في الصباح...
التاسعة صباحا
فتح لادن عينيه على مصرعيها فزعا، نظر لساعة المنبه جانبه ليقول محدثا نفسه وهو يتوجه بسرعة للخلاء:
_يا الله، لقد تأخرت!
غسل وجهه ثم بدل ثيابه بسرعة وخرج من غرفته ليجد أخته تكنس المنزل:
_صباح الخير، ليلي
ضيقت عينيها مستغربة:
_صباح الخير، ظننتك قد ذهبت مع والدي.
علق بحسرة وهو يخرج من باب المنزل:
_لا تزيدي الطين بلة بكلماتك.
ابتسمت بسخرية، تراقبه وهو يغادر باستعجال، ثم قلبت عينيها بملل وأكملت عملها بصمت.
أما هو فغادر متجها نحو مركز الشرطة فقد أخبره والده أنهم سيكملون التحقيق هناك.
كان يقود بسرعة وهو يعيد استرجاع القضية وما توصل له أمس حتى غلبه النعاس.
٠٠٠
تنهد بارتياح عندما أوقف سيارته في موقف سيارات المركز، نزل منها وتجول بعينيه سريعا في المكان ليلاحظ وجود سيارة والده والمفتش نبيه كذلك.
دخل المركز ثم توجه حيث الجميع...
كان والده واقفا أمام المشتبه بهم الذين ظهرت عليهم علامات السخط لتورطهم في القضية، في حين جلس المفتش نبيه ينظر لزميله بتمعن، متظرا عرض الاستنتاج الذي سيكشف الحقيقة.
_وصلت أخيرا؟ (أردف والده مبتسما)
_أعتذر عن التأخير
_لا بأس... حسنا لنبدأ بفك الغموض عن هذه القضية.
نظروا له جميعا بانتباه، وقبل أن يباشر الحديث دخل عمران بوجهه المعتاد، بملامحه الهادئة، وتعابيره الباردة.
ألقى السلام ثم جلس قرب لادن الذي قال قلقا:
_لم أتيت؟
رمقه بنظرة ساخرة مجيبا:
_هل تريد أن تكون صاحب الفضل الوحيد؟
ضحك بخفة:
_لست أنا من سيحل القضية، أحدهم قد حلها بالفعل (أشار لوالده)
تنحنح جهاد ليعيد الانتباه إليه وقد كان له ما أراد:
_حسنا... لنراجع الأحداث: الضحية صاحب شركة كبيرة للمعدات الرياضية، قُتل ليلة الأمس بضربة حادة على رأسه أردته قتيلا مباشرة.
نظر للمشتبه بهم واستطرد:
_ترك السيد بسام رسالة احتضار تدا على قاتله، ودون أي مقدمات فالقاتل هو (أشار بأصبعه لأحد المشتبه بهم ممن يحملون الرقم سبعة) أنت يا سَهل!
علت المشتبه به ابتسامة ساخرة وعلق ببرود:
_وما دليلك سيادة الشرطي؟
_عصا الغولف خاصتك (تابع بثقة) لو أخذناها إلى الفحص سنجد بعض الدماء عليها بلا شك، فكل الأدلة تشير إليك، بداية بالرقم سبعة، ثم القوة التي تتمتع بها لأنك رياضي، نهاية بسلاح الجريمة المحتمل.
كان لادن معترضا على استنتاج والده لكنه لم يستطع إظهار ذلك، ربما لم يرغب في إظهار والده على أنه أخطأ وأنه اتهم أحدهم زورا.
خطف نظرة لزميله ليجده ينصت باهتمام لدفاع المشتبه به عن نفسه بثبات:
_ماذا إن قام أحدهم بذلك في محاولة الإطاحة بي؟
ما إن أنهى كلماته حتى شعر بنظرة أحد الحاضرين تخترقه فتابع بثقة متجاهلا تلك النظرات القاتلة:
_ربما قتله أحدهم ليوقع بي
كاد جهاد أن يتحدث لكن منعه من ذلك تعليق عمران الساخر:
_لن يكون إلا شخصا قريبا منك يا سيد.
تابع عنه المفتش نبيه:
_وبخصوص عصا الغولف لقد أرسلنا في طلبها من منزلك.
اشتاط واحتقن وجهه بالدماء وهم بإمساك ياقة جهاد الذي أمامه وهو يهدر به غضبا:
_كيف تتجرؤون على اقتحام البيوت دون إذن أصحابها؟!
أبعده الآخر بهدوء وعلته ابتسامة جانبية:
_ألا تعرف أن التعرض لرجال الشرطة يعد جريمة أيضا؟ ثم أننا لم نقتحم المنزل بل استأذنا أهلك قبل التصرف.
شد سَهل قبضته بقوة بعد أن وعى أنه سيُزج للسجن ثم يقام عليه الحد لا محالة ليقول عمران بنبرة باردو:
_أتعلم؟ فضحك أمران، رسالة الضحية، ووجهك الآن.
أخذ عنه جهاد الحديث وهو يضع الأصفاد في يده:
_سنكمل التحقيق في مركز الشرطة، قبل أن يطبق عليك حد القتل (أنهى كلماته بحدة باعثا قشعريرة في جسد القاتل)
كان يسير بانطياع تام، استسلم للأمر الواقع، لم يتابع جداله، واكتفى بالصمت، وقبل أن يتلاشيا عن الأنظار، وقف لادن بثبات وتحدث بنبرة هادئة غير راضخة للسكوت عن الظلم الذي بيد أنه لم يره غيره وغير المتهم:
_حتى وأنت تقاد للموت لا تريد الاعتراف بالحقيقة؟
توجهت نحوه الأنظار بانتباه، صدمة على وجه والده، توتر على وجه سهل، استغراب على وجه عمران، وتعجب على وجه المفتش نبيه، فكل الأدلة تثبت صحة كلام جهاد فكيف يقول لادن ما يعارض الأدلة؟
استطرد بثقة وهو يسير نحو نحو المشتبه بهم:
_أجزم أننا سنجد بقع الدماء على عصا الغولف، ولن نجد غير بصماتك فبطبيعة الأمر سيمسحها الجاني؛ لذا (نظر لـسهل) علمت أن لا أحد سيصدقك إن نطقت بالحقيقة صحيح؟ يئست وقدت نفسك للموت رغم أن لا شأن لك؟! وأظنك تعرف القاتل جيدا، بل إنه بيننا الآن!
صدموا جميعا ليقول المشتبه به بنبرةساخرة وكأنه يثبت إدانته لا براءته:
_هل تدافع عني؟
_كلا، بل أكشف الحقيقة فقط (خطف نظرة لوالده متابعا بمزاح) آسف أبي، سأخطف منك الأنظار لوهلة.
عاد ليجلس في مكانه واضعا قدما على الأخرى وشابكا أصابع يديه:
_أولا، القاتل لا زال هنا بالفعل وأظنك لا تستتر عليه خوفا منه بل لعلمك أن نسبة تصديق الشرطة لك لا تتعدى الواحد في المئة، ثانيا، هو شخص قريب منك، تأتمنه على بيتك كما تأتمن نفسك، ولن أستبعد أنك قد تعطيه مفاتيح غرفتك إن طلبها (لاحظ توتر سهل إثر هذه الكلمات) ثالثا لم تكن تتوقع أن يصل الأمر لجعلك قاتلا ولم تشك لحظة أن عصا الغولف خاصتك اُستخدمت كسلاح جريمة.
صمت قليلا فسأله المفتشان:
_ومن هذا الشخص؟
ابتسم مجيبا:
_لنحلل رسالة الضحية، نبدأ بالمسدس لوهلة يبدو أنه غير مرتبط بالقضية، لكن لم يقصد به شكل المسدس بالمعنى الحرفي، بل الطلقة.
_الطلقة؟ (تساؤلوا في آن واحد)
أومأ:
_المسدس يشير لطلقة الرصاصة، والطلقة تشير إلى السرعة، شخص سريع؛ أما القبضة فهي تشير إلى القوة، شخص قوي، مهاجم... إذا مهاجم وسريع، يحمل الرقم سبعة، من يحمل هذه الصفات؟
أجاب معظمهم:
_لاعب كرة قدم!
ابتسم:
_تماما، ولا يزال لدينا دليل آخر (نظر لأحد المشتبه بهم) حرف L إنه حرفك سيد لؤي، أرأيت كيف تقلب الطاولة عليك؟
أجاب الآخر ببروء ناظرا لسهل الذي بدت تظهر عليه علامات الارتياح:
_لكني لا أعرف هذا الشاب سوى أنه لاعب معروف.
تجهم وجه سهل وصدم مما سمع وأراد أن يتحدث لكن المفتش جهاد منعه مشيرا لعمران الذي وقف جانب لادن أمام لؤي:
_وهل تظننا سنأخذ بقولك فقط؟ يمكننا سؤال محيطكم، عائلاتكم، أصدقاءكم، سنجد دليلا يثبت إدانتك.
تسلل الغضب للآخر وأخرج مسدسا كان يخبؤه داخل ملابسه ثم وضع فوهته على رأس عمران في لحظة خاطفة مسببا جمودا للأجساد حوله من شدة الصدمة، تحديدا عمران الذي جال بباله مشهد قديم، وكأ عقله غادر هذه الغرفة، أمسك رأسه بقوة مما جعل الآخر يصيح به قائلا:
_اسمع، حاول التحرك وستخترق رصاصتي رأسك!
تابع ساخرا وهو ينظر لـلادن المتجمد من الصدمة فهو لم يحسب حسابا لهذا ولو فعل لكن اقترح على والده تفتيش المشتبه بهم قبل كشف الستارة:
_ربما كان استنتاجك صحيحا، لكنك أخطأ في نقطة المسدس فهو قد عناها حرفيا، لأنني قناص محترف.
أنهى كلماته بغرور واضح ثم صاح بهم غاضبا:
_أفسحوا الطريق لي لأخرج أو ستستقر رصاصتي في عقله (نظر له ساخرا) ولا أظنه في حالة تسمح له بمنعي.
نعم، لم يكن يشعر بأي شيء حوله، بل إنه عقله في مكان آخر، مشهد يتكرر، مسدس، إطلاق، دماء تناثرت في كل مكان، صوت مألوف «بني، اعتن بأمك وأختك) ثم... صوت تمتمته «أشهد ألا إله إلا الله!)
تكرر المشهد في عقله مرات عدة، لكنه مشوش، لا شيء واضحا، الألم يشتد، يكاد الصداع أن يفتك به، لم يفقه سوى تلك الدفعة القوية من لادن جعلت جسده يرتطم بالأرض بقسوة!
ارتبك لقاتل بسبب ما حدث للتو فانتهز لادن الفرصة، ثم ركله على معدته بكل قوته آخذا منه المسدس ورميه بعيدا تحت الأنظار الخائفة مما يجري، تبادلا الضربات بقوة، كل يفرغ غضبه في الآخر فقد قتل إنسانا ثم لبس ثوب التهمة لغيره باحترافية والآن يحاول الفرار برهينة؟
كانت ضرباتهما قوية مرة بالأيد ومرة بالأقدام حتى سقط كلاهما فاقدا الوعي.
ابتعد جميع المشتبه بهم في وجل، في حين تقدم المفتش نبيه من القاتل ووضع الأصفاد في يديه، وتقدم جهاد من ابنه وكذلك فعل المحقق، أرادا الاطمئنان عليه.
كان عمران قد استفاق من ذكراه المشوشة ثم قاس نبض الآخر فاطمئن لسماعه، لكنه جلد ذاته مجددا بتحميلها سبب ما جرى، فهذه المرة الثالثة التي يؤذي لادن فيها نفسه لإنقاذه، ولكن لم؟ لم يراه مستعدا دائما لإنقاذ من حوله ولو عنى ذلك التضحية بنفسه؟
كان يتحرك ببطء شديد إثر ارتطامه القوي بالأرضية.
أراد الوقوف مجددا والحفاظ على رباطة جأشه، لكن كل شيء بدا ضبابيا كالمرة السابقة، تلاشى كل ما أمامه ببطء شديد، آخر ما استطاع ملاحظته هو جسدين اقتربا منه بسرعة ليمنعى سقوطه بيد أنهما المفتشان، ثم حل الظلام حوله!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى الفصل الخامس🤭
ما رأيكم؟
انتظروني في الفصل السادس قريبا 👀
لم يتبقَ الكثير على نهاية قصتنا😔
دمتم في حفظ الله ورعايته🎀
البروء