجودنا، ألا تملكين كلمات غيرها في قاموسكِ؟"
كان "رأس الموزة" يرتدي حذائه وهو جالس على الأريكة، أليس هذا الفتى شديد التزمر؟ عندما كنت طفلة لم أتزمر هكذا مثله، يا إلهي إنه مزعج ويغيظني بكلامه السخيف هذا، ليت الجميع يبقون صامتين ويكتفون بلغة الإشارة.
- جيرمي: "هيا بنا للعمل، فاليوم جاءتنا تعليمات جديدة.
سأكون أنا اليوم من سيخبرك عن نظام التدريبات هنا."
- سام : "وأنا سأخبرك بنظام المملكة ومن هم أعداؤنا."
قالها بعد أن انتهى من ارتداء حذاءه الطويل، ثم وقف ووضع يده اليمنى على جانبه الأيمن، والأخرى أشار بها إلى رأسه، وكان ينظر لي في زهوٍ وكبرياء.
- رين: "وأنا المسؤول عن تعاملاتك مع الفرسان الآخرين، لا تقلقي، لن نكون قاسين معك."
ألقيت بنظري إلى الاتجاه الأخر، ناحية الخريطة الكبيرة المعلقة على الحائط، والتي لم أفهم منها شيء.
- شيري: "مزعج. "
- جيرمي: "تعالي في الخارج شيري."
خرج كلانا من المقر، واتجهنا ناحية الشمال، المكان الذي لم ألقي نظرة عليه، تواجدت طاولة خشبية صغيرة، وحولها مقعدين خشبين صغيرين، لأكون أكثر دقة كانا جذعي شجرتين كبيران.
جلس هو على أحد المقاعد، وأشار لي لأجلس على الآخر، فجلست.
كان الجو نهارًا والشمس لم تتوسط السماء بعد، كما أن الطقس كان صحوًا، ولم أرى سُحبًا كثيرة في السماء بل بضع سحابات ربما قد ضلت الطريق، نسمات هواء خفيفة محملة بعبق الزهور التي تتواجد بين الأشجار حولنا، هذا هو الجو الذي اعتدت العيش عليه.
نظرت أمامي، فوجدته ينظر لي، أيعقل أنه كان ينتظرني لأنهي تأملي، بالتأكيد أنا أتوهم، فلم أجد من يعاملنى برفقٍ إلى الآن، هذه بالتأكيد أحد شروط العمل الجديد، بدأ في الحديث معي، و كان في حوزته بعض الأوراق التي بمجرد أن جلس وضعها على الطاولة الخشبية وبدأ الكتابة فيها.
-جيرمي : "ما رأيك في هذه المقاعد؟"
-شيري : " رأي؟"
-جيرمي: " أجل، كيف تبدو في عينك؟"
-شيري : "جذع شجرة كبيرة."
يبدو أن اجابتي كانت منطقية أكثر من اللازم، مما دفعه لترك القلم والورق والنظر لي، وعلى محياه ارتسمت ابتسامة صغيرة، لحظة لم أنتبه أنه لا يرتدي نظارته.
-جيرمي: "أعلم أنها جذع شجرة، أنا أسأل عن رأيكِ بها، أهي جيدة الصنع؟ أم رديئة؟ أتحتاج شيء ما لتكون مريحة في الاستخدام؟ هذا ما أود سماعه منك."
وضعت يدي على حافة الجذع الذي كنت أجلس عليه، يالا الدهشة التي اعترتني، كان الجذع أملس جدًا، على الرغم من مظهره فقد نُحت ببراعة، إلى جانب أنه ليس سيئ الجلوس عليه، فليس بمستوٍ من الأعلى إلى حد التألم عند الجلوس فترة طويلة، تم تصميم الجزء العلوي بشكل جيد، يناسب وضع الفخذين عليه بلا آلم، بالتأكيد لقد علمت هذه المعلومات عندما كنت أنحت لأحد الملاك البغيضين الذين كانوا يحبون المنحوتات.
-شيري: "إنه جيد."
- جيرمي:" إلى أي حد؟"
-شيري:" إلى الحد الذي يجعله جيدًا."
-جيرمي: "وماذا بعد؟"
أعتقد أنه لن يمل من السؤال عن هذه المقاعد.
-شيري: إنه جيد للحد الذي أقول عنه أنه جيد، فقد نُحتت الجوانب جيدًا، وصُمم المقعد ليناسب الجلوس لفترات طويلة."
ربما كان يرد هذه الإجابة من البداية، فقد اتسعت ابتسامته.
-جيرمي:" أتعلمين أنني من نحتهما؟
كما نحت الكثير من الأشياء في المقر، إذا أحببتي يمكنني أن أريكِ؟"
-شيري:" لماذا؟"
-جيرمي:" سأكون صريحًا معك، منذ أن رأيتك وأنتِ تتفحصين الأشياء حولك، كل شيء، لكن عينك تثبت على المنحوتات والأسلحة والأثاث المصنوع من الأخشاب، لذا خمنت أنكِ قد تكونين مهتمة بهم من باب الجمال، واتضح أنكِ مهتمة بها من باب العمل، الظاهر لي أنكِ تستطيعين النحت، عينك تُقيَّم ما ترى من ناحية الجودة."
أذهلني ذكاءه حقًا، ربما قد يكون تناول العديد من أدمغة الحيوانات حتى أصبح ذكيًا هكذا، لكن لماذا لا أشعر ناحيته بالعداء؟
-شيري: " أجل، أصبت."
- جيرمي: " إذًا لنبدأ دروسنا، ذَكٌريني، في أي كتيبة نحن، وفي أي فرقة؟"
- شيري: " الكتيبة العاشرة، الفرقة 44. "
- جيرمي: " حسنًا، نظام المعسكر هذا لم يكن موجودًا من زمن طويل، فقد تم استحداثه من حوالي ثلاثمائة عام تقريبًا، لأنه قبل ذلك لم يكن ذا فائدة.
هناك تقريبًا خمسون معسكرًا في مملكتنا، ويختلف عدد الفرسان فيه باختلاف المكان.
معسكرنا يتكون من عشر كتائب فقط، ونحن الكتيبة الأخيرة والأقل عددًا، ونسمى بكتيبة الطوارئ.
لسنا من الناس الذين يذهبون للجبهة في المقام الأول، نحن نهتم بالدوريات والرحلات الاستطلاعية التي تستطلع أماكن تواجد العدو، بالإضافة إلى أعمال التجسس كلها تقع على عاتقنا، وهناك بعض المهام الصغيرة توكل للأكفاء هنا، مثل: مهام الحراسة الشخصية لشخصيات ذات سلطة."
ثم أردف قائلًا بعد أن انتهى من كتابة الورقة التي كانت في يده ووضعها جانبًا.
- "لدينا مائة شخص كطاقم طبي وهذا عدد قليل، لكن كافِ نوعًا ما لإصاباتنا.
ومائتي شخص كحراس للمعسكر، والفرسان، وللمراقبة، وغالبًا ما يكونون من مركز القيادة.
ومائة شخص للإدارة هنا وعلى رأسهم القائد هينري ومساعده جون.
ومائة وسبعون فرقة. منها: مائة وخمسون فرقة تحتوي على عشرة أعضاء، وعشرون فرقة تحتوي على خمسة أعضاء، ونحن منهم."
- شيري: "لماذا يختلف عدد الأعضاء؟ "
- جيرمي: " هناك عدة أسباب. منها: أن يكون الأعضاء هم من طلبوا ذلك، أو أنهم مثيرون للمشاكل فيتم إبعادهم عن الباقي، أو أنهم فرقة قوية بما يكفي لاكتفائهم بعددهم. "
انتابي الفضول لمعرفة سبب عزل هؤلاء عن الباقين، فقد لاحظت أن تواجد الفرسان حولهم قليل مقارنة بما رأيت أمس عند المطعم.
- شيري : " وأنتم؟"
ابتسم لسؤال، لا شك أنه يعلم أني أريد معرفة بعضٍ من الغموض الذي يخيّم عليهم، وها قد آثَرَ عدم إخباري وأراد مضايقتي.
رفع رأسه، ووضع القلم الذي كان يكتب به على فمه ونظر لي.
- جيرمي : " أمم، لماذا تسألين؟ ألم تقولي أنكِ يستحيل أن تكوني فضولية تجاهنا؟"
- شيري بتلعثم: "لم أقصد التطفل، بل.."
أسند يديه على الطاولة وأمال رأسه على ذراعه، ونظر ليّ نظرة مكرٍ وابتسم، قاطعني.
- جيرمي: "حقًا!"
أدرت رأسي للجانب الأخر وقلت بنبرة ضيق.
- شيري: " لا أريد أن أعرف."
- جيرمي بابتسامة: "حسنًا لنكمل.
يتم تطبيق نظام التدريبات على قوة الفرق، لكل فرقة اختصاصها، ولكل فرقة تدريباتها الخاصة، لكن للجميع أشياء مشتركة، لذلك ستتعاملين مع غيرك.
في بداية كل يوم نكتب تقريرًا عن اليوم الذي يسبقة ونسلمه لمساعد القائد جون، بعدها نذهب للساحة الكبيرة، ونقوم بالتدريبات المشتركة بينا، وربما تكون هناك محاكات لساحات المعركة.
وبعد انتهاء التدريبات الصباحية نذهب لتناول الطعام ومن ثم نقوم بأداء مهماتنا الفردية، وهذا هو روتين اليوم ما لم يكن هناك مهمة طارئة.
ويتم إرسال التقرير مع شخصين لمساعد القائد، واليوم هو دورك أنت وإيان."
بمجرد سماعى لاسمه المزعج سرت قشعريرة في جسدي، وغضبت، فلما أرافق ذلك " المزعج"؟
- شيري: "ماذا؟"
- جيرمي: " أجل، لا تعترضي.
فعندما يكون هناك عضو جديد يجب أن يذهب كثيرًا؛ كي يحفظ الطرق فربما تضلين طريقك أثناء سيرك."
- شيري : " يستحيل أن أفقد طريقي، لم أفقده أبدًا في حياتي. "
- جيرمي : " إذًا كيف تستطيعين حفظ الطريق بسهولة هكذا ؟"
- شيري : " هل هذا سؤال من أسئلة اليوم؟"
- جيرمي : " لا لا، انسي الأمر.
لقد انتهيت من التقرير، لقد كان دوري اليوم.
آه، نسيت! كل يومٍ يكتب شخص مختلف التقرير، يحبُ عليكِ قراءة التقرير جيدًا؛ لتتعلمي كيفية كتابته، لأنكِ ستكتبين بعد خمسة أيام تقريرًا بنفسك. "
- شيري : " كم هذا ممل!"
أخذت التقرير منه ووقفت، لكن تعابيري تغيرت إلى خوف وانزعاج، بعد رؤيتي للـ "مزعج" يقترب.
- جيرمي : " ها هو إيان، وصلتَ في وقتك كالعادة، كحد السيف في دقته، لقد انتهيت، التقرير مع شيري يمكنكما الذهاب. "
مازال شعور الخوف يسري في جسدي، ما يزعجني أكثر أنه هادئ ولا يُعطى لي أي اهتمام، فلماذا أشعر أنا بالخوف؟ نظراته باردة مثل البارحة، من حسن حظي شعرت بقدومه، لم يخفي أصوات أقدامه، اقترب من الطاولة.
- إيان : " لقد استغرقت اليوم أربع عشرة دقيقة بدلًا من تسع دقائق في كتابة التقرير."
- جيرمي: " سامحني، كنت أشرح ما طلبت مني شرحه."
- إيان : " حسنًا. لا يهم، هيا بنا"
لم ينظر "المزعج" لي، بل اكتفى بالسير متقدمًا عني بخطوة أو خطوتين وأنا أسير صامتة خلفه أحمل التقرير بكلتا يدي، كما أنني كنت ألقي نظرة للطريق وأخرى للتقرير لأقرأه وأفهم عن ماذا يتحدث.
والغريب أن هذا التقرير كان يتحدث عني، فقد كُتب فيه عن أمر وصولي وخطط الفرقة للتعاون معي، وكيفية تدريبي، وانتهى بتعهد منهم على تحمل جميع أخطائي، لحظة! أنا لست طفلة ليتحمل أحد أخطائي، هؤلاء المتعجرفين الحمقى، يظنون أنني طفلة.
مما فهمته أن ما يسمى بالتقرير، يتحدث عن ما جرى في كل يوم يسبق يوم تسليمه لمساعد القائد، لكن عن ماذا سأكتب، أسكتب عن إزعاج الحمقى لي؟ أم عن ثرثرة "رأس التفاح" ؟ جيد أنه لم يطلب مني حد معين لحجم التقرير، خطرت لي فكرة، سأكتب بضع أسطر وينتهي الأمر - ضحكة إنتصار-.
في أثناء السير لم يقل "المزعج" كلمة واحدة وكذلك أنا، كما أنه كان يتجاهل أي شخص يلقى عليه التحية من زملائه الفرسان، ياله من تصرف متغطرس، لو كنت مكانه لكنت ... أمم ربما سأعتمد تصرفه فأنا أكره الاختلاط بالبشر، حسنا لأحيد عن وجهة نظري فيما يخص هذا التصرف.
ترقبٌ لما قد يتحدث عنه "المزعج" هذا ما كان يرقص حول وجهي.
أسيتحدَث عن ماضيّ مجددًا؟ أم سيختبرني؟ أم سيتعمد إغاظتي؟ ولحسن الحظ لم يدم صمته كثيرًا، فقد تحدثت الجثة.
- إيان : " أنتِ؟"
- شيري: " ماذا تريد؟"
- إيان : " هل أنتِ مستعدة للأسئلة؟"
تقرير
اليوم الأول.
"شيري"
فتحت عيني بعد نوم دام لساعاتٍ، أشعة الشمس الذهبية التي تتسلل إلى فراشي من تلك النافذة الصغيرة هي من أيقظتني، رفعت يدي من تحت الغطاء ووضعتها على رأسي لأبعد أشعة الشمس عن عيني، أغمضت عيني مجددًا.
يقولون أن النوم راحة، لكني لا أجد راحة في النوم، بعض الأحلام الضبابية التي تلاحقني، وبعض الأشخاص مجهولي الهوية والوجوه الذين يظهرون لي فيدمرون لحظات راحتي، صرت أكره النوم بسببهم، والآن عليّ النهوض والذهاب لفرقة المزعجين الخمسة.
لحظة أنا من هؤلاء الخمسة، أقصد المزعجين الأربعة، لا يهم.
رفعت يدي عن رأسي وفتحت عيني، ثم رفعت الغطاء من على جسدي، ونهضت من على الفراش، ونظرت لنفسي في المرآة الصغيرة الموضوعة بجانب خزانة الملابس، لم أعتد بعد على مظهري هذا، كنت أرتدي منامة سوداء وجدتها في الخزانة، من الظاهر أنها توزع على الجميع هنا، كانت أكمامها كبيرة علي، كما أنها فضفاضة أيضًا، لكنها كانت مريحة، لم أرتدِ شيئًا مثلها منذ أن كنت صغيرة.
هل يا ترى سأستطيع الشعور ببعض مشاعر طفولتي؟ أم أن هذا مثل ما أسمع الهدوء قبل العاصفة، هل ستأتي عاصفة أخرى تمحي هذا الاطمئنان؟
ويحي! فيمَ أفكر؟ لا يجب أن أنظر إلى ما هو محرم بالنسبة لي، لا يجب أن أحلم بالكثير، فأنا أحمل ذنبًا عظيمًا، لن أستطيع العيش كباقي البشر ما لم أتخلص من هذا الماضي الأسود، ولن أستطيع التخلص منه حتى بموتي، تنهدت، لا يهم هذا الآن فالباقون ينتظرونني.
عدلت شعري المبعثر إثر نومي بيدي، وخلعت تلك المنامة السوداء، وارتديت زيّي، وخرجت من غرفتي، واتجهت إلى الحمام الموجود في طابقي وهو الثالث، انتهيت ثم نزلت إلى الطابق الأول وسجلت حضوري هناك، بالتأكيد لم أكتشف ذلك وحدي، فقد بقيت "رأس التفاحة" تخبرني بالكثير والكثير حالما عدت أمس من مطعم المعسكر.
وبالطبع كانت تثرثر عن إنجازاتها في إدارة ذلك المسكن، وأنها رفضت الكثير من المناصب الإدارية لأنها لا تريد تغيير لون زيها، فهو يليق بلون شعرها، واكتفت ببعض الشارات الموضوعة على كتفها، ربما جال بفكري أننا سنمضي دهورًا هكذا، وهي تقص لي عن أمجادها، وأنا أجلس مثل الصنم أستمع لها، وما حطم هذا التفكير هو دخول إحدى الفارسات برسالة من القائد يطلب فيها "رأس التفاحة"، وهكذا انتهت جلسة الأصنام تلك.
خرجت من المسكن متجهة إلى مقر الفرقة، وقد بدت الطرقات لي مألوفة بعض الشيء، كما أن نظرات الفرسان من حولي لم تعد تلك التي كنت أتلقاها وأنا أرتدي سوار العبودية، يخيل لي أحيانًا أنني فارسة مثلهم، لكن كابوسي الأكبر يطاردني، ويحطم أي فكرة جيدة عني.
وصلت مقر الفرقة، أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته، لأزيل التوتر عنّي، ثم ألقيت نظرة سريعة على زيّي وتأكدت أنه جيد، ثم رفعت يدي وطرقت الباب مرتين، وانتظرت دقائق.
ألقيت نظرة سريعة حول المقر فلم تتح لي الفرصة سابقًا أن أعرف مكان عملي الجديد، فوجدت جذع شجرة كبيرة على يمين المبنى، وفأس وبعض قطع الأخشاب المكسورة سلفًا، إذن الفرسان هم من يتولون تقطيع الأخشاب؛ ليتدفئوا رغم أننا في الشتاء لكن لا أشعر ببرودة الغابة التي كنت أشعر بها، ربما لأننا في نهاية فصل الشتاء.
أعلم كم يكون العمل مؤلم بالذات في فصل الشتاء، كنت أبقى اليوم بطوله وأنا أقطع تلك الأخشاب، وكنت أوَبَخ دائمًا لأنها تتلطخ ببقع من دمائي إثر الجروح التي كانت تغطيني آنذاك، ويزداد الأمر سوءًا عندما تسقط السماء ثلوجها، كم كانت أيامًا صعبة ومؤلمة.
قُطع انغماسي في ذكرياتي المريرة بفتح الباب، بظهور شخص ما.
- رين: "مرحبًا شيري، كيف هو يومك؟"
نظرت له بتعجب، فاليوم لم يبدأ بعد، فكيف سأعرف كيف هو؟ كما أنني لم أتلقَّ أمرًا واحدًا بعد، فكيف أحكم على هذا العمل وأنا لم ألبث فيه سوى ليلة تقريبًا!
- شيري: "لم يبدأ لأعرف."
- رين: "إذًا أجيبي بأنه كان جيدًا."
- شيري: "لم يبدأ فكيف لي أن أعرف أنه جيد لأجيبك؟"
عقد حاجبيه وذراعيه، وعبس وجه.
- رين : "قولي هكذا فحسب، قولي أنه سيكون جيدًا."
- شيري : "أتعلم، سيكون مزعجًا بوجودكم في هذا اليوم. "
ابتسم بمرح رغم أنه كان منذ ثواني عابس الوجه، أنزل كلتا ذراعيه، وأشار لي بالدخول، فدخلت، وجدت "رأس الموزة" و "صاحب العيون الأربع" في الغرفة الكبيرة.
- سام : "مجددًا، بدلًا من أن تقولي صباح الخير، أو مرحبًا، أو ها قد وصلت.
تقولين مزعج بوجودنا، ألا تملكين كلمات غيرها في قاموسكِ؟"
كان "رأس الموزة" يرتدي حذائه وهو جالس على الأريكة، أليس هذا الفتى شديد التزمر؟ عندما كنت طفلة لم أتزمر هكذا مثله، يا إلهي إنه مزعج ويغيظني بكلامه السخيف هذا، ليت الجميع يبقون صامتين ويكتفون بلغة الإشارة.
- جيرمي: "هيا بنا للعمل، فاليوم جاءتنا تعليمات جديدة.
سأكون أنا اليوم من سيخبرك عن نظام التدريبات هنا."
- سام : "وأنا سأخبرك بنظام المملكة ومن هم أعداؤنا."
قالها بعد أن انتهى من ارتداء حذاءه الطويل، ثم وقف ووضع يده اليمنى على جانبه الأيمن، والأخرى أشار بها إلى رأسه، وكان ينظر لي في زهوٍ وكبرياء.
- رين: "وأنا المسؤول عن تعاملاتك مع الفرسان الآخرين، لا تقلقي، لن نكون قاسين معك."
ألقيت بنظري إلى الاتجاه الأخر، ناحية الخريطة الكبيرة المعلقة على الحائط، والتي لم أفهم منها شيء.
- شيري: "مزعج. "
- جيرمي: "تعالي في الخارج شيري."
خرج كلانا من المقر، واتجهنا ناحية الشمال، المكان الذي لم ألقي نظرة عليه، تواجدت طاولة خشبية صغيرة، وحولها مقعدين خشبين صغيرين، لأكون أكثر دقة كانا جذعي شجرتين كبيران.
جلس هو على أحد المقاعد، وأشار لي لأجلس على الآخر، فجلست.
كان الجو نهارًا والشمس لم تتوسط السماء بعد، كما أن الطقس كان صحوًا، ولم أرى سُحبًا كثيرة في السماء بل بضع سحابات ربما قد ضلت الطريق، نسمات هواء خفيفة محملة بعبق الزهور التي تتواجد بين الأشجار حولنا، هذا هو الجو الذي اعتدت العيش عليه.
نظرت أمامي، فوجدته ينظر لي، أيعقل أنه كان ينتظرني لأنهي تأملي، بالتأكيد أنا أتوهم، فلم أجد من يعاملنى برفقٍ إلى الآن، هذه بالتأكيد أحد شروط العمل الجديد، بدأ في الحديث معي، و كان في حوزته بعض الأوراق التي بمجرد أن جلس وضعها على الطاولة الخشبية وبدأ الكتابة فيها.
-جيرمي : "ما رأيك في هذه المقاعد؟"
-شيري : " رأي؟"
-جيرمي: " أجل، كيف تبدو في عينك؟"
-شيري : "جذع شجرة كبيرة."
يبدو أن اجابتي كانت منطقية أكثر من اللازم، مما دفعه لترك القلم والورق والنظر لي، وعلى محياه ارتسمت ابتسامة صغيرة، لحظة لم أنتبه أنه لا يرتدي نظارته.
-جيرمي: "أعلم أنها جذع شجرة، أنا أسأل عن رأيكِ بها، أهي جيدة الصنع؟ أم رديئة؟ أتحتاج شيء ما لتكون مريحة في الاستخدام؟ هذا ما أود سماعه منك."
وضعت يدي على حافة الجذع الذي كنت أجلس عليه، يالا الدهشة التي اعترتني، كان الجذع أملس جدًا، على الرغم من مظهره فقد نُحت ببراعة، إلى جانب أنه ليس سيئ الجلوس عليه، فليس بمستوٍ من الأعلى إلى حد التألم عند الجلوس فترة طويلة، تم تصميم الجزء العلوي بشكل جيد، يناسب وضع الفخذين عليه بلا آلم، بالتأكيد لقد علمت هذه المعلومات عندما كنت أنحت لأحد الملاك البغيضين الذين كانوا يحبون المنحوتات.
-شيري: "إنه جيد."
- جيرمي:" إلى أي حد؟"
-شيري:" إلى الحد الذي يجعله جيدًا."
-جيرمي: "وماذا بعد؟"
أعتقد أنه لن يمل من السؤال عن هذه المقاعد.
-شيري: إنه جيد للحد الذي أقول عنه أنه جيد، فقد نُحتت الجوانب جيدًا، وصُمم المقعد ليناسب الجلوس لفترات طويلة."
ربما كان يرد هذه الإجابة من البداية، فقد اتسعت ابتسامته.
-جيرمي:" أتعلمين أنني من نحتهما؟
كما نحت الكثير من الأشياء في المقر، إذا أحببتي يمكنني أن أريكِ؟"
-شيري:" لماذا؟"
-جيرمي:" سأكون صريحًا معك، منذ أن رأيتك وأنتِ تتفحصين الأشياء حولك، كل شيء، لكن عينك تثبت على المنحوتات والأسلحة والأثاث المصنوع من الأخشاب، لذا خمنت أنكِ قد تكونين مهتمة بهم من باب الجمال، واتضح أنكِ مهتمة بها من باب العمل، الظاهر لي أنكِ تستطيعين النحت، عينك تُقيَّم ما ترى من ناحية الجودة."
أذهلني ذكاءه حقًا، ربما قد يكون تناول العديد من أدمغة الحيوانات حتى أصبح ذكيًا هكذا، لكن لماذا لا أشعر ناحيته بالعداء؟
-شيري: " أجل، أصبت."
- جيرمي: " إذًا لنبدأ دروسنا، ذَكٌريني، في أي كتيبة نحن، وفي أي فرقة؟"
- شيري: " الكتيبة العاشرة، الفرقة 44. "
- جيرمي: " حسنًا، نظام المعسكر هذا لم يكن موجودًا من زمن طويل، فقد تم استحداثه من حوالي ثلاثمائة عام تقريبًا، لأنه قبل ذلك لم يكن ذا فائدة.
هناك تقريبًا خمسون معسكرًا في مملكتنا، ويختلف عدد الفرسان فيه باختلاف المكان.
معسكرنا يتكون من عشر كتائب فقط، ونحن الكتيبة الأخيرة والأقل عددًا، ونسمى بكتيبة الطوارئ.
لسنا من الناس الذين يذهبون للجبهة في المقام الأول، نحن نهتم بالدوريات والرحلات الاستطلاعية التي تستطلع أماكن تواجد العدو، بالإضافة إلى أعمال التجسس كلها تقع على عاتقنا، وهناك بعض المهام الصغيرة توكل للأكفاء هنا، مثل: مهام الحراسة الشخصية لشخصيات ذات سلطة."
ثم أردف قائلًا بعد أن انتهى من كتابة الورقة التي كانت في يده ووضعها جانبًا.
- "لدينا مائة شخص كطاقم طبي وهذا عدد قليل، لكن كافِ نوعًا ما لإصاباتنا.
ومائتي شخص كحراس للمعسكر، والفرسان، وللمراقبة، وغالبًا ما يكونون من مركز القيادة.
ومائة شخص للإدارة هنا وعلى رأسهم القائد هينري ومساعده جون.
ومائة وسبعون فرقة. منها: مائة وخمسون فرقة تحتوي على عشرة أعضاء، وعشرون فرقة تحتوي على خمسة أعضاء، ونحن منهم."
- شيري: "لماذا يختلف عدد الأعضاء؟ "
- جيرمي: " هناك عدة أسباب. منها: أن يكون الأعضاء هم من طلبوا ذلك، أو أنهم مثيرون للمشاكل فيتم إبعادهم عن الباقي، أو أنهم فرقة قوية بما يكفي لاكتفائهم بعددهم. "
انتابي الفضول لمعرفة سبب عزل هؤلاء عن الباقين، فقد لاحظت أن تواجد الفرسان حولهم قليل مقارنة بما رأيت أمس عند المطعم.
- شيري : " وأنتم؟"
ابتسم لسؤال، لا شك أنه يعلم أني أريد معرفة بعضٍ من الغموض الذي يخيّم عليهم، وها قد آثَرَ عدم إخباري وأراد مضايقتي.
رفع رأسه، ووضع القلم الذي كان يكتب به على فمه ونظر لي.
- جيرمي : " أمم، لماذا تسألين؟ ألم تقولي أنكِ يستحيل أن تكوني فضولية تجاهنا؟"
- شيري بتلعثم: "لم أقصد التطفل، بل.."
أسند يديه على الطاولة وأمال رأسه على ذراعه، ونظر ليّ نظرة مكرٍ وابتسم، قاطعني.
- جيرمي: "حقًا!"
أدرت رأسي للجانب الأخر وقلت بنبرة ضيق.
- شيري: " لا أريد أن أعرف."
- جيرمي بابتسامة: "حسنًا لنكمل.
يتم تطبيق نظام التدريبات على قوة الفرق، لكل فرقة اختصاصها، ولكل فرقة تدريباتها الخاصة، لكن للجميع أشياء مشتركة، لذلك ستتعاملين مع غيرك.
في بداية كل يوم نكتب تقريرًا عن اليوم الذي يسبقة ونسلمه لمساعد القائد جون، بعدها نذهب للساحة الكبيرة، ونقوم بالتدريبات المشتركة بينا، وربما تكون هناك محاكات لساحات المعركة.
وبعد انتهاء التدريبات الصباحية نذهب لتناول الطعام ومن ثم نقوم بأداء مهماتنا الفردية، وهذا هو روتين اليوم ما لم يكن هناك مهمة طارئة.
ويتم إرسال التقرير مع شخصين لمساعد القائد، واليوم هو دورك أنت وإيان."
بمجرد سماعى لاسمه المزعج سرت قشعريرة في جسدي، وغضبت، فلما أرافق ذلك " المزعج"؟
- شيري: "ماذا؟"
- جيرمي: " أجل، لا تعترضي.
فعندما يكون هناك عضو جديد يجب أن يذهب كثيرًا؛ كي يحفظ الطرق فربما تضلين طريقك أثناء سيرك."
- شيري : " يستحيل أن أفقد طريقي، لم أفقده أبدًا في حياتي. "
- جيرمي : " إذًا كيف تستطيعين حفظ الطريق بسهولة هكذا ؟"
- شيري : " هل هذا سؤال من أسئلة اليوم؟"
- جيرمي : " لا لا، انسي الأمر.
لقد انتهيت من التقرير، لقد كان دوري اليوم.
آه، نسيت! كل يومٍ يكتب شخص مختلف التقرير، يحبُ عليكِ قراءة التقرير جيدًا؛ لتتعلمي كيفية كتابته، لأنكِ ستكتبين بعد خمسة أيام تقريرًا بنفسك. "
- شيري : " كم هذا ممل!"
أخذت التقرير منه ووقفت، لكن تعابيري تغيرت إلى خوف وانزعاج، بعد رؤيتي للـ "مزعج" يقترب.
- جيرمي : " ها هو إيان، وصلتَ في وقتك كالعادة، كحد السيف في دقته، لقد انتهيت، التقرير مع شيري يمكنكما الذهاب. "
مازال شعور الخوف يسري في جسدي، ما يزعجني أكثر أنه هادئ ولا يُعطى لي أي اهتمام، فلماذا أشعر أنا بالخوف؟ نظراته باردة مثل البارحة، من حسن حظي شعرت بقدومه، لم يخفي أصوات أقدامه، اقترب من الطاولة.
- إيان : " لقد استغرقت اليوم أربع عشرة دقيقة بدلًا من تسع دقائق في كتابة التقرير."
- جيرمي: " سامحني، كنت أشرح ما طلبت مني شرحه."
- إيان : " حسنًا. لا يهم، هيا بنا"
لم ينظر "المزعج" لي، بل اكتفى بالسير متقدمًا عني بخطوة أو خطوتين وأنا أسير صامتة خلفه أحمل التقرير بكلتا يدي، كما أنني كنت ألقي نظرة للطريق وأخرى للتقرير لأقرأه وأفهم عن ماذا يتحدث.
والغريب أن هذا التقرير كان يتحدث عني، فقد كُتب فيه عن أمر وصولي وخطط الفرقة للتعاون معي، وكيفية تدريبي، وانتهى بتعهد منهم على تحمل جميع أخطائي، لحظة! أنا لست طفلة ليتحمل أحد أخطائي، هؤلاء المتعجرفين الحمقى، يظنون أنني طفلة.
مما فهمته أن ما يسمى بالتقرير، يتحدث عن ما جرى في كل يوم يسبق يوم تسليمه لمساعد القائد، لكن عن ماذا سأكتب، أسكتب عن إزعاج الحمقى لي؟ أم عن ثرثرة "رأس التفاح" ؟ جيد أنه لم يطلب مني حد معين لحجم التقرير، خطرت لي فكرة، سأكتب بضع أسطر وينتهي الأمر - ضحكة إنتصار-.
في أثناء السير لم يقل "المزعج" كلمة واحدة وكذلك أنا، كما أنه كان يتجاهل أي شخص يلقى عليه التحية من زملائه الفرسان، ياله من تصرف متغطرس، لو كنت مكانه لكنت ... أمم ربما سأعتمد تصرفه فأنا أكره الاختلاط بالبشر، حسنا لأحيد عن وجهة نظري فيما يخص هذا التصرف.
ترقبٌ لما قد يتحدث عنه "المزعج" هذا ما كان يرقص حول وجهي.
أسيتحدَث عن ماضيّ مجددًا؟ أم سيختبرني؟ أم سيتعمد إغاظتي؟ ولحسن الحظ لم يدم صمته كثيرًا، فقد تحدثت الجثة.
- إيان : " أنتِ؟"
- شيري: " ماذا تريد؟"
- إيان : " هل أنتِ مستعدة للأسئلة؟"
صمتت للحظة وأخذت شهيق طويلًا وأجبت.
- شيري : " أجل."
- إيان : " إذًا، لنبدأ بالسؤال الأول.
ما هو لونك المفضل؟"
تعجبت لهذا السؤال الغريب، فقد كنت أتوقع أن يسألني عن والديي! أو كيف كانت أول مرة قتلت فيها؟ عن مسقط رأسي؟ أو كيف أضحيت من العبيد؟ أشياء من هذا القبيل .
- شيري : " ما هذا السؤال؟ "
- إيان : " هل استبدلتِ سؤالي بهذا السؤال؟ عليكِ الإجابة بصدق هذا ما اتفقنا عليه، أم أنك تنوين الهرب من الإجابة؟ "
- شيري بغضب : " لا.
حسنًا، الأحمر. "
- إيان : " السؤال الثاني، ما طعامك المفضل؟"
- شيري : " طعا_مي؟ لا أدري. "
- إيان : " تكذبين إذن."
- شيري : " لا لا أكذب، حقًا لا أدري ما هو طعامي المفضل. "
- إيان : " السؤال الثالث، لماذا؟ "
انزعجت بشدة وتحدثت بانفعال شديد.
- شيري : " سحقًا لك! لأني عندما كنت صغيرة عشت في الغابة وكنت آكل الحيوانات التي أصطادها، وعندما أصبحت من العبيد كان يقدم لي بقايا الطعام، لذا لا أجد فيه طعمًا جيدًا. "
- إيان : " حسنًا، السؤال الرابع، ألم يتبادر في ذهنك أي طعم لشيء تذوقتِه، ولو لمرة واحدة وكان طعمه جيدًا عندما سألتك؟ "
توالت الذكريات التي حاولت جاهدة دفنها، بسؤال واحد منه خرجت إلي عقلي كثمار نضجت وحان وقت حصادها، تسلل الحزن إلى عيني.
- شيري بصوت حزين : " أريد استبدال هذا السؤال. "
- إيان بابتسامة : " لكِ ذلك، ما سؤالكِ؟"
رفعت رأسي، ونظرت له وسألته بكل جدية.
- شيري : " لماذا أنت مزعج هكذا ؟ "
رفع كتفيه، كعلامة تدل على عدم معرفة الجواب لسؤالي.
- إيان : " لا أدري. "
- شيري : " هل تمزح معي؟ أنت تكذب."
- إيان : " لا أكذب فأنتِ من تراني هكذا، فكيف أعرف ما تفكرين به دون أن تقولي؟
والآن السؤال الخامس، لماذا أنا مزعج؟ "
- شيري بغضب : " أنت تمزح، وما أدراني؟ "
- إيان : " عليك الإجابة. "
- شيري : " تبًا لك! لأنك تتحدث بطريقة وكأنك تعرف كل شيء، ونظراتك مخيفة كما أنك ذكي و ... "
توقفت وأنزلت رأسي للأسفل.
- إيان : " ماذا؟ لماذا توقفتِ؟ "
- شيري : " لقد أجبت. ما السؤال التالي؟ "
- إيان : " حسنًا، السؤال السادس، ما سلاحكِ المفضل؟"
- شيري : " الخناجر والسيوف، وأفضل الخناجر."
- إيان : " حسنًا، السؤال السابع والأخير لهذا اليوم، كيف تستطيعين حفظ الطرق بسهولة كبيرة؟"
- شيري : " أريد استبدال هذا السؤال."
- إيان : " تفضلي."
- شيري بصوت جاد : " كيف عرفت عدد الأشخاص الذين قتلتهم؟"
صمت للحظة، ونظر لي بتلك الأعين السماوية النقية، إلا أنها لا تتماشي مع مكر تلك الابتسامة التي ابتسمها لي.
- إيان : " من الملاحظة."
- شيري : " الملاحظة؟ كيف هذا؟"
- إيان : " لا يمكنني الإجابة، فقد انتهت الأسئلة لليوم."
وصل الغضب بي أقصى مراحله.
- شيري : " يا لك من مخادع! إجابتكَ قصيرة ولم أفهم. "
- إيان : " وما ذنبي أنكِ لا تستطيعين الفهم؟ بدلًا من أن تنعتينا بالمزعجين، ادرسي بشكل جيد؛ لتتعلمي الفهم.
لقد وصلنا.
أعطني التقرير."
أعطيته التقرير بقوة، ولم أنظر له فقد أدرت رأسي للجانب الأخر، لأني منزعجة بشدة، وأريد إبعاد غضبي.
- شيري : " مزعج. "
ذهب "المزعج" ومعه التقرير، وبطريقة مُنضبطة تحدث مع مساعد القائد، كأنه شخص مختلف تمامًا عن الذي كان يتحدث معي.
- إيان " حضرة المساعد جون، أنا الفارس إيان من الفرقة 44، جئت لتسليم التقرير. "
- جون : " حسنًا. "
أخذ منه التقرير، ثم توجه إلي وتحدث، وها قد عادت ابتسامته الماكرة من جديد، وكأنه كان يبدل بين أقنعة وجهه بكل يسر وسهولة.
- إيان : " هيا بنا للساحة الكبيرة. "
ذهبنا إلى الساحة الكبيرة، والتي لم تكن بعيدة عن مكان استلام التقارير، تلك التي أتيت إليها أمس، لكن اليوم هي مليئة بالفرسان، بمختلف الأشكال، لقد تعرفت على وجه بعض العبيد الذين كانوا يرافقوني بالأمس، عجبًا، لقد اختلف مظهرهم كثيرًا، هل هكذا لن يعرفني أحد؟ تبًا، من ذا الذي سيخطئ ملاحظة العيون الحمراء؟
ووجدنا هناك باقي الأعضاء المزعجين.
********
"سام"
ألقيت نظرة على "شيري" و "إيان" وهما قادمان نحونا، ويا ليتني لم أنظر! فقد كانت تحوم حولهما أجواء غضب وضيق، بالإضافة إلى ملامح وجوههما المتشاحنة، اقتربت من "رين" وهمستُ له.
- سام : " يا إلهي! ألا يبدو أنهما قتلا بعضهما أكثر من مرة!"
- رين : " معك حق، لكن ألا ترى أن إيان يبدو مستمتعًا! انظر لقد ابتسم ابتسامة الانتصار خاصته. "
- جيرمي : " إنهما بخير، وهذا مطمئن. "
- سام : " يجب أن نبعدهما عن بعضهما قبل وقوع الكارثة."
- رين :" أبعدهما أنت إذن. هذه فكرتك، وأنت نفذها."
- سام :" ماذا! لماذا؟
حسنا يا رين، سترى كيف أجعل شيري تبتسم."
-رين:" لماذا لم تقل إيان أيضًا؟"
-سام :" من يقدر على جعل العبقري الوسيم يضحك؟ بل من يقدر على فهم ما يدور في فضاء عقله الواسع؟ هو أدرى بنفسه أكثر منا، أما صغيرتنا فهي ما زالت لا تعلم شيئًا عن المرح."
-رين:"حسنًا، أنا أشجعك بقلبي.
لن أتدخل في عملك الطائش، سأتدخل فقط إن وجدت رأسك يتدحرج أمامي."
وضعت يدي على رقبتي، وتألمت من حديث "رين" عن رأسي، فبدى وكأنني أبكي.
- سام:" لماذا تقول هذا! لا أريد منك شيئًا, حتى تشجيعك، اتركه لنفسك."
-جيرمي :" أرى أن تحاول يا سام، فأنت أكثرنا بهجة ومرحًا."
-سام:" أشكرك يا جيرمي، أنت خير داعم لنا.
تبًا لك يا رين! ألا تستطيع التعلم ولو قليلًا من جيرمي؟ فهو مثل منقذنا."
ابتسم "جيرمي" ابتسامة خجل، ووضع يده على رأسه.
-جيرمي:" عن أي منقذ تتحدث، لم أفعل شيء سوى قول الصواب، لكن الحق أنك دائمًا تجعلنا نضحك."
اقتربت من "جيرمي" ووضعت يدي على كتفه، واحتضنته.
-سام:" لا تحاول التقليل من شأنك.
فأحيانًا أشعر كما لو أنك أمير بلاد العجائب، وقد جئت لتنقذنا من مصائرنا المحتومة."
شعرت ولأول مرة بتسارع نبضات قلب "جيرمي"، وتوتر تنفسه، يبدو أن كلامي ألمه، فمن سيتطيع إعفاءنا من مصير الفرسان سوى الموت.
-جيرمي بتردد :" عن أي منقذ تتحدث يا سام؟ أنا مثلي مثلكم، لا أستطيع المساعدة سوى بالمساندة، أعتذر لك."
وضع "جيرمي" يده على ظهري وربت عليه، فابتعدت عنه كي لا أنتهك مساحته الشخصية، عدت لأتحدث ببهجة من جديد، ففتحت ذراعي ورفعت رأسي للسماء وأغلقت عيني.
-سام:" لا يهم يا صاح، المهم أننا نأكل ونشرب كل يوم."
-إيان:" بل إنها الأهم أننا نعيش تحت سقفٍ واحد، ونملك قوت يومنا، يا سيد مهمل."
تدخَلَ "إيان" في الحديث أفزعني نوعًا ما، عندما التفت إليهما وجدت "شيري" تقف وهي عاقدة ليديها، وهذه الحركة أعتقد أنها لا تقوم بها سوى عندما تنزعج من شيء ما، أما "إيان" فذهب إلى حقيبة الطعام التي أحضرها رين معنا، وتناول تفاحة.
أنزلت يدي ووضعت يدي على رأسي، فتخللت خصلات شعري الأشقر بينهما، أخذت شهيقًا طويلًا ثم ذهبت إلى "شيري" ، وحاولت أن أبهجها، وجعلت تعابير الهدوء تنساب إلى محياي.
- سام : " كيف كان الطريق، شيري؟ "
- شيري : " مزعج."
-سام:" أكان مزعجًا لأن إيان رفيقك؟
أم أن الجو العام للطريق هو ما كان مزعجًا؟"
-شيري :" بل المزعج هو المزعج ذاته."
-سام: " هل من المطلوب مني أن أفهم لغة الإزعاج خاصتكِ؟ ربما يجب أن تعطينا قاموسًا خاصًا بالإزعاج؛ لنعرف متى تكونين غاضبة أو منزعجة، والأهم من تقصدين بكلماتك تلك."
ضحك "جيرمي" واقترب منا ووضع يده على كتفي.
- جيرمي : " دعك من الإزعاج يا سام، فهذا واضح وضوح الشمس، هي تقصد إيان. كما أنها تنفث نار بدل الهواء، ومن يجعلها تصل لهذه المرحلة هو عبقرينا المزعج."
ثم أردف قائلًا بعد أن وجهّ كلامه لها :" هذا هو مكان فرقتنا، لذا تذكريه جيدًا، أتمنى من الإله أن يبطل لعنة الإزعاج التي حلت علينا."
تعالت ضحكاتي أنا و"جيرمي"، وبالتأكيد النار التي تنفثها "مزعجتنا الصغيرة" ، وددت لو أكملت ضحكي، ولكن حديثنا قُطع، أو لنقل ضحكنا قُطع بواسطة المدرب وهو يقول " انتباه ".
بعد انتهاء التدريبات ذهبت الفرق إلى المطعم لتناول وجبة الفطور، وبعدها تذهب كل فرقة إلى مقرها، ما لم يحدث شيء مستجد.
******
في المقر.
"جيرمي"
بعد انتهاء التدريبات الصباحية، وتناولنا الطعام، ذهبنا نحن الخمسة إلى المقر، دخل البقية إلى الداخل، أما أنا و "شيري" بقينا في الخارج، ننظر إلى الأسلحة التي قد وضعتها سلفًا عليها، حتى نحدد الفئة التي ستنضم إليها، جمعت سيوفًا بأشكال مختلفة وإنحناءات متعددة، كما وضعت أقواس وأسهم، وبعض الخناجر، بالطبع لم أحضر أسلحة أخرى حتى تكون معنا في نفس التدريبات.
ربما كان قرار أنانيًا مني لكنني أخشى أن تذهب في تدريب مختلف عنا فتقحم نفسها في المشاكل، لأنها ببساطة مغناطيس للمشكلات.
كما أن "إيان" أخبرني أنها تحب السيوف والخناجر، لذلك هذا يدعم قراري، ولا ضير من جعلها تختار منهم.
- جيرمي : " إذًا شيري، أنت تفضلين استخدام الخناجر والسيوف، أليس كذلك؟"
- شيري : " أجل. "
- جيرمي " انظري، لقد جمعت لكِ مجموعة مميزة من الأسلحة، هناك السيوف بأحجامها المختلفة، وبعض الخناجر المتينة، وأيضًا أقواس وأسهم، هيا اختاري لكِ سلاحك. "
ظلت تنظر إليهم، ولا تبدو علامات الرضا عليها، لم يعجبها شيء مما أمامها، رفعت رأسها ونظرت إلي.
- شيري : " لا أريد شيئًا من هذه الخناجر."
- جيرمي " ما الذي تريدينه؟ "
- شيري : " ذلك الخنجر الذي هاجمت به ذلك المزعج. "
أمسكت ذقني بيدي، وبدأت أستذكر متى هاجمت "المزعج"، أقصد "إيان".
- جيرمي : " آه، تذكرت! ذلك الخنجر ذو اليد الذهبية من الأمس! "
- شيري : " أجل. "
- جيرمي : " لماذا تريدينه؟ "
- شيري : " إنه خفيف وجيد في الاستخدام، كما أن طوله جيد لي وبه انحناء صغير في الأمام، سيساعدني هذا كثيرًا. "
- جيرمي : " حسنًا، سأحضره لكِ،
ما رأيك بالرماية ؟"
كانت الكلمة غريبة عليها، فأمالت رأسها ونظرتْ في تساؤل.
- شيري: " الر_ماية، هل تعني أن أرمي العدو بأي شيء؟ "
ضحكتُ على تفكيرها الطفولي، يا إلهي كيف لهذه الفتاة أن ترعب الجميع، لو رأوا كيف تفكر لماتوا ضحكًا عليها، هدأت من ضحكي ثم أنزلت يدي وأمسكت القوس والسهم.
- جيرمي : " لا، لا أقصد هذا، الرماية هي أن تمسكي قوسًا وتضعين سهمًا على وتره بشكلٍ عمودي، وتصوبين على العدو أو على أي هدفٍ تريدينه، وتتركين السهم فيطير؛ ليصيب العدو أو الهدف."
- شيري بتعجب : " وهل هذا ممكنٌ حقًا! "
- جيرمي : " أجل ممكن، دعينى أريك، أترين ذلك العمود الأزرق؟"
أشرت بسبابتي على عمود أزرق في الطريق المؤدي إلى المقر، وهذه الأعمدة الملونة تشير إلى أماكن تواجد الفرق، وتقسم بالألوان حسب عدد أعداد الفرق، فاللون الأزرق يشير إلى الفرق المكونة من 5 أعضاء، واللون الأسود يشير إلى الفرق المكونة من 10 أعضاء، وهذه تستخدم كعلامات في الخريطة.
- شيري : " أجل."
-جيرمي :" جيد، اجمعي كل تركيزك على أعلى نقطة فيه، ولا تحركي عيناك عنه."
أومأت إليّ، ثم أدارت رأسها إلى العمود وجعلت عينها صوبه.
أمسكت بسهمٍ، ووضعته على وتر القوس الذي أمسكته، ووقفت وقفة مستقيمة، وركزت على أعلى نقطة فيه تركيزًا شديدًا، أغمضت عيني اليسرى، وصوبت اتجاه العمود، وما إن تركت السهم حتى استقر في أعلى نقطة فيه.
اتسعت عيناها من الذهول، وشعرت لو أنها رأت شيء من عالم آخر، أعجبني أني أريتها شيء جديد عليها، لكن هذا أحزنني في نفس الوقت، فكم من أشياء قد حرمت منها هذه الفتاة، فهل سنجعلها كبش فداء لنا لننهي ما بدأناه منذ زمن، ونضحي بهذه الفتاة في سيبل نجاتنا.
لم أستطع إبعاد بصري عنها، كان وجهها بريئًا في هذه اللحظة، وهي تتابع السهم المعلق في الأعلى بتعجب. وكيف استقر هكذا، وكيفية عمل القوس والسهم، تأملت ملامحها، إنها تستطيع إظهار ملامح مثل تلك، لم تعد عينها حادة كما كانت بالأمس، ربما هناك طريقة لإنقاذها من هذا الجحيم.
أبعدت هذا الأفكار عن رأسي، وابتسمت لأجلها واقتربت من هذا الفتاة المذهولة.
- شيري : " يا إلهى، هذا مدهش حقًا، لم أعلم شيء عن هذا."
- جيرمي : " إذا ، ما رأيك بالتدرب عليه ؟ "
- شيري بسعادة : " أجل، موافقة. "
- جيرمي : " لكن عليك التدرب أيضًا على المبارزة بالسيف، فيجب على كل فرفة أن تجمع جميع الاختصاصات. "
أعطيت لها القوس وأحد الأسهم، حاولت الإمساك بهما كما كنت أمسكهم، لكنها فشلت بالتأكيد، فوتر القوس كان غليظ.
- شيري : " وما هي اختصاصاتكم ؟ "
كنت أقف خلفها أصحح لها وقفتها، فقد كانت تقف وقفة الهجوم المستعد على الانقضاض على فريسته، فجعلتها تستقيم وترخي نفسها قليلًا، أمسكت بيدي كلتا يديها، وجعلتهما على الوضع الصحيح، كما أنني عدلت من رأسها، فشعرت بأنفاسها على يدي وقد بدتت متوترة أيضًا، فابتسمت لأني رأيت الخجل يتسلل إلى وجنتيها، ربما لم تفقد كل صفات الأنوثة بعد.
ساعدتها على إمساك السهم بطريقة صحيحة، حيث وقفت خلفها وأمسكت يديها التي تمسك بالقوس والأخرى التي تمسك بالسهم، وشددت السهم، ولأنني كنت قريب منها فشعرت بنبضات قلبها المتسارع، كما أنني كنت طويلًا عنها بفارق كبير، لذا كان لزامًا عليّ أن أنحني لأجعل رأسي في مستوى قريب من رأسها، صرت أسمع صوت أنفاسها القصيرة، وهي تزفرها من شدة التوتر والخجل، والتي أشك في أنها ستفارق رأسي لفترة.
- جيرمي : " أنا وسام اختصاصنا الرماية، رين وإيان اختصاصهم المبارزة، نحن نجيد كل شيء لكن كل شخص يبرع في اختصاص واحد. "
- شيري : " لم يكن لديكم شخص يجيد استخدام الخنجر ؟"
ابتسمت ابتسامة تردد، وأبعدت عيني عن الهدف، يبدو أنها تتحدث لتبعد التوتر والخجل عنها، طريقة جيدة، لكن ما سأقوله الآن سبجعلها تغضب بلا شك.
- جيرمي : " في الحقيقة، إيان يستخدمه لكن ليس كثيرًا "
- شيري : " ذلك المزعج مجددًا "
شعرت بأنفسها تتغيرت عن التي سمعتها قبلها، وهذا دليلٌ على تغير مزاجها.
-جيرمي:" يجب عليك الهدوء أثناء رمي السهم، فالتركيز أساس الإنجاز والتصويب، أنت قوية، لذا كل ما تحتاجينه هو الهدوء. خذى نفس عميقًا، واغمضي عين واحدة، وانظري بعينك الأخرى فقط، هذا يساعد على التركيز في النظر."
-شيري :" حسنا."
نفذت ما قتله لها، شددت على معصمها وسحبت السهم وانتظرت حتى تصب كل تركيزها على العمود، ثم جعلت يدها تترك السهم فترك القوس واستقر في العمود، رأيت كيف تبدلت قسمات التركيز على وجهها إلى فرحٍ بما أنجزت، ابتعدت عنها وعدلت ظهري الذي ألمني من الانحناء، كيف كانت ترى من هذا الارتفاع المتدني، رغم أنها تعتبر طويلة مقارنة بباقي الفتيات، بالتأكيد إن "كلارا" استثناء فقد خلقت للتدريبات، لا يهم هذا الآن.
- جيرمي : " حسنًا، أنا لدى أعمال لأنجزها، تدربي إلى حين غروب الشمس بالقوس وبعد ذلك تدربي على الخنجر، ريثما تنتهين من القوس والسهم سأكون أحضرت لكِ خنرجك، سيذهب رين لإحضار الطعام وسيحضر حصتك معه، لذا لستِ مضطرة للذهاب للمطعم."
- شيري : " حسنًا. "
تركتها تتدرب على استخدام القوس والسهم، ودخلت إلى المقر .
جلست على أكبر مقعد فيه واستلقيت عليه وعقدت كلتا يديي خلف رأسي وأسندت رأسي عليهما، بالتأكيد بعد أن خلعت حذائي وسترتي الخارجية، فأنا أكره الاستلقاء بالحذاء.
كان "رين" فقط من رأيت في الغرفة.
- جيرمي : " أرى تقدمًا ملحوظًا في تصرفاتها، إنها تسأل وتتفاعل معنا جيدًا، بالمقارنة بالأمس. "
- رين : " أنا أتفق معك، لكن إذا كنا سنبذل مجهود هكذا، فلماذا لم نحضر رجل أقوي من البداية ؟ لم لم نترك آلن معنا؟ "
أغمضت عيني، فقد جالت كل تلك الأفكار في خلدي منذ أشهر، لكن إيان بددها لي.
- جيرمي : " هذه خطة إيان، تناقش معه."
- رين : " وهل سيتقبل ذلك العبقري أي كلام في هذا الموضوع ؟"
- جيرمي : " إنها تتدرب بجد، وهذا جيد، لكن كونها معتادة على الغابة لن تجد صعوبة في الهرب، وإذا لم تهرب من هنا، يمكن أن تهرب منا إذا ما ذهبنا خارج المعسكر. "
- رين : " أتفق معك، لكنني أخيرًا سأذهب إلى ساحة المعركة، هذا ما يهمني."
-:جيرمي : " أتمنى أن نحقق إنتقاماتنا في أسرع وقت، وألا نضطر إلى استخدام شيري. "
خرج "إيان" من الحمام، كعادته أول من يستحم بيننا، فهو دائما ما يحجز الحمام أولًا، وهنا نحن نتبع طريقة الأدوار في التناوب عليه، كان يضع منشفته على كتفه، وشعره مبلل بالكامل تتساقط قطرات الماء منه على كتفيه، كان يرتدي قميصًا أبيض مفتوح الأزرار، وبنطال المنامة السوداء، حقًا ما أجمل هذا المنظر المبعثر لـ "إيان"، أحيانا أتمنى لو كنت أستطيع الرسم فأرسم لوحة بهذا المظهر وأقوم بمضايقته بها، حالما يتصيد لي الأخطاء، فهو يتعمد الظهور بمظهر جيد طوال الوقت، رغم أني شريكه في الغرفة إلا أنني نادرًا ما أراه في مظهر غير مهندم.
- إيان : " أمازلتم معترضين عليها ؟"
- رين : " ليس الأمر إعتراضًا، لكننا انتظرنا طويلًا، نحن هنا منذ سنوات، صحيحٌ أننا لم نكن معًا في نفس الفرقة، لكننا تعرضنا لكثيرٍ من الرجال الأقوياء، فلماذا تريد تلك الفتاة بالتحديد، ستكلفنا وقتًا في تعليمها."
اتجه "رين" إلى الطاولة ذات الأوراق المبعثرة، وظل يبحث عن أحد الأوراق، كان يمسك الورق ويقرأ مضمونه ثم يضعه مرة أخرى مكانه.
أما "إيان" فكان يبحث عن صندوق الملابس المتسخة، كي يضع فيه ثيابه حتى تذهب إلى المغسلة، عادة نحن نرسل ثيابنا مرتين في الأسبوع، ونتناوب على من يرسلها أسبوعيًا، وقد كان نصيب الدور هذا الأسبوع لـ "سام".
- إيان : " سأجيب سريعًا، وأرجو أن تكون هذه أخر مرة نناقش فيها هذا الموضوع.
أولًا: نحتاج لشخص يتمتع بسمعة سيئة كأنه قاتل وأن يكون الجميع يهاب اسمه ويدبُ الرعب في قلوب سامعيه، الصديق والعدو على حدٍ سواء، مثل: "جاك السفاح" ، وهذا متوفر فيها بل إنه أكثر من كافي.
ثانيًا: مهاراتها جيدة في القتال على فتاة ترعرعت في الغابة، وصارت آمةً دائمة الهروب، علاوة على ذلك حفظها للمعلومات سريع.
ثالثا: لن تترد في قتل أي شخص طالما أنه يؤذي غيره."
رفع "رين" أحد حاجبيه وعلت ملامح الدهشه وجهه، ترك الورق الذي كان يمسكه ونظر ل "إيان".
- رين : " ماذا تعني أنه يؤذي غيره؟ أتقصد أنها لم تقتل لأجل المتع؟ "
- إيان : " أجل ، هذا تخمين أوليٌ عنها، لكن لا أظن أنها ستقتل من أجل المتعة أو حب القتل نفسه."
أمسك "إيان" المنشفة المعلقة على كتفه، ووضعها على شعره وقام بحركات عشوائية بالمنشفة على رأسه ليجفف شعره.
- جيرمي : "ربما معك حق، فلو أرادت الهرب لكانت هربت بالأمس، أو لكانت قتلت من يعترض طريقها، وهربت اليوم حتى، لكني أرى فتاة لا تملك تعطش الدماء في عينها."
- إيان : "هي فضولية اتجاهنا، وكيف نحن أقوياء، لذلك لن تذهب من هنا خالية الوفاض."
- رين : " إذًا علينا أن نماطل قليلًا ."
-جيرمي:" لحظة يا إيان، كيف عرفت أنها قتلت أكثر من خمسة أشخاص؟"
-إيان :" من قال لك أني أعلم؟"
-جيرمي:" ماذا تقصد؟"
-رين:" ألم تعلم عدد من قتلتهم؟"
-إيان:" يبدو أنكم تبالغون في حجم قدراتي، أنا أعلم عنها ما نشر وقيل عنها، وعندما رأيتها علمت الحقيقة من الكذب فيما قيل فقط، أما الأشياء الغيبية فكيف سأعلمها، لست عراف أو ساحر، كما أنني خمنت الرقم فحسب، وكنت سأعرف الإجابة من تقلبات وجهها، سواء بالنفي أو التأكيد."
ثم تابع حديثه بعد أن ألقى بمنشفته في صندوق الملابس.
- "هي تعرف كيف تقتل، وهذا بالتأكيد علم لا يكتسبه المرء بالمشاهدة فقط، بل بالممارسة والمستمرة أيضًا، ومزعجتنا هنا صوبت ناحية رقبتي، فهي تعرف أن أسرع طريقة لقتل الشخص فصل رأسه عن رقبته، لذا خمنت هذا العدد، بناءًا على ملاحظتي لها."
-رين:" لازلت عبقري يا فتى، إذًا ألن تخبرها أنك لست عراف؟"
- إيان : " بلى، لا يجب أن تعرف أنني خمنت العدد، لن تثق بشيء مني بعد الآن، سأخبرها بكل شيء في وقته المحدد.
سأذهب للمقر الرئيسي بعد قليل، فنحن فى غضون خمس عشرة يومًا سنذهب لرحلة استطلاعية في الجبال، سأذهب لأناقش التفاصيل مع القائد هنري، سأخذ زيك الاحتياطي يا جيرمي، لأن الكسول لم يرسل الثياب للمغسلة. "
- جيرمي : "ستجده مكانه، هكذا يجب تكثيف وقت التدريب بالنسبة لشيري. "
اعتدلت في جلستي، وبدأت أشعر بالنعاس، فتثائبت.
- رين : " جبال الحدود؟ أليس سريعًا جدًا الذهاب إلى هناك؟ مازال العضو الآخير لم يتلقى تدريباته بعد؟"
- إيان : " إنه كرم منهم ألا يرسلونا إلى الجبهة بمجرد اكتمال العدد، لا تشكل فَرْق عندهم أكان الشخص يصلح للعمل المكلف به أم لا؟ يكفيهم أن البيانات على الأوراق صحيحة، أما الواقع فلا يهمهم طالما لا يرون المآسي التي تحدث، وإن رأوى تغاضوا عن ما رأوا."
- رين : " ألا تعتبر الحدود من الجبهة أيضًا؟ "
- جيرمي : " مزيدٌ من المتاعب إذن، نسيت أن أخبرك إيان، إن شيري تريد أن تأخذ خنجرك الذهبي، أنا لم أخبرها أنه يخصك، لأنها إن علمت بذلك لن تأخذه، لذلك جأت أسألك أولا."
رفع "إيان" بصره لي.
- إيان : " ماذا قالت عنه ؟"
- جيرمي : " عندما أخبرتها بأن تختار ما بين الأسلحة التي أحضرتها، نظرت لهم لكنها لم تبدي علامات الرضا عنهم، ثم أخبرتني أنها تريد الخنجر الذي هاجمتك به، لأنه ملائم لها، فهو خفيف الوزن وله انحناء من الأمام."
أمسك "إيان" خنجره من على الطاولة، ونظر له، ثم قام برميه لإتجاهي، التقطه بغضب، لأنه قطع علي تثاؤبي.
- إيان : " لا بأس أعطيه لها، فأنا لا أحتاجه الآن."
- جيرمي : " حسنًا، لحظة أين سام؟ "
- إيان : " في العيادة."
- جيرمي : " العيادة، لا تقل لي مجددًا ؟"
- إيان : " أجل. "
- رين : " يا له من متهور. "
جيرمي " لا يمر يومان سوى بإصابة. "
-رين بضحك :" ليته يتعلم منك الحذر يا جيرمي، فأنت أقلنا إصابة، كما أنك ذاتي المعالجة."
ضحكت أيضًا على هذا التعبير، فأنا أهتم بجروحي وإصاباتي بنفسي، هكذا نشأت، كما أن هناك شيء لا أستطيع قوله لهم، وهو نصيحة نصحت بها في صغري، وهي ألا يرى أحد جرحي، فهذا دليل على الضعف.
قطع حديثنا دخول "شيري" الغرفة بعد أن طرقت الباب عددة طرقات، ومعها القوس تحمله بيدها، كانت تنظر للأسفل وملامح الأسف تبدو واضحة عليها، وقفت بعد خطوتين من دخول الغرفة، لم ترفع رأسها لتنظر إلينا.
لم نتحدث بل نظر ثلاثتنا لبعضنا متسائلين ما سر هذا السكوت، ثم فجأة انحنت "شيري"، فتدلت خصلات شعرها من على كتفها، تحدثت بصوت آسف.
- شيري : " المعذرة، لقد كسرت القوس الذي كنت أتدرب عليه. "
فزعت عندما أبصرت القوس، فإذا به مشقوق من المنتصف وما يمسك النصفين هو وتره، قمت مسرعًا باتجاهها لأتفحص يدها إذا ما أصيبت.
- جيرمي : " هل أذيتي يدك؟ "
- شيري : " لا لم أتأذي. "
جيرمي " دعينى أرى. "
أمسكت يدها ورفعتها لأستطيع النظر إليها، فرفعت "شيري" رأسها ونظرت لي بكل أسف، ثم وقفت باعتدال لكنها أبعدت نظرها عني، ثم رأيت دماءًا على باطن يدها التي تمسك بها القوس.
- جيرمي : " هناك دماء على يدك. "
- شيري : " أنا بخير، لقد كان خدش بسيط، لقد التأم الجرح. "
أمسك "رين" يدها التي كنت أمسكها ليرى مكان الجرح، لكنه لم يكن ينزف، فقد توقف النزيف، ولم يعد الجرح مفتوح، ترك فقد مكانه ندبة لخدش بسيط .
- رين : " دعيني أرى، معك حق لقد التأم الجرح ، عليك الحذر فيما بعد فقد كان خدش بسيط هذه المرة وربما يكون كبيرًا المرة المقبلة."
ترك رين يدها وأخذ منها القوس ووضعه جانبا على الأرض، ففوجأنا مجددًا ب "شيري" تنحي باتجاهي.
- شيري : "أنا حقًا أعتذر على كسر القوس، سأعمل لأسدد ثمنه. "
ابتسمت ابتسامة حزن مريرة، فكم ذاقت تلك الفتاة من ذل العبودية، حتى ترسخت لديها تلك العادات، كيف عاملوها لتصل إلى ما هى عليه الآن، ألا تستصيغ طعم التحرر؟
كيف عاملوها لتعيش وكأنها ماشية تساق إلى حيث يسوقها صاحبها؟
لماذا أشعر وكأن "شيري" ابنتي وقد كانت ضائعة ووجدتها، ربما هذه هي رسالتي في الحياة، أن أجعلها تغدو فتاة طبيعية، لا تتعرض للذل مرة أخرى.
لقد اتخذت قراري وسأعتبرها كإبنتي أو أختي الصغيرة، وضعت يدي اليمني على رأس "شيري" لأشعرها بالأمان، والآخرى كانت تمسك الخنجر.
- جيرمي : " لا عليك، نحن هنا لسنا أسيادك، يمكنك فعل ما تشائين، يمكنك الدخول في عراك مع من تشائين منا، فقط أخبرينا ماذا تريدين ونحن سنساعدك، هذا هو الخنجر الذى طلبته، يمكنك الآن التدرب عليه، غدًا لن أترك تتدربين وحدك، سأكون معك لتري كيف أستخدمه جيدًا."
تفاجأت "شيري" لسماع هذا الكلام، واتسعت عيناها ولم تتكلم، واكتفت بالنظر إلى الأسفل، وأخفضت رأسها خجلًا، أبعدت يدي من على رأسها فاعتدلت في وقفتها.
- رين : " لكن يا لك من قوية استطعت كسر القوس في وقت قياسي."
التفت له، ونظرت له بطرف عيني، مع ابتسامة ماكرة.
- جيرمي : " ألست أنت من كسر باب غرفتك عندما لم تستطع فتح الباب."
- رين بخجل : " من أنا! ، توقف لما تختلق هذا؟"
- جيرمي : " أوه حقًا، ألست أنت أيضًا مـن .."
وضع "رين" يده على فمي ليمنعني من الكلام أمامها، الآن تحول من فتى هادئ إلى فتى طفولي، ولأنه اندفع ليغلق فمي، فتعثرت قدماه ووقع، وأوقعني معه على الأرض.
حاولت إبعاده عني بغضب.
- جيرمي : " ما الذي فعتله يا أحمق؟ "
- رين : " لم أقصد ذلك، لكنك من بدأ."
ضحكت "شيري" على هذا الموقف، ولكنها ضحكة صغيرة، والحق يقال فلو كنت أقف مكانها لضحكت علينا، فأنا و "رين" تشاجر على الأرض.
- جيرمي : " يا إلهى، يبدو أن رين يحن إلى أن يكون أصغر فرد هنا، أتشعر بالغيرة من شيري؟ "
- رين : " لا تمزح يا جيرمي. "
- شيري : " شكرا لكما."
تعجب كلانا، ونظر كل واحد منا إلى الأخر، ثم إليها، فإذا بها تبتسم ابتسامة هادئة وجميلة، وتلمع عينها الحمراوتان ببريق آخاذ .
- رين : " على ماذا؟ "
- شيري : " أنا أشعر بتحسن كبير، سأذهب لأكمل باقي تدريباتي. "
- جيرمي : "يمكنك الذهاب."
انحنت "شيري" لنا وأخذت خنجرها، وخرجت.
نظر لي "رين".
- رين : " أنا لا أحلم! أليس كذلك؟ "
نظرت له.
- جيرمي : " أعتقد لا، فكيف لك أن تكون فى حلمي؟ "
- رين : " لقد ضحكت وشكرتنا في نفس الوقت، يا إلهى الآن سأرقد بسلام. "
- جيرمي : " المسكين سام لم يرى شيء من هذا الحلم المشترك. "
- رين : " يا لها من صدمة بالنسبة له، أشك أنه سيبكي إذا علم بذلك، لنخبره بطريقة تجعله يبكي."
-جيرمي:" أولًا، ابتعد عني أيها الثقيل، أريد أن أستحم فهذا دوري."
أبعدت رأس "رين" بيدي، ثم وقفت فمد "رين" يده لي لأساعده، فلم أمسك يده، ثم اتجهت لغرفتي لأحضر ثيابي، فلفت ناظري "إيان" الذي كان يقف مستندًا إلى الحائط، عاقدًا ليديه، ويسند رأسه على الحائط ويميله قليلًا، وبصره مركز على أخر مكان كانت تقف فيه "شيري".
تلك الابتسامة الباردة ترتسم على شفتاه، ابتسامة النصر نحن نسميها هكذا، تلك الابتسامة التي ترتسم على شفتي المفترس حالما تقع فريسته في فخه، ابتسامة تنم على سعادة منتظرة، لا أدري لكن تلك النظرة لم أعتدها على "إيان" ، رأيت شرارة شرٍ منطفئة في عينيه.
يا ترى في ماذا يفكر عبقرينا الوسيم.
*******
Shizoka More