غيرة؟

غيرة؟

16 0

«عمران»

فتحت عينَيّ بتعب حاولت مقاومته بكل ما لدي من جهد، كنت في مكان أشبه بدار تخزين، أو ربما موقف سيارات قديم، كانت الأضواء تتسلل من نافذة عالية جدا لا يمكنني الوصول لها.

نظرت أمامي عندما سمعت صوت الباب يفتح بإرتفاعه للأعلى كان من ذاك النوع الرائج في عصرنا من الأبواب الحديدية التي تفتح إلى الأعلى عن طريق ثنييها وكأنها ورق!

ما إن ارتفع الباب إلى النهاية حتى تجلى وجه فاتحه لي فصدمت لرؤيته، لم يكن شخصا غريبا، كان والدي، كنت سعيدا برؤيته فقد تسلل اليأس لقبي حتى ظننت أنني سأمكث هنا ما تبقى لي في حياتي!

وقبل أن أتقدم نحوه خطوة واحدة رأيت تلك الرصاصات الثلاث التي اخترقته في أماكن عدة، ذُهلت وعجزت عن النطق، خفق قلبي لهول ما رأى، وارتعش جسدي من الصدمة، لم أرَ المطلق لكنني عندما هرعت لوالدي كان أحدهم قد دخل وما إن رأى والدي حتى اصفر وجهه وتجمع الدم في يديه غضبا، جثى على ركبتيه قربي، كنت معقود اللسان، أنظر لوالدي أمامي عاجزا، وجلا من ثقل ما أرى!

كان أبي يواجه الموت وسكراته لكنه أخرج بضعة جُمل قبل أن تفارقنا روحه وترحل عنا للأبد...

_عمران يا بني، اعتن بأمك ورنيم جيدا، كن قويا!

لم أجبه، ولم أستطع، كان الصمت أبلغ الكلام، صمتُّ ونظرت للرجل الذي يرتدي لباس الشرطة وهو يقول والخوف والحزن لا يخفيان عن الناظر لوجهه المهموم:

_لم أتيت وحدك؟ لم لم تخبرني؟

ابتسامة والدي القلقة لم تكن مجرد ابتسامة صغيرة استطاع رسمها لكنها كانت تخفي خلفها كثيرا من الألم أجزم أنه لم يرد أن يراه أحد:

_لم أردك أن تتأذى.

_لم؟!

_لأنك أخي في الله!

كان رده كفيلا بجعل دموع ذاك الرجل تنهمر على خديه كطفل صغير، أو كامرأة ثكلى، لم يفقه من نوبة بكائه أو يفقني من شرودي سوى آخر ما نطق به والدي وهو يرفع إصبعه المشيرة بكل ما بقي له من قوة:

_أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله!

بعد تلك الكلمات لم أعد أرى شيئا، ظلام دامس يحيط عيني، أصوات البكاء تبتعد شيئا فشيئا حتى اختفت.

٠٠٠

فتح عمران عينيه ببطء وجال بنظره حول المكان، فإذا به في غرفته، على سريره، لم يعي الأمر فقعد متذكرا، ثم تحسس عينيه بظاهر يده ليجد بعض الدموع قد علقت بها، تمتم مستوعبا بشيء من الصدمة وقد ارتخت ملامحه:

_كان كابوسا...

نهض من سريره وغسل وجهه ثم توضأ وصلى ركعتين لله بث فيهما ما يضيق به صدره، ثم اتكأ على الحائط مفكرا وهو ينتظر أذان صلاة الفجر الذي لم يبقَ عليه سوى نصف ساعة.

«عمران»

يا إلهي، أهو كابوس أم رؤيا؟ وإن كان كابوسا فلم تراه يراودني؟ لم أفكر في الأمر بتاتا!

مهلا!  (اتسعت عيناه بصدمة)  ماذا إن كان هذا ما حدث وقتها؟  ما نسيته طويلا؟  (حاول تذكر الأمر فبدا كل شيء واضحا، لا شيء مشوشا)  هذا... لا يصدق! 

يا الله!

علي الحديث مع المفتش جهاد فهو بالتأكيد سيعرف إن كان حلما أم لا... مهلا!  (تذكر الشرطي في الحلم)  ألم يكن ذلك المفتش بعينه؟ 

(أراد أن يريح برأسه على الحائط فارتطم به بقوة ليضع يده موضع الألم)

مؤلم!

٠٠٠

وقف متوجها نحو نحو درج صغير في مكتبه، أخرج منه مشطا

وسرح شعره، ثم بدل ملابسه وتعطر، وجلس يقرأ كلام الله لعل فؤاده يهدأ قليلا حتى سمع أذان الفجر فخرج من غرفته ليصطدم بأخته فقال مضجرا:

_ما الأمر رنيم؟

أجابته بخجل بعد أن لاحظت تضايقه:

_جئت لإيقاظك فقد بدوت متبعا بالأمس فخشيت أن تفوتك الصلاة...

نظر لها بدهشة ثم أخفاها ببروده المعتاد:

_هكذا إذا.

كاد يغادر لولا سؤالها الذي حمل في طياته القلق الذي اعتادت أن تحطيه به دائما وإن كان يتظاهر بعدم ملاحظته له أحيانا:

_هل أنت بخير؟

ضيق عينيه مستغربا من سؤالها ثم لوح بيده مودعا وهو يقول ينبرته الهادئة المعتادة وقد رسم ابتسامة صغيرة مطمئنة:

_أنا بخير، لا تقلقي.

خرج من المنزل تاركا الأخرى في حيرة من أمرها فهي لم تعد تفهم تصرفاته أو شخصيته الغريبة، تنهدت بقلة حيلة ثم أيقظت والدتها وأعطتها حجر التيمم خاصتها، وتوجهت لغرفتها لتصلي.

أما عمران، فتوجه للمسجد، صلى في جماعة، ثم عاد للمنزل، جلس في غرفته يقرأ الأخبار التي انتشرت عن قضيتهم الأخيرة وقد لاحظ عنوان المقال الذي نشرته إحدى الصفحات الغير رسمية «المحقق لادن يبدع في استنتاجاته كالعادة»  علته ابتسامة جانبية وقام بـ«لقطة شاشة» للمقال ثم همس لنفسه:

_يا لك من نجم ساطع، لادن.

أغلق الهاتف، قم جلس يقرأ أذكار الصباح فقد عوده والده منذ أن كان طفلا على قراءتها.

ما إن أنهاها حتى خرج للمطبخ ليروي عطشه فوجد أخته تعد الإفطار، سألها وهو يفتح الثلاجة ويأخذ قنينة المياه الباردة:

_هل توجد أي أغراض ناقصة؟

فكرت قليلا قبل أن تجيبه:

_نفذت الفواكه، والحليب أيضا.

وقبل أن يتحدث تابعت باحترام وخجل:

_أيضا... أريد بعض الأشياء... ليست بالضروريات.

نظر لها بطرف عينيه فتابعت بتردد وهي تفرك يديها:

_يمكنك الرفض

أخذ نفسا ثم أخرجه بقوة معلقا:

_أرسلي لي كل ما تحتاجينه في رسالة، يومان على الأكثر وسأستلم راتبي؛ لذا لا تشغلي بالك بأمر المال.

استطرد وهو ينظر لساعته:

_أيضا اسألي أمي إن كانت تحتاج شيئا... أنا ذاهب للعمل الآن.

_ألديك قضية؟  (سألته بعفوية)

نفى دون أن يلتفت إليها لكنه ابتسم لأن الأوضاع باتت تتحسن بينهما:

_لم يتصل بي المفتش لذا لا أظن... السلام عليكم

غادر

تمتمت:

_وعليكم السلام، في حفظ الله

ثم نظرت للفطور الجاهز وصاحت متذكرة:

_يا الله!  لم يتناول فطوره حتى!

عند عمران...

وصل لمركز الشرطة مبكراً قبل الجميع عدا البواب، والمدير الذي من عادته أن يصلي الفجر ثم يلازم مكتبه حتى منتصف الليل.

دخل لمكتبه الصغير وجلس بشرود، يفكر في الأسئلة التي عليه طرحها، من أين يبدأ؟  هل يخبره عن الحلم؟ أم يسأله عم حدث بالفعل؟ أم أن عليه أن يسأله عن قاتل والده أهو طليق أم نال جزاءه؟  كان حائرا فيما عليه فعله.

سمع صوت عدة خطوات تتقدم نحو مكتبه ثم تتجاوزه لتبتعد ببطء، فخرج يلقي نظرة فإذا به المفتش جهاد ومعه ابنه لادن، حياهما بإيماءة صغيرة مع السلام بنبرة هادئة، ثم التزم الصمت وسأل نفسه «هل أسأله أمام لادن؟  أم أنتظر حتى أختلي به؟»

عندما لاحظ لادن شروده سأله باهتمام:

_ألا زال الصداع يراودك؟

نفى الآخر فاستدعى هذا اهتمام جهاد وأردف متسائلا:

_هل استعدت ذكرياتك؟

أجابه بنبرة هادئة غُلفت بالاحترام:

_لا أدري (نظر له مستغربا فتابع على مضض) رأيت حلما، لا أدري إن كان حقيقة أم مجرد كابوس.

_قُص علي ما حدث إن أردت (علق بابتسامة ثم أشار لابنه أن يتركهما وحدهما)

خرج لادن وعلى وجهه ابتسامة جانبية تخللتها بعص السخرية فقد شعر ببعص الغيرة من عمران الذي كسب اهتمام والده بدلا عنه... وربما ليس هذا السبب الوحيد، فقد غار من والده أيضا الذي استطاع كسب ثقة الآخر بسهولة على عكسه هو.

جلس على كرسي في مقدمة المبنى، يستنشق نسيم الصباح البارد، وعقله يفكر فيما يجري، لأول مرة يشعر أنه شخص زائد، لا فائدة منه، ضايقه الأمر كثيرا حتى ظهرت على وجهه امتعاضة واضحة.

1

أراد دائما التقرب من عمران، فهمه، تكوين صداقة معه، لكنه لم ينجح، أما والده؟  ففي غضون ثلاثة أيام أصبح الأقرب لعمران من بين الجميع، ولكن لم؟  ما السر الذي يخفيانه؟  هذا ما جال بذهن لادن من أسئلة.

رسم ابتسامة كاذبة عندما لاحظ دخول المفتش نبيه من البوابة الخارجية، وقف وتوجه نحوه، سلم عليه باحترام، فسأل المفتش:

_هل حضر والدك؟

قال ممتعضا:

_نعم، إنه برفقة عمران، يتحدثان في أسرار لا يبدو أن علي معرفتها.

قهقه نبيه من تصرفات الشاب وغيرته وقال ممازحا:

_يبدو أن عمران سرقه منك.

جحضت عيناه يعي كلمات الآخر ثم أطلق سراح ضحكة قصيرة خرجت من بين شفتيه معلقا:

_عمران؟  مستحيل!

ثم تبسم متابعا:

_لا أدري هل أغار من عمران لاهتمام أبي به أم أغار من أبي لكسبه ثقة عمران؟

ضحك المفتش بخفة وربت على كتف الآخر قائلا:

_كل ما في الأمر أن والدك يفهم مشاعر عمران لأنهما مرا بالتجربة ذاتها.

نظر له لادن، قرن حاجبيه معربا عن استغرابه:

_هل تعرف القصة أيضا؟

أجابه بابتسامة حزينة وهو ينظر للأعلى:

_أنا، والمدير، وبعض المفتشين القدامى نعلم بها، لم تكن سرا بل جرحا أليما لمركزنا، فقدنا شرطيين في يوم واحد، فالأول مات في محاولة إنقاذ ابنه الذي اختطف كرهينة، والثاني استقال من الشرطة حزنا على فقدات صديقه (صمت قليلا ثم نظر في عيني الشاب المنتبه)  أما الأول فهو والد عمران، والثاني هو والدك.

لاحظ المفتش الذهول في وجه لادن وهو يسأل:

_أبي ووالد عمران كانا صديقين؟

_بل أكثر من ذلك

_ولكن ما علاقة أبي بعمران؟

قبل أن يجيبه المفتش أتته الإجابة بصوت بارد شابه حزن دفين:

_كلانا شاهده يلفظ آخر أنفاسه.

التفت لادن نحو الصوت فإذا بعمران وجهاد يقفان في مدخل المبنى، توتر في بادئ الأمر فقد شعر أنه تدخل فيما لا يعنيه وأراد أن يعتذر لولا قول الشاب الآخر بابتسامة صغيرة لكنها بعثت البهجة في نفس لادن:

_آسف إن أقلقتك (ثم نظر للمفتش جهاد)  أشكرك لوقتك.

تابع بعينين واثقتين موجها حديثه للمفتش نبيه:

_سيدي المفتش أنا مستعد لحل أي قضية إن شاء الله!

•••٠٠٠النهاية٠٠٠•••

2

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ها نحن ذا نودع جزءا جديدا من قصتنا!

جزء رأينا فيه ألم شخص يكره أن يرى ضعيفا

ولكنها ليست النهاية، جزء جديد ينتظركم قريبا🤭

انتظروني أيها المحققون🔥

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسير الذكريات

المؤلف البروء
2025/10/12 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة