لم تتغير

لم تتغير

21 0

_سيد جهاد، ما علاقتك بوالدي؟

1

ابتسامة صغيرة أخذت تتجلى ببطء على ثغر المسؤول، وتقدم بخطى بطيئة يسمع وطؤها في الآذان نحو ذلك السائل، واضعا يده برفق على الكتف المثقل بالهموم، مربتا في محاولة تهدئة الهيجان الذي يشعر به عمران داخل عقله.

أردف بهدوء ورزانة، بنبرة حملت في طياتها معانٍ لم تُقل، وكلمات لم تظهر:

_دعك من هذا، وأرح عقلك الآن.

تجاوزه متوجها نحو لادن:

_اتصل بِلين وأخبرها أن وقت العودة للمنزل قد حان.

أومأ الآخر وعيناه تلحقان والده الذي عاد لسيارته:

_إلى أين؟

أجابه وقد نظر لزميله المفتش نَبيه ثم هم بصعود السيارة:

_سأبقى في المركز لأحقق في القضية.

_وحدك؟  (سأله ابنه)

أجاب المفتش نبيه بدلا عنه:

_كلا، سأذهب معه أنا.

صعد المفتشان سيارتيهما ثم غادرا معا ليبقى عمران شارد الذهن، متأملا كلمات جهاد.

سأل نفسه «كيف أريح عقلي؟»«أيعني هذا حقا؟!»

أطلق زفيرا حادا في حين ابتسم لادن وهو يربت على ظهره برفق بيده اليمنى ويفتح هاتفه ليتصل بأخته باليد الأخرى:

_عليك أن ترتاح، ستتذكر  حتما ولكن لا ترهق نفسك...

وقبل أن يُعلق فُتح خط الهاتف ليتحدث لادن مبتسما:

_السلام عليكم... لين، أنا بانتظاركما في السيارة.

_وعليكم السلام، هل عمران معك؟ رنيم ووالدتها قلقتان عليه.

_نعم (ابتسم بخفة متابعا) لن يستطيع الدخول وأنتما هناك.

_أوه، صحيح، سنأتي حالا

«أغلقت الخط»

أشار عمران للآخر إلى كرسي بعيد بعض الشيء عن السيارتين فذهبا هناك، وجلسا بصمت لفترة وجيزة قبل أن يتحدث عمران بنبرة هادئة مترددة:

_هل أبدو ضعيفا لك؟ هل تشعر أنك خدعت بعمران البارد الذي لا تتغير تعابير وجهه مهما حدث؟

رمش الآخر عدة مرات مستنكرا، لم يفهم مغزى السؤال، وقد استقرت ابتسامة ساخرة على شفتيه إثر ما سمع من كلمات:

_ما الذي تهذي به؟ لا زلت عمران (ابتسم)  زميلي، منافسي، وصديقي أيضا... لم تتغير!

_ولكن...

زفر الآخر بضيق:

_جميعنا نمر بالضعف، بلحظات نتمنى لو نطلق صرخة بها كل ما يضيق به صدورنا، نشعر أننا كالبعير الذي قسمت ظهره قشة!

كان في جعبته الكثير من الكلمات المواسية لكن اتصال أخته منعه:

_ما الأمر ليلي؟  (أردف معاتبا)

1

أتاه صوتها ساخرا وهي تجيبه:

_ما الأمر؟ أخبرتني أن نذهب للسيارة يا سيد، ثم دع الشاب يرى أخته وأمه وتعال عد بنا للمنزل!

لم يستطع منع تلك الضحكة التي فرت من بين شفتيه:

_حاضر، حاضر!

(أغلق الخط)

_عن إذنك عمران (ربت على كتفه) اعتنِ بنفسك.

تركه وغادر إلى سيارته، في حين ذهب الآخر بدوره وتوجه نحو منزله.

في السيارة...

صعد لادن وألقى السلام ليردا عليه ثم تسأله لين بلهفة القلق:

_أكل شيء بخير؟

ضحك بخفة مجيبا وهو ينطلق بسيارته نحو المنزل:

_ألم تكوني غاضبة مني قبل قليل؟

تذمرت:

_ليس غضبا، بل رد فعل فقط!

_أوه، رد فعل إذا (أومأ ضاحكا)

_لا تتشاجرا (تحدث والدتها بهدوء)

أجابا معا بانفعال:

_لا نتشاجر!

٠٠٠••٠٠٠••٠٠٠••٠٠٠••٠٠٠

دخل عمران بخطوات ثابتة، تحول تفكيره من محاولة تذكر ما جرى في الماضي، إلى كم القلق الذي سببه لعائلته اليوم؛ وبسبب ذلك تلاشى بعض الصداع الذي كان يسيطر عليه إثر انشغاله بشيء آخر.

وقف أمامها بعينين شاردتين، وقال بصوت متنهد:

_السلام عليكم، آسف لإقلاقكما.

قفزت رنيم تجاهه بسعادة فور رؤيتها له، اتجهت نحو شقيقها واحتضنته بقوة وهي تقول:

_الحمد لله أنك بخير، الحمد لله!

تفاجأ الآخر، وقف متسمرا كمن ثبتت أقدامه في الأرض، كل ذرة في جسده توقفت عن العمل من الصدمة، ليس معتادا على مثل هذه اللحظات العاطفية، كانت عيناه موجهتان نحو أمه بحيرة.

تبسمت له بلطف باعثة في نفسه بعض الراحة، فالإنسان في لحظات ضعفه يتأثر بأبسط الكلمات، الأفعال، وحتى الإشارات.

ابتعدت رنيم عنه وعيناها تتفقدانه بقلق وهي تقول:

_هل أنت بخير؟

أومأ متصنعا ابتسامة صغيرة ثم اقترب من أمه مقبلا جبينها ويدها اليمنى بلطف دون أن يجد كلمات مناسبة يعتذر بها عن القلق الذي سببه، لكن والدته وضعت إحدا يديها تحت يده والأخرى فوقها وقالت:

_حمدا لله على سلامتك بني.

أبعدت يديها بلطف ليجلس هو على الأريكة المجاورة لأمه، ويريح بظهره عليها ورأسه للخلف.

كانت رنيم تراقبه بصمت قبل أن تلاحظ الإرهاق البادي على وجه شقيقها وتتوجه للمطبخ راكضة لتحضره له كوب ماء بارد وتناوله إياه.

_شكرا لك.

أمسكه وسم الله ثم شربه على مرات ثلاث، وأعطاها الكوب لتعيده للمطبخ، ثم تعود لتجلس مقابله.

_إذا، ماذا جرى يا بني؟ لم تأخرت في العودة؟  أحقا كنت تحل قضية مع لادن؟

استنتج من كلمات والدته أنه قد تم إخفاء الحقيقة عليها وعلى رنيم، لذا تبسم بهدوء مطمئنا لها:

_لقد كانت قضية صعبة، لم نحلها بعد، تحتاج جهدا كبيرا كما يبدو.

نظرا له بشك فاستطرد:

_ادعوا لي أن أحلها قريبا

كان يقصد قضيته الخاصة، قضية ذكرياته، ألمه، والده، السيد جهاد...

وقف مستأذنا:

_سأصلي العشاء ثم أنام، أشعر ببعض الإرهاق وعلي الاستيقاظ باكرا غدا لنكمل حل القضية.

أنهى كلماته بصدق وقبل أن يغادر لغرفته تذكر أمرا هاما ليقول متسائلا:

_أمي، هل آخذك للغرفة؟

تبسمت بهدوء مع طيف حزين تخلل ابتسامتها:

_نعم من فضلك.

اقترب منها ثم حملها برفق، وأخذها نحو غرفتها واضعا إياها على السرير بلطف.

_شكر لك يا بني، أتعبتك.

نفى بسرعة:

_لا تعب في مساعدتك، إنه القليل مما تفعلينه من أجلنا.

قبل يدها ثم خرج.

اعتاد حملها دائما، كأنه يحمل طفلته لا أمه، لم يتضايق من ذلك قط، فهو يرى كم تعبت أمه في سبيل جعله يعيش وأخته حياة جيدا؛ إذ أنها بعد وفاة زوجها بأربع سنوات قد أصابها شلل جزئي.

٠٠٠•••٠٠٠•••٠٠٠•••٠٠٠•••٠٠٠

كان المفتشان يراجعان أحداث قضية اليوم، ويقرآن ما دوناه، ويمعنان النظر في ما لديهما من صور لمسرح الجريمة.

تحدث نبيه بانفعال بعد أن ضاق ذرعا من هذه القضية الشائكة:

_كيف سنجد الجاني من بين كل المشتبه بهم؟!

لم يجبه زميله لينظر إليه متذمرا بسبب تجاهله له، لكن سرعان ما استغرب عندما لاحظ ابتسامة جهاد وهو يشكل بيديه ما شكله الضحية كرسالة احتضار.

_هل حللت اللغز؟

_نعم (تابع بثقة)  والقاتل أيضا، وسلاح الجريمة.

_حقا؟  (شهق بصدمة)  من هو؟

غمز له:

_دع كشف الستارة للغد، والآن علينا العودة لمنازلنا لأخذ قسط من الراحة.

كاد يغادر لولا صوت نبيه الذي أوقفه بنبرة متسائلة:

_بخصوص عمران، أتظنه تعرض لفقدان الذاكرة الانفصالي؟

أومأ مجيبا وهو يهم بالمغادرة:

_هذا محتمل، فهو لا يتذكرني، بالتالي لا أظنه يتذكر وفاة والده التي كانت أمام عينيه.

_هل ستخبره؟

نفى:

_عليه أن يعلم بنفسه بالتدريج، فالمصابون بهذا النوع من فقدان الذاكرة يتأذون بشدة عند محاولتهم أن يتذكروا مباشرة.

_هكذا إذا...  (علق بحزن)

ابتسم الآخر بخفة:

_لا تقلق عليه، سيكون بخير.

•••٠٠٠•••٠٠٠•••٠٠٠•••

عند لادن...

كان متكئا على سريره في غرفته هائما بين قضية اليوم المعلقة بلا حل، وبين ما يجري مع زميله...شعر وكأنه مسؤول عن حلهما معا،عن حل القضية وحل مشكلة عمران،لا يريد أن يشعره أن لا أحد مهتما، لطالما أراد أن يفهمه أنه يهتم به،ويهمه أمره،ويعده صديقا وليس مجرد زميل!

بعثر شعره بانفعال وجلس بعد أن كان مضجعا:

_يا الله، ساعدني!

أخرج زفيرا طرد معه كل شيء من عقله، ثم توضأ وصلى ركعتين دعا فيهما لله أن يلهمه ليكتشف لغز القضية ويساعد عمران في تفريج همه.

ما إن أنهى الصلاة، خرج من غرفته وتوجه نحو المطبخ ليجد لين تجلس على الكرسي ممسكة القلم بأصبعين شاردة في الدفتر على الطاولة أمامها.

سألها باهتمام:

_ماذا تكتبين؟

انتفضت لوهلة وعلقت بانفعال:

_أفزعتني!

ضحك بخفة:

_آسف...

تنهدت بهدوء ونفت:

_لا عليك (أعادت نظرها لدفترها) أحاول معرفة المجرم.

_هل تقرئين رواية؟

_بل أكتبها!

علق باستنكار:

_تكتبينها ولا تعرفين القاتل فيها؟

زفرت بضيق:

_خرجت الأمور عن سيطرتي!

1

ضحك بخفة على تصرفاتها، فهي تتعامل مع الكتابة كشيء حي، يتحكم بنفسه!

تقدم نحو الثلاجة وأخرج قنينة ماء باردة منها، ثم جلس على الكرسي قبالة أخته، وارتشف من الماء بعد التسمية، ثم أطلق نحوها بسؤال:

_لو كتبت روايتين معا، ثم شعرت بالضياع والتشتت، أي رواية ستكملين؟

نظرت له باستغراب ثم أجابت:

_سأكمل الرواية التي قطعت بها شوطا أكبر.

تأمل كلماتها قليلا ثم تبسم شاكرا لها وكأنه عرف أي طريق سيسلكه.

كاد يغادر لكنها استوقفته:

_ما مناسبة السؤال؟  هل تحل قضيتين في ذات الوقت أم ماذا؟

_شيء من هذا القبيل (تابع) ركزي على كتابتك الآن ولا تقلي بالا لي...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وها هو ذا الفصل الرابع يودعنا🤭

كيف كان الفصل؟

وما رأيكم بتطور العلاقة بين المحققين؟ 👀

1

وهل أنتم متشوقون لرؤية ماضي عمران وعلاقته بالمفتش جهاد؟ 👀

ماذا عن موقف لين؟ هل مررتم به قبل أن كتبتم قصة ولم تعرفوا الحدث التالي لها؟ 😂

الكثير من الأمور بالطريق 🤭

ــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسير الذكريات

المؤلف البروء
2025/10/12 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة