_الضحية هو السيد بسّام، أمضى في عقده السادس عامان، سبب الوفاة إصابة حادة في الرأس.
هذا ما نطق به المفتش نَبيه بنبرة عملية مشيرا بعينيه للجثة الملقاة على الأرض أمامه.
جال لادن ببصره في الغرفة الفوضوية، تحف مدمرة، دماء متناثرة مع رائحة نتنة حول الضحية وقرب الكنبة.
(لادن)
بدا كأنها عملية سرقة لوهلة لولا أن الشرطة لم تجد أي دليل على اختفاء أي شيء، وما يزيد الأمر غرابة هو أننا لم نعثر على سلاح الجريمة في أي مكان.
•••
تقدم عِمران بخطى ثابتة نحو الجثة وجلس جلسة القرفصاء متفحصا بعيني الصقر خاصته كل شبر في فيها، وكأنه يدرسها بعمق، بحثا عن أي خيط خفي.
تحدث لادن بنبرة جادة بعد أن اقترب من الجثة وجلس ثانيا قدمه اليسرى تحته والأخرى ثناها قليلا بحيث أصبحت كالزاوية ووضع مرفقه الأيمن عليها بينما أمسك ذقنه بيده اليسرى مفكرا:
_رسالة احتضار!
أومأ الآخر بهدوء دارسا يد السيد بسّام اليمنى التي تكمشت وقبضت بقوة عدا إصبعيْ الإبهام والمشيرة¹؛ أما يده اليسرى فقد كانت قبضة شديدة لا يمكن فتحها.
أخرج المحقق الصامت كمرته والتقط عدة صور للمسرح الجريمة وتحديدا يديْ الجثة قبل أن يتقدم الطاقم طبي لأخذها للفحص والتأكد من سبب الوفاة ووقتها.
•••
من جهة أخرى
_هل عزمت على ذلك؟
سألته زوجه بقلق عندما رأته متوجها نحو الباب بخطوات متأنية ينوي الخروج، لقد كانت خائفة من أن يتخذ هذا القرار فقد كان يلمح كثيرا لذلك، هي تعلم أنه الآن يضغط على جرحه، يدوس عليه وكأنه يقول «لن أترك للماضي فرصة السيطرة علي».
أومأ لها مطمئنا بابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه وهو ينتعل حذاءه الجلدي:
_نعم، تمكن الحنين من قلبي، لا أستطيع الهرب أكثر.
_ولكن!
ربت على كتفها بحنان:
_يجب على الإنسان مواجهة مخاوفه وكسر الأغلال التي تقيده وتمنعه من العودة.
لم تجد ما تقوله له فالتزمت الصمت وأومات له متفهمة في حين كان فؤادها يخفق بشدة رافضا، ونبضاته تطالبها بمنعه من العودة لهذا العمل مجددا، يكفيها أن ابنها يعمل هناك، لا تريد أن تقلق على شخصين، يكفي أن يرتجف قلبها على أحدهما!
ودعها مغادرا وعلى محياه ارتسمت ابتسامة هادئة وقورة، أما هي فقد كانت حدقتاها تراقبانه وهو يغادر ببطء معطيا لها ظهره حتى صعد سيارته واختفى بين زحام السيارات.
نزلت منها دمعة خائنة كانت تحاول الحفاظ عليها لفترة طويلة لكن هيهات، قلبها أكثر هشاشة من أن تحتمل هذا...
التفتت لتعود للداخل فتفاجأت بابنتها التي كانت تفرك عيناها بنعاس فقد استيقظت لتوها.
_أمي؟ أتبكين؟
نظرت لها لوهلة مترددة إذ لم تجد ما تجيب به، ماذا ستقول؟ والدك عاد ليعمل مع الشرطة؟ أهذا سبب يبكيها؟
اقتربت الفتاة بهدوء ومسحت الدمعة التي تسللت لخد والدتها وهي ترسم ابتسامة عفوية على شفتيها:
_لا أحب رؤية دموعك، ابتسمي دائما.
تبسمت الأخرى عفويا لكلمات ابنتها وهي تحمد الله الذي رزقها ابنين باريين وزوجا يخاف الله فيها.
احتضنت صغيرتها التي أوشكت أن تبلغ عامها الثامن عشر.
ضمتها بحنان ولسان حالها يردد:
_حفظك الله يا لين، حفظك الله! لا أراني الله فيك ولا فيهما بأسا يارب!
ابتعدت الأخرى بلطف:
_لا آلم الله لك قلبا أماه!
ثم أمسكت يدها وأخذتها لغرفة الجلوس قائلة وهي تشير للأريكة الزوجية قرب النافذة:
_تبدين متعبة، ارتاحي الآن، سأعد الفطور حالا.
_أشكرك، ليني.
_واجبي (غمزت لها ثم غادرت للمطبخ)
ما إن دلفت للداخل حتى تلاشت ابتسامتها التي رسمتها أمام والدتها ووضعت يدها على صدرها حيث يختبئ فؤادها القلق على من حملت بها بين أحشائها تسعة أشهر وربتهما بعد ذلك سبعة عشر عاما حتى اللحظة!
دعت بخفوت:
_اللهم باعد بينها وبين الحزن كما باعدت بين المشرق والمغرب.
أطلقت تنهيدة قوية علها تطرد بها القلق الذي تمكن منهو ثم باشرت تعد الفطور وعقلها مشغول بوالدتها، وسؤال واحد يتردد في ذهنها «ما الذي أبكاها؟»
•••
في مكان آخر... انطلق جهاد بسيارته نحو مسرح الجريمة بعد أن أنهى آخر أوراق عودته للعمل مع الشرطة، ولشدة ثقتهم به أعيد لمقامه كمفتش بعد غياب دام عشرة أعوام وكأنهم كانوا ينتظرون عودته منذ مدة طويلة، على الأقل شعر بذلك إثر السرور الذي ملأ صدورهم.
نزل من سيارته وخطى بهيبة ووقار، بخطى ثابتة واثقة نحو المنزل، كان منزلا فارها بحق، يبدو كقصر ملكي عصري...
أخرج شارة الشرطة خاصته، اضطر لصنع جديدة وهذا ما أخره قليلا، سمح له زملاء عمله بالدخول بعد رؤيتها.
داخل المنزل...
كان ثلاثتهم يقلبون أعينهم بين صور يد الضحية وبين مسرح الجريمة الذي هم فيه؛ حالهم حال من احتار في أمره، من لم يجد ما يشبع به فضوله كشخص يسعى للعدالة وتطبيق حدود الله على الظالمين.
_ربما تشير لعلامة صح (√) والقبضة تشير لقوة القاتل.
تحدث المفتش نَبيه مستنتجا حركة اليد التي شكلها الضحية قبل موته.
علق لادن معترضا بلطف وهو يحرك يده في الهواء كأنه يطلق بمسدس صنعه بأصابعه:
_أو ربما تشير لمسدس؟ والقبضة ربما تشير إلى أن المسدس كان فارغا، دلالة على الصفر؟
كان يتحدث لكنه لم يكن مقتنعا مئة بالمئة من استنتاجه، نظر هو والمفتش نَبيه تجاه المحقق الهادئ الذي كان يُقلب الصورة بين يديه ثم قلبها ليصبع الجزء العلوي منها السفلي والسفلي هو العلوي، واقترح بذهن غائب:
_أو ربما الرقم سبعة إن أزلنا منه الخط في المنتصف.
_ماذا عن اليد الأخرى؟ (رد لادن بعد تفكير)
أجابه:
_ربما تشير لرقم صفر كما قلت، أو للقوة كما قال المفتش.
شعروا بالحيرة تجتاحهم لكثرة المعاني والأفكار التي توصلوا لها، ولم يقطع تفكيرهم سوى صوت يأتي من مقدمة المنزل:
_أو ربما حرف (L) في الإنجليزية.
توجهت الأعين تجاه صاحبه بتعابير مختلفة...
شهق لادن عندما رآه ورفع مشيرته نحوه صائحا بصدمة:
_أبي!
في حين كسى المفتش نَبيه نوع من الهدوء المتفاجئ وهو يتمتم بصوت يحاول استيعاب ما ينطق به:
_المفتش جِهاد؟!
أجاب الآخر مبتسما:
_جهاد بشحمه ولحمه أيها المفتش نَبيه.
همس عِمران لنفسه بصوت لم يسمعه غيره وهو ينظر لضيفهم وشيء ما داخله يخبره أنه التقى به في الماضي، في مكان ما:
_ هذا والد لادن إذا.
_ما الذي تفعله هنا أبي؟ (شهق عندما رفع الآخر شارته) عدت للعمل مع الشرطة؟
أومأ جهاد بهدوء وتقدم ناحيتهم ليعانق زميله القديم في لحظة مؤثرة، كان عناقا طويلا وكأنهظا يعوضان كل لقاءتهما التي لم تحدث، ربما لم يكونا صديقين، لكن الزمالة بالنسبة لهما تعني الكثير، ليست مجرد عمل يجمعهما معا، بل ذكريات أيضا...
تبادل لادن وعمران النظرات في حيرة، فلادن لا علم له بعلاقة والده مع المفتش، بل لم يكن يعلم أنهما زميلان؛ إذ أن والده لا يتحدث عن ماضيه بتاتا وكأنه يكره تذكره لسبب ما، ماضٍ سبب له ندبة لا زالت تؤلمه حتى هذه اللحظة!
أما عمران فقد كان يحاول تذكر أين رأى المفتش جهاد سابقا، هو يعلم تماما أنه رآه في مكان ما في الماضي، قبل مدة طويلة، طويلة جدا، قبل أن يدخل الشرطة حتى، لكن أين؟
كلما حاول التذكر أكثر كلما شعر بشيء يخبره «لا تتذكر!»
بعد أن طال العناق طويلة فصله المفتش نَبيه واضعا كفيه على كتفي الآخر وهو يقول بنبرة ملأت من الحبور ما يعادل ذرات الهواء في الجو:
_لم أتوقع عودتك يا رجل!
ضحك الآخر بخفة، تلك الضحكة التي نخفي بها حزنا دفينا، ألما خاصا، جرحا لا يلتئم:
_لا بد من مواجهة آلامنا وجها لوجه يا صديقي!
ـــــــــــــــــــ
(١) المشيرة: هي الإصبع الذي يلي الإبهام وتسمى أيضا (السبابة)
إذا ما رأيكم بالفصل الأول؟
كيف الأحداث؟
وما توقعاتكم لرسالة الاحتضار التي تركها الضحية؟ 🤭
ماذا عن جهاد👀
ما الذي قصده بكلماته الأخيرة؟
وأين التقى عمران به؟ 🤭
البروء