أريد أن أعرف!

أريد أن أعرف!

18 0

في غرفة واسعة، ذات سريرين طبيين بغطائين زرقاوين، يفصل بينهما ستار بلون أزرق خافت كلون الأغطية، رائحة التعقيم داعبت أنف لادن ليفتّح عيناه بتعب، بألم شديد في كامل عظامه، نظر عن يمينه فرأى الستار لذا فتحه حتى نهايته ليرى ما خلفه، فإذا بعمران مضجع على السرير الآخر، يحملق في السقف شاردا، ليقطع حبل أفكاره صوت زميله بنبرة قلقة:

_هل أنت بخير عمران؟

التفت الآخر برأسه نحو الصوت وقد ارتفع حاجباه مع طرف شفتيه الأيمن وعلق ساخرا:

_ألن تكف عن القلق على الآخرين؟  انظر لنفسك كم أنت مليء بالكدمات!

تجاهل كلماته وأعاد سؤاله مجددا:

_هل أنت بخير؟

1

زفر الآخر بسبب إصرار لادن وأردف ببساطة رافعا كتفيه ومنزلا لهما ببرود:

_نعم.

_نعم؟(علق ساخرا) إذا ما بالك هذه الأيام؟

_انسى الأمر (جلس) على كل حال، كيف تشعر؟

شد لادن قبضته بقوة  مظهرا عضلاته وهو يقول مازحا:

_بأفضل حال!

نظر له بتهكم:

_انظر لتعابير الألم على وجهك!

ضحك لادن بخفة ثم حل بينهما صمت ثقيل يحمل خلفه من الكلام الكثير...

أحدهما يحاول جاهدا فهم رفيقه، محاولا التقرب منه، زرع الثقة بينهما، والآخر يكتفي بوضع حواجز مع الجميع، كأنه يكره التقرب من أحد، ربما يخاف أن يتعلق بشخص ثم يموت كما مات والده، عقله مشوش، تلك الذكرى بدت تظهر شيئا فشيئا، لكن ما ارتجف له قلبه هو كلمة «يا بني»، لقد عرف جيدأ أن صاحب تلك الدماء هو والده، لكن متى وأين؟  ولم هو هناك؟ هذا ما لا يذكره... أو يخشى أن يتذكره!

تنفس بعمق ثم أخرج زفيره ببطء، كرر العملية عدة مرات تحت أنظار لادن الذي لم تفارق عيناه وجه الآخر باستغراب وكثير من القلق... هذه طبيعته، يقلق على كل من يعرفه، مهما كانت مكانته منه، بعيدا أو قريبا، أخا أو صديقا أو زميلا أو جتى شحص عرفه منذ ساعة فقط!

في تلك اللحظة دخل المفتشان بابتسامة هادئة وألقيا السلام ليرد المحققان عليها باحترام.

تحدث المفتش جهاد:

_كيف حالكما؟

_الحمد لله (أجاب لادن مبتسما ليريح والده فهو يعلم أنه قلق وإن لم يبدِ ذلك)

ليقول عمران بملامح حادة وقد حاصرت عيناه وجه المفتش السائل:

_ما الذي تخفيه عني؟

انبسطت شفتي الآخر لتظهر تبسيمة صغيرة عليهما وهو يخرج إجابته مفرقا إياهما:

_لا تستبق الأحداث، ستتذكرني عاجلا أو آجلا.

_أريد أن أعرف الآن! (صاح بانفعال)

صدمة اعتلت وجوههم جميعا، عمران يصرخ؟ ينفعل بهذه الطريقة؟  يرفع صوته على صوت من هو في مثل سن والده؟  أهذا عمران حقا؟  الشاب البارد، الذي يتميز صوته بهدوء؟ بل الذي يحترم من يكبره ويصغره؟ من يتحدث بأدب مع من هم أعلى منه شأنا؟

شعر لادن بالإهانة في تصرف زميله، فمهما كان موقفه الذي جعل منه يرفع صوته، لا يحق له ذلك، يبدو كما لو أنه لم يحترم أحدا من الموجودين؛ لذلك قال بنبرة حازمة وإن تخللها بعض العتاب:

_عمران، أنت صديقي نعم، ولكن لا أسمح لك بالتحدث بهذه الطريقة مع والدي!

وعى عمران موقفه وكأن من تحدث لم يكن هو، اكتفى بالصمت، لم يعلق، ولم يعتذر، شعر أن لا أحد هنا يفهمه، لكنه أخطأ في ظنه، فأحدهم ذاق ذات الكأس المرة وإن كانت أقل مرارة منه، إلا أنه وضع في موقفه تماما، الفارق بينهما أن عمران لا يذكر الحادث في حين أن جهاد يتذكره تماما، تلك الحادثة التي كانت سببا في ابتعاده عن الشرطة، الحادثة التي فقد فيها صديقه الأول، رفيق دربه، وأنيسه وأول من وضع الثقة به.

اقترب جهاد بخطوات ثابتة، جلس على السرير قرب ابن صديقه، تاركا الحيرة في وجه ابنه والمفتش نبيه.

تحدث بصوت حنون شابه الحزن:

_بني، عليك أن تترك الذكريات تأتيك وحدها، فتذكرها دفعة واحدة سيؤذيك.

شد قبضتيه بغضب رغم محاولته ضبط أعصابه وتهدئتها:

_أو تظنني لا أتألم الآن؟

لم يجبه، أو ربما لم يجد بما يواسيه، بما يريحه، لا كلمات يمكنها التخفيف عنه الآن، لذا أراد التهوين عنه بأي شيء، فضمه إليه بهدوء، زارعا الصدمة في وجوه الجميع، حتى في وجه عمران الذي شعر بشيء غريب، ألم، دفء، مزيج بينهما؟

ذكرى جديدة تظهر في ذهنه، الدماء التي تناثرت على ملابسه يومها، ودموعه التي بللت ملابس رجل يحمل هذه الرائحة، نعم، هذه الرائحة ذاتها، الحضن ذاته... هذا يعني أن تلك الحادثة، كان بها جهاد!

هذا الحضن كان بمثابة صعقة جديدة أصابت عقل عمران ليعتريه صداع قوي مجددا، وهي يتذكر صوت بكائه الذي شابته كلمات ذاك الرجل الذي لا بد أنه المفتش «كن قويا، والدك ذاهب إلى مكان أفضل بإذن الله»  تلك الكلمات المرتعشة التي خرجت من فيهه، أظهرت تأثره ومحاولة تماسكه!

ابتعد عمران بوجه مصدوم، وعينان غائرتان، وثغر يحاول إخراج الكلمات، لم يتذكر كل شيء، لكنه بات يعرف أي التقى هذا الرجل أمامه، ومتى، ربما لا يتذكر بعد أين كان، لكنه سيعرف قريبا بلا شك!

خرج لادن والمفتش نَبيه إثر إشارة من جهاد، ليختلي بعمران وحده، فيبدو أنه يعرف جيدا أن الشاب الذي أمامه يكره أن يبدو ضعيفا أمام أيا كان لكنه منهار بشكل لا يصدق؛ ففي مثل هذه اللحظة حتى أرسى الجبال وأكثرها ثباتا قد تنهار وتنسف!

_إذا يا عمران، ما الذي تذكره تماما؟

أجابه الآخر شاردا، سارحا بخياله، مسافرا داخل عقله إلى تلك الحادثة، بصوت امتلأ حزنا وغيظا، وعينين خلا منهما أي بريق، فقط نظرة حزينة استقرت فيهما:

_دماء، أبي، أنت، مسدس، أنا، همهمات، صوت بكاء؛ إنه صوتي!

أنهى كلماته بنبرة هادئة تخللتها ارتعاشة صغيرة لا يشعر بها سوى من جرب إخفاءها.

أومأ الرجل متفهما، لم يرد الإثقال عليه، لذا التزم الصمت، انتظره هو ليتحدث من تلقاء نفسه، دون إرغام... صحيح أنه انتظر طويلا لكن ليس للأبد، إذ قال الشاب متسائلا بعينين تسبحان في الفراغ بلا هدف وصوت مثقل بالهموم:

_كنتُ هناك، هل أنا السبب في موته؟

ارتعادة سريعة سرت في أطراف الآخر، هذا السؤال هو أكثر ما يخشى سماعه، لم يجب، ولم يستطع النطق حتى، فأتاه صوت عمران ملحا:

_هل أنا السبب؟!

مر طيف ابتسامة حزين على ثغره، يده ارتفعت ببطء لتحل فوق يد الشاب الذي تغير فجأة، كلمة صغيرة حملت معنى كبيرا، خرجت إجابته موجزة، بنبرة هادئة وقد تمثلت صورة صديقه في خياله:

_كلا.

من جهة أخرى...

عاد لادن إلى منزله لتتلقاه أمه بقلق:

_كيف حالك؟ لم خرجت من المشفى؟

قبل يدها مجيبا بصوته الهادئ:

_أنا بخير والحمد لله، أساسا لا أدري لم أخذوني للمشفى (ابتسم ممازحا)

ما إن أنهى جملته حتى تلقى ضربة  قوية على ظهره من أخته ليتأوه متألما لصوت مرتفع  ويقول معاتبا وهو يلتفت للخلف ليقابل صاحبة الضربة:

_ليلي! 

_ألم تقل أنك بخير ولم تكن بحاجة للمشفى؟  (علقت بتهكم) أحببت إختبارك فقط.

زفر بضيق ثم ضرب مؤخرة رقبتها بكف يده برفق قائلا:

_لن أردها بلطف في المرة القادمة.

ضحك بخفة فنظرت له باستهزاء، في حين ابتسمت والدتهما وهي تراقب تصرفاتهما الصبيانية، مرة تراهما كالروح الواحدة متفاهمان إلى حد كبير، ومرة تراهما كالنار والماء لا يجتمعان...

غادرت لتكمل عملها تاركة ابنيها أمام باب المطبخ.

_على كل حال، هل تريد أن أصنع لك شيئا تأكله؟

أجاب مبتسما:

_حبذا (وضع كفه على معدته) إني جائع.

_حسنا إذا أمهلني ساعة وسأعد لك عشاء لذيذا (ابتسمت بثقة ودخلت المطبخ)

تمتم لنفسه:

_أتوق لذلك (ذهب لغرفته)

اضجع على السرير محدثا نفسه...

«لادن»

أنهيت قضية السيد بسام لكن.. ماذا عن عمران؟

متى سأحل لغز الغموض حوله؟ متى سأكتشف شخصه؟

شخصيته الغريبة، الباردة غالبا والقلقة أحيانا!

ماذا جرى في الماضي؟

ما الذي يخفيه مع والدي من أسرار؟

(اتسعت حدقتا عينيه)

مهلا لادن!  ما شأنك أنت؟ لم تتدخل في ما لا يعنيك؟

لكن عمران... صديقي

صديقي؟ أحقا هو كذلك؟ أيعدني بمنزلة الصديق صدقا؟

توقف عن التفكير في هذا وركز كيف ستساعده!

أنت شرطي، مهمتك مساعدة من يحتاج المساعدة، لست بحاجة إلى صلة بالشخص!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

احم احم🤭

انتهى الفصل

ما رأيكم؟

بات ماضي عمران يتضح شيئا فشيئا؛ أيا ترى كيف ستظهر الحقيقة؟ 👀

انتظروني في الفصل القادم يوم الإربعاء إن شاء الله

السلام عليكم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسير الذكريات

المؤلف البروء
2025/10/12 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة