بحث...

بحث...

23 0

_لا بأس من مواجهة آلمنا وجها لوجه يا صديقي!

تلك الكلمات كانت كفيلة بزرع الحيرة داخل ابنه الذي لم يفهم شيئا، وزادت من شد انتباه عمران الذي آلمه عقله من محاولة التذكر وكأنه فقد جزءا من ذاكرته؛ أما المفتش نَبيه فقد ارتسمت ابتسامة مسرورة على ثغره لتظهر بعص التجاعيد الصغيرة التي تُعلن عن بدء مرحلة الكبر له.

1

كُل منهم يفكر، يسأل نفسه، يحاول فهم ما حوله، لكل شخص في هذه البقعة الصغيرة تساؤلات.

«لادن»

ما الذي أتى بأبي؟ لم عاد للشرطة؟ بل لم لم يخبرني بقراره؟ وما قصة كلماته؟ ما العلاقة التي تجمعه مع المفتش نَبيه؟ 

وأيضا...  (خطف نظرة لعمران)  ما باله شارد الذهن هكذا؟  ما بال وجهه يبدو مرهقا بشكل لا يصدق؟  ما بال الوجه البارد الجامد قد تحول لوجه منهك؟  أهو مريض؟ أم أن مكروها أصاب عائلته لا سمح الله؟  ولكن...  إن كان كذلك لعلمت لين ولأخبرتني، ثم أنه كان كعادته إلى أن رأى أبي، أتراه يعرفه غير كونه والدي؟

1

«عمران»

لم؟ لم لا أستطيع التذكر؟  لم كل ما أذكره يبدو مشوشا؟  أين رأيته؟ أين؟!

1

رأسي يا الله! ألم شديد، ألأنني أحاول تذكره؟ ما بال ذاكرتي تخونني عندما أحتاجها؟ (ألقى بنظرة سريعة تجاه المفتش جهاد) كان مع والدي، لكن أين؟ كنت معهما أذكر هذا!

2

لكن... لم لا أذكر متى وأين؟ لم لا أذكر كيف التقيته ولم؟

«المفتش نَبيه»

تغير كثيرا، اشتعل رأسيه شيبا على رغم أنه لا يبدي لي أنه يعاني من الأسقام فصحته في أفضل حالاتها، لكن شيبه لا بد أنه إثر حادثة مؤلمة، تلك الحادثة التي أثرت به حتى ما عاد بإمكانه العمل مع الشرطة منذ عشر سنوات!

1

«المفتش جِهاد»

عِمران، كبر حقا، أصبح رجلا، نظرته المنكسرة تلك اختفت، ملامح الرعب لا أراها اليوم، لقد تغير...

2

ولكن ما بال وجهه قد غزاه الكدر؟

1

ويا إلهي، ما هذه النظرة التي ألقاها سريعا على وجهي ثم أخذها؟

أتراه نساني أم أنه يرفض تذكري؟

1

لا يبدو لي أنه تذكرني ولكن ما أراه هو خوف خفي، قلق ظاهره أقل من باطنه، هم غم وجهه غما!

1

يبدو أنه لا زال في كابوس ذلك اليوم، لم يتخطاه بعد... (تنهد) رعاك الله يا بني!

1

•••

تلك اللحظة الصامت ظاهريا لم تكن تعبر البتة عن الزوابع التي تعصف بعقولهم، زوابع الأسئلة والذكريات!

أحدهم نجى من زوبعة ذكرياته أولا لينتشلهم من زوبعاته بصوته الهادئ وابتسامته الوقور:

_أظن أن هناك قضية يجب حلها صحيح؟

أفاقوا جميعا وعادوا لواقعهم، لسبب وجودهم في هذه الغرفة، في هذا المسرح الدامي.

أردف لادن موافقا والده:

_نعم، علينا التركيز في القضية.

قال المفتش نَبيه:

_أولا علينا فهم رسالة الضحية، فإن لم نستطع معرفة الجاني قد نستطيع حصر المشتبه بهم.

أومأ المفتش جهاد وابنه موافقين في حين قال عمران وهو يمسك رأسه لشدة ما ألم به من صداع:

_عذرا أيها المفتش، هل يمكنني المغادرة؟

توجهت أعينهم نحوه، عمران يطلب المغادرة؟  يترك القضية قبل أن يعرف حلها؟

_نعم يا عمران، يبدو عليك التعب فخذ قسطا من الراحة.  «أجابه المفتش نَبيه بحنان»

_إن شاء الله.  (قال وهو يهم بالمغادرة)

أردف لادن وهو يسأله وقد كساه بعض القلق رغم مظهره الهادئ :

_هل أنت بخير؟ هل آخذك للمشفى؟

ابتسم الآخر بسخرية لم يقصد بها زميله، بل شخصه الذي لم يتوقع أن يصل به الحال لتقال له كلمة كهذه...

أجاب بلباقة وحزم:

_لا، شكرا لك.  (غادر تاركا إياهم في حيرة)

كان لادن سيتبعه لولا يده والده التي منعته لينظر له بتعجب من فعله

_لم تمنعني؟

_دعه يواجه آلامه

_ما الذي تقوله والدي؟

أجابه بجدية وقد ثبت عينيه على وجه ابنه القلق:

_اهتم بقضيتك الآن، ودع عمران يحل قضيته وحده

_قضيته؟ أي قضية؟

ابتسم مجيبا وهو ينظر في الفراغ:

_حتى مخاوفنا قضايا علينا حلها لنرتاح.

لم يفهم لادن مقصد والده لكن لم يكن بيده شيء سوى الانطياع والتركيز في القضية رغم أن تفكيره يخرج عن القضية أحيانا فذهنه مشوش إذ أن عمران اليوم بدى مختلفا جدا بالنسبة له.

حرك رأسه بعنف طاردا جميع الأفكار التي تشوش عقله وجلس يكتب تفسيرات الرموز التي توصلوا إليها في مذكرته ويمرر عيناه بين الصور التي التقطها عمران سابقا...

«لادن»

إذا افترضنا أن المقصد بالقبضة هو الرقم صفر واليد الأخرى رقم سبعة فسنحصل على استنتاج الرقم سبعين إذا قلبنا الأيد؛ أي أن المشتبه بهم هم من فوق السبعين عاما (دون هذا)  ولكن...  الضربة كانت أقوى من أي يفتلعها شيخ في عقده السابع... لذا أرى هذه النظرية مستبعدة.

(لمع في ذهنه تفسير جديد)  ماذا إن كان الصفر أمام السبعة هكذا 07 والمقصد بها رياضة ما؟ 

إذا علينا البحث عن كل من لهم علاقة بالصحية ويلعبون أي نوع من الرياضة ويحملون رقم سبعة؟  ولكن لن يكون الصفر من الفراغ!

أو ربما يقصد به القوة؟  (دون ذلك)

•••

قطع حبل استنتاجاته صوت المفتش نَبيه وهو يحاول تحليل الرسالة وتفسيرها:

_لو افترضنا أنها تدل على علامة صح (√) ربما تدل على شيء يخص العمل، كعلامة تجارية، أو رمزية لأحد العمال؟

_ماذا عن القبضة؟  (سأل لادن باهتمام)

أجاب بيأس:

_لا أعلم بشأن ذلك.

دخل المفتش جهاد في الحديث ملقيا تحليله:

_أما أنا فيخبرني حدسي أن يده اليمنى تشير لحرف L باللغة الإنجليزية، وأظن أن القبضة لها تفسير غير دلالة القوة، شيء آخر، وأيضا، أشعر أنه أحد العمال، ربما يحقد على مديره، أو شيء كهذا.

تذكر لادن تفسيره الأول عند رؤية اليد:

_أو ربما القبضة تشير للقوة بالفعل، أما اليد فتشير للمسدس أنه سلاح الجريمة؟

_لا أظن ذلك «علق المفتش نَبيه»

_لم؟

_لا وجود لرصاصة في رأس الضحبة بل من الواضح أنه ضرب بشيء حاد.

_لكن المسدس يمكن أن يكون قاتلا!

استنتج جهاد بعض الأمور من كلامهما لهو لم يشاهد الجثة في البداية، لكنه فهم قليلا ما يجري، وسأل زميله ليتأكد من شيء ما:

_هل بدا أنه ضُرب عدة مرات؟

نفى الآخر معلقا:

_كلا، بل ضربة واحدة كانت قاضية على ما يبدو.

زفر لادن بضيق قبل أن يقول:

_لدينا عدة مشتبهين، الموظفون لدى الضحية، الشيوخ الذين بلغوا عقدهم السبعين ولهم علاقة بالضحية، وأصحاب الرياضات الذين يحملون الرقم سبعة وبالطبع ذوي علاقة بالضحية.

رفع الآخران حاجبيهما باستغراب متسائلين معا:

_ما قصة آخر استنتاجين؟

شرح لهما ما توصل إليه من تفسير عمران السابق عندما رأى الجثة، وقد أبديا اقتناعا بالنظرية الثانية، أما نظرية السبعين عاما لقد استبعداها كليا لكنهما لم يعترضا عن البحث فيها.

•من جهة أخرى•

ما إن خرج عمران من منزل الضحية حتى توجه ببطء نحو السيارة، ممسكا رأسه وكأنه يحاول التحكم في الصداع... إنها المرة الأولى التي يؤلمه بهذه الطريقة عند تذكره أي شيء يخص والده تحديدا موته.

ركب وأراح بظهره على الكرسي يحاول لملمة أفكاره... لم ييأس من تذكر جهاد، حاول بكل طاقته متجاهلا الألم الذي ينتابه بسبب إرغام نفسه بالتذكر، كان يقود سيارته ببطء، دون تركيز، لم يكن الشخص ذاته، ويكأن أحدهم قد تلبسه، بدا ضعيفا، مرهقا، متعبا، مكسورا، تلاشت تلك الملامح الجامدة ليحل محلها الوهن.

أقام عموده الفقري مجددا في محاولة التركيز على القيادة بسبب تكرر أصوات المزامير التي اخترقت أذنيه وزادت حجم صداعه.

وصل لمشفى الأعصاب بأعجوبة، نزل من سيارته والصداع يشتد عليه أكثر، كما شعر بنبضات قلبه تتسارع بشكل مفاجئ، ثم بدأت الرؤية تتلاشى، كل شيء بدأ ضبابيا في البداية، بعد ذلك... تحول ما حوله إلى سواد!

•••    •••     •••    •••

بالعودة للقضية:

كان لادن يقف أمام عشرة أشخاص حائرا كيف سيخرج الجاني من بينهم؟

خمسة منهم كانوا رياضيين يحملون الرقم سبعة، واثنان في عقدهما السابع، وثلاث من موظفي شركة الضحية، سكرتيره واثنان آخران علاقتهما مضربة بالضحية كباقي المشتبه بهم.

همس لادن في نفسه:«لحسن الحظ أنهم عشرة فقط»

قام هو والمفتش نبيه باستجوابهم على انفراد في حين كان جهاد يراقب كل شيء بصمت مركزا مع تحليلات ابنه.

استمر التحقيق لثلاث ساعات حتى أوشكت الشمس أن تغرب ولكثرة المشتبه بهم لم يستطيعوا إبقاءهم، لذا سمحوا لهم بالمغادرة وإكمال التحقيق غدا.

أردف لادن وهو يفتح هاتفه:

_سأتصل بعمران لأطمأن عليه.

أومآ له، وانتظر ثلاثتهم رد الطرف الآخر لكن دون جدوى.

انتابهم القلق ليقول جهاد في محاولة طمأنة نفوسهم:

_لعله نائم في منزله

لم تكن كلماته صادقة وقد شعر الآخران بذلك لكنهما حاولا طمأنت نفسيهما بها؛ لذا وليتأكد لادن من استنتاج والده اتصل بأخته:

_االسلام عليكم ورحمة الله

_وعليك السلام (استطردت مستغربة)  ما بال نبرة صوتك؟

_أريد طلبا منك يا لين.

فاجأها مناداة شقيقها لها باسمها الصريح، فليس من عادته إلا مناداتها ليلي أو كاتبتي، لذا شعرت أن في الأمر أهمية، فأردفت بقلق:

_خيرا؟

تنهد مردفا:

_اتصلي برنيم، واسأليها إن كان شقيقها في المنزل.

ابتلعت الأخرى ريقها بصعوبة قبل أن ترد بصوت متردد:

_أليس معك؟ لقد كانت تتصل بي قبل قليل وتسألني إن كنت عدت لأن شقيقها لم يعد بعد وخشيت أن تزعجه إن اتصلت به؛ لذا... أرادت التأكد إن كنتما لا تزالان تعملان فأخبرتها أنك لم تعد بعد!

تابعت بوجل وقد لاحظ مليا ارتعاشة صوتها:

_ما عساي أخبرها الآن؟ اختفا شقيقها؟ لقد غربت الشمس يا لادن وهي ووالدتها وحدهما في المنزل!

حاول التماسك وقال بهدوء متصنعا قوة رغم شدة قلقه:

_لا تقلقي بشأن ذلك (نظر لوالده وتابع)  سيمر أبي عليك أنت وأمي ويأخذكما هناك لتؤنساهما وسيبقى هو خارجا مع المفتش نبيه حتى يعود عمران، سأذهب للبحث عنه وسأجده إن شاء الله!

لم تجد ما تقوله فتابع مطمئنا:

_لا تقلقي، سيعود لهما سالما، أعلم أنك تخشين أن تبقيا وحدهما، لذا اطمئني، الله معنا ولن يتركنا.

ودعها ثم أغلق الخط ونظر للآخرين اللذين فهما ما يجري دون اتتظار تفسيره.

تحدث والده بحزم:

_حسنا، مفتش نبيه، سأرسل لك عنوان منزل عمران.

نفى الآخر:

_لا أزال أذكره.

رفع لادن حاجبه باستغراب:

_أزرت عمران قبلا؟

_ليس هو، بل والده.

وقبل أن يخوضا في حديث طويل استعجلهما جهاد ليذهب كل لمهمته.

•••    •••    •••    •••    •••

عند رنيم...

كانت تجلس قرب والدتها بصمت، تنتظر معها عودة شقيقها، حتى أتاها اتصال من لين فأجابت وقد أحست بوخوات في صدرها:

_السلام عليكم، خيرا لينو؟

أجابتها بصوت يحاول التماسك ويصطنع هدوءا كاذبا:

_خير خير، بخصوص عمران، اتصلت بلادن وقال أنهما في قضية مهمة وقد يتأخران في العودة.

علقت بلطف:

_شكرا لك لينو، أتعبتك معي.

_كلا!  (انفعلت قليلا بعفوية ثم تابعت بهدوء)  سآتي مع أمي لنبقى معك قليلا ريثما الشابان.

لم تطمئن رنيم لهذه الكلمات وسألت:

_ماذا عن والدك؟

ابتسمت مجيبة:

_سيبقى مع المفتش خارجا في السيارة.

_ولكن!   (اعترضت رنيم بغير رضى)

مازحتها قائلة لتخفف من التوتر:

_ألا تريدين أن تتعرف والدتانا؟ الفرص لا تأتي كثيرا.

وافقت الأخرى رغم شعورها بأن شيئا ما قد حد ولكن لين تخفيه عنها، لم ترد مناقشتنا لمعرفتها بشدة تعلقها برأيها.

•••    •••    •••    •••    •••    •••

أما عند لادن فقد وصلته رسالة نصية من شقيقته مفادها «آسفة، لم أستطع إخبارها بالحقيقة، كذبت عليها وأخبرتها أنكما في قضية وستتأخران في العودة، وباقي الأمور أخبرتها بها بصدق... لادن، كن بخير يا أخي، حماك الله ويسر أمرك في البحث عنه.»

1

ما إن رأى رسالتها حتى اتصل مجددا بعمران على أمل أن يرد عليه ولقد شاء الله أن يحقق له ما أراد...

٠٠٠    •••   ٠٠٠    •••   ٠٠٠

وهكذا انتهى الفصل الثاني 🤭

كيف كان؟

1

وما توقعاتكم للقادم؟ 👀

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسير الذكريات

المؤلف البروء
2025/10/12 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة