"ألكس"
على أعشاب الأرض الخضراء، تأخذني قدماي إلى المكان المحبب إلى قلبي، الذي ينسني عناء كل تلك السنوات التي عشتها، يُزيل عن كاهلي أعباء الدنيا، يجعلني أنزع كل الأقنعة عن وجهي، فأتعامل منذ سنواتٍ بطبيعتي التي دفنتها بيدي؛ خوفًا من أن تتلوث بما حولها، أضحك من داخلي، وقبل كل هذا أرى عزيزاتاي.
وقفت أمام المنزل الخشبي القديم، أنظر حولي، مازالت الأشجار كما هي، والتل ينبض بالحياة على رغم من عدم وجود أزهار فيه، بالإضافة إلى النباتات العطرية التي تنشر عبيرها في كل مكان، يا إلهي! نسيت كالعادة أن أحضر هدية لـ "ماري"، يا لي من زوج فاشل، لكن الحمد لله لم أنسي هدية صغيرتي، على الأقل لست بأب فاشل.
في الحقيقة أنا متوتر للغاية، أعلم أن "ماري" غاصبة للغاية من غيبتي الطويلة، آخر مرة كنت هنا منذ سبعة أشهر، بالتأكيد عندما تراني ستنهال عليّ بعبارات العتاب واللوم، وواجب عليّ أن أستمع إلى حديثها، وأقف بكل أسفٍ إلى أن تنتهي من عتابها، وحينها أعتذر بكل صدقٍ.
ويجب أن أكون آسفًا بحق، وعندما تستشعر صدق كلامي ستسامحني، ففي النهاية قلبها أبيض ونقي، وقد عانت قبل رؤيتي كثيرًا، رباه! أشك أن صغيرتي ستتذكرني بعد كل هذه الغيبة.
أخرجت زفيرًا طويلًا، ثم شهيقًا وطرقت الباب، ثلاث طرقات وانتظرت الرد، أتاني الرد بعد دقائق، صوتٌ صغير ولطيف للغاية يجيب.
-... :"من الطارق؟"
-ألكس:"أنا يا صغيرتي والدكِ، إفحتي الباب."
-... : "أبي! أبي عاد!"
فتحتْ الباب باتسامة كبيرة على وجهها، لقد كبرت عن آخر مرة رأيتها فيها، يبدو أن الأطفال ينمون بسرعة، يا إلهي! انظروا إلى لطافتها وهي ترفع قدميها الصغيرة؛ لتستطيع فتح الباب، بثوبها الأسود القصير، ووجنتاها الزهريتان، وشعرها المموج القصير.
-... :"مرحى! الأب الفاشل قد جاء."
ماذا؟!
الأب الفاشل؟!
من أنا؟!
ما هذا الترحيب الحار بي؟ الأب الفاشل؟!
ابتسمت لأخفي صدمتي، ودخلت البيت وسألتها عن هذا اللقلب الغريب.
-ألكس :"صغيرتي العزيزة، من أين عرفتي هذه الكلمة؟"
في الحقيقة أنا أعرف من أخبرها بها، لأنني أعلم أن صغيرتي لا تخرج من المنزل ولا تتعامل مع أحد.
-... :"تقصد الأب الفاشل؟"
-ألكس :"نعم."
-... باتسامة كبيرة :"أمي.
دائمًا ما تقول هذا عنك؛ حتى لا أنساك."
عرفت هذا، "ماري" تنتقم مني بهذه الطريقة، لا أستبعد أنها أخذت كل الأشياء التي تخصني هنا وتخلصت منها، ليتني أستطيع فهم عقلها، أو ربما لأن فارق السن بيننا كبير، فلم أعتد على سلوكها، أو لأنها أول امرأة أرتبط بها، صدقًا النساء من عالم آخر.
تنهدت وأزلت ما يدور في رأسي، فأنا الآن أمامي صغيرتي الجميلة، ابتسمت وحملتها بين ذراعي، كانت صغيرة ولطيفة، وابتسامتها تمحي عني عقودًا من الآلام، ظلت تضحك لمداعبتي لها ورفعها في الهواء ثم التقاطها مجددًا، فَعَلَتْ ضحكاتها وملأت عليّ فؤادي سعادة، وكأنها لحنٌ شجي.
كررت رفعها في الهواء عدة مرات حتى تعبتْ من الضحك، فضممتها إلي وتلامس وجهي بوجهها الناعم، فاحتَضَنَته في لطف وحنان كبيران، أي حنان هذا الذي تمتلكينه ينسيني الدنيا بأكملها! تمنيت لو أن الزمن يقف عند هذه اللحظة فيخلصني من عذابي، لكن ليس كل ما تتمناه يتحقق.
أفقت من شردوي على صوتها الصغير يحدثني.
-... :" أبي! أبي! أذهبت لعمي البحر؟"
ابتسمت من براءتها وسؤالها التلقائي، فهي لا تعلم ما هو البحر حقيقة، هي تظنه شخص مثلي يتحدث، كما أن ذاكرتها قوية للغاية، فقد تذكرت طلبها لي منذ سبعة أشهر.
- ألكس :" أجل يا صغيرتي."
-... :" هل أحضرت الأصداف التي أخبرتني عنها؟"
-ألكس :" بالتأكيد، وعندما علم عمك البحر بأنني أطلب الأصداف لأجل ابنتي العزيزة، فرح كثيرًا وطلب مني أن أرسل تحياته إليك."
-... :" حقا؟"
-ألكس :" بالتأكيد، وها هي الأصداف يا حلوتي."
أنزلتها برقف وأوقفتها على الأرض، ووضعت يدي في جيبي، وأمسكت بالأصداف التي جمعتها من على الشاطئ قبل قدومي، لم أملك متسع من الوقت لأقوم بإزالة الرمال عليها ولا تصنيفها وإزالة الرديئة منها، جيدًا أنني تذكرت طلبها.
فرحة صغيرتي بالأصداف ودهشتها لرؤية ألونها المختلفة، جعلتني أندم أنني لم أحضر الكثير لها.
-... :" ما أجملها! ألوانها جميلة يا أبي! شكرا لك."
وضعتْهم على الأرض وجلست هي بجانبهم، وربتُ على رأسها، فتبسمت لي وأظهرت أسنانها الصغيرة، ظلت تقلبهم يمينًا ويسارًا بأيديها وأصابعها الصغيرة، ومع كل نظرة دهشة وفرحة في عينيها تخط بحروفٍ من سعادة في عقلي.
لم أشعر أن مشاهدة طفلٍ يلعب ببعض الصدف ستجعلني أشعر بكل هذه السعادة، لا أفهم كل هذه المشاعر التي تنساب إليّ من كل جانب، أهي عاطفة الأبوة التي إستيقظت داخلي؟
أم هي نتيجة لندمي على ما أنوي فعله؟
لا أدري ما هذه التناقضات بداخلي، لكن الأكيد الذي لا أستطيع إنكاره، أن قدوم هذه الطفلة إلى عالمي الأبيض والأسود أعطاه ألوان زاهية بهية.
أنزلت من مستوى رأسي ليتقارب مع مستوى رأسها.
-ألكس :" ما رأيك أن تقومي بغسل الصدفات الصغيرة، هكذا ستكون جميلة أكثر وتلمع أيضًا."
-.. :" فكرة رائعة، سأنفذها."
-ألكس :" لي سؤال يا عزيزتي، أين والدتك؟"
-... :" أمي تكسر الأشخاب لتصنع الحطب في الغرفة الخارجية."
- ألكس:" أشكرك يا صغيرتي، لكن ماذا ستفعلين بهذا الصدف؟"
-... :" لا يجب أن تعرف، إنه هذا سر بيني وبين الأصداف."
وأشارتْ بسبابتها نحو فمها كإشارة على السكوت والكتمان، فضحكت من منظرها رُغم عني.
-ألكس :" حسنًا يا أنسات، سأذهب إلى عزيزتي ماري، لأتيح لكنّ وقت حديث منفرد."
تركتها وتقدمت بضع خطوات نحو الممر الصغير الموجود في المنزل والذي يقود إلى الغرفة الخارجية، كانت الأفكار تعج برأسي، بل إنها تتزاحم بداخلها وكأنها في سباق سرعة، لا أعلم أيها أفكر فيه الآن وأنا ذاهب إلى من ستنهي هذا السباق، تنهدت، رغم كل السنين التي عشتها والحكمة والخبرة التي اكتسبتها، إلا أنني أقف عاجز أمام مقلتيها.
وصلتُ أمام الباب، أخذت شهيقًا عميقًا فامتلأ الهواء في رئتاي، ثم أخرجته زفيرًا بعد أن تأكدت أني حصلت على كفايتي منه، طرقت الباب طرقات صغيرة وفتحت الباب، صوت طرقاتها على الحطب، أنفاسها المتسارعة نتيجة جهدها لكسر كل هذا الحطب، قطرات العرق التي تزين جبهتها وكأنها كريستالات تتلألأ كلما تراقصت ألسنة اللهب في المدخنة، عقدت شعرها الأحمر كذيل مهرة جامحة في البراري، كنت أود التأمل في مظهرها أكثر لكنها لاحظت وجودي.
- ماري :" ما الذي جاء بك إلى هنا؟"
بداية موقفة، أهذا ما تقولينه لزوجك الذي لم تريه منذ سبعة أشهر، لكن لا يهم اللوم يقع عليّ، بماذا أجيب؟
-ألكس :" أعتذر عن هذه الفترة الطويلة، لكن أنتِ تعلمين أن أمر زواجنا لا يجب أن يُكشف، لذلك لابد أن أظل أمامهم كما كنت قبل معرفتك."
رفعت "ماري" فأسها ووضعته على كتفها وعقدت ذراعيها، بهالة استنكار وعتاب شديدتين، أرسلت بصرها باتجاهي.
-ماري :" أعلم أنك لم تخطط لزواجنا، وأنك من اقترحت صفقة زواجنا تلك، لكن إن كنت قد أحببتني بصدقٍ كما تقول لي فأرني صدق كلامك.
ثم إنك كنت في البلاد منذ أربعة أشهر لماذا لم تعرج علينا حتى لتلقي السلام؟
لا أقول لك أن تأتي محملًا بالمال والهدايا، فأنا أتدبر أمورنا، على الأقل إجلس مع طفلتك ولو قليلًا، لأجل ما ستفعله بها لاحقًا."
كل ما قالته صحيح ولا أنوي الإنكار، لكني أتخير الوقت المناسب لآتي هنا، لا آتي في أي وقت كي لا يُكشف هذا المكان فيضيع كل جهدي سدى.
أما طفلتي فكلما أراها أفرح بلا شك، إلا أن الندم يتملكني، ويسألني في كل مرة لماذا سأترك فتاة مثل ابنتي في هذا المصير المشؤوم؟
-ألكس :" لن أنكر حرفًا مما قلتيه، ولن أبرر.
أكرر أسفي، أرجوكِ لا تنظري لي هكذا، لا أريد لهذه الملامح أن تطبع في ذاكرتي، وتحل محل ملامحك المحببة إلى قلبي؟"
-ماري :" لا تحاول مغازلتي، ألكس!
فقد سمئت من كلامك هذا، إلى متى تنوي جعلي أعيش هذا الجحيم؟ لكنت قتلت نفسي يوم رأيتك أهون عليّ من هذا."
يالتني أستطيع ترك ما يثقل كاهلي، وأجلس معكما لبقية حياتي، وليذهب مصير شعبي إلى شخص غيري، إلا أن الأمور ليست بتلك السهولة، فلست وحدي أحمل هذا المصير بل عائلتي أيضًا.
-ألكس:" ماري، أعلم أنكِ قوية لأبعد الحدود وتمتلكين قوة عظيمة، لم يرثها أحد من نسل جدتكِ غيركِ، ولأنكِ ماري اخترتك لهذا.
لا أنكر أنني كنت أرفض فكرة الزواج في البداية لأنها تنافي حياتي الشخصية تمامًا، لكنكِ أثبتي وبجدارة أنكِ تملكين ما لا أملك، أنتِ والدة لجوهرة صغيرة، هذه الجوهرة هي مفتاح النجاة لكلينا، فكما ملأت حياتنا نور وسرور، ستملأ حياة الملايين المشاعر نفسها.
لذلك أرجوك أكملي الطريق كما بدأتي ولا تقفي في المنتصف، أنتِ من أستمد منها طاقي، أرجوك."
-ماري :" أتعلم أنت مزعج!"
-ألكس بضحك :" هاقد عادت عزيزتي ماري.
لحظة واحدة من الأب الفاشل؟"
-ماري بضحك :" آخبرتك صغيرتنا بذلك! هذا أنت يا سيد فاشل."
-ألكس :" لماذا هذا اللقب بالذات؟"
-ماري :" لأنك أثبت وبجدارة أنك فاشل."
-ألكس :" لن أناقشكِ في هذا، فأنت على حق، بالمناسبة لماذا تجعلين شعر صغيرتنا قصير؟"
جلست "ماري" على أحد المقاعد وجلست بجانبها وحوطها بذارعي واستنقشت رائحة النباتات العطرية التي تضعها، لا أعلم اسم النبتة لكن عبيرها يعطي شعور الاسترخاء، شعرت بيدها تمسك ذراعي ثم أمالت رأسها عليّ.
-ماري :" أنا أنانية يا ألكس، أرى في حضور ابنتي حضور جدتي، كما أن التشابه بينهما كبير جدًا إلا أن لون البشرة مختلف، شعر جدتي كان قصير لذلك أجعل من شعر ابنتي قصير مثلها، لم أقابل جدتي وهي على قيد الحياة.
لكني أقابلها وأنا أنظرة لابنتي، وفي كل مرة أقص لها شعرها أشعر بذنب يأكلني، نظرتها بريئة ولا تدري أي جحيم ينتظرها، كما أنها تريد الخروج ومواجهة العالم الخارجي، وأنا لا أسمح بذلك.
لا أدري ما الذي يجب عليّ فعله؟"
ربت على رأسها، وأملت رأسي على رأسها، لستُ وحدي من يمتلك سباق أفكار في رأسه.
-ألكس :" لابد أن الأمر كان شاق عليكِ وأنتِ وحدكِ، أنا معكِ الآن وسأبقى لمدة أسبوع هنا، سأخذها إلى الخارج وألعب معها وأنت في هذا الوقت خذي الوقت كله راحة، لا تقلقي لن أكون أب فاشل من الآن فصاعدًا.
كما أنها ليست أنانية أن تري جدتك في ابنتك، كما أن الشعر القصير يليق بها كثيرًا، ولأن ابنتنا جميلة فأي شيء يليق بها لأن ورثت جمالها من أمها."
-ماري بضحك :" حسنًا يا روميو، أنا لستُ في مزاج لأكون جوليت خاصتكَ، إذهب وإلعب معها وأنا سأعد حساء الدجاج وقطع البطاطا المفضلك لك."
يالا حظي السعيد، لم أذوق طعام أشهى من طعام زوجتي، حساء الدجاج مع البطاطا، يالي من شخص محظوظ، أفلت يدي من عليها بعد أن طبعت قبلة على جبينها فنهضت ووجنتاها حمراوتان خجلًا.
-ألكس:" لهذا أحبك."
-ماري بضحك عالي :" قل أحب الحساء وليس أنا."
حمد لله عاد مزاجها جيد، لم أتلقى توبيخًا كبيرًا اليوم، ها هي تخرج وهي فرحة لما دار بيننا، والآن حان دوري كجليس أطفال، خرجت من الغرفة الخارجية وذهبت لغرفة المعيشة، فلم أجد صغيرتي، فناديتُ عليها ولكني لم أتلقى أي رد، فذهب لغرفتها ووجدت الباب مفتوحًا فطرقت الباب ودخلت بهدوء، وإذا بشيء ما يقفز على ظهري ويمسكني من رقبتي بشدة.
تشتت ذهني، أهذا لص أم أنهم اكتشفوا مكاني؟
ولو كان جاسوسًا آقتله أم أتلاعب بذكرياته؟
الكثير من التساؤلات دارت في رأسي في بضع ثوانٍ، لكن هذه الجملة قطعت علي خوفي.
- ... :" هيهيهي، لقد فزعتَ يا أبي!"
عاد هدوئي إليّ وتنفست الصعداء، وأمسكت يد صغيرتي ورفعتها من على كتفي وحملتها على ذراعي.
-ألكس :" لا أمزح، لكن قلبي كاد أن يقفز من مكانه!"
-... باتسامة كبيرة :" لقد نجحت خططتي."
-ألكس :" أي خطة؟ "
- ... :" كنت أريد أن ألعب معك، ولأنك مشغول فلا تلعب معي فأردت أن أفزعك فتريد أن تفزعني من بعدها، وهكذا ألعب أنا وأمي فأردت اللعب معك مثل أمي."
قسمت تلك العبارة فؤادي نصفين، نصف يريد أن يعطي الطفولة المناسبة لهذه المسكينة، ونصف آخر يريد ألا يبوح بما يريد، مسحت بيدي على رأسها الصغير وقبلت جبهتها.
-ألكس:" تريدين اللعب معي، إذا لدي مفاجأة لكِ سنذهب للمدينة غدًا صباحًا؛ لتشتري لكِ الكثير من الألعب والهدايا والثياب، ما رأيك؟"
اتسعت عيناها من الفرحة، ونظرت في ذهول.
-... :" حقا!"
- ألكس :" أجل، كما أن أمك ستعد لنا اليوم وجبتي المفضلة حساء الدجاج مع قطع البطاطا."
-... :" إنه طعامي المفضل أيضًا، مرحى!
لحظة أبي أنزلني."
أنزلتها، فوقفت ثم سارت نحو سريرها ورفعت الوسادة وتناولت من تحتها شيء ما، وأخفته جيدًا في كلتا يديها الصغيرة خلف ظهرها وسارت نحوي.
- ... :" تفضل يا أبي، هذا عقد الأصداف."
نزلت بضع عَبرات من مقلتي بلا أي دعوة، بل قفزت لتنساب على وجهي مِن هذه البراءة، لقد أحضرت الأصداف على عجلة، وأعطيتها لها لتلعب بها فإذا بها تصنع عقد لي، لم أتمالك نفسي فنزلت على ركبتي واحتضتنها بشدة، وانهمرت دموعي رغم عني.
أهذه الفتاة البريئة، ستواجة جحيمًا مستعرًا عندما يحين الوقت، كيف لي أن ألقي بها هكذا للذئاب والضواري، سحقًا لدماء تجري في عروقنا، أرخيت ذراعي، فمسحت صغيرتي دموعي بيديها الصغيرتين.
-... :" أبي! لا تبكي، أخبرتني أمي أن الأطفال هم من يبكون، سأخفي الأمر عن أمي، حتى لا تغضب منك لأنك طفل، وأنا كبيرة."
- ألكس:" حسنًا يا عزيزتي أخفي الأمر جيدًا، وأشكرك على هذه الهدية الثمينة، سأحتفظ بها جيدًا.
لكن كيف وضعت الخيط فيه؟"
-... :" أدوات الخياطة الخاصة بأمي، لا تخبرها أنني استخدمتها حتي لا تغصب مني."
-ألكس بابتسامة ماكرة :" الآن نحن متعادلان."
********
"رين"
بعد إعلان "جون" بِدء المعارك التدريبية، أخذت كل ثنائيات المجموعة الأولى أماكنها، وتجهزت بأسلحتها، منهم من كان يستخدم الأسهمؤ والخناجر، والرماح، والمناجل، والحراب، وأيضًا من يستخدم السلاسل، والمطارق.
تعددت أدوات القتال، لكن غلب عليهم استخدام السيوف، فهي أسهلهم استخدامًا، كما أن المدربين في هذا المجال يبرعون في التعليم، فمن العاقل الذي سيترك السيف بجماله وروعة نصله وحدته، ليستخدم سلسلة حديدية جافة الشكل بلا أي مقومات للجمال؟
وفي النهاية إذا ما رماها تلتف عليه لتخنقه، تنهدت لا يهم هذا الآن.
تم إطلاق الصافرة وهي إشارة البدأ، بدأ الجميع في القتال وما هي إلا دقائق حتى كان الجميع يقاتل بضراوة وشِدة، وكأنهم وَضعوا حياتهم على المحك، فتراهم كقطيع من الذئاب يمزق بعضهم بعضًا للظفر بفريستهم ألا وهي الفوز وعدم الخسارة.
كان الشرط الأساسي لهذه المعارك هو عدم إصابة الخصم إصابة خطرة، لذلك استبدلت أغلب السيوف المعدنية بسيوف خشبية، تفاديًا لإراقة الدماء، أه نسيت أن أوضح أن الأسلحة التي جهزنا بها أنفسنا أغلبها خشبي، فالسيوف والرماح والخناجر والحراب والمناجل أيضًا خشبية وتستخدم للتدريبات فقط في الساحة هنا، وتوضع المجموعات المختلفة من الأسلحة في المخزن الخاص بالمعسكر، ولا تستخدم خارج التدريبات إلا بإذن من القائد .
انتهت العشر دقائق الأولى، وتبقى ستة وعشرون فارسًا منهم ست ثنائيات فائزين، أما الباقي فقد خسر، لعدم اكتمال شرط الفوز، ألا وهو أن يصمد الثنائي كله.
بدأت كلمات الجميع في التردد بين الحشود، وكانت الآراء مختلفة؛ فمنهم من يمدحونهم، ومنهم من يلقون باللوم عليهم، لكن أغلب الأصوات جاءت بأنهم يفتقرون للمهارة.
وهذا هو طبع الجمهور حينما يشاهد أي شيء كمبارة رياضية بين اللاعبين مثلًا، فينتقدون الأطراف المشاركة بشكل سيئ وكأنهم يزاولون هذه الرياضة منذ عقود بل لنقل منذ قرون، ويسبون هذا ويمدحون ذاك، ويلعنون الباقي، ويرددون أنهم لو كانوا مكانهم لقدموا أفضل من هذا العرض الرخيص -في وجهة نظرهم- ، وإذا ما وضعناهم على الواقع مكان اللاعبين الذين لعنوهم وسبوهم، لما تحركوا قيد أنملة.
فهذه هي طبيعة أغلب البشر عديمي القيمة، كثيري النقد والتعليقات الفارغة، دائمًا ما تراهم في كل مكان، يتحدثون بكل ثقة عن أي موضوع، وكأنهم ملكوا علوم الدنيا أجمع.
والحق أن عقلهم فارغ، مثل: صدفة الحلزونة الفارغة، والعمل معهم هو تجاهلهم كما تتجاهل الحلزونة تمامًا.
كنت أجلس بين الفرسان لذلك سمعت الجمل التي قيلت منهم.
- ... : " لم يكونوا أقوياء بما فيه الكفاية. "
- ... : " ثنائي السيف كان رائع، لقد بدا عليهم التناغم. "
- ... : " لو دخلوا معركة حقيقة لكان الجميع قد مات، لقد سمعت أن أعداءنا أقوياء للغاية."
- ... : " لكن الأمر صعب، على من أقلق؟ على نفسي أم على زميلي؟ "
- ... : " أرجو أن أحارب شخص رحيم."
- ... : " أريد أن يكون خصمي شخص ضعيف كي أبرز بين الجميع. "
- ... " أرأيت صاحب المطرقة ذاك، لما اختار شيء ثقيل عليه، ألا يتدرب، لو كنت مكانه لأخذت المطرقة كالحلقة الصغيرة في يدي."
إن لدينا عقل حلزونة فارغ هنا، كم أتمنى أن يختفوا من على وجه الأرض، فهكذا سيوفرون الأكسجين اللازم للتنفس، فهم فساد للبيئة، وبالتخلص منهم سنتخلص من أعظم جزء من النفايات، أخرجت زفيرًا طويلًا، فحياتنا مليئة بنفايات أنيقة.
بدأت المجموعة الثانية، أطلقت الصافرة فبدأ الإشتباك بينهم، لكنهم بدوا أكثر حرصًا على شركائهم في الفرق من المجموعة الأولى، فقد حاول أغلبهم الهجوم والدفاع أيضًا، لكنهم في النهاية يفتقرون للخبرة، فأغلبهم عبيد قد تم استبادلهم بالأعضاء الأساسيين والذين انتقلوا للكتائب الأعلى.
انتهت العشر دقائق الثانية، وتبقى تسعة وعشرون فارسًا، عشرة فرق فازت، والباقي خسر.
تؤخذ عادة استراحة قصيرة ما بين المجموعات؛ ليتهيأ الفرسان للجولة التي تليها، وقف "جون" وتحدث بصوت عالي.
- جون : " استراحة لمدة ثلاث دقائق وتعود المجموعة الثالثة."
كنت أنا و "أرثر" نستعد لدخول الساحة، استبدلت سيفي بسيف خشبي وتركت سيفي مع "جيرمي"، أحكم "جيرمي" قبضته وضربني ضربة خفيفة على كتفي، كنوع من التشجيع.
-جيرمي :" حظا موفقًا عبقري السيف خاصتنا."
ابتسمت له ونزعت القبعة ووضعتها أرضًا مكاني، وذهبت وتركته خلفي، كان "أرثر" أطول مني ذو ذراع ضخمة مليئة بالندوب، أكاد أجزم أنه سيتطيع كسر سيفي الخشبي بهذه اليد، لكن رغم مظهره القوي ذاك إلا أني أستشعر طيب قلبه، ربما كان قدره قاسي ليضعه هنا مثل أغلب الموجودين، أرى الحماس يشتعل في عينه البنفسجية الصغيرة، ربما يتوق ليرى "إيان" يقاتل، لأننا في مثل هذه التدريبات لا نشارك، لنا أسبابنا الخاصة، أو لأكون دقيقًا نحن لا نحب إهدار قوتنا لأسباب تافهة، لذلك لا نشارك، وإن ألح الأمر علينا لا نشارك جميعًا واحد منا أو اثنين يكفي، كما أنه من النادر أن يشارك "إيان".
كنت أبدو عاديًا للغاية، فتلك المعارك كما قلت مضيعة للجهد، عكس كتلة الحماس بجانبي الذي يلسعني من دثرة السعادة.
- أرثر بحماس: " عبقري السيف وعبقري الخطط في مجموعة واحدة، يالهذا الحظ الجيد."
ثم أردف بعد أن أمسك رمح خشبيا طويلًا.
"سعيدٌ أنني استطعت المشاركة اليوم."
- رين : " أشك في أن الجميع سيخسر إن كان إيان جادًا "
- أرثر : " بالتأكيد فتى بمثل مهاراته وذكاءه بالتأكيد لن يكون جادًا، وأنت؟ ألست جادًا في هذه المعارك ؟ "
- رين : " لا، فهذه التدريبات لا تهمني."
- أرثر : " لماذا ؟ "
- رين: " أنا لا أحتاج أن أبذل قصار جهدي في عبث مثل هذا، أنا لست صاحب ترفيه لأرضي المشاهدين."
- أرثر: " معك حق، لكن هذا جيد كي يقيمك المدربون، وربما تأخذ توصية جيدة من أحد المقيمين للإنتقال إلى كتيبة أعلى، هكذا سيزداد راتبك ومقامك في الجيش. "
- رين: " لا أهتم بكل هذه التفاهات، المهم أن أفوز أليس كذلك؟"
- أرثر: " أجل. "
- رين: " إذا اصمد لمدة عشر دقائق."
- أرثر: " لا تقلق فأنا قوي بالمناسبة."
في الجهة الخاصة بـ "إيان" و "ألبرت" ، كان "ألبرت" يستعد لدخول الساحة، لكني لاحظت خطوات "إيان" تتجه إلى الجانب الأخر من الساحة.
- ألبرت: " إلى أين أنت ذاهب؟ ستبدأ المعركة الآن! "
التفت له "إيان" ونظر له نظرة تهديد.
- إيان: " لا شأن لك بي ولا تتبعني."
تحرك "إيان" من مكانه متجهًا إلى مكان ما من بين الحشود حتى وقف.
- إيان: "أنتِ!"
نظرت له "شيري" والتي كانت تجلس على الأرض بجانب "كلارا".
- شيري: " ماذا ؟ "
- إيان: " لقد رأيت المجموعتين السابقتين جيدًا، أليس كذلك؟ "
- شيري: " أجل. "
- إيان: " عليكِ بكتابة تقرير لي عن ما رأيته وشاهدته منهم، وما تقييمكِ للأداء الخاص بهم، وما هي نقاط القوة والضعف التي رأيتها، وحاولي اقتراح آراء لتحسين نقاط الضعف الخاصة بيهم. "
- شيري: " وأنتم منهم أيضًا؟"
- إيان: " أجل، أنتِ أخر مجموعة أليس كذلك ؟"
- شيري: " أجل. "
- إيان: " أريد منكِ أن تكوني نجمة هذه المعركة التافهة، أريد عرضًا يؤكد حقًا أنك قاتلة، لا أريد أن تظهري بطاقاتك كلها لكن أريد أن يتحدث الجميع عن مدى قوة الأَمة الهاربة. "
أشاحت "شيري" بنظرها عنه .
- شيري: " ولماذا أصغي إليك؟ "
- إيان: " ألديك شيء تريدينه يالمقابل ؟"
فكرت "شيري" لثوانٍ، ثم نظرت له.
- شيري: " أجل."
- إيان: " إذًا اتفقنا، لا أريدكِ أن تقتلي أحدًا، لكن إن استطعتي أن تجعلى الجميع يخسر، فسأدربك شخصيًا."
- شيري: " حسنًا."
ذهب "إيان" لمكانه، وظلت شيري تنظر له وهي تفكر، إلى أن أُطلِقت الصافرة وقطع هذا تفكيرها.
- كلارا: " هل يمزح ذلك الفتى؟ كيف تستطيعين التخلص من ثمانية وثلاثين فارس؟
يبدو متحمسًا كثيرًا، ليس شرطًا أن تكوني قاتلة حتى تستطيعي التخلص من كل هؤلاء الفرسان،
يا فتاة؟ "
لم تجب عليها، لأنها كانت شديدة التركيز على المعركة، فقد كانت عيناها تراقب الفرسان جميعًا وهم يدخلون الساحة وكيف يتخذون وضعية القتال.
ثوانٍ وبدأت المعركة .
في ساحة التدريب أشار "إيان" لي بيده إشاره صغيرة، ففهمت ماذا يريد وانطلقت كلمح البصر بسيفي وأسقطت الكثير من المشاركين،
أما هو فكان واقف لا يحارب، إذ بدا مشغولًا بمراقبة المعركة.
- كلارا: " ماذا يفعل هذا المهرج؟ إنه لا يحارب.
أنسي أنه في معركة؟ ليس عليه أن يتصرف بغرور هنا،
مهلًا! شيري! هل أنت معي ؟"
لوحت بيديها أمام عين "شيري" ؛ لتقطع إنتباها عن الساحة قليلًا وتتجاوب معها، فنظرت لها.
- شيري: " ماذا تريدين يا رأس التفاح ؟"
تضايقت "كلارا" من هذا اللقب، وعقدت يديها وأمالت رأسها.
- كلارا: " رأس التفاح! لن أعاقبك لأن لون شعري أحمر، لكن ما الذي يفعله ذلك المهرج هناك، إنه لا يحارب أو يدافع حتى، والغريب أن لا أحد يحاول حتى قتاله؟ ألهذه الدرجة خائفون منه؟"
- شيري: " لا أدري لكن نظرته هذه تذكرني بذلك النمر."
- كلارا بتعجب: " نمر ! عن أي نمر تتحدثين ؟"
- شيري : " أذكر وأنا صغيرة أنني قتلت نمر كان شرس للغاية، لأنه حاول قتلي، كان قبل الهجوم يبقى ساكن للحظات، تصرفاته تشبه تصرفات ذلك المزعج."
- كلارا: " أتقصدين أنه يلاحظ ما حوله. "
- شيري: " انتظري، هل هذا معنى كلمة ملاحظة ؟"
- كلارا: " أجل، انظري لرين يستمتع بقتاله، لن أبالغ إن قلت أن المعركة ستحسم من خلاله، فأرجحته للسيف حقًا تعتبر فنًا، فيظن الناظر أن لا وزن للسيف في يده. "
- شيري بصوت خافت: " لا أظن ذلك، هناك شيء ما خاطئ!"
لم يمر إلا دقائق حتى استطعت وحدي هزيمة ما يقرب من ثماني عشرة فارسًا، فأنا أتعمد تشتيت خصمي قبل ضربه، فلا يعرف من أي اتجاه سأهاجم، أما "أرثر" ، فقد كان يقدم لي الحماية، لأنه حالما وجد الفرسان أني أهددهم حاولوا الاتحاد ضدي، لكن بلا فائدة، فدافعات "أرثر" أجدت معي، أما "ألبرت" فوقف خائفًا لا يدري ماذا يفعل سوى صد الهجمات التي كانت تصيبه صدفة، فقد حاول الفرسان تجنبه لأنه في فريق "إيان".
وهنا بدأ "إيان" بالتحرك، حتى استطاع هو الآخر إسقاط ما يقرب من عشرة أشخاص، كما لو كنا نحن الثلاثة فقط من نهيمن على الساحة.
ثم بدأت المعركة تأخذ منحنى غريبًا، توقف "إيان" عن المبادرة في القتال، وظل يدافع عن نفسه، وأنا كذلك اكتفيت بالدفاع، حتى انتهت العشر دقائق الثالثة، بفوز ثنائي "إيان" و "ألبرت" وثنائي أنا و"أرثر" ، وتبقى ثمانية فرسان فقط كخاسرين.
دوّت أصوات الفرسان بذهول نحو قوتي و "إيان" ودفاع "آرثر" الجيد، وأنّ تلك الشائعات عنا كانت في محلها.
اتجهنا إلى مكان فرقتنا، وبدأنا بإزالة أسلحتنا الخشبية، كما نزعنا أجزاء من زي الفرسان؛ لأن الجو كان حارًا للغاية.
- رين : " هل هذا يفي بالغرض؟ فكما تعلم نحن نلقب بالوحوش! "
- إيان : " أجل. "
- رين : " ألا تظن أن هذا مبالغ فيه قليلًا؟"
- إيان: " كلانا لا يحتاج ليتعلم كيفية عمل الفريق."
- رين: " لا أقصد هذا.
أقصدك أنك بالغت في غشك، لقد سهرت الليل بطولهِ في المقر الرئيسي بالأمس، عند القائد هينري."
- إيان : "ما فعلته لا يعتبر غشًا."
- رين : " أليس لعبك في ترتيباتنا غشًا؟
واختيارك لشركائنا غشًا؟
وجعلك شيري في أخر مجموعة غشًا؟"
- إيان : " أنا أساعد هذه القصيرة فقط."
جلس "إيان" على الأرض ومدد ذراعه للخلف، وأغمض عينه؛ ليتحاشا أشعة الشمس الحارقة، فأمسكت قبعته ووضعتها على رأسه.
ربما يظهر "إيان" من الخارج غير مبالٍ، وبارد القلب والمشاعر ومتعجرف في معظم الأوقات، لكن له قلبٌ طيبٌ، فأنا متيقن أنه ما لعب في ترتيباتنا إلا للضرورة.
فقد جعل "جيرمي" و آلن" معًا، لأنهما صديقان منذ سنوات، وقد قل الوقت الذي يقضيانه معًا، نظرًا لانشغال كل واحد بفرقته، كما أن "إيان" هو من طَلب تغيير "آلن" من فرقتنا، ولم يعارضه "جيرمي" رغم الحزن الذي بدا على وجهه آنذاك، لذلك كان يشعر بالذنب، ففضل جعلهما معًا ليتيح لهما وقت معًا.
أما "سام" فيعتبر "روبرت" أخاه الصغير، وكان اختيارًا جيد له ليجعلهما سويًا، لأن "روبرت" أخرق في أوقات جَمّا، ولا يحب تقبل النصح إلا من "سام"، أذكر يوم تعرفا على بعضهما، كالعادة كان "سام" عند الطبيبة، وأتى طلب من القائد يطلبها فيها وطاقهما الطبي، فقد حدث حالة طارئة وأصيب الكثير من فرسان كتيبتنا، فذهبت الطبيبة، وذهب معها "سام"، وبدأ الجميع في تنفيذ الإسعافات الأولية، وكان "سام" من أنقذ "روبرت"، ومنذ ذلك اليوم وهو يتأخذه مثله الأعلى، حتى أنه أخذ يتعلم الرماية كي يكون راميًا، مثل "سام".
أما "شيري" جعلها مع "كلارا" حتى يضمن أن تكون لها صداقات من الفتيات، كما أن "كلارا" شخصٌ جيد، وستليق شخصيتها مع شخصية "شيري"، جيدٌ لأنهما ترهبان باقي الفتيات، لربما يُكونان عصبة الساحرات الشريرة.
يا إلهي! ضحكت على هذا التخيل المضحك.
يالك من كاذب يا "إيان"، إذا كنت تفكر كثيرًا في مشاعرنا هكذا، لماذا لا تستشيرنا في الأمور الخاصة بنا؟
- رين : "ولكنها ليست قصيرة كما تصف. "
أمسك "إيان" قبعته وأبعدها مسافة صغيرة عن عينه وفتح إحدى عينيه، ونظر بمكرٍ ليّ.
- إيان: " ماذا! أتدافع عنها لأنها قريبة منك في الطول والعمر؟"
التفت له وبدت علامات الغضب تظهر عليّ، ليس مجددًا، سأسحب كلامي الجيد عنك يا مزعج.
- رين : " لا تمزح إيان! "
- إيان : " انظر لوجهك تبدو غاضبًا.
لكن قبل ذلك لما هي تحدق بنا؟ "
- رين : " من تقصد؟"
- إيان : " تلك القصيرة القريبة إليك."
- رين بغضب : " إيان، كفى...
تقصد شيري؟ ربما اكتشفت الخطة؟"
- إيان : " لا أعتقد ذلك، لا تبدو ذكية كفاية لتعلم، كما أنها لم ترانا نحارب من قبل."
قطع "جون" الحديث ببداية المجموعة الرابعة.
وانتهت وبدأت الخامسة، وانتهت وبدأت السادسة.
لم تكن فيها قتالات مميزة تستحق الوصف كانت عادية، وكأنها حلقات متشابه، واحدة تنتهى ثم تبدأ التي تليها.
وصل الملل إلى أقصى درجاته بالنسبة لـ"كلارا"، فهي تتوق للقتالات العنيفة والمحاربين الأقوياء، وكلاهما لم يتواجدا في هذه القتلات.
- كلارا : " يا إلهي! سيقتلني الملل."
- شيري : " أتفق في هذا، ربما سأكتب في تقريري للمزعج، إعادة تأهيلٍ لكل الفرق."
- كلارا : " إن الفرسان ليسوا على خبرة في أي شيء، لأن أغلبهم من العبيد الجدد."
- شيري : " حقًا؟"
- كلارا : " أجل.
لأننا كتيبة الطوارئ، فأغلب من يأتون هنا كانوا عبيدًا، ولا يحق لفارس من كتيبة أدنى الانتقال إلى كتيبة أعلى، إلا إذا كان شخص يستحق ذلك، ولهذه تقام هذه التدريبات؛ ليرى المقيمون مهارات الفرسان، وإذا ما وقع اختيارهم على شخص ذي قوة كبيرة يُنقل لكتيبة أعلى."
- شيري: " وما الفرق بين الكتائب؟"
- كلارا : " الفرق شاسع بيننا، كلما زادت رتبة الكتيبة زادت إمكانيات الفرسان وزاد الدعم، فالقادة يقسموننا حسب المكانة والقوة، بالإضافة إلى أن التدريبات تختلف، فكلما كانت الكتيبة أقوى كانت التدريبات أعنف وذات كفاءة، فهنا تجدين التدريبات سيئة، ولا تعطى الفرسان أي مهارات مفيدة."
- شيري : " لذلك كنتِ تصرخين حينما أتيت، كنت تعترضين على قدومي."
- كلارا : " أجل أظن ذلك، لنقل أن ستة وسبعين بالمائة منا كانوا عبيد، والباقي أحرار.
ولأن العبيد عادةً ما يعملون في أعمال الخدمات الشخصية، فهم ليسوا على دراية بالقتال أو حتى فنون الدفاع عن النفس."
- شيري : " وأنتِ ؟ "
- كلارا بفخر: " أنا كنت حرة، أو لنقل كنت سأكون جارية، لكن الجيش أخذني.
وإذا ما تعجبتِ من قوتي فأنا كنت... "
قاطعتها "شيري" ، ولم يظهر عليها أي ملامح للإهتمام.
- شيري: " لا أريد المعرفة."
- كلارا بغضب: "لماذا سألتي إذن؟"
- شيري: " لقد سألت عن ما إذا كنتِ حرة أم لا؟ "
وجهت "كلارا" نظرها إلى الجانب الآخر، وهي منزعجة من عدم مبالاة شيري لقوتها.
- كلارا : " مزعجة...
سيقتلني الملل، أريد رؤية معركة جيرمي وآلن. "
كان اسم "آلن" غريبًا عليها.
- شيري : " من الثاني؟"
بالتأكيد كانت "كلارا" تعرف "آلن" لكنها أرادت أن تُغضب "شيري".
- كلارا : " أدرى، لكن لا أريد إخبارك."
علمت "شيري" أن هذا مسعاها، لذا تحدثت بالهدوء المعتاد بلا غضب.
- شيري : " إذًا، لا أحتاج منكِ شيء."
نظرت لها "كلارا" باندهاش لأنها لم تغضب.
- كلارا : " ألا يجب أن تغضبي؟"
- شيري: " ولما؟"
- كلارا : "لا شك أن داء هؤلاء الأوغاد الحمقى إنتقل إليك. "
- شيري : " لا، ربما أنا من نقلته إليهم. "
لم ترد عليها "كلارا" لأنها علمت أنها إذا استمرت في محاولة لإغضابها، ستؤول كل محاولاتها بالفشل، لذلك غيرت موضوع النقاش.
- كلارا : " يا إلهى مازلنا في المعركة السادسة فقط، إن انتظارنا للنهاية لهو تعذيبٌ حقًا! "
- شيري : " إذا مللتِ يمكنكِ المغادرة!"
- كلارا : " لا أحتاج لنصحكِ، إذا كنت أستطيع المغادرة لغادرت مبكرًا، لا يُسمح لنا بالمغادرة من هنا، ألم تريّ الحراس في كل مكان؟
لا أصدق أنهم قاموا بجعل المجموعات كلها تتدرب في يوم واحد.
يا لهذا التعذيب!"
- شيري : " هل كان النظام مختلف في البداية؟"
- كلارا : " أنت تسألين كثيرًا، ولكن هذا يبعد الملل.
أجل. كانت المجموعات تقسم على عدّة أيام، ووقت المعركة أطول، كما يسمح باستخدام أسلحة حقيقة. "
- شيري : " أنا أظن أن هذا أفضل. "
- كلارا : " لماذا؟"
نظرت لها "شيري" بنفس النظرة التي نظرتها لها "كلارا"، وبنفس طريقة حديثها.
- شيري: "أدري، لكن لا أريد إخبارك."
- كلارا بغضب: " يالك من مزعجة!
بالتفكير في الأمر، ألم يطلب منك إيان تقريرًا عن كل القتالات اليوم؟"
- شيري : " أجل. "
- كلارا : " هل حقًا ستكتبين عن كل شيء؟"
- شيري : " أجل."
- كلارا : " تمزحين أليس كذلك؟
كيف لكِ أن تكتبي عن كل هذا!
أنت حتى لا تملكين شيء لتكتبي به الآن!"
- شيري : " وما فائدة الكتابة الآن؟ أنا أحفظهم جميعًا."
- كلارا بتعجب : " ماذا؟"
- شيري : " ها هي المعركة السابعة ستنتهي."
و مرت الدقائق العشر السابعة والثامنة، وظلت تمر إلى أن وصلت للدقائق العشر الخاصة بالمعركة الحادية عشر.
- آلن : " إذًا، هل وضع إيان أي خطة."
- جيرمي بابتسامة : " دقيق كعادتكَ، إنها ليست خطة، بل مجرد أمر. "
- آلن : "وما هو؟ "
- جيرمي : " ألا نبرز بين الفرسان، يجب علينا الفوز لكن على طريقة عادية، أن نندمج الباقي."
أمسك "آلن" بذقنه ونظر للأعلى.
- آلن : "هذا يفسر توقفهما عن الهجوم، لقد توقعت أن ينهيا على الجميع في أول أربعة دقائق على أقل تقدير، لم أستبعد حتى إخراجهما لشركائهم.
ولكن لماذا هذا التغير المفاجئ في الأسلوب؟"
- جيرمي : "نوعًا ما إيان يريد أن يفسح مجالًا لشيري."
- آلن : " حقًا! يا لهذا التغير المفاجئ! لماذا؟ "
- جريمي : " أنت تعلم أن لا أحد يستطيع معرفة ما يدور بداخل رأس إيان، ربما نستطيع فهمه في بعض الأحيان، لكن ما هي مخططاته الكاملة فهي لغز بالنسبة لنا."
نظر "آلن" إلى "شيري"، الفتاة التي غير "إيان" من خططه لأجلها.
- آلن : " تلك الفتاة غريبة، تبدو عليها ملامح الشر."
ابتسم "جيرمي" بتردد ووضع يده على رأسه.
- جيرمي : " حسنًا نوعًا ما، هي تبدو مخيفة عندما تغضب، لكنها في النهاية طفلة لم تعش طفولتها، فهي كانت أَمةً منذ الصغر، كما أنها لا تستطيع التواصل مع الآخرين جيدًا."
- آلن : " أتشفق عليها، جيرمي؟
أنت دائمًا ما تشعرنا بشعور الأب اتجاه ابنه، كما هو متوقعٌ من الأب الروحي للفريق."
نظر جيرمي لقوسه وسهمه بابتسامة حزينة.
- جيرمي : " ربما معك حق."
بدأت المعركة وأخذ كل فارس مكانه، وقف "جيرمي" في أبعد نقطة في الساحة ووقف "آلن" على بعد خطوات منه، كانت مهمة "آلن" هي حماية رفيقه، برمحه الطويل ريثما يسقطهم من تلك المسافة بسهامه.
حاول الفرسان الهجوم على "جيرمي" ، لكن دفاع "آلن" كان قويًا، ولم يستطع أحد الوصول إليه، واستطاع إصابة العديد من الفرسان بسهامه.
انتهت العشر دقائق وفازت تسعة ثنائيات وتبقى أحد عشر فارس خاسر.
- كلارا بفخر شديد: " كما هو متوقع من سيد السهام، تعرفين من هو بالتأكيد."
- شيري : " أتقصدين ذو الأربعة أعين. "
- كلارا : " أربعة أعين! هو لا يرتدي نظارته سوى للقراءة!
لا يهم، أجل هو.
لُقب بذلك اللقب حين هزم نخبة الرماة هنا، لازلت أتذكر ذلك اليوم، لقد كان حقًا قويًا منذ أن جاء. "
- شيري: " هل أنت أقدم عضو هنا؟"
- كلارا : " لا، لكني انضممت للجيش قبل فرقتك كلها، لم أكن في هذه الكتيبة من البداية."
- شيري : " إذًا لقد ضعفتِ فانخفضت قوتكِ، وتتحدثين عن القوة!"
- كلارا بغضب : "لا تفتحي فمك المزعج هذا مجددًا."
لم ترد على كلامها.
- كلارا : "يا لهذا الملل، حقًا الجو حار، ألم ننتهي بعد! كم معركة تبقت؟"
لم تجبها.
- كلارا : " هل تسمعين؟"
لم تجبها.
تضايقت "كلارا" فرفعت من صوتها.
كلارا " أنتِ! لما تجيبين؟"
- شيري : " لقد أخبرتني ألا أفتح فمي."
- كلارا بازعاج شديد : " لقد طفح الكيل، سأغير مكاني! "
- شيري: " ألا تريدين معرفة كم معركة تبقت ؟"
- كلارا بغضب : " لا أريد."
غادرت "كلارا" وهي منزعجة جدًا، ضحكت شيري عليها.
- ... : " أخيرًا! رأيتكِ وأنت تبتسمين. "
التفت "شيري" لترى من الذى يتحدث.
- شيري : " سا ...، رأس الموزة!"
- سام : " كنت ستقولين اسمي، أليس كذلك؟ "
- شيري : " لا."
- سام : " لا بل كنتِ ستقولين سام, ولكنك توقفتي."
- شيري : " لا بل كنتُ سأقول، أمم، سا... سأغادر من هنا."
- سام : " أنتِ تكذبين."
- شيري : " وما أدراك بهذا."
- سام : " أنا أستطيع المعرفة."
- شيري : " ماذا تريد؟"
- سام : " أنتِ قاسية جدًا.
على كلٍّ، لقد رأيت أنكِ تتناقشين مع كلارا فجئت لأطمئن عليكِ، فوجدتُ كلارا غادرت."
- شيري بابتسامة: " أجل، لقد أغضبتها."
- سام : " هل أنت سعيدة بإغضابها؟"
- شيري : " نعم."
- سام : " أنت تتفقين معي في ذلك، إغاظتها أمرٌ مسلي حقًا."
- شيري : " أنت لم تأتي لهنا لأجل هذا، ماذا تريد؟"
- سام : " في الواقع، أريد منكِ أن تشجعيني في المنافسة."
رفعت حاجبها بتساؤل.
- شيري : " لماذا؟"
- سام : " أنا أريد هذا فقط."
- شيري: " حسنًا، لك ذلك."
- سام بسعادة : "حقًا! شكرا لكِ. "
- شيري بتعجب: "لماذا تشكرني ؟"
- سام : " لا يهم، سأغادر الآن."
إلتفت "سام" والسعادة تغمره.
-شيري: "غريب الأطوار حقًا، ما الفائدة من التشجيع؟
لا يهم، ما هي إلا دقائق وتبدأ منافسة رأس الموزة.
لأرى ما هي مهاراته."
*******
Shizoka More